قال عبيد العبيد بن شربة: فملكت بلقيس حمير. قال معاوية: فهل كانت تريد الرجال؟ ما تزوّجت قط ولا صارت إلى سليمان إلا جارية. قال فمن كان حرسها؟ قال: الرجال وخدمها النساء بنات أشراف حمير ثلاثمائة وستون جارية. قال: فكم مَلَكَت حتى جاءها سليمان؟ قال سبع سنين.
حدثنا محمد بن مسلم البارقي، عن إسحاق بن حذيفة، عن عباس عن ابن إلياس عن وهب بن منبه: أن بلقيس أمرت أن يصنعوا لها منزلا فاخِرًا لم يصنعوا مثله لمن كان قبله، ووصفت لهم عملهم، فعمدوا إلى كل مشرف من صفا صلد فأنشئوا على ظهره خمسمائة أسطوانة من رخام، نقر لهن، طول كل أسطوانة ثلاثون ذراعا، وبين كل أسطوانتين خمسة أذرع، ثم حملوا على تلك الأساطين كلها سطحا واحدا من ألواح الرخاك، وضموا بعضها إلى بعض، ثم بنوا فوق ذلك السطح بيوتا من رخام، وقِبَايا من ذهب وفضة، مبّوبة بأبواب مفضضة بالجوهر الملون، ثم أحاطوا على ذلك الحائط بسطح باطنه من رخام وظاهره من نحاس، وله أربع زوايا، على كل زاوية قُبّة من ذهب، وعلى قبتها ياقوته حمراء تلتهب، وإذا طلعت الشمس سطح ضوء الياقوتة على القبة فلم تملأ العين منها، ثم جعل للقصر حين فرغ منه أربع مراق عن يمين وشمال وشرقي وغربي، وفي كل مرقاة مائة درجة في أعلاها باب مفضض، وفي أسفلها باب من نحاس. ثم جوف ذلك التل من الصفا. فكانت طرقا إلى الخزائن، ثم بُنِيّ تحتَ كلّ أسطوانتين مجلس من رخام للحرس والقواد، ولما فُرغ من عرشها أمرت ببناء المدينة والحيان والأرباع، فبنى ذلك كله حول قصرها، حتى صار وسط ذلك، وأشرف عَرْشُها على ما حوله حتى يُرَى مسيرُ يوم، وكان تحت يديها اثنا عشر ألف قَيْل، تحت كل قيل اثنا عشر ألف مقاتل، وتحت يديها مائة ملك. وقد أمرت كل ملك على كُوَر معلومة، واشترطت عليه أربعة آلاف مقاتل متى احتاجت إليهم. فلما أراد الله إكرامها بالإسلام كان من حديثها ما قص الله في القرآن.
قال حدثنا يعلي بن عبيد، عن الأعمش، عن مجاهد قال: تحت يَدَيْ صاحبة سبأ اثنا عشر ألف قيل، مع كل قيل مائة ألف مقاتل وعن وهب بن منبّه في قول الله تعالى) وَأُوِتيتَ مِن كُلَّ شَيء (يعني أصناف الأموال) وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيّمٌ (قال كان عرشها مقدمه من ذهب مفضض بالياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، ومؤخره من فضة مكلّلَة بألوان الجواهر، وله أربع قوائم، قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من زبرجد أخضر، وقائمة من زُمُرد، وقائمة من در، وصفائح ومن غيره. وقال أسعد تُبّع في عرش بلقيس:
[ ٧٦ ]
عَرْشُها شرجع ثمانون باعا كلَّلَتْه بجَوْهَر وفريد
وبإسناد عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن بلقيس لما أتاها كتابُ سليمان جمعت أشراف قومها فقالت: قد كتب إليّ هذا الرجلُ ولَيْسَ هذا من كُتُب الملوك أفْتُوني في أمري إلى آخر الآية. فأجابوها بما قال الله) نَحنُ أُوْلُوا قُوّةٍ وأُوْلُوا بأسٍ شدِيدٍ والأُمُر إليكِ فَانظُري مَاذا تأمرين () قالت إنَّ المُلوك إذا دَخَلُوا قَريَةً أفْسَدُوها وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهلِها أذِلَةً (يعنى إذا غَلُبوا عليها فدخلوها عنوة أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. يقول الله: صَدَقت يا محمد) وَكَذلِكَ يَفعَلُون (.
قال وهب بن المنبه في حديثه: فأسلمت، وتزوجها سليمان، وولدت له ابنا سماد دَاوُود. فأما الأرد فيقولون: إنه تزوجها امرؤ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن أدّ الركب، وهو غسان أبو الملوك من الأزد، وبطرقة سليمان بن داوود ﵇ على اليَمَن، سمي امرؤ القيس البطريق لذلك. وهو جد عمرو بن مُزَيْقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق. وعن ابن ذُريد أن سليمان ﷺ قال: لا تصلح امرأة بلا زَوْج، فزوجها سليمانُ شَدَد بن زُرْعة الحِمْيَري.