قال عبيد بن شريه: ثم ان حميرا سقط في ايديهم الامر مخافة الهلاك، وصارت امورهم إلى ان اتوا حسان بن تبع فسألوه ان يتولى امورهم، فبايعته حمير، فلم يزل مقيما بأرض اليمن لا يروم غزوا ولا يهم به مداريا في ذلك قبول اهل اليمن، لملالتهم صنيع ابيه واتعابه اياهم بالغزو، إلى ان قدم عليه رياح بن مرة الطسمي يخبره بغدر جِدِيس بملك طَسْم، حين قتلتهم وأبادت طسما، وانشده في ذلك شعرا لما دخل عليه، فقال:
حُيّيت من ريِّس في الحسب القدموس
جيْتك من جديس لغارة الخميس
وفعلة الشيطان الماعوس لم يبق من انيس
غير النسا الحبوس والصبية الجلوس
يبكيب للبئيس بكاء لا ينقيس
[ ٨٣ ]
فبعث حسان إلى مقاول حمير، واخبرهم خبر جديس، وما فعلت بطسم فقالوا: لا أرب لنا بهم، هم اخوة اغار بعضهم على بعض، وهم عبيدك. فقال: ما هذا يحسن من فعلكم. ان تهدروا دماء احرار اصيبوا بغدر، لا ينصف بعضهم من بعض. فعند ذلك بطشت المقاول للمسير، واجابت حسان إلى النهوض. فسار إلى اليمامة، فأباد جديسا ببغيهم على طلسم، فلم يبق منهم باقية، فهرب قائدها الاسود بن عفار الجديسي. فلحق بأجأ وسلمى وهما اذ ذاك خلا، لا انيس بهما. فلم يزل بهما حتى نزل بهما طيء فقتله عمرو بن الغوث بن طيء.
وان حسانا لما اباد جديسا جعل يتجنا على قتلة ابيه، فقتلهم واحدا بعد واحد إلى آخرهم، فاشتد عليهم امره، ثم انه جمع مقاول حمير وحضهم على الخروج والغزر، وامرهم بالمسير نحو الغرب، وقدم اخاه عمرو بن تبع بين يديه، في ثلاثمائة فيل. فكرهت المقاول فعله ونقضت عليه، وقام فيهم الاخيل بن حيدان فقال: يا معشر حمير، هذا رجل غير راجع حتى يبلغ المشرق، فأنظروا لانفسكم، فأنه قد غدر بنا، وحملنا على ما ليس من امرنا. قالوا: انت سيد القيول وذر رأيهم. فقال: اقيموا مع صاحبكم. وسار حتى لحق عمرو بن تبع فيمن اتبعه من المقاول، فبايعوه على قتل اخيه حسان بن تبع وتمليكه مكانه، ما خلا ذو رعين فانه ابى ان يبايعهم، وكان من اشرافهم من المقاول ونهاهم عن ذلك وحذرهم وحذر عمرا سوء العاقبة، واخبره انه ان فعل ذلك مِنُعَ النوم فقال: ما قتل احد اخاه قط أو اباه الا منع منه النوم، فلا ينام حتى يموت. وان فعلك هذا معيلة وفساد وسهر تضمنه حتى التناد. فأبى عليه الا ان يبايعه أو يقتله. قال: فأدفع اليك صحيفة لتكون امانة عندك، فأتاه بصحيفة لا يدري ما فيها، ولا يعلمه غيرها، وكان في الصحيفة مكتوب:
الا من يشتري سهرا بنوم سعيد من ينام قرير عين
فان تك حمير غدرت وخانت فمعذرة الاله لذي رعين
مضى عمرو قدما حتى قتل اخاه حسانا، فلم ينم ولم تغمض عيناه بعد ذلك، إلى ان مات. وكان ملك حسان ذا معاهن بن تبع خمسا وعشرين سنة.