وأمَّا ثقيفٌ فاختلَفَ أهلُ العلمِ بالنَّسَبِ (^٢) فيهم؛ فزَعَمَ قومٌ أنَّهم مِن إيادٍ ومَن زعَمَ ذلك، قالَ: ثَقيفٌ هو قَسِيُّ بنُ مُنَبِّهِ بنِ منصورِ بنِ يقدُمَ (^٣) بنِ أفصَى بن إيادِ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدَّ بنِ عدنانَ.
ومَن زَعَمَ أنَّ ثقيفًا (^٤) مِن إيادٍ زَعَمَ أَنَّهم حُلفاءُ قيسٍ، وإِنَّما صارَ حِلفُ ثقيفٍ إلَى قيسٍ؛ لأنَّ أمَّ قَسِيِّ بنِ مُنَبِّهٍ هِي ابنةُ عامرِ بنِ الظَّرِبِ العَدوانيِّ، فكانَت قيسٌ أخوالَهم فحالَفُوهم؛ لأنَّ دارَهم [مَعَ دارِهم، وكانت] (^٥) ثقيفٌ قد نزَلَت دارًا لم ينزِلْ أَحَدٌ مِنَ العَربِ أَفضَلَ مِنها، وحَمَوْها في الجاهليَّةِ مِمَّن رامَها مِن جَميعِ العَربِ، ومِمَّن
_________________
(١) ستأتي ص ١٠٩.
(٢) في ح، س، م: "بالأنساب".
(٣) في ح، س، م: "يقرم".
(٤) بعده في س: "ليس"، وكلمة ثقيف ضبطت في النسخة ص مصروفة منونة إلا في هذا الموضع وما سيأتي في موضع النصب فرسمت دون ألف، ورسم المنصوب دون ألف جائز، كما حققه الشيخ شاكر في تحقيقه للرسالة ص ٥٩.
(٥) في ح، م: "مع دارهم فكانت"، وفي س: "واحدة، وكانت".
[ ١٠٢ ]
قالَ: إِنَّ ثقيفًا حُلفاءُ قيسٍ، ابنُ إسحاقَ وغيرُه (^١).
ورُوِيَ أنَّ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ حرَّشَ بين الحجَّاجِ بنِ يوسُفَ وبينَ كثيرِ بنِ هَراسةَ (^٢) الكِلابيِّ، فقالَ: يا كثيرُ، مِمَّن ثقيفٌ؟ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ العُلماءُ بالنَّسَبِ يزعُمُونَ أَنَّهم (^٣) من إيادٍ وقد قالَ شاعِرُهم (^٤):
قَومِي إيادٌ لوَ أنَّهم أَمَمُ (^٥) … [أو لو] (^٦) أقَامُوا فَتَهزِلَ النَّعَمُ
قومِي لَهُم ساحةُ العِراقِ إذا … سارُوا جَمِيعًا والخَطُّ (^٧) والقَلَمُ
فقالَ الحجَّاجُ: معاذَ اللهِ يا أميرَ المؤمنينَ، نحن مِن قيسٍ ثابتةٌ أُصولُنا، باسقةٌ فروعُنا، يعرِفُ ذلك قومُنا، و(^٨) قالَ شاعِرُنا (^٩):
وإِنَّا مَعشَرٌ مِن جِذْمِ قَيْسٍ … فنِسْبَتُهم ونُسْبَتُنا سَواءُ
همُ آبَاؤُنَا وبَنَوا علَينا … كَمَا بُنِيَت علَى الأرضِ السَّماءُ (^١٠)
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٤٦/ ٤٧، وتاريخ ابن أبي خيثمة ٢/ ٧٤٦.
(٢) في ح، س، م "هراشة"، وترجمته في تاريخ دمشق ٥٠/ ٦١.
(٣) في س: "أنه".
(٤) البيتان لأمية بن أبي الصلت، ديوانه ص ١٢٨، وهما في سيرة ابن هشام ١/ ٤٧، وتاريخ ابن جرير ٣/ ٣٧٥، والأضداد لابن الأنباري ص ١٢٤.
(٥) أمم: قريبون، لسان العرب ١٢/ ٢٨ (أم م).
(٦) في س: "ولو".
(٧) كذا في النسخ، وفي الديوان: "اللقط، وهو ما يكتب عليه آنذاك من رق ونحوه".
(٨) في ح، س م: "وقد".
(٩) البيتان لربيعة بن أمية بن أبي الصلت، كما في ربيع الأبرار ٤/ ٢٦٣.
(١٠) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٠/ ٦٢، وفيه أن عبد الملك بن مروان هو من أنشد الأبيات وليس كثير بن هراسة.
[ ١٠٣ ]
[وقد] (^١) قيل: إنَّ ثقيفًا كانَ عبدًا لصالحٍ النبيِّ ﷺ، فهرَبَ مِنه واستوطَنَ الحَرمَ، [وقد قال: إنَّ أبا رِغالٍ هو أبو ثقيفٍ، جماعةٌ] (^٢).
قالَ أبو عمرَ: جماعةٌ مِنَ النُّسَابِ يقولُونَ: إِنَّ ثقيفًا في قيسٍ، ومَن زعَمَ ذلك قالَ: ثَقيفٌ هو قَسِيُّ بنُ مُنَبِّهِ بنِ بكرِ بنِ هوازِنَ بنِ منصورِ بنِ عِكرِمَةَ بنِ خصَفةَ بنِ قيسِ بنِ عَيلانَ بنِ مُضَرَ، وقد قيلَ: إِنَّ ثقيفًا مِن بقايا ثمودَ، وكانَ الحجَّاجُ يُنكِرُ هذا ويتلُو: (وثَمُودًا (^٣) فَمَا أبقَى] (^٤) [النجم: ٥١]، ورُوِيَ عن عَليٍّ ﵁ أنَّه قال: جُرْهُمُ مِن بقايا عادٍ، وثقيفٌ (^٥) مِن بقيَّةِ ثمودَ، وأصبَحُ مِن حِميَرَ في تُبَّعٍ (^٦).
[ورُوِيَ عن الحسنِ أنَّه قال: لم يَبْقَ من ثمودَ غيرُ ثقيفٍ في قيسِ عيلانَ، وبنو لَجَأٍ في طيئٍ، والطُّفاوةُ في بني أعْصُرَ (^٧)، قال: وقبائلُ تنتمي إلى العربِ، وليست من العربِ حميرُ من تبعِ، وجرهمُ من عادٍ، وثقيفٌ من ثمودَ (^٨)] (^٩).
_________________
(١) في ح، س، م: "و".
(٢) سقط من: ح، س.
(٣) هي قراءة الجمهور، وقرأه غير مصروف عاصم، النشر ٢/ ٢١٧.
(٤) الكامل للمبرد ٢/ ٥٠، والمحرر الوجيز ٥/ ٢٠٩، وتفسير الرازي ٢٩/ ٢١ والبحر المحيط ٢٣/ ٦٨٤.
(٥) في ص: "وثمود".
(٦) الأنساب للسمعاني ١/ ٢٩.
(٧) الأغاني ٤/ ٣٠٢.
(٨) ذكره أبو الفرج في الأغاني ٤/ ٣٠٢، ٣٠٣ عن الحسن مرفوعًا.
(٩) جاء هذا في ح، س، م بعد قوله، "فاستخرجوا الغصن" الآتي ص ١٠٧.
[ ١٠٤ ]
وفي ثقيفٍ وأصلِها أخبارٌ يطولُ ذكرُها.
قالَ أبو عمرَ: أَصَحُّ شيءٍ في ثَقيفٍ مِن جهةِ الإسنادِ عن النبيِّ ﷺ، وما قالَه فهو الحقُّ، ما حدَّثَنا خلَفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ناصحٍ، قالَ: حدَّثنَا أحمدُ بنُ علِيِّ بنِ سعيدٍ (^١)، قالَ: حدَّثنا يحيَى بْنُ مَعِينٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ يُوسُفَ، عَن مَعْمَرٍ، عَنِ ابنِ خُثَيمٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَ الناسَ في غزوةِ تبوكَ وهو بالحِجرِ، فقالَ: "يا أَيُّها الناسُ، لا تسألُوا الآياتِ، فقد سألَها قومُ صالحٍ، فكانَت تَرِدُ الناقةُ علَيهِم مِن هذا الفَجِّ فتشرَبُ مِن مائهم ويحتلِبُونَ مِن لبنِها مثلَ الذي كانَت تشرَبُ مِن مائهم يَوم وِردِها وتصدُرُ مِن هذا الفَجِّ، فعَتَوا عن أمرِ ربِّهم فعقَرُوها، فوعَدَهم اللهُ ثلاثةَ أَيَّامٍ وكانَ وعدًا غيرَ مكذُوبٍ، فأَخَذَتهم الصَّيحَةُ فأهلَكَ اللهُ مَن تحتَ السَّمَاءِ مِنهم في مَشارِقِ الأَرضِ ومغارِبِها، إِلَّا رجلٌ كانَ في حرَمِ اللهِ فمنَعَه حرَمُ اللهِ"، قالوا: " [ومن هو يا رسولَ اللهِ؟ أبو رِغالٍ؟ قال: "نعم"] (^٢)، قالوا: ومَن أبو رِغَالٍ؟ قالَ: "هو أبو ثقيفٍ" (^٣).
_________________
(١) في ص: "سعد".
(٢) في ح، س: "يا رسول الله، ومن هو؟ قال: أبو رغال"، وفي م: "يا رسول الله، ومن هو؟ أبو رغال؟ قال: نعم".
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٣١، ٢٣٢، ومن طريقه أحمد ٢٢/ ٦٦ (١٤١٦٠)، وابن جرير في تفسيره ١٠/ ٢٩٦، والطحاوي في شرح المشكل (٣٧٥٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ١٥١٦ (٨٦٨٥)، والحاكم ٢/ ٣٢٠، عن معمر به، وأخرجه البزار (١٨٤٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٧٥٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره ٥/ ٥١٦ (٨٦٨٦)، وابن حبان (٦١٩٧)، والحاكم ٢/ ٣٤٠ من طريق ابن خثيم.
[ ١٠٥ ]
ومِن حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لَمَّا انصرَفَ مِنَ الطَّائفِ، مرَّ بقبرِ أبي رِغَالٍ، فقالَ: "هذا قبرُ أبي رِغَالٍ وهو أبو ثَقيفٍ، كانَ إذ أهلَكَ اللهُ قومَ صالحٍ في الحَرَمِ فَمَنَعَه اللهُ، فلمَّا خَرَجَ مِنَ الحرمِ رماه اللهُ بقارعةٍ، وآيةُ ذلك أنَّه دُفِنَ مَعَه عمودٌ مِن ذَهَبٍ" (^١).
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسَةَ، حدَّثنا أبو داودَ سليمانُ بنُ الأشعثِ (ح) وحدَّثنا خَلَفُ بن قاسمٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ناصحٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ سعيدٍ القاضي، قالَا: حدَّثنا يحيَى بنُ مَعِينٍ، قالَ: حدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قالَ: سَمِعْتُ محمدَ بنَ إسحاقَ يُحدِّثُ، عن إسماعيلَ بنِ أُمَيَّةَ، عن [بُجَيرِ بنِ أبِي بُخَيرٍ] (^٢)، قالَ: سَمِعْتُ عبد الله بن عمرٍو (^٣) يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ حينَ خرَجْنا معَه إلَى الطَّائفِ، فمرَرْنا بقَبرٍ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "هذا قبرُ أبي رِغَالٍ، وكانَ بهذا الحرَمِ يدفَعُ عنه، فلمَّا خرَجَ (^٤) أصابَته النِّقمَةُ التي أصابَت قومَه بهذا المكانِ فَدُفِنَ
_________________
(١) بعده في ح، س، م: "فابتدر المسلمون قبره فنبشوه واستخرجوا العمود منه، وروى عبد الله بن عمرو بن العاصي عن النبي ﷺ مثله". والحديث في الأغاني ٤/ ٣٠٢، والجوهرة في نسب النبي ﷺ وأصحاب العشرة ١/ ٤٠٨.
(٢) في ص: "بحير بن أبي بجير"، وترجمة بُجير بن أبي بجير في التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١٣٩.
(٣) في م: "عمر".
(٤) بعده في ح، س، م: "منه".
[ ١٠٦ ]
فيهِ، وآيةُ ذلك أنَّه دُفِنَ معَه عمودٌ (^١) مِن ذَهَبٍ، إن أنتُم [فَتَّشتُم عنه] (^٢) أصببْتُموه معَه"، فابتدَرَه الناسُ فاستخرَجُوا (^٣) الغُصنَ (^٤).
ورُوِيَ عنِ النبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "كلُّ العَربِ مِن وَلَدِ إسماعيلَ إِلَّا جُرهُمَ، فإنَّهم مِن عادٍ، وثقيفَ (^٥) فإنَّهم مِن ثمودَ، وقبائلَ مِن حِميَرَ فإنَّهم من تُبَّعٍ" (^٦).
ورُوِيَ (^٧) عنه ﷺ أنَّه قالَ: "العَربُ كلُّها مِن ولَدِ إسماعيلَ إِلَّا السُّلَفَ، وثقيفَ، والأوزاعَ، وحضَرَموت" (^٨).
وهي آثارٌ كلُّها ضَعِيفَةُ الأسانيدِ، لا تقومُ بشَيءٍ مِنها حُجَّةٌ، واللهُ أعلَمُ بصِحَّةِ ذلك، وقالَ حسَّانُ بنُ ثابتٍ (^٩):
_________________
(١) في ح، س، م: "غصن".
(٢) في ح، س، م: "نبشتم عليه".
(٣) بعده في ح، س، م: "منه".
(٤) أبو داود (٣٠٨٨)، وأخرجه الطحاوي في شرح المشكل (٣٧٥٤)، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٢٩٧، والخطيب في المتفق والمفترق ١/ ٥٦٩ (٣١٤)، والمزي في تهذيب الكمال ٤/ ١١ من طريق يحيى بن معين به، وأخرجه الطحاوي في شرح المشكل (٣٧٥٣) وابن حبان (٦١٩٨) من طريق إسماعيل بن أمية به. وجاء بعده في ح، س، م أثر الحسن المتقدم ص ١٠٤.
(٥) كذا ضبطت في ص كلمة "جرهم"، و"ثقيف" بالفتح دون ألف.
(٦) أخرجه ابن عدي في الكامل ٥/ ٣٤٧ من حديث عقبة بن عامر ﵁.
(٧) في ح، س، م: وقد روي".
(٨) أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٨، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٥/ ١٥٥ من حديث مالك بن يخامر ﵁.
(٩) ديوانه ص ٢٥٦، ٢٥٧، وجاء البيت الثاني فيه:=
[ ١٠٧ ]
إذا الثَّقَفِيُّ فَاخَرَكُم فَقُولُوا … هَلُمَّ نَعُدْ أَمْرَ (^١) أبي رِغَالِ
أبُوكُم أخبَثُ الأحيَاءِ قُدْمًا … وأنتُم مُشْبِهُوهُ علَى مِثَالِ
والذي علَيه جماعةُ (^٢) أهلِ العلمِ بالنَّسَبِ أَنَّ ثَقِيفًا في قيسٍ، [وأنَّ ثقيفًا هو قَسِيُّ بنُ مُنْبِّهِ بنِ بكرِ بنِ هَوازنَ بنِ منصورِ بنِ عكرمةَ بنِ خَصَفةَ بنِ قيسِ بنِ عيلانَ بنِ مُضَرَ] (^٣)، ومِنهم مَن ينسُبُهم في إيادٍ، وفي ثقيفٍ بطونٌ كثيرةٌ.
وقد روَى عن النبيِّ ﷺ مِن ثقيفٌ جماعةٌ؛ مِنهم المُغيرَةُ بنُ شُعْبَةَ،
وعثمانُ والحكَمُ ابنا أبي العاصِي بنِ بشرٍ الثَّقَفِيِّ، وغَيلَانُ بنُ سَلَمَةَ، ويعلَى بنُ مُرَّةَ، وأبو مِحجَنٍ، وأبو بَكرَةَ، وكانَ أفضَلَهم أو مِن أفضَلِهم، وأكبَرُ صحابِيٍّ في ثقيفٍ وأجَلُّهم عُروةُ بنُ مسعودِ بنِ مُعتِّبٍ؛ بعثَه رسولُ اللهِ ﷺ إلى ثقيفٍ يدعُوهم إلى الإسلامِ، فقتَلُوه، فقالَ فيه رسولُ اللهِ ﷺ: "هو كصاحبِ ياسين" (^٤).
_________________
(١) = أبوكم ألأم الآباء قدما … وأولاد الخبيث على مثال وهما في الأغاني ٤/ ٣٠٣، وفيه: الآباء بدلا من الأحياء.
(٢) في س: "أم"، وفي الديوان والأغاني: "شأن".
(٣) في ح، س، م: "أكثر".
(٤) سقط من ح، س، م.
(٥) سيأتي تخريجه في الاستيعاب ٥/ ٤٧٣.
[ ١٠٨ ]