قال أبو عُمر: فأما قضاعة فالاختلاف فيها كثير، والأكثر على أنها من معدّ بن عدنان، وأن قُضاعة بكرْ ولدَ مَعدّا، وبه كان يكنى.
ورُوي هذا من حديث هشام بن عروة، عن عائشة، إنها قالت: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: قضاعة من معد، كان بكر ولَدَه وأكبرهم، وبه كان يكنى.
وليس دون هشام بن عروةِ من يُحتج به في هذا الحديث.
وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وجُبير بن مطعم، مثل ذلك، وهو قول عبد الملك بن هشام، ومصعب بن الزبير، والزبير بن بكار.
ومما آحتج به من قال هذه المقالة قولُ زهير:
إذا لَقحت حَربٌ عوان مُضرِّةٌ … ضَروسّ تُهِرُ الناسَ أنيابُها عُصْلُ
قُضاعّية أو أختها مُضِرِيّة … يُحرق في حافاتها الحَطب الجَزْلُ
فجعل قُضاعة من معد بن عدنان، اخا لمُضر بن نزار بن معد بن عدنان.
[ ٣١ ]
وقال غيره:
قُضاعة العُنصر مَن لا لَها … أبٌ بِه تُعْرَفُ إلا مَعَدَّ
وقال لبيد:
فلا تسألينا واسألي عن بلائنا … إيادًا وكَلْبًا مِن. مَعَد ووائلا
ولا خلاف أن كلبًا في قضاعة.
وقال الشرقي بن القُطامي: لم تزل قضاعة على نسبها في معدّ في الجاهلية
وأول الإسلام، إلى أن أحدثت حِلْفًا بينها وبين أهل اليمن، أيام ابن الزبير وبني مروان، وذلك في غارات عُمير بن الحُباب السلمي على كلب، وغارات حُميد بن حُريث بن بَجدل الكلبي على فزارةِ، فلم تزل كلب واليمن يشدون ذلك الحلف، ويحتجون بحديث عَمرو بن مُرة الجهني، وكانت له صُحبة وسابقة في الإسلام، وطاعة في قومه، فمالوا إلى قوله قال أبو عُمر، ﵁.
ومثل حديث عَمرو بن مُرة الجهني حديثُ عقبة بن عامر الجهني، رواه جرير بن حازم، عن ابن لهيعة، عن معروف بن سويد، عن أبي عُشًّانَة المَعافري، عن عُقبة بن عامر الجهني، في حديث ذكره، قال: قلت: يا رسول الله، أمَا نحن من معد؟ قال: لا. قلت: مَن نحن؟ قال: أنتم قضاعة بن مالك بن حمير.
فعلى هذا قضاعة في اليمن، في حمير بن سبا.
ولا يختلفون أن جُهينة بن زيد بن سَود بن اسلم بن عمران بن الحاف بن قضاعة، قَبِيل عُقبة بن عامر الجهني.
[ ٣٢ ]
قال الشرقي: فإن يكن رسول الله ﷺ قال: فقد صدق رسول الله ﷺ.
قال الشرقي: ومالأهم على ذلك خالد بن يزيد بن معاوية، خلافا على بني مروان، ثم استحكم ذلك، فلم تزل قضاعة في اليمن إلى اليوم مختلفين في أنسابهم.
وقال محمد بن حبيب: إنما فسد نسب قضاعة بالحرب التي كانت بالشام أيام حميد بن حريث وعمير بن الحباب، وذلك أن خالد بن يزيد قال لأخواله من كلب، وكان مطاعًا فيهم، وهم سادة قضاعة: أطيعوني وحالفوا اليمن وآنتسبوا إليها، فإنكم تُدالون بذلك بني مروان، ومن أنحط في أهوائهم من قيس وغيرها، فأطاعه بعضهم وعصاه آخرون، فكان بعضهم يقول: حالفنا اليمن، وبعضهم يقول: بل نحن منهم.
وكان أول من انتسب من قضاعة إلى مالك بن حِمير الأفلح بن يعقوب، حيث يقول:
يا أيها الداعي ادْعنا وأبْشِرِ … وكُنْ قضاعيّا ولا تَنَزَّرِ
نحن بنو الشيخ الهِجان الازْهري … قُضاعةَ بن مالك بن حِمْيَرِ
النسبُ المَعروف … غَير المُنْكَرِ
وأما ابن اسحاق، في غير رواية ابن هشام وابن الكلبي وطائفة من أهل النسب، فذهبوا إلى أن قضاعة في حمير.
قال ابن إسحاق: قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
[ ٣٣ ]
وقال ابن الكلبي: هو قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير.
وقد قيل: إن قضاعة كانت امرأة من جرهم، فتزوجها مالك بن حمير، ثم خلف عليها بعد، مالك معد، فولدت له قضاعة على فراش مالك، وقد كانت العرب تنسب الرجل إلى زوج أمه، ألا ترى أنها قالت، في بني كنانة: بنو علي، وذلك أن أم كنانة كانت قبل كنانة تحت عليّ بن مسعود الأزدي، فنسبهم العرب إلى علي، وذلك موجود في أشعارها.
وأما سعد هذيم، فهو سعد بن زيد من قضاعة، حضنته هذيم، فنُسب إلى حاضنته، وعكل، امرأة حضنت بني عوف بن قيس بن وائل بن عوف بن عبد مناةِ بن أد، فنسبوا إليها، وسنذكر خبرها في موضعه من هذا الكتاب.
وغُصينة، وسودان، وثعلبة، بنو عمر بن الغوث، من طيء، نسبوا إلى حواضنهم أيضًا.
فأما غصينة، ويقال: غصين، فحضنه يولان، فغلب على اسمه، وثعلبة، حضنته
امرأة يقال لها: جرم، فغلبت على اسمه.
هذا كله ذكره الزبير وغيره.
ولأعشى بني تغلب، وقيل: إنها لبعض بني تيم اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، يخاطب قضاعة.
أَزْنَيْتُم عَجوزكمُ وكانت … عجوزًا لا يُشمّ لها خِمارُ
عَجوز لَوْ دَنا منها يَمانٍ … لَلاقَى مثل ما لاقى يَسارُ
[ ٣٤ ]
يعني: يسار الكواعب، وكان زنى في غير قومه، فأخذ فخُصى.
وقال أعشى بني تغَلب:
أبلغْ قُضاعة في القِرطاس أنًهمُ … لولا خلائفُ دين الله ما عًتِقُوا
قالت قضاعة إنّا من ذوي يَمَنٍ … والله يَعلم ما برُّوا وما صَدَقُوا
قد ادعوا والدًا ما مَسَّ أمَهمُ … قد يَعلمون ولكنْ ذلك الفَرَق
ما ضَرَّّّّ شيخُ نِزَار أنْ يُفارِقَه … مَن لا يَزين إذا أبناؤُه اتَسقُوا
معدّ شيخٌ بَنَى للمجد قُبًته … فالمجدُ منه، ومِن ابنائه خُلُقُ
لو جاهلوا الناسَ بَزت جاهليّتَهم … أو سابَقوا الناسَ عن أحسابهم سَبَقُوا
الوارثون نَبِيّ الله سُنَّته … في دِينه وعليه نُزَل الورَقُ
تزداد لَحم المَنايا في مَنازلنا … طيبًا إذا عَزَّ في أعدائنا المَرَقُ
وقال بعضُ شعراء مُضر في قضاعة:
مَرَرْنا على حَيّ قُضاعة غُدوةً … وقد أخذوا في الزَّفن والزَّفَنَانِ
فقلتُ لهم ما بالدزَفْنكم كذا … لعُرْسٍ نرى ذا أو لِخِتانِ
فقالوا ألا إنا وجدنا لنا أبًا … فقلتُ لِيَهْنئكمْ بأي مَكانِ
فقالوا وجدناه بِجَرْعاءِ مالكٍ … فقلتُ إذا ما أمَّكم بِحَصَانِ
فما مَسَّ خُصْيَا مالكٍ فرجَ أُمَّكم … ولا بات مِنه الفرجُ بالمُتداني
فقالوا بَلى والله حتى كأنما … خُصَيّاه مِن تحت استها جُعَلَان
وقال الكميت، يُعاتب قضاعة في تحولهم إلى اليمن:
علامَ نزلتُمُ مِن غير فَقْرٍ … ولا ضرَاء منزلَة الحَمِيلِ
وقال عبد الملك بن حبيب: سمعت محمد بن سلام البصري
[ ٣٥ ]
النسابة، يقول: العرب ثلاث جراثيم: نزار، واليمن، وقضاعة: قلت له: فنزار أكثر أم اليَمن؟ فقال: ما شاءت قضاعة أن تَمَعْدَدت فنزارُ اكثر، وإن تَيمنت فاليمن اكثر، فما هي عندك؟ قال: معدية لا شك فيه، واحتج بحديث هشام بن عروة، الذي قدمنا ذكره. في أول باب قضاعة.
وروي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، ﵄: إن قضاعة، ابن معد.
قال أبو عمر، ﵁: فهذه الثلاثة الأصول في أنساب العرب التي لا يوجد عربي اليوم إلا منتسب إلى أحدها، وهي: معد بن عدنان، وقضاعة، وقحطان، مجماع عدنان: نزار بن معد بن عدنان، وكل عدناني اليوم نزاري.
[ ٣٦ ]