لم أقف على ما يفيد عنه سوى روايته لقصة ضرار بن الأزور (٤) أسره الروم، رواها جابر الدوسي لتلميذه الواقدي مؤلف فتوح الشام، وكان منها أن ملكهم قال: "قطعوه
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢/ ٢٣٩.
(٢) تراجم شعراء الموسوعة الشعرية ١/ ٢٢٩٢، ومعجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب ٤/ ١٦٧٣.
(٣) معجم الشعراء العرب ١/ ١٢٩٢.
(٤) قد يظن البعض أن ضرار بن الأزور - ﵁ - الأسَدي، أزديا، وإنما هو من بني أسد، بفتح السين، وليس بالسكون، كما فهم البعض، وهذا نسبه: ضرار بن الأزور الأسَدي: واسم الأزور مالك بن أوس بن جذيمة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر المعجم الكبير للطبراني (٨/ ٢٩٤) هذا ما أرجحه، وقد ذكر الخلاف في نسبه ابن الأثير (أسد الغابة ٣/ ٥٢) وكذا أخته خولة، وكانا من فرسان العرب لهما شجاعة فائقة في أجنادين، على أن بعض الكُتاب شكك في أمر خوله واعتبره أسطورة. والله أعلم.
[ ٤٥ ]
بسيوفكم، وامحوا أثره " قال: فنزلوا عليه بالسيوف وضربوه ضربات شديدة، وكانت عدة تلك الضربات (١١٤) أربع عشرة ومائة ضربة، إلا أنها غير قاتلة، لما يريد الله من لطفه الخفي في حياته ونجاته، فلما رأى "البترك" هذه الفعال سكن غضبه وقال: "اقطعوا لسانه" فلما أن رأى "يوقنا" ذلك الأمر وتحقق هذا الكلام منهم قال في نفسه: "والله لا أترك هذا اللعين يتمكن من أصحاب رسول الله - ﷺ - " (١)، وتقدم إلى الملك قبل الأرض، ودعا بدوام الملك والنعم وقال: "أيها الملك إن هذا ليس بصواب، وإن من الراي السديد عندي أن تترك هذا الغلام حتى يصح، فإذا عاد إلى صحته أخرجناه إلى باب المدينة، وصلبناه ليشفي صدور الروم؛ إنه قد أثر فيهم كلامه الذي تكلمه، وقد قتل من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، وأيضا يبلغ الخبر إلى المسلمين بإهانته وضربه فيوهنوا بذلك".
قال الواقدي ﵀: إنما أراد "يوقنا" بذلك أن يخلص ضرارا منه، وقال في نفسه: إذا بات تلك الليلة انكسر الغضب من الملك فيطلقه، فقال الملك ليوقنا: "خذه واحفظه إلى غد" فأخذه "يوقنا" إلى داره، وافتقد جراحاته فإذا بها كلها سليمة، ما قطع له عصب ولا عرق، وذلك من لطف الله الخفي، ولما أن رأى "يوقنا" جراحاته خاطها وداوها، وأطعمه وسقاه، ففتح عينه فرأى "يوقنا" وولده، ولم يكن عنده علم بأن "يوقنا" قد أتى إلى هذا المحل ليحتال على الملك، فلما أن رآهما قال لهما: إن كنتما كافرين فقد سخركما الله لي حتى داويتماني، وإن كنتما مؤمنين فمرحبا بكما، وهنيئا لكما، ولعل الله ببركتكما يجمع شملي بعجوز في الحجاز، قد أعلها البكاء والعويل ليلا ونهارا، من أجلي وأجل أختي خولة وهي في العسكر، ولقد كانت تحسب هذا الحساب؛ إنني بقية من مضى من الأحباب، ولقد خفي عليها خبري وأمري، فإن قدرتما أن تبلغاها سلامي وتعلماها مقامي، وكيف كان للكافرين كلامي، فهي ترسل وتعلم أمي وتكاتبها بأمري، فلما استراح في الليل قال: بالله عليكما اكتبا علي ما أقول لكما، فكتب عنه ابن "يوقنا" وهو يملي له، ويكتب حرفا بحرف شعرا:
_________________
(١) هنا ملاحظة: هل كان "يوقنا" مسلما سرا، قد يكون، أو كان ذلك منه مجرد عاطفة قد يكون، إن صبرهما على ما قال عن الكافرين، ومداواتهما له وكتابة ما أملا من شعر يرجح أنهما مسلمين في الخفاء، وضرار صحابي معروف - ﵁ -.
[ ٤٦ ]
ألا أيها الشخصان بالله بلغا سلامي إلى أهلي بمكة والحجر
تلقيتما ما عشتما ألف نعمة بعز وإقبال يدوم مع النصر
ولا ضاع عند الله ما تصنعانه فقد خف عني ما وجدت من الضر
بصنعكما لي نلت خيرا وراحة كذلك فعل الخير بين الورى يجري
وما بي وايم الله موتي وإنما تركت عجوزا في المهامه والقفر
ضعيفة حال ما لها من جلادة على نائبات الحادثت التي تجري
تعودها حب القفار مقيمة على الشيح والقيصوم والنبت
وكنت لها ركنا تعد رحاله وأكرمها جهدي وإن مسني فقر
وأطعمها من صيد كفي أرنبا من الوحش واليربوع والظبي
من الضب والغزلان والبهت بعده مع البقر الوحش المقيمات في ابر
وأحمي حماها أن تضام ولم أزل لها ناصرا في موقف الخير والشر
وإني أردت الله لا شيء غيره وجاهدت في جيش الملاعين بالسمر
وأرضيت خير الخلق أعني محمدا لعلي أنال الفوز في موقف الحشر
فمن خاف يوم الحشر أرضى إلهه وقاتل عباد الصليب بني الكفر
كذا جلت يوم الحرب في كل كافر وجندلته بالطعن في الكر والفر
تقول وقد حان الفراق لحينه ألا يا أخي مالي على البين من صبر
ألا يا أخي هذا الفراق فمن لنا بحسن رجوع قادم منك بالبشر
إذا سافر الإنسان عن أرض أهله فإما رجوع أو هلاك مدى الدهر (١).