فأما ثقيف، فاختلف أهلُ العلم بالأنساب فيهم، فزعم قوم أنهم من إياد، ومن زعم ذلك قال: ثقيف، هو قسي بن منبه بن منصور بن يقرم بن أفصى بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان.
ومن زعم أن ثقيفا من إياد، زعم أنهم حلفاء قيس، وإنما صار حلف ثقيف إلى قيس، لأن أم قسي بن منبه، هي ابنة عامر بن الظرب العدواني، فكانت قيس أخوالهم، فحالفوهم لأن دارهم مع دارهم، فكانت ثقيف قد نزلت دارا لم ينزل أحد من العرب افضل منها، وحموها في الجاهلية، ممن رامها من جميع العرب.
وممن قال إن ثقيفا من حلفاء قيس: ابن إسحاق، وغيره.
وروي أن عبد الملك بن مروان حرّش بين الحجاج بن يوسف وبين كثير بن هراشة الكِلابي، فقال: يا كثير، ممن ثقيف؟ فقال: يا أمير المؤمنين، العلماء بالنسب يزعمون انهم من إياد، وقد قال شاعرهم:
قَوْمِي إيادُ أنهم أمَمُ … أوْ لَو أقاموا فتُهزل النَّعَمُ
[ ٧٦ ]
قومي لهم ساحةُ العِراق إذا … سارُوا جميعًا والخطُّ والقَلَمُ
فقال الحجاج: معاذ الله يا أمير المؤمنين: نحن من قيس، ثابتة أصولنا، باسقة فروعنا، يعرف ذلك قومنا، وقد قال شاعرنا:
وإنّا مَعشر مِن جِذْم قَيسٍ … فنِسْبتهم ونِسْبتنا سَواءُ
همُ آباؤنا وبَنَوْا علينا … كما بُنيت على الأرض السماءُ
وقيل: إن ثقيفا كان عبدًا لصالح النبي ﷺ، فهرب منه واستوطن الحرم.
وقد قال جماعة: إن أبا رغال هو أبو ثقيف قال أبو عمر: جماعة من النساب يقولون: إن ثقيفا في قيس، ومن زعم ذلك قال: ثقيف، هو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.
وقد قيل: إن ثقيفا من بقايا ثمود، وكان الحجاج ينكر هذا ويتلو (وثمود فما أبْقَى).
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: جرهم من بقايا عاد، وثقيف من بقية ثمود، وأصبح من حمير في تبع.
قال أبو عمر: أصح شيء في ثقيف من جهة الإسناد، عن النبي ﷺ، وما قاله، فهو الحق ما حدثنا خلف بن قاسم، قال: نا عبد الله بن محمد بن ناصح، قال: نا أحمد بن علي بن سعيد، قال: نا يحيى بن معين، قال: نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن ابن
[ ٧٧ ]
خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر: إن النبي صلى الله
عليه وسلم، خطب الناس في غزوة تبوك، وهو بالحجر، فقال: يا أيها الناس، لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت تَرِد الناقة عليهم من هذا الفج فتشرب من مائهم، ويحتلبون من لبنها، مثل الذي كانت تشرب من مائهم يوم وِردها، وتَصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فوعدهم الله ثلاثة أيام، وكان وعدا غير مكذوب، فأخذتهم الصيحة، فأهلك الله من تحت السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجل كان في حرم الله، فمنعه حرم الله، قالوا: يا رسول الله، ومن هو؟ قال: أبو رغال؟ قالوا: ومن أبو رغال؟ قال: هو أبو ثقيف.
ومن حديث ابن عباس: إن ِرسول الله ﷺ لما انصرف من الطائف مرّ بقبر أبي رغال، فقال: هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، كان إذ أهلك الله قوم صالح في الحرم فَمنعه الله، فلما خرج من الحرم رماه الله بقارعة، وأية ذلك أنه دُفن معه عمود من ذهب، فابتدر المسلمون قبره فنبشوه واستخرجوا العمود منه.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن النبي ﵇، مثله.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: نا محمد بن بكر بن داسة، قال: اخبرنا أبو داود.
وحدثنا خلف بن قاسم، قال: نا عبد الله بن محمد بن ناصح، قال: نا أحمد بن علي بن سعيد القاضي، قال: نا يحيى بن معين، قال: نا وهب بن جرير، قال: نا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير، قال:
[ ٧٨ ]
سمعت عبد الله بن عمر، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال رسول الله ﷺ: هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن
أنتم نبشتم عليه أصبتموه معه، فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن.
وروي عن الحسن أنه قال: لم يبق من ثمود غير ثقيف في قيس عيلان، وبنو لحاء في طيء، والطفاوة في بني أعصر.
قال: وقبائل تنتمي إلى العرب وليست من العرب: حمير من تبع، وجرهم من عاد، وثقيف من ثمود.
وفي ثقيف وأصلها أخبار يطول ذكرها.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: كل العرب من ولد إسماعيل إلا جرهم، فإنهم من عاد وثقيف، فإنهم من ثمود، وقبائل من حمير، فإنهم من تبع.
وقد روي عنه ﵇ انه قال: العرب كلها من ولد إسماعيل إلا السلف وثقيف والأوزاع وحضرموت.
وهي آثار كلها ضعيفة الأسانيد، لا يقوم بشيء منها حجة، والله أعلم بصحة ذلك.
وقال حسان:
إذا الثَّقفي فاخَركم فقُولُوا … هَلُمَّ نَعُدّ أمْر أبي رِغَالِ
أبوكم أخبثُ الأحياء قِدْمًا … وأنتمْ مُشْبهوه على مِثَالِ
[ ٧٩ ]
والذي عليه أكثر أهل العلم بالنسب أن ثقيفا في قيس، ومنهم من ينسبهم في إياد.
وفي ثقيف بطون كثيرة.
وقد رَوي عن النبي ﷺ من ثقيف جماعة، منهم: المغيرة بن شعبة، وعثمان والحكم، ابنا أبي العاصي بن بشر الثقفي، وغيلان بن سلمة، ويعلى بن مرةِ، وابو محجن، وأبو بكرة، وكان أفضلهم، أو من أفضلهم.
وأكبر صحابي في ثقيف وأجلهم: عروة بن مسعود بن معتب، بعثه رسول الله ﷺ إلى ثقيف يدعوهم إلى الإسلام، فقتلوه، فقال فيه رسول الله ﷺ: هو كصاحب ياسين.
[ ٨٠ ]