واسم أبي وقاصٍ مالك بن أُهيب بن عبد منافٍ بن زهرة بن كلاب. وأُهيب جدُّ سعدٍ عم آمنةَ أمِّ رسول الله ﷺ أخو أبيها وهبٍ. وأمُّه حَمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بنت عمِّ أبي سفيان بن حرب. سبعةٍ في إسلامه؛ أسلم بعد ستةٍ. ويروى عن عائشة بنت سعدٍ عن سعد قال: أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنةً.
وشهد بدرًا والحديبية وسائر المشاهد. وهو أحدُ الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى. وكان مُجاب الدَّوة، مشهورا بذلك، تُخاف دعوته وتُرجى لاشتهار إجابتها عندهم. روى ابن عُيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي خازم قال: قال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: " اللهمَّ أجب دعوته وسدِّد رميته ". وفي حديث آخر: " اللهمَّ سدِّد سهمَه وأجب دعوته ". وجمع له رسول الله ﷺ أبويه كما فعل مع الزبير. ولم يقل ذلك لغيرهما.
وكان أحد الفرسان الشجعان من قريش الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ مغازيه. مسلم: حدَّثنا منصور بن أبي مُزاحم قال: نا إبراهيم، يعني أبن سعد عن أبيه، عن عبد الله بن شدَّاد قال: سمعت عليا يقول: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: " ارم فَداك أبي وأمي ". مسلم: حدثنا محمد بن عباد قال: نا حاتم، يعني ابن إسماعيل عن بُكير بن مسمار عن عامر بن سعد، عن أبيه أن النبيَّ ﷺ جمع له أبويه يوم أحد قال: كان رجل من
[ ٢ / ٣٣٩ ]
المشركين قد أحرق المسلمين، فقال النبيُّ ﷺ: " ارم فداك أبي وأمي ". قال: فنزعت له يسهم ليس فيه نصل فأصبت جَنبه فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه. مسلم حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قَعنب قال: نا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، عن بن عامر بن ربيعة، عن عائشة قالت: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة فقال: " ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ". قالت: وسمعنا صوت السلاح فقال رسول الله ﷺ: " من هذا؟ ". قال: سعد بن أبي وقاص يا رسول الله، جئت أحرسك. قالت عائشة: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه.
وروى يحيى القطان قال: نا مُجالد قال: نا عامر عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ فأقبل سعد فقال: " أنت خالي ". وفي حديث آخر أنه ﵇ قال فيه: " هذا خالي كلُّ رجل بخاله ". وروى وكيع عن إسماعيل بن عبد قيس قال: سمعت سعدا يقول: نا أول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله في الغزو عند القتال، وهو القائل:
ألا أبلغْ رسولَ الله أني حَمَيتُ صحابتي بصدورِ نَبلي
أذود بها عدوَّهم ذِيادًا بكلِّ حُزونةٍ وبكلِّ سهلِ
فما يعتدُّ رامٍ من مَعدٍّ بسهمٍ في سبيل اللهِ قبلي
وهو الذي كوَّفَ الكوفة وتولى قتال فارس، وكان على الناس يوم القادسية. وكان به جراح، فلم يشهد الحرب، واستخلف خليفة، ففتح الله على المسلمين. فقال رجل من بجيلة:
ألم ترَ أن الله أظهر ديَنهُ وسعدٌ بباب القادسية مُعصمْ؟
[ ٢ / ٣٤٠ ]
فأفْنَي وقد آمَتْ نساءٌ كثيرةٌ ونسوةُ سعدٍ ليس منهنٌ أيِّمُ
فقال سعد: اللهمَّ اكفنا يده ولسانه. فأصابته رمْية، فخرس ويبست يده.
وأمَّره عمر بن الخطاب على الكوفة، فشكاه أهلها ورموه بالباطل. فدعا على الذي واجهه بالكذب عليه دعوة ظهرت فيه إجابتها. والخبر مشهر. ثم عزله عمر من الكوفة، ثم أراد أن يُعيده عليها، فأبى عليه وقال: تأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن أن أصلِّي؟ فلما طُعن عمر وجعله أحد الشورى قال: إن وليها سعد فذلك، وإلا فليستعن به الوالي. فإني لم أعزله عن عجز ولا جبانة. ورامه ابنه عمر بن سعد أن يدعُو إلى نفسه بعد قتل عثمان فأبى.
مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعباس بن عبد العظيم، واللفظ إسحاق. قال: نا، وقال إسحاق: أنا أبو بكر الحنفيُّ قال: نا بُكير بن مسمار قال: حدثني عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله فجاءه ابنه عمر. فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب. فنزل فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون المُلك بينهم؟ فضرب سعد في صدره، فقال: اسكت سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحبُّ العبد التقيَّ الغنيَّ الخفيَّ.
وكذلك رامه أيضا ابن أخيه هاشم بن عتبة أن يدعو إلى نفسه فلما أبى عليه صار هاشم إلى علي ﵀. وكان سعد ممَّن قعد ولزم بيته في الفتنة، وأمر أهله ألاَّ يُخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام.
وتُوفي بالمدينة سنة خمس وخمسين في قصره بالعقيق وبين العقيق والمدينة " سبعة أميال "، وحُمل على رقاب الناس، ودُفن بالبقيع، وهو آخر العشرة موتا. وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة لمعاوية، وبلغ من السِّنِّ بضعا وثمانين سنة. ذكر ذلك أبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم عن أحمد ابن حنبل. وكان يقول أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة.
[ ٢ / ٣٤١ ]
حِليةُ سعد: قال الواقديُّ: قالت عائشة بنت سعد: كان أبي رجلا قصيرا دَحداحا غليظا، ذا هامة، شَثنَ الأصابع. وقال عامر بن سعد: كان سعد جعد الشعر، أشعر الجسد، آدم، طويلًا. وذهب بصره في آخر عُمره.
ولد سعد: ولد سعد عامرًا ومحمدًا ومُصعبًا وعمر وموسى وإبراهيم وعائشة، وروت عن أبيها. وفِنْك الذي يُضرب به المثل في البطء مولى عائشة بنت سعدٍ.
وأما عامر بن سعد فكان من كبار فقهاء التابعين. روى عن أبيه وعن أسامة بن زيد وغيرهما من الصحابة. وأخرج عنه الأئمة مالك والبخاريُّ ومسلم وغيرهم. روى عنه من التابعين ابن شهاب ومحمد بن المُنكدر وسالم أبو النصر وعمرو بن دينار وغيرُهم. ومات سنة أربع ومئة. وروى عنه أيضًا ابنه داود بن عامر. وروى عن داود يزيد بن عبد الله بن قسيطٍ الليثيُّ من شيوخ مالكٍ. وفي الموطأ لمالك عنه حديث واحد مُسند. وابن قُسيط مَدنيُّ، وبها كانت وفاته سنة ثلاثٍ وعشرين ومئة، وقيل: سنة اثنتين وعشرين.
وأما محمد بن سعد فخرج مع ابن الأشعث، فقتله الحجاجُ صَبْرًا وكان يُلقَّب ظلَّ الشيطان لطوله.
وابنه إسماعيل بن محمد بن سعد من فقهاء قريش وذوي النُّبل منهم. ولمالك عنه في الموطأ حديث واحد مسند ونصُّه: مالك عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن وقاص عن مولى لعمرو بن العاصي، أو لعبد الله بن عمرو العاصي، عن عبد الله بن عمرو العاصي، عن رسول الله ﷺ قال: " صلاةُ أحدكم وهو قاعدٌ مثلُ نصف صلاته وهو قائم ". ويُكنى إسماعيل أبا محمد، وكان من ساكني المدينة، وبها مات سنة أربع وثلاثين ومئة في خلافة أبي العباس السفَّاح.
وأما مصعب بن سعد فذكروا أنه بكى عند موت أبيه فقال له: ما يبكيك يا بنِّي؟ إنِّي أُقسم على ربي ألاَّ يعذِّبني. وروى عن أبيه وعن عليٍّ وابن عمر. وروى عنه أبو إسحاق وسماك وعاصم وعبد الملك بن عمير. وكنية مصعب أبو زرارة.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وأما عمر بن سعد فكان على مقدمة جيش عبيد الله بن زياد حين خرج لقتال الحسين ﵇، وهو تَولى أمر قتاله حين قُتل رضوان الله عليه. وقتل عمر المختار بن أبي عبيد الثقفيُّ مع ابنه حفص بن عمر أخذًا بثأر الحسين. وكان الذي تولى قتل عمر بن سعد بأمر المختار أبو عمرة مولى بجيلة.
وكان المختار أمر قبل قتله نساء من همدان أن يقفن على باب عمر بن سعد وينحُن على الحسين. فعلم عمر أنه مقتول. وحمل أبو عمرة رأسه إلى المختار، وعنده حفص بن عمر بن سعد. فقال له المختار: أتعرف هذا الرأس؟ قال: نعم، هذا رأس أبي حفص. قال: فالحقوا حفصًا بأبي حفصٍ، فقتل. وأمر المختار أيضًا بقتل شمر بن ذي الجَوشن أحد " قتلة الحسين ". ووجَّه إبراهيم بن الأشتر، فقتل عبيد الله بن زيادٍ الدعيَّ بن الدَّعي، وبعث برأسه ورؤوس أصحابه إلى المختار.
وولد حفص عبد الله بن حفص، ويُكنى أبا بكر. سمع ابن عمر وعبد الله بن عامر. وروى عنه شعبةُ وأبان البجليُّ.
وأما موسى بن سعد فله عقب منهم بجاد بن موسى.
وأما إبراهيم بن سعدٍ فروى عن أبيه ورُوي عنه.
وكان لسعدٍ إخوة وهم: عامرٌ وعُمير وعُتبة. فأما عامر فاسلم بعد عشرة رجالٍ، وكان مُهاجر الحبشة، ولم يهاجر إليها سعد.
وأما عُمير فاستشهد يوم بدرٍ وهو ابن ستَّ عشرة سنةً؛ قتلة عمرو بن عبد ودَّ.
وأما عتبة بن أبي وقاص، أبعدهُ اللهُ، فهو الذي كسر رباعية النبي ﷺ يوم أحد، وذكر رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ الخُدريِّ عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدريِّ أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله ﷺ يوم أحدٍ فكسر رباعيته اليمنى والسفلى وجَرح شفته السفلى.
وحدَّث صالح بن كيسان عن من حَدَّثه، عن سعد بن أبي وقاص أنه كان
[ ٢ / ٣٤٣ ]
يقول: والله ما حرصت على قتل رجلٍ عتبة بن أبي وقاص. وإن كان ما علمت لسيء الخلق مُبغضًا في قومه. ولقد كفاني منه قول رسول الله ﷺ: " اشتدَّ غضبُ الله على من دمَّى وجه نبيِّه ".
وحدَّث حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: كُسرت رباعية النبيِّ ﵇ يوم أُحد، وشجَّ في رأسه فجعل الدمُ يسيل على وجهه وهو يقول: " كيف يُفلحُ قومٌ خَضبوا وجه نبيِّهم، وهو يدعوهم إلى ربِّهم؟ ". فأنزل الله ﷿ عليه في ذلك:) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم، أو يعذِّبَهم فإنهم ظالمون (.
وقال حسان بن ثابت لعتبة بن أبي وقاص:
إذا الله جازى معشرًا بفعالهمْ ونصرِهمُ الرحمن ربَّ المشارق
فأخزاكَ ربي يا عُتيبَ بن مالكٍ ولقَّاك قبل الموت إحدى الصَّواعق
بَسطتَ يمينًا للنبيِّ تَعمُّدًا فأدميت فاهُ، قُطِّعت بالبوارقِ
فهلا ذكرت اللهَ والمنزلَ الذي تَصيرُ إليه عند إحدى البوائقِ
ومات عتبة كافرًا قبل فتح مكة، وأوصى إلى أخيه سعدٍ. وكان له ابنان: نافعُ وهاشمٌ.
فأما نافع فأسلم يوم الفتح. وروى عنه جابرُ بن مَسرَّة.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وأما هاشم بن عتبة: فيُكنى أبا عروة. قال خليفة بن خياط في تسمية من نزل الكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ: هاشمُ بن عتبة بت أبي وقاص الزهري. وقال الهيثمُ بن عديٍّ مثله. وأسلم هاشم يوم الفتح، ويُعرف بالمِرقال. وكان من الفضلاء الخيار، وكان من الأبطال البُهم، ففقئت عينُه يوم اليرموك. ثم أرسله عمر من اليرموك مع خيل العراق إلى سعد، كتب إليه بذلك، فشهد القادسية.. فقام منه في ذلك ما لم بقم من أحدٍ، وكان سبب الفتح على المسلمين. وهو " الذي " افتتح جلولاء. عقد له سعدٌ لواء، ووجَّهه، ولم يشهدها سعدٌ، وقد " قيل: بل " شهدها.
وكانت جلولاء تسمى فتح الفتوح، بلغت غنائمها ثمانية عشرة ألف ألف. وكانت جلولاء سنة سبع عشرة. وقال قتادة: سنة تسع عشرة.
ثم شهد هاشم مع علي صفين، وابلى فيها بلاء مذكورًا. وبيده كانت رايةُ علي على الرجَّالة يوم صفين. وقُطعت رجلُه يومئذٍ، فجعل يقاتلُ من دنا منه وهو يقول:
الفحلُ يحمي شَولَه مَعقولا
وقاتل حتى قُتل ﵀. وفيه يقولُ أبو الطُّفيل عامر بن واثلة:
يا هاشمَ الخيرِ جُزيتَ الجنَّة قاتلتَ في اللهِ عدوِّ السُّنَّهْ
أفلحْ بما فُزتَ به من مِنَّهْ
وروى هاشم المرقال عن النبي ﷺ. الطبري: حدَّثنا أبو كُريب: نا قَبيصةُ عن يونُس بن أبي إسحاق، عن عبد الملك بن عُمير، عن جابر ابن سمُرة، عن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يَظهرُ المسلمون على جزيرة العرب، ويظهر المسلمون على فارس، ويظهر المسلمون على الروم، ويظهر المسلمون على الأعور الدجَّال ".
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وابنه هاشم بن هاشم لمالك عنه في الموطأ حديث واحد. مالك: عن هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: " مَن حَلف على مِنبري إثمًا تبوَّأ مقعدَه من النار ". وقيل فيه: هاشمُ بن هاشم بن هاشم.
[ ٢ / ٣٤٦ ]