اختلَفُوا في خُزاعَةً، بعدَ إجماعِهم على أنَّهم ولَدُ عمرِو بنِ لُحَيٍّ؛ فقالَ ابنُ إسحاقَ ومصعَبٌ الزُّبيريُّ: خُزاعةُ فِي مُضَرَ، وهم مِن وَلَدِ قَمَعةَ بنِ إلياسَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدَّ بنِ عدنانَ، واسمُ قمعةَ عُمَيرُ ابنُ إِلياسَ بنِ مُضَرَ علَى ما قد مضَى في (^١) كتابِنا هذا.
قالَ ابنُ إسحاقَ: خَزاعَةُ هو كعبُ بنُ عمرِو بنِ لُحَيِّ بنِ قَمعةَ بنِ خِنْدَفٍ.
وقد ذكَرَنا أنَّ ولَدَ إلياس بن مُضَرَ يُنْسبُونَ (^٢) إِلَى أَمِّهم خِندَفٍ، ورُوِيَ مِن حديثِ أبي حَصينٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "عمرُو بنُ لُحَيِّ بنِ قمعةَ بن خِنْدَفٍ هو أبو خُزاعَةَ " (^٣).
وقالَ أبو عُبيدَةَ مَعَمرُ بنُ المُثَنَّى: خُزاعَةُ كعبٌ (^٤) ومليحٌ وسعدٌ وعوفٌ وعديٌّ بنو عمرِو بنِ ربيعةَ (^٥) بنِ حارثةِ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ (^٦).
وقالَ آخَرونَ: خُزاعَةُ هم ولَدُ عمرِو بنِ ربيعةَ بنِ حارثةَ بنِ عمرِو
_________________
(١) في س: "من"، وتقدم ص ٦١.
(٢) في ح، س، م: "ينتسبون".
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٢٠) من طريق أبي حصين به.
(٤) في س: "وكعب".
(٥) في س: "زمعة".
(٦) سيرة ابن هشام ١/ ٩١، والروض الأنف ١/ ٣٨٣، وتحرير المقال للطرطوشي ٢/ ٤٥١، والجوهرة في نسب النبي ﷺ وأصحابه العشرة ١/ ٢٠٠.
[ ١٠٩ ]
ابنِ عامرٍ.
قالُوا: وعمرُو بنُ ربيعةَ بنَ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ، هو عمرُو بنُ لُحَيٍّ، ولُحَيٌّ اسمُه ربيعةُ بنُ حارثةَ بنِ عمرِو - و(^١) هو مزيقياءُ - بنِ عامرِ - وهو ماءُ السَّماء - بنِ حارثةَ بنِ امرئ القيسِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ مازنِ ابنِ الأزدِ بنِ الغَوثِ بنِ النبْتِ (^٢) بنِ مالكِ بنِ زيدِ بنِ كهلانَ بنِ سبَأِ بنِ يشجُبَ بنِ يعرُبَ بنِ قحطانَ، هذا قَولُ ابنِ الكَلبِيِّ (^٣).
قالَ ابنُ الكَلبِيِّ (^٤): عمرُو بنُ لُحَيٍّ هو أبو خُزاعةَ كلِّها، مِنه تفرَّقَتْ (^٥)، ثمَّ نسَبَه كما ذكَرْنا.
فعلَى هذا القَولِ خُزاعَةُ قحطانيَّةٌ في اليمنِ، وعلَى القَولِ الآخَرِ خُزاعةُ مُضَريَّةٌ في عدنانَ، واحتَجَّ مَن جعَلَ خُزاعةَ فِي مُضَرَ بما رواه محمدُ بنُ إسحاقَ وغيرُه، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيميِّ، عن أبي صالحٍ السَّمَّانِ، عن أبي هُريرةَ أنَّه سمِعَه يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقوُل لأكثَمَ ابنِ (^٦) الجَونِ الخُزاعِيِّ: "يا أكثَمُ، رأيتُ
_________________
(١) في ح، م: "أو".
(٢) في ح، س، م: "النبيت".
(٣) جمهرة النسب ص ٦١٦، ٦١٧.
(٤) نسب معد واليمن الكبير ٢/ ٤٣٩ وما بعدها.
(٥) في ح، س، م: "تفرعت".
(٦) بعده في ح، س، م: "أبي"، وفي حاشية ص: "أكثم بن أبي الجون، قاله أبو أحمد"، وفوقها: "صح".
[ ١١٠ ]
عمرو بن لُحَيِّ بن قَمَعةَ بن خِنْدَفٍ يجُرُّ قُصْبَه (^١) في النَّار، فما رأيتُ رجُلًا أشبَة برجُلٍ مِنك به"، فقالَ أكثَمُ: أَيضُرُّني شبهه يا رسولَ اللهِ؟ [فقال: "لا؛ لأنَّك] (^٢) مؤمنٌ وهو كافرٌ، وإِنَّه كَانَ أَوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إسماعيل ﵇؛ فنصَبَ الأوثانَ، وسَيَّبَ السَّائبةَ، وبحرَ البَحيرَةَ، ووصَلَ الوصيلة، وحمّى الحامي".
حدثناه عبد الوارث بنُ سُفيانَ، قال: حدثنا قاسم بن أصبَغَ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: حدثنا الفضلُ بنُ غَانِمٍ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ، عن ابن (^٣) إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمِيِّ، أنَّ أبا صالح حدَّثه، أنه سمع أبا هريرة يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول لأكثم، فذكر الحديث (^٤).
وذكر مُصعَبٌ الزبيرِيُّ (^٥) حديث أبي هريرة هذا دون إسنادٍ، ثمَّ قال: وما قال رسول الله ﷺ فهو الحقُّ إن كانَ قالَه، قال: وخُزاعةُ تأبى ذلك، واحتجوا أيضا بقول كثير، وهو خُزاعي (^٦):
_________________
(١) القُصْبُ: المعى، وجمعه أقصاب، النهاية ٤/ ٦٧.
(٢) في ح، س، م: "قال: لا، إنك".
(٣) في م: "أبي".
(٤) ابن أبي خيثمة في تاريخه ١/ ٣٨ ومن طريقه الواحدي في التفسير الوسيط ٢/ ٢٣٦ وسيرة ابن هشام ١/ ٧٦، ومن طريقه البزار (٨٩٩١)، وابن أبي عاصم في الأوائل (٨٣)، وابن جرير في تفسيره ٩/ ٢٧، وأبو عروبة الحراني في الأوائل (٢٩)، وابن الأثير في أسد الغابة ١/ ١٣٣، وسيأتي من طريق آخر في الاستيعاب ص ٢٨٣.
(٥) نسب قريش ص ٨.
(٦) تقدم ص ٥١.
[ ١١١ ]
أليس أبي بالصَّلْتِ أم ليس إخوتي … لكُلِّ هِجَانٍ مِن بَني النَّضْرِ أَزهَرَا
إذا مَا قَطَعْنَا مِن قُريشٍ قرَابَةً … فَأَيُّ قسيٍّ (^١) تَحْفِزُ النَّبْعَ (^٢) مَيسَرَا
وإِنَّ التي قد سُمْتَني فأبيتُها … إذا سُمْتَها يَوْمًا قَبيصَةَ أنكَرَا
وميسرة المذكورُ هو ابن أُمِّ حُديرٍ مِن خُزاعة، يقول: إذا قطَعْنا قرابتنا مِن قُريش، فبمَن نستعينُ على عدُوِّنا (^٣)؟ وضرَبَ القِسيَّ مثلًا؛ لأنَّها تحفِزُ النَّبلَ وتُعينُها علَى الذَّهاب، وقبيصة المذكور هو قبيصَةُ بنُ ذُؤَيبٍ الخُزاعِيُّ.
قالَ ابن الكَلبِي (^٤): فولَدَ عمرُو بنُ ربيعة - يعني عمرو بنَ لُحَيٍّ - كعبًا، بطنٌ، ومُلَيحًا (^٥)، بطنٌ، وعديًّا، بطنٌ، وعوفًا وسعدًا.
وكلُّ مَن وَلَدَ ربيعةُ بنُ حارثة فهم خُزاعةُ، وإنَّما قيل لهم: خزاعَةُ؛ لأنَّهم تخزَّعُوا مِن بني عمرو بن عامر، أي: تخلَّفُوا عنهم وفارَقُوهم، وكذلك يُقالُ أيضا لبني أفصى بن حارثةَ؛ لأنَّهم تخزَّعُوا من بني مازن بن الأزدِ في إقبالهم معهم مِنَ اليمن ثمَّ تَفَرَّقُوا في البلدان.
وفي خُزاعَةَ بطونٌ كثيرةٌ، وقال محمدُ بنُ عبدة بن سُليمانَ
_________________
(١) القسي: جمع القوس الصحاح ٣/ ٩٦٧ (ق وس).
(٢) في ح، س، م: "النبل".
(٣) في س: "غزونا".
(٤) نسب معد واليمن الكبير ٢/ ٤٠.
(٥) في س: "سليما".
[ ١١٢ ]
النَّسَّابِةُ: افترقت خُزاعَةُ على أربَعَةِ شُعوبِ؛ فالشَّعبُ الأَوَّلُ ربيعةُ بنُ حارثة بن عمرو بن عامرٍ إِلّا بَيْتَين من (^١) ربيعة بن حارثة وهم بنو جَفنَةَ، ويُقالُ: جُفينةُ، الذين بالشَّام في غَسَّانَ، والشَّعبُ الثَّاني (^٢) أسلَمُ بنُ أفصَى، والشَّعبُ الثَّالِثُ مَلْكانُ، والشَّعبُ الرَّابع مالك بن أفصَى بن حارثة بن عمرو بن عامرٍ، قال: وإِنَّما قيل لها (^٣): خُزاعةُ؛ لأنَّها تخزَّعت عن عُظْم الوادي (^٤)، والانخزاعُ التَّقاعُسُ والتَّخلُّفُ، فأقامت بمَرِّ الظَّهرانِ بجنباتِ الحرَمِ ووَلُوا حِجابةَ البيتِ دَهرًا، وهم حلفاء بني هاشم.
قال أبو عمرَ ﵀: لنزولِ خُزاعَةَ الحَرَمَ ومجاورتهم قُريشًا قالَ ابن عباس: نزَلَ القُرآنُ بلُغةِ الكَعَبَينِ؛ كعب بن لُؤَيٍّ وكعب بن عمرِو بن لُحَيٍّ، وذلك أنَّ دارَهم كانت واحدةً (^٥).
ويُقالُ لخُزاعةَ: حلفاء رسول الله ﷺ؛ [لأنهم حلفاء بني هاشم، وقد أدْخَلَهُم رسول الله ﷺ معه] (^٦) في كتاب القضيَّةِ عامَ الحُدَيبَيَةِ، حينَ قاضَى مُشرِكِي قُريش فأدخَلَ خُزاعةَ معه، وأدخَلَت قُريش بني
_________________
(١) في م: "وهم".
(٢) بعده في س: "ابن".
(٣) في ح، س: "لهم".
(٤) في ح، س، م: "الأزد".
(٥) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٣٤٠، وتفسير ابن جرير ١/ ٦١، والتمهيد للمصنف ٥/ ٩٣.
(٦) في م: "معه"، والجملة كلها في ح، س دون كلمة: "معه".
[ ١١٣ ]
بكر بن عبد مناة بن كنانة معهم فوَقَعَت حربٌ بينَ خُزاعةً وبين بني بكرٍ، فأعانَ مُشركو قُريشٍ حُلفاءَهم بني بكرٍ ونقضُوا بذلك العهد، فكانَ ذلك سبب فتح مكة لنصرِ رسول الله ﷺ خُزاعة حلفاءه (^١)، ورُوي عنه ﷺ أنَّه قال يومئذٍ لسحابةٍ رآها: "إنَّ هذه السَّحابةَ لتستهلُّ بنصر بني كعب" (^٢)، وأعطاهم النبي ﷺ منزِلةً لم يُعطيها أحدًا مِن الناس؛ أنْ جَعَلَهم مُهاجرين بأرضهم، وكتب لهم بذلك كتابًا.
وفِي خُزاعةَ مِن الصَّحابة جماعةٌ؛ مِنهم بُدَيلُ بنُ ورقاء وبنوه، وأبو شُريحٍ الكعبيُّ، وعِمرانُ بنُ حُصَيْنٍ.
وأمَّا بنو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وبنو أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامرٍ، وسائرُ بطونِ بني ملكانَ بن أَفضَى، وأسلَمُ بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامرٍ، فسيأتي ذكرُهم في قبائل اليمن بعد ذكر الأنصار في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.