حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: بعث الله نوحا إلى قومه وهو ابن أربعمائة سنة، ولم يكن في ذلك الزمان أحدُ ينْهَى عن منكر. فدعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة، ونكح نوح عمرزة بنت براكيل بن مخويل بن أخنوخ بن قابيل بن آدم. وهو ابن خمسمائة سنة، فولدت له بنيه سام وحام ويام ويافث بني نوح، ثم أمره الله بصنعةِ السفينة، فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة، وغرق من غرق، ثم مكث ثلاثمائة سنة وخمسين سنة.
قال: فبعث الله نوحا إلى قومه فخوَّفهم بأسه وحذرهم سطوته، وداعيًا لهم إلى التوبة والمُراجعة إلى الحق، والعمل بما أمر الله به رسله، وأنزله في صحف آدم وشيث وأخنوخ. ونوح يوم بعثه الله نبيا لهم فيما ذكروا ابن خمسين سنة. وقيل أيضا: إن الله أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين سنة وثلاثمائة سنة.
وعن ابن عباس قال: بعث الله نوحا إليهم وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نُبُوَّته مائة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة، ومكث بعد ذلك ثلاثمائة سنة وخمسين سنة.
[ ١٧ ]
قال أبو جعفر الطبري: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. كما قال الله تعالى، يدعوهم سرا وعلانية، يمضي قَرْنٌ بعد قرن فلا يستجيبون له، حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله وحالهم، فلما أراد الله هلاكهم دعا عليهم فقال) رَبِّ إنَّهُمْ عَصَوني وَأتَّبُعوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهْ وَوَلَدَه إلاَّ خَسَارا (إلى آخر القصة، فأمره الله تعالى أن يغرس شجرة، فغرس شجرة، فنبت ساجة عظيمة فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم أمره أن يقطعها بعد ما غرسها بأربعين سنة، فيتخذ منها سفينة كما قال الله تعالى) وَأصْنَعْ الفُلْكَ بأَعْيِننا ووَحْيِنا (فقطعها وجعل يعملها فُرويَ عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها أخبَرَت أن رسول الله ﷺ قال " لو رَحِمَ الله أحدًا من قومِ نوح لَرَحم أمَ الصَّبي ".
وقال رسول الله ﷺ: كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله حتى كان آخر زمانه غَرَس شجرَةً وعَظُمَت وذَهَبَت كلَّ مذهب، ثم قطعها وجعل يعمل السفينة فيمرون به قومه فيسألونه عنها فيقول: أعْمَلُها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البَرِّ فكيف تجرى؟! فيقول: فسوف تعلمون!! فلما فرغ منها وفار التنور، وكثر الماء في السكك، خَشِيَت أمُّ الصبيّ عليه - وكانت تحبه حبا شديدا - فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه ولما بلغها الماءَ خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على رأس الماء فلما بلغ الماء رقبتها رَفَعَتَه بيدها حتى ذهب به الماء. فلو رحم الله احدا لرحم أم الصبي.
وعن الضحاك قال: عمل نوح السفينة بعد أن مضى من عمره أربعمائة سنة - وأنبت الساجَ أربعين سنة - حتى كان طولها ثلاثمائة ذراع فعمل نوح السفينة بوحي الله إليه وتعليمه إياه، فكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وبابها في عرضها.
وعن هشام، عن أبي صالح عن ابن عباس قال. نَجَّر نوح السفينة بجبل فود ومن عم يبدأ الطوفان. قال: وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا وطولها في السماء ثلاثين ذراعا، وخرج منها في السماء ستة أذرع، وكانت مطبقة لها ثلاث طبقات، وجعل لها ثلاثة أبواب، بعضها أسفل من بعض.
وعن ابن اسحاق، عمن لايتهم: أنه كان يحدث: أن قوم نوح كانوا يبطشون بنوح فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم أهْد قومي فإنهم لا يعلمون.
وقال ابن اسحاق: حتى إذا في غَيَّهم في المعصية، وعظُمت في الأرض منهم الخطيئة، تطاول عليه وعليهم الشأن، واشتد عليه منهم البلاء وانتظر النجل بعد النجل ولا يأتي قرن بعد قرن إلا كان أخبث من الذي قبله، حتى ان كان الآخر منهم ليقول: إن هذا كان مع آبائنا وأجدادنا. هكذا. مَجْنُونًا!، فلا يقبلون منه شيئا، حتى شكا ذلك من أمرهم إلى الله ﵎، فقال كما قص الله علينا في كتابه) رَبِّ إنّي دَعَوْتُ قَوْمي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزْدِهُم دُعَائِي إلاَّ فِرارَا (إلى آخر القصة، حتى قال) رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكَفِرِين دَيَّارًا، إنَّكَ إنْ تَذّرْهُمْ يُضِلُّوا عَبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إلا فاجرًا كَفَّاراَ (إلى آخر القصة. فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله استنصر عليهم، وأوحى الله إليه) وَاَصْنع الفُلْك بأعْيُنِنا ووَحْيِنَا وَلاَ تُخاطِبني في الذين ظَلَموا إنَهُمْ مُغْرَقون (. فأقبل نوحُ على عمل الفُلك ولها عن قومه، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد، ويهييء عُدَّة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو، وجعل قومه يمُرُّون عليه. وهو في ذلك من عمله. فيسخرون منه ويستهزؤن به، ويقول) إنْ تَسْخَروُا مِنَّا فإنا نَسْخرُ مِنْكم كَما تَسْخَرون فَسَوفَ تَعْلمُون مَنْ يأتيه عَذَابٌ يُخْزِيه وَيَحَلُ عليه عَذابٌ مُقيم (قال: ويقولون فيما بلغنا: يا نوح قد صِرت نجارًا بعد النبوة! قال: وأعقمَ الله أرحام النساء فلا يَلِدن لهم.
[ ١٨ ]
قال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يصنعه أذورَ وأن يُطْلِيَه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طول ثمانين ذراعا وعرضه خمسين، وأن يجعله ثلاثة أطباق سُفلا ووسطًا وعُلْوًا، وأن يجعل فيه كُوّى، ففعل نوح كما أمره الله، حتى إذا فرغ منه. وكان قد عهد الله إليه إذا جاء أمْرُنا وفَاَرَ التَنُّورُ قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القولُ ومن آمن، وما آمن معه إلاقليل (وقد جعل الله التنور آية فيما بينه وبينه. فقال) فإذَا جَاءَ أمْرُنا وَفَارَ التُّنُّورُ فاسلُك فيها من كُلَّ زَوْجَيْنِ اثْنِين (أي أرْكب، فلما فار التُّنُّور وحمل نوح في الفلك من أمَرَهُ الله به وكانوا قليلا كما قال الله) احْمِلْ فِيها مِنْ كُلُّ زَوْجَيْن اثْنَيْن (مما فيه الرُّوح والشجر ذكرا وأنثى، فحمل فيه بينه الثلاثة سام وحام ويافث، ونساءهم. وستة أناس ممن كان آمن به وكانوا عشرة نفر، نوح وبنوه، وأزواجهم، ثم أدخل مما أمرَ الله من الدواب، وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافرا.
وعن ابن عباس قال: أرسل الله المطرَ أربعين يوما، أربعين ليلة، فأقبلت الوحوش حين أصابها المطر والدَّواب والطير كلها إلى نوح، شجرت له، فحمل منها. كما أمره الله) من كُلَّ زَوْجَيْن اثْنين (وحمل معه جسد آدم، وجعله حاجزا بينه وبين الرجال والنساء.
قال، كان ابن عباس يقول: أوّل ما حَمَل نوح في الفُلْك من الدَّوَابّ الذَّرَّة، وآخر ما حمل الحِمَار فلما أدْخَلَ تعلّق إبليس بذَنَبِه فلم تستقلِ رجلاه، فجعل يقول: وَيُحَل ادْخُل. فينهض فلا يستطيع. فقال نوح: ادخل وإن كان الشيطان مَعك. قال كلمةً زلَّت عن لسانه، فلما قالها نوح خلَّى الشيطان سبيله فدَخَل ودخَل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدْخَلَك عليَّ يا عَدُوّ الله؟ فقال ألم تَقُل وإنْ كانَ الشيطان معك؟ قال: أخرُجْ عني يا عَدُوَّ الله. فقال: مالَكَ بُدَّ مِن أن تحملني. فكان - فيما يَزْعُمُون - في ظهر الفُلْك وغطاها عليه. فلما اطمأنّ نوح في الفلك وأدخل معه مَنْ آمَنَ به، وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بهد ستمائة سنة من عُمْرِه عشرة ليلة خلت من الشهر.
فلما دخل وحمل معه في السفينة من حمل تحرك ينابيع الغوط الأكبر، وفتحت أبواب السماء، كما قال الله لنبيه محمد ﷺ) فَفَتحنَا أبواب السَّماء بماءٍ مُنهمر وفجرنا الأرض عُيونًا فألتقى الماء على أمر قد قُدر (. فدخل نوح ومن معه في الفلك، وغطّى عليه وغطّى على من معه بطبقة، فكان بين أن أرسل الله الماء. وبين أن احتمل الماءُ الفلكَ أربعون يومًا، وأربعون ليلة، ثم احتمل الماءُ الفلك كَمَا زَعَم أهلُ التَّوراة، وكثر واشتد وارتفع، يقول الله لنبيه محمد ﷺ) وَحَمْلَناهُ عَلَى ذّاتِ ألَوْاحٍ ودُسُر (والدُّسُر المَسامِيرُ، مسامير الحديد، فجعلت الفُلْكُ تجري به وبمن معه في مَوْج كالجبال، ونادى نوح ابنه الذي هَلَك فِيمنْ هَلَك، وكان في مَعْزِلٍ حين رَأى نُوح مِنْ صِدْق مَوْعِد رَبَّه مارأى، فقال) يَابُنّيْ أرْكَبْ مَعَنا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الكَافِرِينَ (وكان شقيًا قد أظهر كُفْرًا. فقال) سآوِى إلى جَبِلٍ يَعْصُمنِي مِنَ الْمَاءِ (وكان عهد الجبال وهي حِرز من الأمطار، إذا كانت فظن ذلك كما كان يكون. قال نوح) لاَعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أمْرِ اللهِ إلاَّ مَنْ رِحَم وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْج وَكَانَ مِنَ المُغْرقِينَ (وكثر الماء وطفى، وارتفع فوق الجبال. كما يزعم أهل التوراة. خمسة عشر ذِراعا، فبادَ ما على وَجْهِ الأرض من الخلق، من كل شيء فيه الروح، أو شجر، فلم يَبْقَ من الخلائق إلا نوح ومَنْ معه في الفلك، والأعوج بن عنق. فيما يزعم أهل الكتاب.
[ ١٩ ]
وكان نوح ركب في السفينة ومن معه لعشر ليال مضَيْن من شهر رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يومَ عاشورا، وخرج الماء نصفين، فلذلك قوله تعالى) فَفَتَحْنَا أبْواَبَ السَّماَءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِر (يقول مُنْصَبّ) وَفَجَّرْنَا عُيُونًا فالُتَقَى الماءُ عَلَى أمْرٍ قَدْ قُدِر (فصار الماءُ نِصفين. نصف من السماء ونصف من الأرض، وارتفع الماءُ على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذٍراعًا، فسترت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء حتى أتَت الَرَم، فلم تدخله فكانت بالحرم أسبوعا، وقد رفع الله البَيْتَ من الغَرَق والحَجر الأسود على جبل أبي قبيس، فلما درات السفينة بالحرم ذَهبت في الأرض تسير على وجه الماء حتى انتهت إلى الجُودِيّ. وهو جبل بالحصين من أرض المُوْصِل. فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السبع، فقيل بعد الستة الأشهر) بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالمين (فغرق بنو قابيل كلُّهم. وما بين نوح إلى آدم، ومن كان أبى عن الإسلام. فلما اسْتَقَّرت السفينة على الجُوِدي) قيلَ يَا أرْضُ أبْلَعي مَاءَك (يقول أنْشِفي مَاءَك) وّيَا سَمَاءُ أقْلِعي (يقول احبسي ماءَك) وَغِيضَ الماء (نَشَّفَتْه الأرضُ، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض. ويقال ما بقي في الأرض من ماء الطوفان إلاَّ ماء بِحِسْمَى بَقَيَ أربعين يوما ثم ذهب وقيل ما كان زمن نوح شبِر، من الأرض إلا وله من يدعيه. وقيل أرسلَ الله الطوفان لِتَمَامَ ألْفَي سنة ومائتي سنة وخمسين سنة من لَدُن أهْبَطَ الله آدم من الجنة.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال " في أوَل يوم من رَجَب رَكِبَ نوحٌ في السفينة، فصار هو ومَنْ معه وجَرَت بهم السفينة ستة أشهر. فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست السفينة على الجُودِيّ يومَ عاشوراء، فصار نوح وأمَرَ جميع مَن مَعهُ مِن الُوحُوشِ والدَّوَابِّ فصاموا شكرا للِه ".
وعن ابن جُرَيجْ: قال كانت السفينة أعْلاَها الطْيُر، وأوسطها الناسُ وأسفلها السِّبَاعُ: وكان طولها في السماء ثلاثين ذِرَاعًا.
وبإسناد عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم أبعث لنا رَجُلًا مِمِّنْ شَهِدَ سفينة نوح يحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى إذا انتهى إلى كثيب مِنْ تُرَابٍ فأخذ كفًَّا من ذلك التراب بكفه فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله أعْلَم. قال: هذا حَامُ بنُ نوحٍ. قال فضرب الكَثِيبَ بِعَصاه وقال: قم بإذن اللهِ، فإذا هو قائم يَنْفضُ التُّرابَ عن رأسه وقدْ شَاب. فقال له عيسى: هكذا هلكت؟ قال: لا، ولكني مُتُّ وَأنَا شابُّ، ولكني ظَنُنْتُ أنَّها الساعة فمن ثَمَّ شِبْتُ. قال: حدثنا عن سفينة نوح: قال: كان طولها ألف ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدَّوَاب والوَحْش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أرواث الدَّوَابَ أوحى الله تعالى إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فوقع منه خنزير وخنزيره فأقبلا على الروث فلما وقع الفأر يخرز السفينة بقرضه أوحى الله إلى نوحأن اضْرِب بِيْن عَيْنَي الأسِدَ، فضرب بين عينيه فخرج من منخره سِنَّورْ وسِنَّورَة فاقتتلا على الفأر. فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث بالغُراَب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخَوْف، فلذلك لا يألف البُيُوت. قال: ثم بعث بالحَمَامَةِ فجاءت بوَرَقِ زَيْتُون بِمِنْقَارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، فطوَّقها الخضرة في عُنُقِها، فدعا لها أن تكون في أُنْسِ، فمن ذلك تألف البُيُوت. قال، فقلنا: يا رسول الله ألا ننْطَلقُ به معنا إلى أهْلِنَا فيجلس مَعَنا ويُحَدَّثنا؟ قال: كيف يتبعكم مَنْ لاَرزْقَ له؟ قال، فقال: عُدْ بإذْن الله. فعاد تُرَابًا، قال: فلما خَرَج نوحٌ ﵇ من السفينة أتَّخذَ بناحية قَرَدى من أرضِ الجَزِيَرة مَوْضِعًا، وابتنى هنالك قرية سماها " ثمانين " لأنه كان بنى فيها لكل إنسان بيتا ممن آمن معه، وكانوا ثمانين. فهي إلى اليوم تُسَمى " سوق ثمانين ".
[ ٢٠ ]
قال أبو جعفر: وأوحى الله إلى نوح أنه لايُعيد الطوفان على الأرض أبدًا. قال: وعاش نوح بعد الطوفان يعني بعد الألف سنة إلا خمسين عاما التي لبثها في قومه ثلاثمائة وخمسين سنة.
وأما ابن اسحاق فذكر عنه أنه قال: وعَمَّر نوحَ فيما يزعم أهل التوراة. بعد أن هبط من الفلك ثلاثمائة وأربعين سنة. وكان عمر نوح ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم قبضه الله إليه.
وعن ابن عباس قال: ولما ضاقت بولد نوح سوق ثمانين تحوَّلوا إلى بابل فبَنَوْها وهي بين الصَرَاة والفُرات، وكانت اثنى عشر فَرْسَخًا في اثنى عشر فرسخا. وكان بابها موضع دُوران اليوم فوق جسر الكُوفَةِ، ثم رَبَلُوا فكثروا بها حتى بلغوا مائة ألف: وهم على الإسلام.
وروى عن علي بن مجاهد عن ابن اسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي قال: لما أهْبَط آدمُ مِنَ الجنة، وانتشر ولده أرَّخَ بَنُوه مِن هُبوطِ آدم، وكان ذلك التاريخ حتى بَعَث الله نوحاَ فأرخوا مَبْعث نوح، حتى كان الغرق وهَلَك مِمَّن على وجه الأرض. فلما هبط نوحٌ وذُرّيَتُه. وكلَّ مَن كان في السفينة إلى الأرض قسم الأرض بين وَلَدِه أثْلاثًا. قال: زعم أهل التوراة أنه ما وُلد لنوحٍ ولدٌ إلا بعد الطُّوفان، وذكر غيرهم أن مولد سام بن نوح قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة فجعل لسام وشطا من الأرض ففيها بيتُ المَقدِسَ والنيل والفُرات ودِجلة وسيحان وجَيْجَان وفيشْوُن وذلك ما بين قيشون إلى شرقي النِّيل وما بين مَنْخَر ريح الجنوب إلى منخر الشمال وجَعَل لحام قِسْمه غربي وما وراءه إلى مَنْخر ريح الدَّبُور وجعل قسْمَ يافث في فَيْشون وما وراءه إلى منخر ريح الصَّبَا فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبارهيم ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى ومن مبعث موسى إلى مُلْكِ سَلَيْمان ومن ملك سليمان إلى مَبْعث عيسى بن مَرْيم ومن مبعث عيسى بن مريم إلى مبعث رسول الله ﷺ وعلى جميع أنبياء الله ورسله. فهذا الذي ذَكَرْتُ عن الشعبي من التأريخ ينبغي أن يكون على تأريخ اليهود. فأما أهل الإسلام فإنهم لم يؤرخوا إلا من الهجرة، ولم يكونوا يؤرخون بشيئ غير ذلك، إلا أن قريشًا كانوا. فيما ذكر. يؤرخون قبل الإسلام بِعَامِ الفِيل. وكان سائِر العرب يؤرخون بأيّامِهم المذكورة كتابهم، كتأريخهم بيوم جَبَلَة وبالكلاب الثاني، وبالكلاب الأول. وكانت النصارى تؤرخ بَعهدّ الإِسكندر ذي القرنين، وأحسبهم على ذلك التأريخ إلى اليوم. وأما الفرس فإنهم كانوا يؤرخون بعهد يَزْدَجرْد بن شهَرْيار بن كِسْرى أبْروِيز بن هِزْمِز بن كِسْرَى أنُوشِرْوَان، لأنه كان آخر من كان مْلوكهم مَاَكَ بَبِل والمشرق.