رجعنا إلى ذكر الوفد الذين بعثهم قومهم يستسقون لهم حين بلغهم ما نزل بقومهم من العذاب، وما كان من أمرهم. قال: وخرج وفد عاد الذين بعثهم قومهم يستسقون لهم من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر العليقمي وابنه، فنزلوا عليه، فبينما هم عنده إذ اقبل راكب على ناقة في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر، فقالوا: أين فارقت هودًا وأصحابه؟ فقال: فارقتهم بساحل البحرن فكأنهم شكوا فيما حدثهم به. فقالت لهم هزيلة بنت بكر، صدق صدق ورب الكعبة، ومثوب بن يعفر ابن اخي معاوية بن بكر معهم.
وقد كان قيل. فيما يزعمون والله اعلم. لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد - وقيل بن عنز - حين دعوا بمكة: قد اعطيتم مناكم، فأختاروا لأنفسكم، إلا انه لا سبيل إلى الخلدن فإنه لابد من الموت. فقال مرثد بن سعد: يا رب أعطني برًا وصدقًازفأعطي ذلك.
[ ٣٢ ]
وقال لقمان بن عاد: أعطني ربي عمرًا، فقيل له: اختر لنفسك إلا انه لا سبيل إلى الخلد فقال: ابقاء أبعاد ضأن عٌفرٍ في جبل وعر، لا يناله القطر أم سبعة أنسر، إذا ما مضى نسر حولت إلى نسر؟ فأختار لقمان لنفسه النسور، فعمر لقمان فيما يزعمون عمر سبعة أنسر، يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات اخذ غيره، فلم يزل يفعل ذلك حتى اتى إلى السابع وكان كل نسر يعيش فيما يزعمون. ثمانين سنة، فلما لم يبق غير السابع، قال اخرج ابن اخ للقمان: أي عم ما بقى من عمرك إلى عمر هذا النسر. فقال له لقمان: أي ابن اخي، هذا لبد ولبد بلسانهم الدهر. فلما ادرك نسر لقمان وانقضى عمر طارت النسور غذاة من رأس الجبل ولم ينهض فيها لبد. وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه، إنما هي بعينه، فلما لم ير لقمان لبدًا نهض مع النور إلى الجبل لينظر ما فعل لبد فوجد لقمان في نفسه وهنا لم يكن يجده قبل ذلكن فلما انتهى إلى الجبل رأى نسره لبدا واقعًا بين النسور، فناداه: انهض لبدن فذهب لبد لينهض فلم يستطيع وقد عريت قوادمه وسقطت، فماتا جميعًا.
وقيل لقيْل بن عنز حين سمع ما قيل له في السحاب: اخْتَر لنفسك كما اختار صَاحِبَاك. فقال: أختار أن يُصِيبَني ما أصاب قَوْمي، فقيل له: إنَّهُ الهَلاَكُ، قال: لاأبالي، لاحاجة لي في البقاء بَعْدَهم، فأصابه ما أصاب عادًا من العذاب، فَهَلَك. فقال مرثد بن سعد بن عفير حين سمع من قول الراكب الذي أخْبَر عن قوم عاد بما أخبر من الهلاك. فقال في ذلك شعرا:
عَصَتْ عادٌ رسولَهُم فأمسوا عِطَاشاَ ما تَبُلُّهم السماء
وسيَر وفدهم شهرا ليسقوا فأردفهم مع العطش العَمَاءُ
بكُفْرِهِم بَربِّهِمُ جهَارًا على آثار عَادِهِمُ العفاءُ
فَلاَ رَحِمَ الإ آهُ جُلُودَ عاد فإن قلوبهم قَفْرٌ هَوَاء
من الخبر المبين إن يعوهٍ وما تُغْنِي النَّصِحةُ والشِّفَاء
فنفسي وبْنَتَاي وأُمّ ولدي لِنَفْسٍ نَبِيِّنا هود فداء
أتانا والقلوب مضمرات على ظُلِم وقد ذهب الضَّياء
لنا صنم يقال له صَمْودٌ يقابله صداءً والهباء
فأبصره الذين له أنابوا وأدرك من يصدقه الشقاء
فإني سوف ألْحَقُ آل هودٍ وإخوته إذا جَنَّ المَسَاء