ذكر اللغويون أن للتصغير أغراضًا: التحقير، والتقليل، والتقريب، واللطافة، والرحمة، والإشفاق، والمحبة والعطف
وذكروا أن الكوفيين أضافوا معنى آخر، وهو: التعظيم واستدلوا بأدلة، منها:
قول عمر عن ابن مسعود - ﵄ - كُنيِّف مُلئ عِلمًا. (١)
وقول الأنصاري في البَيْعة: ( أَنَا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ). (٢)
وغير ذلك من الأمثلة التي أوردوها
من ذلك ما ورد في «أمالي» ابن الشجري: (وقد جاء التحقير فى كلامهم للتعظيم كقوله:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم * دويهية تصفرّ منها الأنامل
أراد بالدُّويهية الموت، ولا داهية أعظم منها،
_________________
(١) كما في «الموطأ» لمالك - رواية محمد بن الحسن - رقم (٦٠٧)، و«مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ١٣) رقم (١٨١٨٧).
(٢) كما في «صحيح البخاري» رقم (٦٨٣٠).
[ ٧ ]
وكقول أوس بن حجر:
فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن لتبلغه حتى تكلَّ وتعملا
أي: لم تكن لتبلغ رأسه.
فتحقير اللُّتيّا هاهنا إنما هو تعظيم، ويبعد أن يكون أراد باللُّتيَّا الفعلة الهيِّنَة لقوله: «وكفيت جانيها اللّتيّا»، والفعلة الهيِّنة لا يكاد فاعلها يُسمَّى جانيًا). (١)
قال أبو علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ): (. . . دُوهِيَةٌ تصفَرُّ منها الأناملُ.
فاصفرارُ الأنامل يكون من أكبر الدواهي؛ لأنه يحدث عند الموت، وهذا يدل على أنَّ التحقيرَ قد يُعنى به تعظيم الأمر). (٢)
ذكر أبو حيان (ت ٧٤٥ هـ) أنه يقال: باب التصغير، وباب التحقير. (٣)
_________________
(١) «أمالي ابن الشجري» (١/ ٣٦).
(٢) «كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب» للفارسي (٢/ ٣٩١).
(٣) «ارتشاب الضرَب» (١/ ٣٥١).
[ ٨ ]
قال ابن يعيش (ت ٦٤٣ هـ): (اعلم أنَّ التصغير والتحقير واحدٌ، وهو خلافُ التكبير والتعظيم.
وتصغيرُ الاسم دليلٌ على صِغَر مسمَّاه، فهو حِلْيَةٌ وصفةٌ للاسم؛ لأنك تريد بقولك: «رُجَيْلٌ» رجلًا صغيرًَا، وإنّما اختصرتَ بحذف الصفة، وجعلتَ تغييرَ الاسم والزيادةَ عليه عَلَمًَا على ذلك المعنى ). (١)
وذكر أبو حيَّان أن التصغير يأتي لتحقير شأن الشئ، نحو: زُييد ورُجيل، تضع من شأنه.
ولتقليل ذاته، نحو: كُليب. أو كمِّيتِه، نحو: دريهمات.
أو لتقريب زمانه، نحو: قُبيل وبُعيد. أو مسافته، نحو: فويق وتُحيت. أو منزلته: كأُخيَّ وصُدَيِّقِيَّ.
وزاد الكوفيون لتعظيم الشئ، نحو: دُويْهيِيَة، للمنِيَّة، وزعموا أنَّ من ذلك أُخَيَّ، وصُدَيِّقِيَّ. (٢)
_________________
(١) «شرح المفصل» (٣/ ٣٩٤).
(٢) «ارتشاف الضرَب» (١/ ٣٨٩)، وانظر: «شرح الشافية» للرضى (١/ ٢٨٣)، «شرح المفصل» (٣/ ٣٩٦).
[ ٩ ]
ذكر ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ): أن التصغير من خواصِّ الأسماء ثم أورد أغراضه فقال:
والنّحاة يسمُّونه «باب التصغير»، وباب «التحقير»؛ تسمية للشئ ببعضه، فإنَّه يقع في الكلام على أضرب:
الضرب الأول: التصغير، ويختصُّ بالجثث؛ لأنه ضد الكبير، نحو: جمل وجميل، وجبل وجبيل.
الضرب الثانى: التحقير، ويختصُّ بما يظنُّ عظيمًا؛ لأنه ضد التعظيم، نحو: ملك ومليك، ورجل ورجيل إذا أريد الشجاعة.
الضرب الثالث: التقريب، ويختصُّ بما يظنُّ بعيدًا، نحو: فويق السطح، ودوين السقف، وقبيل الشهر.
الضرب الرابع: التقليل، ويختصُّ بالمقادير، نحو: مويل، ودريهمات، وحنيطة، وأجيمال.
الضرب الخامس: التعظيم وفيه خلاف، كقول النّبيِّ - ﷺ - لابن مسعود: «كنيف ملئ علمًا»، وكقوله ﵇ لعائشة: «يا حميراء». وكقولهم: «هو دويهية» إذا وصفوه بالدّهاء العظيم، قال الشاعر:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفرّ منها الأنامل.
ومنه قولهم: يا أخيَّ، ويا بُنىَّ، ويا صُدَيِّقىَّ إذا أرادوا به المبالغة.
[ ١٠ ]
وقد يصغَّر الشئ لدنوه من الشئ وليس مثله، كقولك: هو أصيغر منك ودُوين هذا، وفُويق ذاك، يريد تقليل الذى بينهما، وتقول: هو أسيِّد أي قد قارب السَّواد، فأما قولهم: هو مُثيل ذاك، وأميثال ذاك، فإنَّما يريدون أن يخبروا أن المشبَّه به حقيرٌ). ا. هـ (١)
وقال ابن منظور: (والتصغير يجيء بمعان شتى:
منها: ما يجيء على التعظيم لها، وهو معنى قوله: فأصابتها سُنَيَّةٌ حمراء، وكذلك قول الأنصاري: أنا جُذيلها المحكك وعذيقها المرجب، ومنه الحديث: أتتكم الدهيماء، يعني الفتنة المظلمة فصغرها تهويلا لها.
ومنها: أن يصغر الشيء في ذاته كقولهم: دويرة وجحيرة.
ومنها: ما يجيء للتحقير في غير المخاطب، وليس له نقص في ذاته، كقولهم: هلك القوم إلا أهل بييت، وذهبت الدراهم إلا دريهما.
ومنها: ما يجيء للذم كقولهم: يا فويسق.
ومنها: ما يجيء للعطف والشفقة نحو: يا بني ويا أخي؛ ومنه قول عمر: أخاف على هذا السبب. وهو صُدَيّقِيُّ، أي: أخص أصدقائي.
ومنها: ما يجيء بمعنى التقريب كقولهم: دوين الحائط وقبيل الصبح.
_________________
(١) «البديع» لابن الأثير (٢/ ١٥٦ - ١٥٨).
[ ١١ ]
ومنها: ما يجيء للمدح، من ذلك قول عمر لعبد الله: كنيف ملئ علمًا). (١)
قال خالد الأزهري (ت ٩٠٥ هـ): (أما فوائده فسِتٌّ:
١. تقليلُ ذات الشيء، نحو: كُليب.
٢. وتحقير شأنه، نحو: رُجَيل.
٣. وتقليل كمِّيتِه، نحو: دُريهمات.
٤. وتقريب زمانه، نحو: قُبَيل العصر، وبُعَيد المغرب.
٥. وتقريب مسافته، نحو: فُوَيْق المرحلة، وتُحَيْت البريد.
٦. وتقريب منزلته، نحو: صُدَيِّقِي.
وزاد الكوفيون معنى آخر، وهو:
٧. التعظيم، نحو: دُوَيْهِيَة.
وخرَّجها البصريون على التقليل؛ لأن الداهية إذا عَظُمَت؛ قلَّتْ مُدَّتُها.
وزاد بعضهم معنى آخر، وهو:
_________________
(١) «لسان العرب» (٤/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
[ ١٢ ]
٨. التحبُّبْ، نحو: بُنَيَّة). انتهى. (١)
وقد نفى البصريون وروده للتعظيم لأنه ينافي التصغير، وتأولوا ما ورد في ذلك
وناقش ذلك المبرِّد (٢) - فيما ذكره الخفاجي - وأنكر وروده للتعظيم (٣)
_________________
(١) «التصريح بمضمون التوضيح» (٥/ ١٤٣).
(٢) لم أجده في «كامل المبرد» و«المقتضب» بعد مراجعة يسيرة عجلى ..
(٣) ينظر: «الأضداد» لابن الأنباري (ص ٢٩١)، و«الزاهر» له أيضًا (٢/ ٣٠١)، «شرح كتاب سيبويه» للسيرافي (٤/ ١٦٤)، «الوساطة بين المتنبي وخصومه» للجرجاني (ص ٤٥٩)، «سر الفصاحة» للخفاجي (ص ٩١)، «الفائق» للزمخشري (١/ ٤٤٩)، «أمالي ابن الشجري» (٢/ ٣٨٣)، «شرح الشافية» للرضي (٤/ ٨٧)، «شمس العلوم» للحميري (٢/ ١٠٢٧) و(٩/ ٥٩٠٦)، «ارتشاف الضرب» لأبي حيان (١/ ٣٥١ - ٤٠٠)، «شرح المفصل» لابن يعيش (٣/ ٣٩٤)، و«همع الهوامع» (٦/ ١٣٠)، «خزانة الأدب» للبغدادي (٦/ ١٥٩). وللدكتور: عليان بن محمد الحازمي - الأستاذ في كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى - بحث عن التصغير في اللغة، نشره في «مجلة جامعة أم القرى» ١٩ - ٢٤. ووقفت على بحث عميق بعنوان: «التصغير في أسماء الأعلام العربية دراسة تأصيلية في علم اللغات السامية المقارن» لعمر صابر عبدالجليل، يقع في (١١٣) صفحة، نشر عام ١٩٩٨ م، أفادني به د. عبدالله الوشمي - جزاه الله خيرًا ـ.
[ ١٣ ]