قال تعالى ﵎) وَجَعَلْناكُم شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعارَفُوا إنَ أكْرَمَكُمْ عِنْد اللهٍ أتْقَاكُم (قال: أحياء تَشَعَّبت، والقبائل والشُّعوب هي الفِرَقُ. وقيل في قوله تعالى) وَجَعلْناكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعارَفُوا (أي كل شعب، وهي بالكلام والهيئات، فيعرفُ بعضُهم بعضا، وفي تفسير الضّبَّيّ: لتعارفوا أي ليعرف كُلُّ أدنى واحد مِنْكُم نَسَبَه، فلا تختلط الأنساب، ولا يفتخر رجل بسبه على أخيه.
وعن ابن عباس قال: الشعوب من اليَمَن، والقبائل من مُضَر وَرِبيعة.
) إنّ أكْرَمَكُم عِنْدَ اللهْ أتْقَاكُمْ (قال: محمد ﷺ، وقيل نَزَلت في بِلالِ بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ، ويقال في سَلْمَانَ الفَارِسيّ والله أعلم.
وقال الخليل: الشَّعّب ما تشَعّب من قبائل العرب والعجم، والجميع شُّعُوب، ويقاب الشَّعْب بالفتح. الحيُّ العظيم الذي تَشَعَب منه القبائل، وتقول: الْتأم شَعْبُ بَني فُلان: أي كانوا مفترقين فاجتمعوا، وتقول تفرّق شَعْبُ بني فلان إذا كانوا مجتمعين فنفرَّقُوا قال الشاعر:
شتَ شَعب الحيِّ بعد الْتِئَام وشجاك اليوم ربع المقام
وقال بعضهم: شَعَبْتُ القومِ: أي فَّرقْتُ بينهم، وشعبت أي أصلحت بينهم. وكذلك شعَبَتُ إذا فَرَقْته، وشعبته إذا جمعته. قال: وهذا من الأضداد. وقال الخليل: هذا من عجائب الكَلاَم وَوَسْعِ العربية أن يكون الشَّعْبَ تُفَرُّقًا ويكون تَجَمَّعًا.
وعن الكلبي في رواية كتاب الأنساب أنه قال: إنما تُعْرَف الأنسابُ على ستِّ طبقات. فأولها شَعْبٌ وقَبِيلَةٌ، وعَمِارَةَ، وبَطنُ، وفَخِذُ، وفَصَيلةٌ. وما بينهما من الأبناء فإنما يعرفها أهلها، فُمضَرُ شَعَبُ، وربيعة شَعْبٌ وحِمْيَرُ شَعْبٌ وكَهْلاَنُ شَعْبُ، وكذلك ما سواها من القبائل الكبار. وأنما سُمِّيَت شَعْبٌ لأنَ القَبَائِلَ تَشَعَّبَت منها. وسُمَّيَت القبائل لأن العَمَائَر تَقَابَلَت عليها، والشعبُ يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارةُ تجمع البطن، والبطنُ يجمع الأفخاذ، والفخذ بجمع الفصيلة. فمضُرَ شَعْبُ، وكِنَانَةُ قبيلة، وقريش عِمَارَة، وقُصَيَّ بطن، وهاشم فَخِذٌ والعباس فَص يلَةٌ. وعلى هذا تجرى سائر القبائل.
[ ٣٩ ]
وحدث محمد بن حبيب الهاشمي، عن هاشم عن أبيه أنه قال: إنما وضعت الشُّعُوب والقَبَائِلُ، والعَمَائِرُ والبطون والأفخاذ والفصائل والعشائر على تركيب خَلْقِ الإنسان، فلذلك سمى الإنسان شُعُوبًا والشَّعب، لأن الجَسَد تشعب منه والقبائل وهو رأسه وهي الأطباق ثم العمائر وهو الصدر وفيه القلب. ثم البطون وهو البطن لأن فيه ما أستبطن الكَبِد والرَّئَة والطُّحال والأمعَاء، فصار مَسْكَنًا لها والفخذ أسفل البطن فصيلة: وهي الركبة لأنها انفصلت من الفخذ والعشائر: وهي الساقان والقدمان لأنها حَمَلت ما فوقها بالحُبِّ وحْسْن المعاشرة فلم يثقل عليها حمله.
وقال القَطَامِي: سميت العرب الشُّعُوب، لأنهم قيل لهم حين تَفَّرَقوا من أسماعيل بن إبراهيم، وقحطان بن هود بن عابر الشُّعُوب، وذلك حين تشعبوا. وقال الشاعر يذكر ذلك:
فَبادُوا بَعْدَ أمْنِهمُ وَكَانُوا شعوبا أشْعَبَت مِن بَعْدِ عاد
ثم القبائل حين تقابلوا ونظر بعضهم إلى بعض في حِلَّة واحدة، وكانوا كقبائل الرأس. العمائر: حين عَمَّرُوا الأرض وسَكَنُوها.
قال رجل من بني عمرو بن عامر ربيعة بن صعصعة يقال له فزارة لحَيَّيْن من محارب يقال لهما عامر ومساجم بالجحيم قال:
عمائِر من دون القَب يلِ أبُوُهم نَفَاهُم إلَيْنا عَامِرٌ وَمَسَاجِد
ضممناهم ضمَ الكريم بنانه فنحنُ لَهُم سِلْمُ وإن لم يُسَالِمُوا
وبدأت في الأنساب بذكر معد بن عدنان، وقدمته على يَعْربُ بن قَحْطَان إذ كان منهم خَاتَمُ النَّبَيَّين وإمام المرسلين، وسيد الأولين والآخرين محمد نبينا صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين وعترته المنتجبين. وإن كان بعضُ أهل النَّسَب قد قدَّموا يَعْرُب بن قَحْطَان على نَسَبِ مَعَدّ بن عَدْنَان وسائر إخوته من ولد إبراهيم ﵇، واحتج في ذلك بأن يَعْرُب بن قحطان أوّل من تكلم بالعربية حين تَبَلْبَلَت الأَلْسُن بِبَابل، وقد كان اللسان العربيّ من قبل ذلك في ولد إرم بن سام دون ولد أرْفَخْشَذ بن سام، فإنهم كانوا يتكلمون بالسُّرْيَانيُّة إلى زمن إبراهيم الخليل ﵇، ثم تعلمها إسماعيل ﵇ من جُرْهُم بن قَحْطان، وهم يومئذ بمكة، ولم يزل اللسان العربيْ في ولد إرم بن سام بن نوح إلى زمن هودٍ ﵇، وقوم عاد، وثمود بن عابر، وقحطان بن هود إلى زمن يَعْرُب بن قحطان، وتبَلْبَلت الألسن بِبَابل حِين جَمَعهم نُمْرُود بن كنعان بن ماش بن إرم بن سام بن نوح، وهو صاحب إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، وهو الذي بنى الصَّرْحَ ببابل وملك خمسمائة سنة، وفي زمانه فَرَّق الله الألسنَة، وذلك أنه دعا الناس إلى عبادة الأوثان. وقد كانوا على الإسلام - فجمعهم ببِابل ودعاهم، ففعلوا وأجابوه، فأمسوا وكلامهم السُّرْيانّية، ثم أصبحوا وقد بَلْبَل الله ألسِنَتَهم، فجعل لا يَعْرفُ بعضهُم كلامَ بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لسانا ولبني حام ثمانية عشر لسانا ولبني يافث ستة وثلاثون لسانا، وفَهَّمَ الله يَعْرب بن قحطان العربيَّة، وهو أوّل من نَطَق بها، وفهمها الناس، وأول من فهمها من بعدهم جُرْهُم بن قَحْطان، وكانت جُرْهم والعَمَاليق وطَسْم وجَدِيس يتكلَّمون بهذا اللسان العربي ويعرب بن قحطان أول من تكلَّم بالعربية، وإلى اسمه نُسِبَ اللسان العربي وسمى عربيا إذ نسب إلى يَعْرُب بن قحطان. والدليل على أن أصل اللَّسان العربي اليَمَن دونَ غيرهم لأنهم يقال لهم العَرَب العَارَبَةِ، ويقال لغيرهم المُعَرَّبَة، يَزادُ الداخلة في العرب المتعلمة منهم، وكذلك معنى التَّفَعُّل في اللغة، يقال تَنَزَّرَ الرجل إذا دخل في نزار، وتمَضَّر إذا دخل في مُصرّ، وتَقَّيس إذا دخل في قَيْس. وقال ذو الرمة إذا ما تَمَضَّرْنا فَمَا النَّاسُ مْثلُنا.
[ ٤٠ ]
وقال غيره: وقَيْسٌ وَعْيلاَنُ إذا ما تَقَيَّسا وكان عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، وعبيل بن عوص أخو عاد بن عَوْص، وثمود وجَديس وعِمْليق وطَسْم وهود وقحطان ويَعْرب عَرَبًا لِسَانُهم العربية، وهم العرب العَارِبَةٌ، وغيرهم من العرب يسمى العرب المتعربة لدخولهم فيها، وإنما أنطق الله يَعْرُب بن قحطان باللسان العربي حين تَبَلْبَلَت الألسنة بَبَابل. كما ذكرنا. فخرج في ولده ومن اتَّبعه عن بلاد العِراق وهو يُريُد اليَمَن، وأنشأ يقول:
أنا ابن قحطان الهمام الأقْيل الأيمن المعرب ذي التهلل
يا قوم سيروا في الرّعِيل الأوّل أنا البَدِيّ باللسان المُسَهّل
المنطق الأبين غير المُشْكِل فَسِرْتُ والأمة في تَبِلْبْلِ
مجرى عين الشَّمسِ في تهمل ولما أنطق الله يَعْرُب بالعربية علمها الناس، ولم يكونوا يفهمونها حتى أفهمهم إياها يعرب بن قحطان، وروى عن أبي ذر وأبي هريرة، أنهما سألا النبي ﷺ عن عدد الأنبياء عرّبِهِم وعَجَمِهم، وقال النبي ﷺ: الأنبياء سُرْيَانيُّون وعَرَبيُّون، فيهم أربعة من العَرَب، هُودٌ وشُعَيْب وصَالِح ونَبِيُّكَ يا أبا ذَرَّ.
وروى عن حذيفة بن اليمان وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ، رَوَوَا عنه ﵇ أنه قال: كان أبونا آدم ﵇ نَبِيًّا سُرْيانيا حَرَّاثًا، وكان إدريس ﵇ نَبِيًا سُرْيَانيًا خَيَّاطا، وكان نوح ﵇ نَبِيًَّا سُرْيَنِيًا نَجَّارًا. وكان هودًا ﵇ نَبِيَّا عَرِبيَّا حَرَّثًا.
وكان شُعَيَبَ نَبِيًَّا عَرَبيْا راعيًا. وكان صالح نَبِيَّا عَرَبيَّا. وكان إبراهيم نَبِيَّا بَزَّوِيَّا وفي نسخة بَزَّارًا.
قال: وسار ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح لولده وقال:
أنا الفتى الذي يُدعى ثمودا يا قوم سيروا ودعوا التَّردِيدا
لعلنا أن نُدْرِك الوُفُدا فنلحق البادي لنا الصِّنْديدا
ابن ابينا يعربُ الحَمِيدا فنزلوا الحِجْرَ إلى قرح، وهو وادي القرى، وبينهما ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجاز والشام، فأقاموا بها إلى أن بعث الله نبيه صالحا ﵇ فأُهْلِكُوا بعَقْرِهم النَّاقة.
وسار جديس بن عابر بن إرم بن سام بن نوح في ولده ومن اتَّبعه، وأنشا يقول:
أنا جديس والمُبَوَّا المسلكا فّذتْك نَفْسِي يا ثَمُودُ المهلكا
دَعَوْتَني وَقَدْ قَصَدْتُ نَحْوَكَا إذ سارت العيسُ فأبْدت شخصكا
وسار طسم بن لاوذ بن سام بن نوح وولده ومن اتَّبعه، وأنشأ يقول:
إني أنا طَسْمٌ وجدي سام سام بن نوح وهو الإمامْ
لما جفاني الأخ والأعمام قلت لنفسي الحَقِي سوام
أخاك عَمْلِيق ذوي الإقْدام وخلفي يافث وآلُ حَامْ
فنزلوا أيضًا جوّ إلى البحرين إلى عُمَان، وإنما سُميت جَوّ اليمامة، باليمامة بنت شَيَمْ بن طسم.
وكثرت جَدِيس وملكها الأسْوَدُ بن غَفَّار، وملك عمليق طَسْمَ وجَدِيس، وكان جبارًا عاتيا، يبدأ بالعروس قبل زَوْجها، ففعل ذلك بعُفَيْرةَ بنت غَفّار، فخرجت من عنده وهي تقول:
لا أحد أذَلّ مِنْ جَدِيس أهكذا يُفْعَل بالعَرْوس
فغضب أخوها الأسود وبايع قومه على الفَتْك بِعَمْليق وأهل بيته، فدعاهم إلى طعامه، ثم وثب به وبِطَسَم فَقَتَلهم وقال:
جاءت تميُس في دَم حميس كالريح في هشهشة اليبيس
يا طسم ما لاقيت من جديس فحق لك الويل فهيسي هيس
وهرب رجل من طسم يقال له رباح بن مرة، فاستغاث بذي حَسّان ابن تُبَّع الحِمْيَري ملك اليمن، فاستنجده، فسار وسار ذو حسان في حمير إلى جوا اليمامة، فقتل جديسا واخرب اليمامة وقال رباح الطَسْمي:
غَدَرَ الحيُّ جَدِيسَ بِطَسْم من دايُن ومدين
فأتْاهُم بيوم كيوم تركوا فيه مثلما ما تركوني
ليت طسما على منازلها تعلم أن قد قضيت عني ديوني
فَبَادَوُهم ذو حَسّان بن تُبَّع عن آخرهم.
[ ٤١ ]
وسار عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح بولده ومن اتبعه وأنشأ يقول:
لما رأيت الناس في تبلبل وسار منا ذو اللسان الأول
وجَدّمِنّا في اللحاق الأطول فسرت طُرَّبا السوام المهمل
ونزلوا أكناف الحَرام، ونزل بعضهم مِصْر، ومنهم الفراعنة.
وسار جُرْهُم بن قحطان بولده. وكانوا سيادة. إلى أن نزلوا مَكَّة، وقال مُضَاَُ بان عمرو الجُرَّهِمُيُّ:
هذا سَبيلي كَسَبيل يَعْرُب البادئ القول المبين المُعْرب
يا قَوْمُ سِيُروا غيْر فِعِل الأخْيب جُرْهُم جدي ثمَّ قحطان أبي
ثم لما كثُرت العماليق بأرض الشام سارت منهم سيارة عليهم السَّمَيْدَعُ بن هوين بن مازن بن لأي بن قَنْطُور بن الكَرْكَر بن حيان وهو يقول:
سيروا بني كركر في البلاد إلى أرى ذا الدهر في فساد
قَد سَار مِن قحطان ذُو الرشاد جُرهُم لما هدها العباد
فنزلوا الماء الذي أخرج الله لإسماعيل. ولم يعرفوا بذلك الموضع ماء. فسألوا أمّ إسماعيل في النزول معها في أسفل الوادي، فأذنت لهم، فسكنوا به وتَزَوجَّ إليهم إسماعيل، وتعلم اللسان العَرَبي منهم، فصار في ولده.
وروى أبن قُتيبة، عن أبي حاتم، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء قال: تسع قبائل: طَسمٌ، وجديس وجهينة وصُحَيم - ويقال بالخاء والميم - وخثعم، والعماليق، وقحطان، وجُرهم، وثمود.
وحدث الأصمعي، عن أبي الزناد، عن رجل من جُرهم قال: نحن بَدو من الخلق لا يشاركنا أحد في أنسابنا - يقول: من قِدمها - فهؤلاء قُدماء العَرَب الذين فَتَق الله ألسنتهم بهذا اللسان العربي وأنبيائهم عربٌ، وهم، هود، وصالح وشُعيب، ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين وقال الله ﷿) وَمَا أرسَلنا مِن رَسول إلا بلسان قومه ليبين لهم (وهو اللسان العربي الذي أنطق الله به آدم في الجنة، وهو كلام الملائكة، وكلام أهل الجنة إذا صاروا إليها ودخلوها، وهو قول الله ﷿) والملائكة يدخلون عليهم مِن كُلَّ بابٍ سلامُ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (.
وقد روي عنه أيضًا ﷺ أنه قال لسلمان الفارسي: يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك. قال سلمان: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: لا تبغض كلام العرب فتبغضني، وهو كان كلام آدم في الجنة، فلما غضب الله عليه وأُخرج من الجنة وأُسكن الأرض أُنسيه، فما تاب وتاب الله عليه تكلم به ﷺ.
وقد روى عبد الملك بن حبيب الأندلسي، عن عبد الله بن المغيرة، عن ثور بن يزيد بن خالد بن مَعدَان، عن كَعب الأحبار أنه قال: أول من نَطق بالشعر آدم ﵇ حين أُهبط إلى الأرض وقتل ابنه قابيل ابنه هابيل فقال:
تَغّضيرت البلادُ ومَن عَلَيها فَوجَهُ الأرض مُغبَرُّ قبيح
تغير كل ذي لون وطَعمٍ وقل بشاشة الوجه الصبيح
وقتل قابيل هابيلًا أخاه فوا أسفاه مضى الوجه المليح
ويا أسفا على هابيل ابلى قتيلا قد تضمنه الضريح
وجاورنا عدو ليس يفنى لَعِين لا يموت فنستريح
فهتف به ابليس لعنة الله فقال:
تنحَّ عن البلاد وساكنها وفي الفردوس ضاق بك الفَسيح
وكنت بها وزوجُك في رخاء وقلبك من أذى الدنيا مريح
فما انفكت مكايدي ومكري إلى أن فاتك الثمن الربيح
فلولا رحمة الجَّبار أضحى بكفك من جنان الخلد ريح
[ ٤٢ ]
قال كعب: لما طال بعد آدم ﵇ حُرَّف اللسان العربي فصار سُريانيًا، وإنما نسب إلى أرض سورى وهي أرض الجزيرة وبها نوح ﵇ وقومه قبل الغرق، وهو يشاكل اللسان العربي، إلا أنه مُحرَّف، وهو لسان أهل بادية الجزيرة غير من بها من العرب اليوم، وليس في جميع الألسن لسان إذا حوَّلته إلى اللسان العربي ما توافق ألفاظه من المقدم والمؤخر اللسان العربي إلا السرياني، وهو لسان جميع من كان في السفينة ما عدا رجل منهم يقال له جُرهُم كان لسانه اللسان الأول وهو العربي وهو أحد الستة والثلاثين رجلا الذين كانوا مع نوح في السفينة سوى ولده - قال عبد الملك بن حبيب. وكان ابن عباس كذلك يقول، وزيد ابن أسلم.
قال وكعب: فلما نزل نوح ومن معه من السفينة انتشروا في الأرض، وتزوج إرم بن سام بن نوح بعض بنات جُرهم، فمنه صار اللسان العربي في ولد إرم بن سام بن نوح، فولد إرم بن سام بن نوح عَوص بن إرم، وعابر بن إرَم، فعاد بن عَوص، وثمود بن عابر.
قال كعب: وباد جُرهم الأوّل وذريته، وسمي بعض ولد عاد باسمه جُرهم لأنه جَدَهم من قِبل الأم، وهو من ولد قحطان، ولذلك كان لسان جُرهم الأول عربيا، لأنه من ولد عَاد بن عَوص بن إرم بن سام بن نوح، وبقي اللسان السرياني في ولد ارفخشذ بن سام بن نوح فلذلك كان لسان ابراهيم ﵇، وكان من قبل ابائه سريانيا، لأنهم من ولد ارفخسذ بن سام من نوح وليسوا من ولد إرم بن سام بن نوح.
تمّ الأول. يتلوه أنسابُ العدنانية.
وسمَّيته كتاب مُوضّح الأنساب، لما أوضحت فيه من شكل ما ألتبس من الأنساب، وأختلف فيه علماءُ جهابذة النُّساب، ونظمته بابا إلى باب، ليعرف موضعه من الكتاب، وأتيت فيه بأسماء القبائل التي اختلف فيها، وما قيل في ذلك من الأشعار، وأثبت الحجة على من ادعى ذلك، وأوضحتها عليه بالذي قَدَرتُ من حديث رسول الله ﵌ - ما ستراه في أسماء القبائل المتَّفقة أسماؤهم من القبائل اليمانية والمَعَدَية، وأسماء الجماجم، والجماهير، والمختارات، وأسماء الأرجاء والأثافي والجَمَرات، وجعلته جامعا لما يُحتاج إليه من علم الأنساب إذ كان علم الأنساب يلزم كل من كان من قبائل العرب، ومن انتحل شيئا من فنون الأدب، لقول النبي ﷺ: تعلموا من أنسابكم ما تصلوا به أرحامكم ولقول عمر بن الخطاب ﵁: تعلموا النسب تصلوا به أرحامكم، ولا تكونوا كنبط السواد إذا سُئل أحدُهم من هو؟ قال من قرية كذا وكذا.
وروى عن جُبير بن مُطعم قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يقول: تَعَلمُوا أنسابكم، وصلوا أرحامكم، فوالله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه، ولو يعلم الذي بينه وبينه من مثاب الرحم وقرب دخيلة النسب لردعه ذلك من انتهاكه.
[ ٤٣ ]
وذكر شبيب بن شيبة قال كبينما نحن وُقُوفٌ وهو موقف الأشراف، وأعيان الناس بالبصرة إذ أقبل علينا عبد الله بن المُقفع فهششنا نحوه ولقيناه بالسلام، فأقبل علينا وقال: ما وافقكم على مُتُون دَوَابكم، فلو جَهِدَ الخليفة على جمعكم كهيائكم ماقدر على ذلك فهل لكم إلى المصير إلى دار بني يرين فَنَتَفيا في ظلها - فنعم المهاد هي - ونُريح الغلمان والدَّواب، ويأخذ بعضنا من بعض بحظه. فسارعنا إلى ذلك، فلما أخذ كل واحد منا موضعه من الأرض، أقبل علينا وقال لنا: أي الأمم أفضل؟ فقلنا: فارس، لمعرفتنا برأيه. فقال: لا، أولئك قومُ علموا فتعلموا. ونبهوا فاستيقظوا. وندبوا إلى شيء فبالجراء إن قاموا به. قلنا له: فالروم. فقال: كلا، أجسام وثيقة وأحلام ضعيفة. قلنا له، فالهند. قال: أصحاب حكمة لا تجاوز بلدهم. قلنا له: فالصين. قال: أصحاب تَرفق وصنعة، وليسوا هناك. قلنا له: فالترك. قال: كلاب هراش. قلنا له: فالقبط: قال: عَبيد عَصَى قلنا له: فالسودان. قال: بهائم أُهملت. فقلنا له: رددنا الأمر إليك، فأيهم أفضل أصلحك الله؟ قال العرب، فتلاحظناه بأعيننا، فأقبل علينا كالمُزبر. وقال: ظننتم أني أردت مُقاربتكم، كَلا والذي خَلَق الحبة وبرأ النسمة، ولكن كَرهت إن لم أكن من القوم أن لا يفوتني حَظي من الثواب، وأنا أبين لكم: أن العرب لا أوّل لها يؤمها ولا آخر لها يدلها، اصحاب بلد وقفر، وجَبَل وَعر، وإن أحدهم لفي فَيء من الأرض أوقنه من قُنن الجبال مع بعيره وشاته، يضيف الكرم كله عن آخره، لا يبقي منه شيئا، لا من كتاب علمه ولا من أحد فهمه. ثم علموا أن معشهم من السماء، فعلموا الانواء، وقسموا الأزمنة، وسموا الفصول بأسمائها، وسموا نباتا الأرض، وحرثوه وعرفوه، فعرفوا ما يُغَزِّ الألبان، ويعظم الأسمنة كالسَّعدان وغيره، وتجنبوا الخبيث منها، كالحمص والعنصل، ثم جعلوا بينهم كلامًا يجتذب دُرَّهُ اليتيم، ويهزُّ الكريم، ويخرج احدهم من ماله للمدحة، ويحمل نفسه على التلف أنفة، يجتنب من أن يُهجى، استخرجوا ذلك كله بصحة القريحة، لا مِن كتاب توارثوه، ولا من إمام حملوه، قرائح صحيحة وغرائز قوية، وعقول ثابتة، يحمون الذَّمار، ويحفظون الجار، ويطلبون الثأر ويؤثرون النار على العار، والفقر مع العز على الغنى والذل يأبون الضيم، ويُطعمون الضيف، ويحفظون أنسابهم ومآثر آبائهم، ما يُرضى أحدهم أقل مما يسخطه، يحلمون في موضع الحلم، ويجهلون في موضع الجهل، ولست بواجدٍ هذه في أحد من الأمم غيرهم، فعليكم بمعرفة أنساب العرب ومآثرها، فقد علمتم ماذكر عن نبيِّكم ﵇، وعن أصحابه بالحض على ذلك، وقد أخذ بعض الشعراء فقال:
ألا أيها الناس الذي العلم شأنه وبُغيَتُهم في أن يفكوا صعابها
عليكم بأنساب القبائل كلها مَعَدَّ وقحطان نصابها
لقول رسول الله صَلوا جميعكم عليه لتلقوا في الجنان ثوابها
فإن بها إيصال ما الله آمر بإيصاله فاسعوا وروموا طلابها
وفي مثل ذلك يقول الىخر:
يا طالبا لفنون العلم مجتهدا أقصد هُدِيت إلى رشد وإيمان
إن كنت ذا فطنة فيما تُحاوله مِنَ السمَّو إلى أعلى ذرى الشان
فكن لقول رسول الله مُتَبعا ترق العُلا وتُباهي كل إنسان
تَعَلموا نسب الأقوام إن به صلات أرحامكم فُزتم برضوان
[ ٤٤ ]
ثم نظمت. بعد تصنيف فنون أجناس علم الأنساب. أسماء ملوك الدنيا من لدن آدم ﵇ إلى سنة ثلاثمائة وخمس وأربعين من تاريخ الهجرة، هجرة النبي ﷺ وآله، وتاريخ أعمارهم، مثل التبابعة، وملوك الطوائف، والفرس، واليونانيين، وملوك كِنْدَة ولخم وغسّان، واسماء الخُلَفَاء وأعمارهم، إلى مثل ذلك التاريخ وأسماء المبتدعين للأشياء، وأضفت إلى ذلك أسماؤهم من أسماء الطَّيْر والسِّباع والهوام والنبات والصفات، لأن هولاء الذين هذه أسماؤهم من هذه القبائل التي ذكرنا في صدر نظمنا، فمتى ما رأيتَ اسمَ أحدهم فرفته وقبيلته، ومن أي بطن هو، أو فخذ، أو فصيلة فليستعن بهذا الكتاب عن طَلَبِ ذلك في غيره، وليستكمل الديوانُ الاسمَ الذي به سَّمْيَناه، ويتمّ على الحسب الذي لذلك نظمناه، والله المعين والموفق، وهو نعم المَوْلى ونعمَ النصير، وصلى الله على سيدنا محمد النبيّ وآله وسلم تسليما كثيرا.