قال الشيخ الإِمام أبو عُمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النّمري، ﵀:
الحمد لله ذي القدرة والآلاء، والعظمة والكبرياء، فاطر الأرض والسماء، الذي خلقنا من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبَث منهما رجالا كثيرا ونساء، وجعلهم شعوبًا وقبائل، وباين بينهم بالفضائل، وتعبَدهم بالأقوال والأعمال، ليبلوهم أيكفرون أم يشكرون، لا لحاجة إليهم، إن الله لغَني عن العالمين. وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله أجمعين.
أما بعد. فإني ذكرت في كتابي هذا أمهات القبائل التي رَوت عن رسول الله ﷺ، وقربت ذلك واختصرته وبيّنته، وجعلته دليلا على أصول الأنساب، ومدخلًا إلى كتابي في الصحابة، ليكون عونًا للناظرين فيه، ومنبهًا على ما يُحتاج إليه من معرفة الأنساب، فإنه عِلْمٌ لا يليق جهلُه بذوي الهمم والآداب، لما فيه من صلة الأرحام،
[ ١١ ]
والوقوف على ما نَدب إليه النبي ﷺ بقوله: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم.
وروى أنس بن عياض، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن عبد الله بن يزيد، مولى المُنبعث، عن أبي هريرةِ، عن النبي ﷺ، قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأجل.
وقال عمر بن الخطاب، ﵁: تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم، ولا تكونوا كنَبط السواد إذا سُئل أحدهم: ممن أنت؟ قال: من قرية كذا، فوالله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء لو يَعلم الذي بينه وبينه من دِخلةٌ الرحم لَردَعه
ذلك عن انتهاكه. ولعمري ما أنصف القائل: إن عِلْم النسب عِلْم لا يَنفع، وجَهالة لا تضر، لأنه بيَّن نفعُه لما قدّمنا ذكره، ولما رُوي عن النبي، ﷺ، أنه قال: كُفْرٌ بالله تبرُّؤ من نسب وإن دق، وكفر بالله آدعاء إلى نَسب لا يُعرف.
وروي عن أبي بكر الصديق، ﵁ مثلُه.
وقال ﷺ: من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صَرفًا ولا عدلًا.
فلو كان لا منفعة له لمَا اشتغل العلماء به، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ كان اعلم الناس بالنسب، نسب قريش وسائر العرب، وكذلك جُبير بن مطعم، وابن عباس، وعقيل بن أبي طالب، كانوا مِن
[ ١٢ ]
أعلم بذلك. وهو عِلم العرب الذي كانوا به يتفاضلون، وإليه ينتسبون. وقد ذكر أبنُ وهب، عن مالك بن انَّس، أنه قال: كان أبن شهاب مِن أعلم الناس بالأنساب، وكان أخذ ذلك من عبد الله بن ثَعلبة بن صُغير العذري، وغيره، قال: فبينا هو يومًا جالس عند عبد الله بن ثعلبة يتعلّم منه الأنساب إذ سأله عن شيء من الفقه، فقال له: إِن كنت تريد هذا الشأن فعليك بهذا الشيخ، يعني سعيد بن المسيِّب.
قال: وسمعت مالكًا يقول: لم يكن مع أبن شهاب كتاب إلا كتاب فيه نَسب قومه، يعني قريشًا.
وقد روي عن النبي ﷺ من الوجوه الصحاح ما يدل على عِلْمه بأنساب العرب، منها الحديث الذي قدمناه في هذا الباب، وغيره.
أخبرنا عبد الوهاب، ثنا قاسم، قال: نا أحمد بن زهير، قال: نا منصور بن أبي مزاحم، قال: نا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وجَعلناكم شُعوبا وقبائل)، قال: الشعوب: البطون الجُماع، والقبائل الأفخاذ.
قال أحمد بن زهير: وأما محمد بن بكار، قال: نا أبو معشر، عن محمد بن كعب، في قوله تعالى: (وفَصيلته التي تؤْويه)، قال: قبيلته التي يُنسب إليها.
قال: وأنا منصور بن أبي مزاحم، ويحيى بن معين، قالا: ثنا
[ ١٣ ]
سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: (وإنه لَذِكْر لَك ولِقَوْمِك)، قال: يقال: ممن الرجل؟ فيقال: من العرب، فيقال: مِن أي العرب؟ فيقال: من قريش.
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: نا قاسم بن اصبغ، قال: نا محمد بن عبد السلام الخشني، قال: نا نصر بن علي الجهضمي، قال: نا الأصمعي، قال. نا يحيى بن طلحة، قال: جئت سعيد بن المسيب فسلّمت عليه، فرد عليّ، فقلت: علمني النسب، فقال: أنت تريد أن تُساب الناس، ثم قال لي: مَن أنت؟ فقلت: أنا يحيى بن طلحة، فضمني إليه وقال: إئت محمدًا ابني، فإن عنده ما عندي، إنما هي شعوب وقبائل وبطون وعمائر وأفخاذ وفصائل. وقال أبو عمر: قال الخليل: العمارة أكبر من القبيلة. قال: والفصيلة: فخذ الرجل وقومه.
وقال المفسرون في قول الله ﷿: (وفَصيلته التي تُؤْويه): عشيرته الأدنون.
وقال أهل النسب: الشعوب: الجماهير، والجراثيم التي تفرقت منها العرب، ثم تفرقت القبائل من الشعوب، ثم تفرقت العمائر من القبائل، ثم تفرقت البطون من العمائر، ثم تفرقت الأفخاذ من البطون، ثم تفرقت الفصائل من الأفخاذ، وليس دون الفصائل شيء.
فصيلة الرجل: رهطه الأدنى وبنو أبيه.
وقد قيل بعد الفصيلة: العشيرة، وليس بعد العشيرة شيء، فهي
[ ١٤ ]
عندهم شعوب وقبائل، ثم ما دون القبائل عمائر وبطون، ثم ما دون البطون أفخاذ وقبائل.
وفي قول الله تعالى: (شُعُوبًا وقَبَائِل لتعارَفُوا) دليل واضح على تعلم الأنساب، وبالله تعالى التوفيق.
قال أبو عمر، ﵁: هذا كتاب: أخذته من أمهات كتب العلم بالنسب وأيام العرب، بعد مطالعتي لها ووقوفي على أغراضها، فمن ذلك: كتاب أبي بكر محمد بن إسحاق، وكتاب أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وكتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى، وكتاب محمد بن سليمان، وكتاب محمد بن حبيب، وكتاب أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد العدويّ في نسب قريش، وكتاب الزبير بن بكار في نسب قريش، وكتاب عمه مصعب بن عبد الله الزبيري في ذلك، وكتاب علي بن كيسان الكوفي في أنساب العرب قاطبة، وكتاب علي بن عبد العزيز الجرجاني، وكتاب عبد الملك بن حبيب الأندلسي، إلى فِقَرٍ قيّدتها من الحديث والآثار، ونوادر اقتطفتها من كتب أهل الأخبار وأخذت من ذلك كلّه عُيونه، وما يجب الوقوف عليه، ويجمل بأهل الأدب والكمال معرفته والانتساب إليه.
والله المعين، لا شريك له، وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال محمد بن عَبدة بن سليمان النسّابة في كتابه: أجمع النسابون جميعًا، العدنانية والقحطانية والأعاجم، على أن إبراهيم خليل الله، ﵇، من ولد عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، ﵇.
[ ١٥ ]