فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها، واختلفوا في بعض فروع ذلك، وسترى في كتابنا هذا ما أجمعوا عليه، وكثيرًا مما اختلفوا فيه، إن شاء الله.
والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنَّان، قالوا: عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح، وهو آزر بن نأحور بن ساروح بن أرغو بن فالغ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس النبي، فيما يزعمون، والله أعلم.
وكان أول نبي أُعطي النبوةِ بعد آدم وشيث، وخط بالقلم: ابن يرد بن مهليل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم، ﷺ.
قال ابن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي بهذا الذي ذكرت من نسب عدنان إلى آدم، وما فيه من حديث إدريس وغيره.
[ ٢٠ ]
قال ابن هشام: وحدثنا خلاد بن قرة بن خالد السدوسي، عن شيبان بن زهير بن شقيق بن ثور، عن قتادةِ بن دعامة، أنَّه قال: إسماعيل بن إبراهيم خليل الله بن تارح، وهو ازر بن ناحور بن أشرع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، ﵇.
وقال خليفة بن خياط، عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: بين معد بن عدنان إلى إسماعيل ثلاثون أبا.
وبإسناده عن ابن عباس قال كان النبي ﷺ إذا انتهى إلى عدنان أمسك، ثم يقول: كذب النسابون، قال الله تعالى: (وقرونًا بين ذلك كثيرًا).
وقال ابن جريج، عن القاسم بن أبي برة، عن عكرمة، قال: ألت نزار نسبها من عدنان.
ومن أحسن ما جاء في ذلك أيضا ما نظمه أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ في قصيدة يمدح بها رسول الله ﷺ، وهي قوله:
مدحتُ رسول الله أبغي بمَدْحه … وفُور حُظوظي من كريم المَآرِبِ
مدحت امرأً فات المديحَ مُوحدًا … بأوصافه عن مُبْعَد ومُقارِبِ
نبيًا تسامَى في المشارق نوره … فلاحت هواديه لأهل المَغارب
أتَتْنا به الأنباءُ قبلَ مَجيئه … وشاعت به الأخبارُ في كُل جانِبِ
[ ٢١ ]
وأصبحت الكُهّان تَهتف بآسمه … وتَنْفي به رَحْم الظنون الكَواذبِ
وأنطقت الأصنامُ نُطْقًا تَبرّأت … إلى الله فيه من مَقال الأكاذِبِ
وقالت لأهل الكُفر قَوْلًا مُبيِّنًا … أتاكم نبيٌّ من لُؤي بن غالبِ
ورام استراق السَمع جنٌّ فَزيَّلت … مقاعدَهم منها رجومُ الكَواكبِ
هَدانا إلى ما لم نَكُن نَهْتدِي لَهُ … لطُول المعَمَى مِن واضحات المَذاهِبِ
وجاء بآياتٍ تُبِّين أنها … دلائلُ جَبارٍ مُثيب مُعاقِبِ
فمنها انشقاق البَدر حين تَعمَّمت … شعوبُ الضِّيا منه رءوسَ الأخاشِبِ
ومنها نبُوعُ الماء بين بَنانِه … وقد عَدم الوُرَّادُ قُرْبَ المَشارِبِ
فروَّى به هِمّا فقيرا وأَمهلت … بأعناقه طوعًا أكُن المذانِبِ
وبِئرٌ طَغت بالماء من مس سَهمه … ومنْ قَبلُ لم تسمح بمُذقة شارِبِ
وضَرْعٌ مَرَاه فاسْتدَر ولم يكُنْ … به دِرَّةٌ تُصْغِي إلى كَف حالبِ
ونُطْقٌ فَصِيحٌ مِن ذِراع مُبِينَةٍ … لكَيْدِ عدوَّ للعَداوة ناصِبِ
وإخبارُه بالأمر من قَبلِ كَوْنِه … وعند بَواديه بماَ في العواقبِ
ومِن تِلْكم الأياتِ وحيٌ أتى بهِ … قريب المآتِي مُسِجّم العجائبِ
تَقَاصرت الأفكارُ عنه فلم يُطِعْ … بليغًا ولم يَخْطُر على قَلب خاطبِ
حَوى كلُ عِلْمٍ واحتوى كُلَّ حِكْمةٍ … وفاتَ مَرام المُستِمرِّ المُوارِبِ
أتانا به لا عَن روية مُرْئيء … ولا صُحْفِ مُسْتَمْلٍ ولا وصْف كاتِبِ
يواتيه طورًا في إجابة سائلً … وإفتاءِ مُسْتَفْتٍ ووعْظ مخاطبِ
وأتيانِ بُرْهان وفُرْضَ شرائعً … وقصّ احاديثٍ ونصّ مآربِ
وتَصريف أمثالٍ وتَثبيت حُجَّةٍ … وتَعرِيف ذي جَحْدٍ وتوقيفِ كاذِبِ
وفي مَجْمع النادي وفي حَوْمة الوغَى … وعند حُدوث المُعضلات الغرائبِ
فيأتي على ما شِئْتَ من طُرَقاته … قويمَ المعاني مُستدرَّ الضَّرائبِ
يُصدِّق منه البعضُ بعضًا كأنما … يُلاحظ مَعناه بعَيْن المُراقبِ
[ ٢٢ ]
وعَجَزُ الوَرَى عن أن يجيئوا بمثل مَا … وَصفناه مَعْلُوم بطُول التجارِبِ
تَأبَّى بعبد الله أكرمِ والدٍ … تبلَج منه عن كَريم المَناسِبِ
وشَيبة ذي الحَمد الذي فخَرت به … قُريش على أهل العُلا والمَناصِبِ
ومَن كان يُسْتَسْقَى الغَمامُ بوَجْهه … وَيصْدر عن آرائه في النَّوائِبِ
وهاشمُ البانِي مَشِيد آفتخاره … بغُرّ المَساعي وامتنان المَواهِبِ
وعَبد مَناف وهو علَّم قَومَه اشْـ … تطاط الاماني واحْتكام الرَّغائبِ
وإنّ قُضَياَّ من كريم غِراسه … لَفي مَنْهل لم يَدْنُ من كفِّ قاضِبِ
بِه جَمع الله القبائلَ بعدما … تَقسَمها نَهْبُ الأكفِّ السوالِبِ
وحَلَّ كلابٌ من ذُرَى المجد مَعْقِلًا … تَقاصَرَ عنه كلُّ دانٍ وغائبِ
ومُرَّةُ لم يَحْلُلْ مَريرةَ عَزْمِهِ … سِفاهُ سَفِيه أو مَحوبة حائِبِ
وكَعْبٌ عَلا عن طالب المَجْد كَعْبُهُ … فنال بأدْنَى السعْي أعلى المَراتبِ
وألْوَى لُؤَي بالعُداة فطُوِّعتْ … له هِمَمُ الشُّمِّ الأنوف الأغالبِ
وفي غالبٍ بأسٌ أبى البَأسُ دونهمْ … يُدافع عنهم كُلً قِرْنٍ مُغالِبِ
وكانت لِفِهْرٍ في قُريش خطابةٌ … يَعوذ بها عند آشْتجار المُخاطبِ
وما زال منهمْ مالكٌ خيرَ مالك … وأكرمُ مَصحوب وأكرمُ صاحبِ
وللنَضْر طولٌ يَقْصُر الطَّرْفُ دونه … بحيثُ التقى ضَوء النُّجوم الثواقبِ
لَعَمْري لقد أبْدَى كنانةُ قَبْلَه … محاسنَ تأبَى أن تَطُوعَ لغَالِبِ
ومِن قَبله أبْقى خزيمةُ حَمْدُه … تَلِيدَ تُراثٍ عن حَميد الأقارِبِ
ومَدْركةٌ لم يُدرك الناسُ مثلَه … أعفُ وأعلى عن دَنيء المَكاسِبِ
وإلياسُ كان اليَأسُ منه مُقارنا … لأعدائه قبلَ اعتداد الكتائبِ
وفي مُضَرٍ يَسْتجمع الفخرُ كلُه … إذا اعتركت يومًا زُحوف المَقانِبِ
وحلَّ نزارٌ مِن رياسة أهله … محلا تسامَى عن عُيون الرَّواقِبِ
وكانَ مَعدُّ عُدًة لولِّيه … إذا خاف مِن كَيد العدوّ المُحاربِ
[ ٢٣ ]
وما زال عدنانٌ إذا عُدَّ فضلُه … توحَّد فيه عَن قَرينٍ وصاحبِ
وأُدٌّ تأدى الفضلُ منه بغايةٍ … وإرْث حَواه عن قُرومٍ أشايِبِ
وفي أدَرٍ حِلْمٌ تزيَّن بالحِجَا … إذا الحِلم أزْهاه قطوبُ الحَواجِبِ
وما زال يَستعلي هَمَيْسَعُ بالعُلا … وَيتْبع آمالَ البَعيد المُراغبِ
ونَبْتٌ بَنَتْه دَوْحة العِز وَابْتَنَى … معاقِلَه في مُشمخرّ الاهَأضِبِ
وحِيزت لِقَيْذَارٍ سَماحة حاتِمٍ … وحِكْمَة لُقْمان وهِمَّة حاجِبِ
هُمُ نَسْلُ إسماعيل صادق وَعْدِه … فما بَعده في الفَخر مَسْعًى لذاهِبِ
وكان خليلُ الله أكرمَ مَن عَنَتْ … له الأرض من ماشٍ عليها وراكبِ
وتارَحُ ما زالت له أرْيَحيَّة … تُبيِّن منْه عن حَميد المَضارِبِ
وناحُور نَحَّار العِدَى حفِظت له … مآثرُ لما يُحْصِها عدُّ حاسبٍ
وأشْرع في الهَيجاء ضَيْغم غابةٍ … يَقُدّ الطُّلَى بالمُرْهَفات القواضبِ
وأرْغُوُ نابٌ في الحروب مُحكَّمٌ … ضنِينٌ على نَفْس المُشِحِّ المُغالبِ
وما فالغ في فَضْله تِلْوَ قومه … ولا عابِرٌ مِن دونهم في المَراتبِ
وشالَخْ وارْفَخْشَذَ وَسام سَمَتْ بهم … سَجايَا حَمَتهُم كُلَّ زارٍ وعائبِ
وما زال نوحٌ عند ذي العرش فاضلًا … يُعدِّده في المُصطفين الأطايبِ
ولَمْكٌ أبُوَه كان في الروع رائعًا … جَريئًا على نفس الكميّ المُضارِبِ
ومن قبُل لَمْكٌ لم يَزل مَتوشَلَخٌ … يَذُود العِدَى بالذائداتِ الشواربِ
وكانت لإدريسَ النبي منازل … من الله لم تُقْرَن بهمة راغِبِ
ويارَدٌ بَحْر عند أهل سَرَاتِه … أبيَّ الخَزايا مُسْتدِق المارِبِ
وكانت لِمْهلائيل فهم فضائلٌ … مهَذبة من فاحشات المَثالِبِ
وقَيْنان مِن قبلُ اقْتنى مجدَ قَومه … وفاتَ بشَأوِ الفَضل وَخْد الركائبِ
وكان أنُوشٌ ناشَ للمَجد نَفْسَه … ونَزهها عن مُرْدِيات المَطالِبِ
وما زال شِيثٌ بالفَضائل فاضلًا … شريفًا بريئًا من ذَميم المعايِبِ
[ ٢٤ ]
وكُلّهم من نُور آدم أقْبَوُا … وعَن عُوده أجْنَوْا ثمارَ المَناقِبِ
وكان رسول الله أكرَم مُنْجَبٍ … جَرَى في ظُهور الطيبين المَناجب
مُقابَلة آباؤه وأمهانة … مُبرأة من فاضحات المَثالبِ
عليه سلامُ الله في كُلِّ شارقٍ … ألاحَ لنا ضوءا وفي كلُ غارب
قال أبو عمر، ﵁، الذي أجمعوا عليه من ولد عدنان: معد، وكثير منهم يقول: وعك، واختلفوا فيما سواهما.
فأما معد، فذكر بعضهم له ثمانية من الولد، منهم: قضاعة، وإياد، وحَيدان أبو مهرة، وقَنَص بن معد، ونزار بن معد.
وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون لمعد ولد غير نزار، وأجمعوا كلهم على أن كل معدَي وعدناني اليوم، نزاري، ولا يعلمون لمعد ولدًا غير نزار، فنزار صريحُ ولد معد بن عدنان بإجماع. وغير ذلك مختلف فيه على ما نذكره بعدُ، إن شاء الله تعالى.
[ ٢٥ ]