وهو عبد الله بن أبي قحافة. واسم قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. يجتمع مع رسول الله ﷺ في مُرَّة بن كعب، وبين رسول الله ﷺ وبين مُرَّة ستة آباء. وكذلك أبو بكر بينه وبين مُرَّة ستة آباء. فهو في قُعدد النَّسب، مثل رسول الله ﷺ. وهو تيميٌّ ينتسب إلى تيم بن مُرَّة. وكان اسم أبي بكر في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله. وهو أول من آمن بالنبيِّ ﵇ من الرجال، وأول من صلَّى معه في قول طائفة من أهل العلم بالسِّير والخبر. وقال رسول الله ﷺ: " ما من أحدا عرضتُ عليه الإسلام إلا كانت له فيه كبوة غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم ". وسَمِّي صدِّيقا لتصديقه النبيِّ ﷺ في خبر الإسراء وسُمِّي عتيقا لجماله وعتاقة وجهه، وقيل: لعتقه من النار.
قالت عائشة ﵂: إني لفي بيت رسول الله ﷺ وأصحابه بالفناء وبيني وبينه السِّتر إذ أقبل أبو بكر، فقال رسول الله ﷺ: " من سرَّه أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا ". وإنَّ اسمه الذي سمَّاه به أهله لعبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو. وروى مالك عن سالم أبي النَّضر عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول الله ﷺ: " إنَّ من أمَّن الناس عليَّ في صحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتَّخذت أبا بكر خليلا لا تَبقَيَنَّ في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر "، وروي هذا الحديث عن مالك في غير الموطأ، ولم يقع فيه من رواية يحيى الأندلسيِّ، ولا من رواية رواة الموطأ كلِّهم. وخرجه مسلم بزيادة. في أوَّله عن مالك.
مسلم: حدثني عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد، قال: نا معن، قال: نا مالك عن أبي النضر، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد أنَّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: " عبد خيَّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا، وبين ما عنده فاختار ما عنده ". فبكى أبو بكر وبكى، وقال: فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا. قال: فكان رسول الله ﷺ: هو المُخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به، وقال رسول الله ﷺ: " أنَّ من أمَّن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، لا تَبقَيَنَّ في المسجد خوخة
[ ٢ / ١٠٥ ]
إلا خوخة أبي بكر ".
وقال علي بن أبي طالب: كنت مع رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر وعمر، فقال: " يا علي، هذان سيِّدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النَّبيين والمرسلين. يا علي، لا تخبرهما ". روى هذا الحديث الترمذي عن عليَّ، ورواه أيضا عن أنس، وعن عبد خيرٍ قال: سمعت عليا يقول: خير هذه الأمة بعد نبيِّها أبو بكر وعمر. وعن الحكم بن حجل: قال علي ﵁: لا يفضِّلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جَلَدْتُهُ حدَّ المفتري.
مسلم: حدثنا محمد بن أبي عمر المكيُّ: قال: نا مروان يعني ابن معاوية الفزاريَّ عن يزيد وهو ابن كيسان عن أبي حازم الأشجعيِّ عن أبي هريره، قال رسول الله ﷺ: " من أصبح منكم صائما؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: " فمن تبع اليوم منكم جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: " فمن أطعم اليوم مسكينا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: " فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ " قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ: " ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة ".
مالك: عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرّحمن بن عوف، عن أبي هريره، أن رسول الله ﷺ قال: " من أنفق زوجين في سبيل
[ ٢ / ١٠٦ ]
الله نودي في الجنة يا عبد الله، هذا خير؛ فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة؛ ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد؛ ومن كان من أهل الصَّدقة دُعي من باب الصَّدقة؛ ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيَّان. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما على من يُدعى من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحد من هذه الأبواب كلَّها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم ".
وقالت أسماء بنت أبي بكر الصديق: كان المشركون قعودا في المسجد الحرام، فتذاكروا رسول الله ﷺ، وما يقول في آلهتهم، فقاموا إليه، وكانوا إذا سألوه عن شيء صدَّقهم، فقالوا: ألست تقول في آلهتنا كذا وكذا؟ قال: " بلى "، فتشبَّثوا به بأجمعهم، فأتى الصَّريخ على أبي بكر، فقيل له: أدرك صاحبك فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد، فوجد رسول الله ﷺ، والناس مجتمعون عليه. فقال: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول: ربَّي الله، وقد جاءكم بالبيِّنات من ربَّكم؟. قالوا: فَلَهوا عن رسول الله ﷺ، وأقبلوا على أبي بكر يضربونه. قالت: فرجع إلينا لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
وكان علي ﵁ يقول: سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر، وثلَّث عمر، ثم خبطتنا فتنة يعفو الله فيها عمَّن يشاء. وعن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: ولينا أبو بكر، فخير خليفة أرحمه بنا، وأخشاه علينا. وقال مسروق: حبُّ أبي بكر وعمر، ومعرفة فضلهما من السنَّة. وعن ابن أبي مُليكة، قال: قال رجل لأبي بكر: يا خليفة الله، لست بخليفة الله، ولكن أنا خليفة رسول الله، وأنا راضٍ بذلك. وقال رسول الله ﷺ: " في كلام البقرة والذئب آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثَمَّ علما بما كانا عليه من اليقين والإيمان ". وقال الواقديُّ: حدثنا عاصم بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّميميِّ، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، عن أبي أروى الدَّوسيِّ، قال: كنت مع رسول الله ﷺ فطلع أبو بكر وعمر، فقال: " الحمد لله الذي أيَّدني بكما ".
[ ٢ / ١٠٧ ]
أبو أروى الدَّوسيُّ لا يعرف إلا بكنيته، وهو حجازي. وكان ينزل ذا الحُليفة. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو واقد صالح بن محمد ابن زائدة اللثيُّ المدنيُّ، ومات أبو أروى في خلافة معاوية، وكان عثمانيا.
وأبو بكر صاحب رسول الله ﷺ في الغار قال الله تعالى) ثانيَ اثنينِ إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنَّ الله معنا (.
الترمذي حدثنا عفَّان: قال: نا همَّام قال: أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا بكر حدثه، قال: قلت للنبي ﵇ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. فقال: " يا أبا بكر ما ضنك باثنين الله ثالثهما؟ ".
ويُروى أن رسول الله ﷺ، قال لحسان بن ثابت: هل قلت في أبي بكر شيئا؟ قال: نعم، وأنشد:
إذا تذكرتَ شَجْوًا من أخي ثِقَةٍ فاذكرْ أخاكَ أبا بكْر بما فَعَلا
خَيرَ البريَّة أتقاها وأَعْدَلَها بَعْدَ النَّبيِّ وأوفاها بما حَمَلا
الثَّانيَ التاليَ المحمودَ مَشْهَدُهُ وأوَّلَ الناسِ مِنهُمْ صدَّق الرُّسْلا
وكانَ حِبَّ رسولِ الله قد عَلموا منَ البريَّةِ لم يَعْدِل بهِ رجُلا
وروى مجاهد عن الشِّعبيِّ، قال: سألتُ بن عباس: أيُّ الناس كان أوَّل إسلاما؟ قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت:
[ ٢ / ١٠٨ ]
إذا تذكرتَ شَجْوًا من أخي ثِقَةٍ فاذكرْ أخاكَ أبا بكْر بما فَعَلا
الأبيات
وحدَّث المزنيُّ عن الشافعيِّ، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن جُبَير بن مُطعم عن أبيه، قال: " أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ، فسألَتْهُ عن شيء، فأمَرَها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله: أرأيت إن جئت ولم أجدك، تعني الموت، فقال لها رسول الله ﷺ: " إن لم تجديني فأتي أبا بكر ". قال الشافعي: في هذا الحديث دليل على أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر.
وروى الزُّهريُّ عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود، قال: كنت عند رسول الله ﷺ، وهو عليل، فدعاه بلال إلى الصلاة فقال لنا: " مُروا من يصلي بالناس ". قال: فخرجتُ فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: قم يا عمر فصلِّ بالنَّاس. فقام عمر، فلما كبر سمع رسول الله ﷺ صوته، وكان مُجهرا. فقال رسول الله ﷺ: " فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون ". فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى الناس طول علته، حتى مات ﷺ، وهذا واضح على استحقاقه الخلافة.
مُسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: " ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنَّى مُتمنٍّ، ويقول قائل: أنا ولاَّه، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ". مسلم: عن أبي مُلَيكَة سمعتُ عائشة وسُئِلَت مَن كان رسول الله ﷺ مُستخلفا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر. قيل لها: ثم مَن بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. ثم قيل لها: مَن بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجرَّاح، ثم انتهت إلى هذا.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وقال عبد الله بن مسعود: اجعلوا إمامكم خيركم فإن رسول الله ﷺ جعل إمامنا خيرنا بعده. وروى الحسن البصريُّ عن قيس بن عباد، قال: قال عليُّ بن أبي طالب إن رسول الله ﷺ مَرض ليالي وأياما يُنادي بالصلاة، فيقول: " مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ". فلما قُبض رسول الله ﷺ نظرت فإذا الصلاة عَلَم الإسلام وقوام الدين. فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فبايعنا أبا بكر. وبويع أبو بكر ﵁ في سقيفة بني ساعدة قبل أن يُدفن النبيُّ ﷺ، ثم بويع من الغد بيعة العامَّة.
ومات رسول الله ﷺ، وأبو بكر غائب عند امرأته حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاريِّ خارج المدينة بالسُّنْح، فبلغه الخبر، فجاء مسرعا، فوجد الناس قد اختلفوا في موت رسول الله ﷺ، وعمر يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله تُوفِّيَ، والله ما مات رسول الله، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم. والله ليرجعنَّ رسول الله كما رجع، فليقطعنَّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ مات. وأقبل أبو بكر حتى دخل على رسول الله ﷺ بيت عائشة ورسول الله ﷺ مُسجّىً في ناحية البيت، عليه بُرد حِبرة، فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أقبل عليه، فقبَّله ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم ردَّ البُرد على وجه رسول الله ﷺ، ثم خرج وعمر يكلِّم الناس. فقال أبو بكر ﵁: على رسلك يا عمر، أنصت. وكان عمر قد زَوَّر في نفسه كلاما أراد أن يتكلم به قبل أن يتكلم أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر، أنصِت، فإنك ستُكفى الكلام، فأبى إلا أن يتكلَّم، فلما رآه أبو بكر لا يُنصت أقبل على الناس فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس مَن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات؛ ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية:) وما محمَّدٌ إلا رسولٌ قد خلتْ من قبله الرُّسُلْ أفإن ماتَ أو قُتل انْقلبتم على أعقابكم، ومنْ ينقلب على عَقبيهِ فلن
[ ٢ / ١١٠ ]
يضُرَّ اللهَ شيئًا وسَيجزي الله الشاكرين (قال: فوالله لكأنَّ الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ، وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم. قال عمر: فوالله ما هو إلاَّ أن سمعت أبا بكر تلاها، فعفرت إلى الأرض وما تحملني رِجلاي، وعرفت أنَّ رسول الله ﷺ قد مات، ولم يدع شيئا مما زوَّرتُ في نفسي من الكلام إلا تكلم به، وهو كان أعلم مني وأوقر.
ثم اجتمع المهاجرون والأنصار، عند سقيفة بني ساعدة، فبايعوا أبا بكر ﵁ في ذلك اليوم، ثمَّ بايعوه بيعة أخرى من الغد عن ملأ منهم ورضى. وهو القائل في خطبته لما بويع بيعة العامَّة بعد ما حمد الله وأثنى عليه: أما بعد أيها الناس، فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني؛ وإن أسأت فقوَّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقَّه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحقَّ منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجماعة في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذِّل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
ولمّا بويع ﵁ إشرابَّ النفاق، وارتدَّت العرب، ومنعوا الزكاة. فاظهر العزم ﵁، وقاتلهم عليها حتى أطاعوا بها، وقال: والله لو منعوني عقالا ممَّا كانوا يؤدَّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، فكشف الله به الكربِّة من أهل الرِّدة، وقام به الدين.
ويروي أن عمر بن الخطاب بلغة أن أقواما يفضِّلونه على أبي بكر الصديق ﵀، فوثب مغضبا حتى صعد المنبر فحمد الله وصلى على نبيَّه محمَّد ﵇، ثم قال: أيها الناس، إني سأخبركم عني وعن أبي بكر أنه لما توفي رسول الله ﷺ، وأرتدَّت العرب، ومنعت شاتها وبعيرها، فاجتمع رأينا كُلِّنا أصحاب محمد، أن قلنا له: يا خليفة رسول الله، إنَّ رسول الله ﷺ كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة ويُمدُّه الله بهم، وقد
[ ٢ / ١١١ ]
انقطع ذلك اليوم، فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لا طاقة لنا بقتال العرب، فقال الصدِّيق ﵀: أو كلُّكم رأيه على هذا؟ فقلنا: نعم. فقال، والله لأن أَخِرَّ من السماء فتخطَّفني الطَّير أحبُّ إليَّ من أن يكون هذا رأيي. ثم صعد المنبر فحمد الله وكبَّره، وصلى على نبيه ﵇، ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات؛ ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت؛ أيها الناس، أأن كثر أعدادكم، وقلَّ عُدُوُّكم ركب الشيطان منكم هذا المركب، والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلِّها، ولو كره المشركون. وقوله الحقُّ، ووعده الصِّدق بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. والله أيها الناس، لو أُفرِدْت من جميعكم لجاهدتهم في الله حقَّ جهاده حتى أبلي بنفسي عذرا، أو أُقتَل قتلا. والله أيها الناس، لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه، فاستعنت عليهم الله، وهو خير معين. قال: ثم نزل فجاهد في الله حقَّ جهاده، حتى أذعنت العرب بالحقِّ.
وكانت لأبي بكر ﵁ من البنين عبد الرحمن وعبد الله، ومحمد، ومن البنات: عائشة، وأسماء، وأمُّ كلثوم.
فأمَّا عبد الرحمن فهو أخو عائشة لأُمها وأبيها، أُمُّها أُمُّ رومان وقد تقدم ذكرها عند ذكر عائشة ﵂. وشهد عبد الرحمن بدرا مع المشركين فلقيه أبو بكر فقال: أين مالي يا خبيث فقال: لم يبق إلا شكَّة ويعبوب وصارم يقتل ضُلاَّلَ الشيب. ثم أسلم فحسن إسْلاُمُهُ في هُدنة الحُدَيبية. وكان أسنَّ ولدِ أبي بكر وكان امرأً صالحا، وكان من أشجع قريش، وأرماهم بسهم. وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، شهد له بذلك جماعة من أصحاب خالد. ويُكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا محمد بابنه أبي عتيق محمد. وهو الذي دخل على عائشة يوم مات سعد بن أبي وقَّاص، فدعا بوضوء فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ويل للأعقاب من النار ".
وهذا الحديث من بلاغات مالك في الموطَّأ، وهو حديث صحيح، رُوي عن
[ ٢ / ١١٢ ]
النبي ﷺ من وجوه شتى من حديث عائشة وهو أثبتها، ويرويه سالم الرُّواسيُّ. وهو سالم سبلان وأبو سلمة عن عائشة. خرَّجه مسلم، وكذلك حديث أبي هريرة صحيح خرّجه مسلم، وخرّجه ابن الجارود في المنتقى. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاصي وجابر معلولان أخرجهما أبو داود سليمان بن الأشعث، وأخرج حديث عمرو بن العاصي أيضا مسلم.
قال ابن الجارود: نا عليَّ بن خشرم، قال: نا عيسى عن شعبة، عن محمد ابن رياء، قال: كان أبو هريرة يمرُّ بنا والناس يتوضؤون من المطهرة فسمعته يقول: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم ﷺ، يقول: " ويل للعراقيب من النار " وقال: نا محمد بن يحيى قال: نا عبد الصمد، ونا أبو جعفر الدَّارميُّ. قال: نا النضر جميعا عن شعبة بهذا قال محمد للعقب، وقال الآخر للأعقاب.
عليُّ بن خشرم بن عبد الرحمن السعديُّ من شيوخ ابن الجارود قال النَّسائي عنه: هو مروزيُّ ثقة خرّج عنه مسلم. وعيسى غير منسوب الذي روى عنه ابن خشرم، هو عيسى بن يونس بن إسحاق السَّبيعي، واسم أبى إسحاق عمرو بن عبد الله من بطن من همدان يقال لهم السَّبيع. ولد في سلطان عثمان لثلاث سنين بقين منه، ومات سنة سبع وعشرين ومئة. وقال ابن قتيبة حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيِّ عن عمِّه عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال رفعني أبي حتى رأيت عليَّ بن أبي طالب خطب الناس أبيض الرأس واللحية، وابنه يونس بن أبي إسحاق، توفي سنة تسع وخمسين ومئة. وحفيده عيسى بن يونس يكنى أبا عمرو. وتحوَّل من الكوفة إلى الثغر، فنزل الحدث، ومات بها سنة إحدى وتسعين ومئة. وخرَّج مسلم عن عيسى، وعن أبيه يونس، وعن جدِّه أبي إسحاق كثيرا.
قال المؤلف غفر الله له: هذا تتبع صالح مفيد سماعه واجب على من رُزق حب علم السُنَّة اتباعه. فالمذكورون أهل الحق، والحقُّ معهم. والموفَّق الشحيح على دينه من اتَّبعهم. فهم أئمة الدين الذين عدَّلوا وخرّجوا. ولم يخافوا سخط أحد من الناس فيما به في الكذابين صرَّحوا. رزقنا الله الدُّؤوب على سلوك آثارهم،
[ ٢ / ١١٣ ]
والاقتباس من مشارق أنوارهم، وباعد بيننا وبين من اتَّخذ ظهريَّا طريقهم، وخالف شقواته فريقهم آمين.
ومات عبد الرحمن بن أبي بكر فُجاءة في خلافة معاوية سنة ثلاث وخمسين. وشهد الجمل مع أخته عائشة، وكان أخوه محمد يومئذ مع على ﵁ وكانت وفاته بموضع قريب من مكة.
حدَّث أبو محمد قاسم بن أصبغ، قال: نا محمد بن وضاح: نا مصعب بن سعد، نا عثمان بن يونس، عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة، قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بمكان يُدعى الحبُشْيَّ على أثنى عشر ميلا من مكة. فحمل إلى مكة، قال: فلما قدمت عائشة مكة أتت قبره، فقالت:
وكُنَّا كندمانَيْ جذيمةَ حِقبةً منَ الدَّهر حتى قيلَ: لن يَتصدَّعا
فلمّا تفَّرقنا كأنى ومَالِكًا لطولِ اجتماعٍ لم نبِتْ ليلةً معا
وولد عبد الرحمن محمدا، وعبد الله. فأما محمد فهو أبو عتيق، وولد قبل موت النبيِّ ﵇ ويقال: إنه لم يُدرك النبيَّ ﵇ أربعة رأوه في نسق إلا أبو قُحافة، وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنه أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن. وأبو عتيق هذا هو والد عبد الله بن أبي عتيق صاحب الفكاهات والمزاج الحسن المستطرف. وكان مع ذلك عفيفا، وروى عن عمَّة أبيه عائشة، أم المؤمنين ﵂.
مسلم حدثنا يحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب، وابن حُجْر، قال يحيى: أنا، وقال الآخران: نا إسماعيلُ، وهو ابن جعفر عن شريك، وهو ابن أبي نمر، عن عبد الله بن أبي عتيق، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ في عجوة العالية شفاء، أو إنها ترياق في أول البُكرة ". وأكثر رواية ابن أبي العتيق عن عائشة. وكانت عائشة تحبُّه، وكان، وهو شاب يضع رأسه، في حجرها، ويتغنَّى فلا تنكر عليه. ودخل عليها ﵂، وهي في النَّزع، فقال: كيف تجدك يا أمَّه؟ فدكت نفسي. قالت: في الموت. قال: فلا أفديك إذا، فتبَّسمت عائشة.
[ ٢ / ١١٤ ]
وأخباره مع عمر بن أبي ربيعة، وغيره مشهورة. ومن طريف أخباره أنه سمع قول ابن أبي ربيعة:
مَنْ رسولي إلى الثُّريا فإني ضِقتُ ذَرعًا بهجرها والكتاب
فلبست ثيابه، وركب بغلته، وأتى باب الثُّريا فاستأذن عليها، فقالت: والله ما كنت لنا زوّارا. فقال: أجل، ولكني جئت برسالة. يقول لك ابن عمِّك ضخت ذرعا بهجرك والكتاب، فلامه عمر، فقال له ابن أبي عتيق: وإنما رأيتك متلدِّدا فخففت في حاجتك، وإنما كان جزائي أن أشكر.
ومن طريف أخباره أيضا أن مروان بن الحكم قال يوما: إني مشغوف ببغلة للحسن بن عليِّ بن أبي طالب ﵀. فقال له ابن أبي عتيق: إن دفعتها إليك أتقضي لي ثلاثين حاجة؟. قال: نعم. قال: فإذا اجتمعت الناس عندك العشية فإني آخذ في مآثر قريش ثم أمسك عن الحسن، فلمني على ذلك. فلما أخذ القوم مجالسهم أفاض في أولية قريش، فقال له مروان: ألا تذكر أوَّلية أبي محمد؟ وله في هذا ما ليس لأحد؟ فقال: إنَّما كنا في ذكر الأشراف، ولو كنا في ذكر الأنبياء لقدَّمنا ما لأبي محمد. فلما خرج ليركب تبعه ابن أبي عتيق، فقال له الحسن وتبسَّم: ألك حاجة؟ فقال: ذكرت البغلة. فنزل الحسن ﵇ فدفعها إليه.
ومنها أن عائشة بنت طلحة، عتبت على مصعب بن الزبير فهجرته، فقال مصعب: هذه عشرة آلاف درهم لمن اجتلب لي أن تكلمني. فقال له ابن أبي عتيق: عدل المال، ثم صار إلى عائشة يستعتبها لمصعب، فقالت: والله، ما عزمي أن أكلمه أبدا. فلما رأى جدَّها قال: أيا بنت عمِّي، إنه ضمن لي إن كلَّمته عشرة آلاف درهم فكلِّميه حتى آخذها، ثم عودي إلى ما عودك الله.
وولد عبد الله بن أبي عتيق محمدا، روى عن عامر بن عبد الله بن الزبير وروى عن محمَّد بن إسحاق.
[ ٢ / ١١٥ ]
وأمَّا عبد الله بن عبد الرحمن أخو أبي عتيق محمد، فولد طلحة، أُمُّه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله. وكان طلحة جوادا، فولد طلحة محمدا، وكان عاملا على مكة، ولطلحة عقب كثير. وكانوا ينزلون بالقرب من المدينة. وكانت عائشة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عند سليمان بن عليِّ بن عبد الله ابن عباس.
انقضى ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وذكر عقبة.
وعن موالي عبد الرحمن بن أبي بكر أبو نافع، وكان مكثرا من المال ونزل البصرة، وكان له فيها دار مشهورة. وفيه يقول ابن مفرغ الحميريُّ:
سقى اللهُ أرضًا لي ودارًا تركتُها إلى جنب دارَيْ مَعقلِ بنِ يَسارِ
أبو نافعٍ جارٌ لها وابنُ بَرثن فيا لَكَ جارَيْ ذِلَّةٍ وصَغَاري
وابن برثن مولى لبني بضعة. فقيل لأبي نافع: إنَّه هجاك. فقال: فإذا هجاني أموت، أو يموت أبني طلحة؟. قالوا: لا. قال: فما أبالي.
ومن موالي عبد الرحمن أيضا مرَّة بن أبي عثمان، وكانت عائشة كتبت إلى زياد بن أبيه بالوصاة به، فسُرَّ بكتابها وأكرمه، وأقطعه نهر مرَّة بالبصرة. وإليه ينسب ذلك النهر. وله عقب بالبصرة.
وأمَّا عبد الله بن أبي بكر فهو شقيق أسماء، أُمُّهما امرأة من بني عامر بن لؤي قَيلةُ. وكان إسلامه قديما ولم يسمع له بمشهد إلا شهوده الفتح وحنينا والطائف. وضرب يوم الطائف بسهم رماه أبو محجن الثقفيُّ، فمرض منه وانتقض عليه، فمات منه في أول خلافة أبيه. وذلك في شوال من سنة إحدى عشرة، ودُفن بعد الظهر، وصلى عليه أبوه، ونزل في قبره عمر وطلحة وعبد الرحمن أخوه. وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل أخت سعيد بن زيد أحد العشرة. وكانت خنساء جميلة ذات خلق بارع،
[ ٢ / ١١٦ ]
فأُولع بها، وشغلته عن مغازيه. ومرَّ به أبو بكر، وهو يسير لصلاة الجمعة فسمعه، وهو يناغيها ثم رجع من الصلاة، وهو معها، فأمر بطلاقها، وعزم عليه في ذلك حتى طلَّقها، ثم تبعتها نفسه، فهجم عليه أبو بكر، وهو يقول:
أعاتكَ لا أنساكِ مَا ذَرَّ شارقٌ وما ناح قُمْرِيُّ الحمام المطَوَّقُ
فلم أرَ مِثْلي طَلَّقَ اليومَ مِثْلَها ولا مِثلهَا في غيْرِ جُرمٍ تُطَلَّقُ
فأمره فأرجعها، وهي القائلة فيه، لمَّا مات عنها ترثيه:
رُزئتُ بخير الناسِ بَعْد نبيهمْ وبَعْدَ أَبي بَكْرٍ، وما كان قصَّرا
فآليت لا تَنفكُّ نفسي حزينةً عليْكَ لا تَنفكُّ جِلدي أغبْرَا
فللهِ عينا مَن رأى مثلَهُ فتىً أكرَّ وأحمى في الهياج وأصْبرا
إذا أُشرِعَتْ فيه الأسنةُ خاضَها إلى الموَتْ حتى يَتركَ الرمحَ أحْمَرا
ثم تزوجها عمر بن الخطاب، فأولم عليها، ودعا أصحاب رسول الله ﷺ. وفيهم عليُّ بن أبي طالب. فقال له: يا أمير المؤمنين، دعني أُكلِّك عاتك، قال: نعم. فأخذ عليُّ بجانب الخدر، ثم قال: يا عُديَ نفسها ألست القائلة:
فآليتُ لا تنفكُّ نفسي حزينةً عليكَ ولا ينفكُّ جلْدِي أغْبَرا؟
فأجهشت بالبكاء، وعلا نحيبها. فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا حسن؟
[ ٢ / ١١٧ ]
كلُّ النساء يفعلن هذا! ثم قتل عنها عمر، فرثته بما يأتي عند ذكره.
وكان عمر يغار عليها، ويكره خروجها إلى المسجد، فلا يأمرها ولا ينهاها. مالك عن يحيى بن سعيد، عن عاتكة بن زيد بن عمرو بن نُفَيل امرأة عمر بن الخطاب أنها كانت تستأذن عمر بن الخطاب إلى المسجد فيسكت. فتقول: والله لأخرجنَّ إلا أن تمنعني فلا يمنعها. ورُوي أن عمر وضع يده في ليلة مظلمة على بعض جسدها، وهي سائرة إلى المسجد فرجعت من الطريق. ولم تشهد صلاة في المسجد، فسألها عمر عن ذلك، فقالت: يا أمير المؤمنين، فسد الناس، فقال لها: أنا فعلت ذلك بك، فقالت: يا أمير المؤمنين أخشى أن يفعله غيرك. ثمَّ تزوجها الزبير بن العوّام فقتل عنها يوم الجمل، ورثته بما أورده عند ذكره أيضا. ثم خطبها عليُّ بن أبي طالب بعد انقضاء عدَّتها من الزبير، فأرسلت إليه: إني لأضنُّ بك يا ابن عمِّ رسول الله عن القتل. وفيها قيل: من أراد الشهادة فعليه بزواج عاتك.
وأما محمد بن أبي بكر فأمُّه أسماء بنت عُمَيْس بن مالك بن النعمان الخثعميَّة من خثعم. وخثعم اسمه أفتل بن أنمار بن نزار بن معدّ بن عدنان. وقيل: هو: أفتل بن أنمار بن أرابش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. وقد ذكرت الخلاف في ذلك عند ذكر نزار بن معدّ.
وولدت أسماء محمد بن أبي بكر بالشجرة في حجة الوداع، عقب ذي القعدة. وأخوته لأمه بنو جعفر بن أبي طالب: عبد الله ومحمد وغوث، وتزوجها بعد أبي بكر الصديق عليُّ ﵁، فولدت له يحيى، فهو أيضا أخو محمد لأمه. وكفله عليُّ ﵁، لأنه كان ربيبه، وشهد معه الجمل، وكان على الرَّجَّالة يومئذ، وشهد معه صفين، وكان ممَّن حاصر عثمان، ولكنه لم يند بشيء من ذنبه. وولاه عليٌّ ﵁ مصرة بعد أن سُمَّ الأشتر مالك بن الحارث النَّخعيُّ في العسل في بعض المنازل، وهو سائر إليها بولايته عليها. فلمَّا بلغ ذلك معاوية، قال: لليدين وللفم: إن لله جنودا منها العسل. قتل محمدا بمصر عمرو بن العاص. وروى شعبة وابن عُيينة، عن عمرو بن دينار قال: أُتي
[ ٢ / ١١٨ ]
عمرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيرا فقال: هل معك عهد؟ هل معك عقد من أحد؟ قال: لا، فأمر به فقتل. وقيل: قتله معاوية بن حُدَيج السكونيُّ صبرا، وذلك سنة ثمان وثلاثين. ومعاوية بن خديج هذا هو الذي سألت عنه عائشة ﵂ عبد الرحمن بن شُمّاسة.
مسلم حدثني مروان بن سعيد الأيليُّ، قال: نا ابن وهب، قال: حدثني حرملة عن عبد الرحمن بن شماسة، قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء، فقالت: مِمَّن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر. فقلت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا شيئا، إن كان ليموت للرجل منا البعير فعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النَّفقة فيعطيه النفقة. فقالت أما إنه لا يمنعني ما فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أُخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: " اللهم من ولي من أمر أمَّتي شيئا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق به ".
وكان محمد يكنى أبا القاسم، وكان من نسَّاك قريش. قال محمد بن عمر الواقديُّ: حدثني عمر بن أبي عاتكة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أنَّ عائشة سمَّت محمد بن أبي بكر محمدا، وكنته أبا القاسم.
وابنه القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، يروى عن عمَّته عائشة أم المؤمنين ﵂. وقال مالك: كان القاسم بن محمد من فقهاء هذه الأمة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاريُّ: ما أدركنا بالمدينة أحدا نفضِّله على القاسم بن محمد. ومات سنة ثمان ومئة، قال ذلك يحيى بن معين. وقال الواقديُّ مات سنة اثنتي عشرة ومئة، وهو ابن سبعين، أو اثنتين وسبعين سنة.
ومن موالي القاسم بن محمد سليمان بن بلال، وكان بربريا جميلا، وولي خراج المدينة، وحُمِل عنه الحديث. وتوفي بالمدينة سنة اثنتين وسبعين ومئة في صدر خلافة هارون الرشيد. وَوَلَدَ القاسم عبد الرحمن بن القاسم: وهو من شيوخ مالك، وكان من أفضل قريش. وقال مالك حين رأى ابنه يدخل ويخرج
[ ٢ / ١١٩ ]
ولا يجلس، ما يُهوِّن هذا عليَّ إلاَّ أنَّ هذا الشَّأن لا يورَّث، وإن أحدا لم يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن بن القاسم. ومات عبد الرحمن سنة ستَّ وعشرين ومئة.
وأما بنات أبي بكر وهنَّ ثلاث، فقد تقدَّم ذكر عائشة منهن في أزواج النبي ﵇. ويأتي ذكر أسماء عند ذكر الزبير. والثالثة أمُّ كلثوم مات أبو بكر وأمُّها حامل بها، هو القائل في مرضه الذي مات منه: إنَّ ذا بطن بنت خارجة قد ألقِيَ في خَلَدي إنها خارجة. فكانت كذلك جارية وُلدت بعد موته. وأُمها حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرِّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرح بن الحارث بن الخزرح الأنصاريِّ. وخارجة أبوها شهد العقبة وبدرا، وقُتل يوم أُحد شهيدا، ودُفن هو وسعد بن الربيع في قبر واحد، وكان ابن عمه، وذلك كان الشأن في قتلى أُحد؛ دَفْنَ الاثنين والثلاثة في قبر واحد.
وابنه زيد بن خارجة، هو الذي تكلم بعد الموت، وهو من الصحابة. وخبره مشهور رواه يحيى بن سعيد النصاريُّ، عن سعيد بن المسَّيب. آخى رسول الله ﷺ بين خرجة بن زيد وبين أبي بكر الصديق حين آخى بين المهاجرين والأنصار، وتزوج ابنته حبيبة بعد أبي بكر خُبيب بن أساف ويقال: ابن يساف الأنصاريُّ الخزرجيُّ. وشهد خُبيب بدرا وأُحدا والخندق والمشاهد كُلَّها مع رسول الله ﷺ. ومات في خلافة عثمان، وهو جدُّ خُبيب بن عبد الرحمن بن خُبيب بن يَسَاف شيخ مالك. وخُبيب بن يساف هو الذي قتل أمية بن خلف فيما ذكروا. وقال مسلم بن الحجاج: خبيب جدُّ خبيب بن عبد الرحمن، له صحبة.
وتزوج أمَّ كلثوم بنت أبي بكر الصديق طلحة بن عبيد الله، فولدت له زكرياء وعائشة ابني طلحة. وقد كان عمر بن الخطاب خطبها إلى عائشة. فانعمت له بذلك، فكرهته أمُّ كلثوم، وبكت فأعلمت بذلك عائشة عمرو بن العاصي، فردَّ عمر عنها بمكيدة حسنة. والخبر بذلك مشهور رضي الله عن الجميع. وخبر عائشة بنت طلحة يأتي عند ذكر مصعب بن الزُّبير بعد إن شاء الله.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وأُمُّ أبي بكر ﵁ أمُّ الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعيد بن تميم بنت عم أبي قُحافة. قال الزبير بن بكَّار؛ كانت من المبايعات، بايعت رسول الله ﷺ. وقال ابن دأب: أمُّ أبي بكر الصديق ﵁ أمُّ الخير عند اسمها. وأسلم أبو قحافة يوم فتح مكة، وهو شيخ كبير وأتى به النبي ﷺ أبو بكر، وهو يقوده، وقد كفَّ بصره، وذلك حين دخل المسجد يوم الفتح فلما رآه رسول الله ﷺ، قال: " هلاّ تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه ". قال أبو بكر يا رسول الله هو أحقُّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، فأجلسه رسول الله ﷺ بين يديه ثم مسح صدره ثمَّ قال له: أسلم، فأسلم. فدخل به أبو بكر وكانَّ رأسه ثغامة، فقال رسول الله ﷺ: " غيِّروا هذا من شعره ". والثَغام: شجر زهره أبيض، يشبه به الشَّيب.
مسلمُ: حدثني أبو الطاهر قال: حدثني عبدُ الله بن وهْب، عن ابن جُريحٍ عن أبيْ الزُّبير، عن جابر بن عبدِ الله، قال: أُتيَ بأبي قُحافَةَ يوم فتح مكة، ورأسُه ولحيتُه كالثَغامَةِ بياضا، فقال رسول الله ﷺ: " غيِّروا هذا بشيء واجْتَنبوا السَّوادَ ". ولما مات رسول الله ﷺ ارتجَّتْ مكةُ، فسمعَ ذلك أبو قُحافةَ، فقال: ما هذا؟ فقيل له: مات رسول الله، فقال: أمْرٌ جَلَل، فَمنْ وَليَ الأمر بعْدَه؟ قالوا: ابنُكَ أبو بكر. فقال: هل رضيتْ بذلك بنو عبدِ مناف وبنو المغِيِرة؟ قالوا: نعم. قال: لا مانعَ لِما أَعطى اللهُ ولا مُعطي لما مَنعَ اللهُ. وكانتْ وفاةُ ابنهِ أبي بكر قبلَه، فوَرِثَ مِنْه السُّدسَ، فَردَّه على ولدِ أبي بكر. وأبو قُحَافَةَ أثقلُ الناس ميزانًا يومَ القيامةِ بَعْدَ الأنبياء، لأنَّ أبا بكر في ميزانهِ. ومات أبو قُحافَةَ سنة أربعَ عشرةَ، وهو ابن سَبْعٍ وتسعين سَنةً في خلافة عُمرَ ﵁.
وأَعْتَق أبو بكر ﵁ سَبْعَ رقابٍ كُلهُّم يُعذَّب في الله، وهم: بلالٌ وعامرُ بن فُهَيْرَةَ وأُمُّ عُبيس وزُنَيّرةُ فأصيبَ بصرُها حين أعتقَها، فقالت قريش: ما أذْهب بصرَها إلا اللًاّتُ والعُزَّى. فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضرُّ اللات والعزَّى ولا تنفعان. َفردَّ اللهُ إليها بصرها. وأعتق النَّهديَّة وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، وجارية بني المؤمَّل، حيّ من بني عديِّ بن كعب، وكانت
[ ٢ / ١٢١ ]
مسلمة، وكان عمر بن الخطَّاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك.
فأمّا بلال: فهو بلال بن رباح، وكان اسم أمِّه حمامة. وكان، ﵁، صادق الإسلام، طاهر القلب، شحيحا على دينه، وعُذِّب في الله كثيرا فصبر. وقال محمد بن عبد السلام الخُشنيُّ: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنَّى العنزيُّ الزَّمِن: نا يحيى بن أبي بُكَيرة: نا زائدة عن عاصم، عن زر عن عبد الله، قال: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله وأبو بكر وعمَّار وأمُّه سُميَّة وصهيب والمقداد وبلال. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمِّه أبو طالب. وأمَّا أبو بكر فمنعه الله بقومه. وأمَّا سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس. فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان. فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحدٌ أحد. وقال الحافظ أبو الحسن: عليُّ بن عمر الدَّارقُطنيُّ: روى عن بلال جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وغيرهم. وقال غيره: وروى عنه كبار تابعي المدينة والشام والكوفة. قال عمر ﵁: كان أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا يعني بلالا. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال لبلال: " يا بلال دخلتُ الجنة فسمعتُ بها خَشْفا، قال: والخَشْف. الوطء والحشُّ. فقلت: " من هذا؟ قيل: بلال ". قال: وكان بلال إذا ذكر ذلك بكى. وكان أمية بن خلف ممَّن يوالي على بلال العذاب والمكروه، فكان من قدر الله أن قُتل على يدَي بلال، حرَّض عليه الأنصار حين رآه أسير عبد الرحمن بن عوف حسبما أتى في السيرة لابن إسحاق. فقال أبو بكر رضي اله عنه أبياتا منها:
هنيًا زادَكَ الرحمنُ خيرًا فقد أدْركْتَ ثارَكَ يا بلالُ
وكانت له أخت تسمى غفرة. وهي مولاة عمر بن عبد الله مولى غُفرة المحدِّث المصريِّ. وكان فيما ذكروا، آدم شديد الأُدَمَة، نحيفا طُوالا، خفيف
[ ٢ / ١٢٢ ]
العارضين. وكان بلال مؤذن رسول الله ﷺ، وكان يُنفق له، ويأذن عليه. فلما مات رسول الله ﷺ أراد أن يخرج إلى الشام، فقال له أبو بكر: بل تكون عندي. فقال: إن اعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنتَ أعتقتني لله ﷿ فذرني أذهب إلى الله ﷿. فقال: اذهب. فذهب إلى الشام، وكان بها حتى مات. وأذَّن مرَّة واحدة لعمر بالشام، فبكى عمر، وبكى المسلمون. وكان بلال من مُولَّدي مكة مولى لبعض بني جُمَح، وأصله من الحبشة. وقال المدائنيُّ: كان بلال من مولَّدي السَّراة، ومات بدمشق، ودُفن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقيل: توفي وهو ابن سبعين سنة. ويقال: كان تِرْبَ أبي بكر ﵄، وكان ديوانه، في خَثْعم، لأن النبيَّ ﵇ آخى بينه وبين أبي رُويحَة الخَثعَميِّ. واسم أبي رُوَيحة عبد الله بن عبد الرحمن وعداده في الشاميين وروي أن أبي رويحة أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فعقد لي لواء وقال: " اخرج فنادِ: من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن ".
وأمَّا عامر بن فُهيرَة فكان مُوَلَّدا من مُوَلَّدي الأزد، أسود اللون، مملوكا للطُّفيل بن عبد الله بن سَخْبَرَة الأزدي. فأسلم وهو مملوك، فاشتراه أبو بكر من الطُّفَيل فأعتقه، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها إلى الإسلام. وكان حسِن الإسلام، وكان رفيق رسول الله ﷺ وأبي بكر في هجرتهما إلى المدينة. وشهد بدرا وأُحُد ثم قُتل في يوم بئر مَعُونَة شهيدا، وهو ابن أربعين سنة، قتله عامر بن الطُّفيل. ويروى عنه أنه قال: رأيت أول طعنة طعنتها عامر بن فُهيرة نورا خرج منها. وذكر ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما قدم عامر بن الطُّفَيل على رسول الله ﷺ قال له: مَن الرجل الذي لما قُتل رأيته رُفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه ثم وضع؟ فقال: " هو عامر ابن فُهيرة ". وروى الزُّهريّ عن عروة، قال: طُلب عامر بن فُهيرة يومئذ في القتلى فلم يوجد قال عروة: فيروون أن الملائكة دفنته أو رفعته.
ومن موالي أبي بكر صفيَّة أمُّ محمد بن سيرين. وكان سيرين أبو محمد عبدا لأنس بن مالك كاتبته على عشرين ألفا وكان من سبيِّ مَيسان، وكان
[ ٢ / ١٢٣ ]
المغيرة اقتحمها. ويقال: كان من سبيِّ عين التمر، وكانت أمُّه صفيَّة طيَّبها ثلاث من أزواج رسول الله ﷺ ودعون لها وحضر إملاكها ثمانية عشر بدريا. فيهم: أُبَي بن كعب يدعوهم يؤمنون. وكان سيرين يُكنَّى أبا عُمرة، وولد سيرين محمدا ويحيى ومعبدا، وهو أسنُّ من محمد، وأنسًا. وكان لسيرين بنات منهن: عمرة وحفصة. وروي عن حفصة الحديث. وكان محمد بزَّازا، ويكنَّى أبا بكر، وكان أصمَّ. وولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. قال ذلك أنس بن سيرين. قال: وولدتُ لسنة بقيت من خلافته. وتوفي محمد سنة عشر ومئة بعد الحسن بمئة يوم، وهو ابن سبع وسبعين سنة.
وقال الأصمعيُّ: الحسن سيِّد سمح. وإذا حدَّثك الأصمَّ يعني ابن سيرين فاشدد يديك به، وقتادة حاطب ليل.
وفاة أبي بكر ﵁. قال ابن إسحاق: توفي يوم الجمعة لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، فكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر وتسع ليال. وقال غيره من أهل السير: إنه مات عشيَّة يوم الاثنين، وقيل: ليلة الثلاثاء، وقيل: عشيَّ يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، هذا قول أكثرهم. وأوصى أن تغسِّله أسماء بنت عُميس زوجته، فغسَّلته، وصلَّى عليه عمر بن الخطاب، " ونزل في " قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن أبي بكر. ودُفن ليلا في بيت عائشة مع النبيِّ ﷺ، ورضي عن أبي بكر، وعمر ثلاثا وستين سنة، وهو الصحيح. استوفى بخلافته سنَّ رسول الله ﷺ.
قاضيه: عمر بن الخطاب، وهو أول قاضي في الإسلام. قال له أبو بكر: اقضي بين الناس، فإني في شغل. وأمَرَ ابن مسعود بعسّ المدينة.
كُتَّابه ﵁: عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم.
[ ٢ / ١٢٤ ]
حُليَتُهُ: وصفته عائشة، فقالت: كان أبيض نحيفا، خفيف العارضين، أجنَّا، لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حَقَوَيه معروق الوجه، غاير العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع. وقالت أيضا: كان يصبغ بالحنَّاء والكتم.
وكان سبب موته إنه اغتسل في يوم بارد فحمّ، فمرض فمات. وكان مرضه خمسة عشر يوما، وكان عمر يصلي بالناس حين ثَقُل. بل كان فيه طرف من السِّل. وقال أبو اليقظان، عن سلام بن أبي مُطيع، أنه مات مسموما، فالله أعلم. وكان نقش خاتمه: " نعم القادر الله " فيما ذكر الزبير بن بكَّار. وقال غيره: كان نقش خاتمه " سجد عبد ذليل لربٍّ جليل ". وروى الزَّهريُّ عن عروة، عن عائشة: أن أبا بكر لم يقل بيت شعر في الإسلام حيَّى مات، وأنه كان حرَّم الخمر على نفسه هو وعثمان رحمهما الله. وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: دخلتُ على أبي بكر الصديق رحمة الله عليه في علَّته التي مات فيها يوما، فقلت: أراك بارئا يا خليفة رسول الله. فقال: أما إنِّي على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدُّ عليَّ من وجعي، إنِّي ولَّيت أموركم خيركم في نفسي، فكلَّكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذنَّ نضائد الدِّيباج، وستور الحرير، ولَتألُمنَّ النوم على الصوف الأذريَّ كما يألم أحدكم النوم على حَسَك السَّعَدان، والذي نفسي بيده لئن يَقدَّم أحدكم فتُضرب عنقه في غير حدٍّ خير له من أن يخوض غَمَرات الدُّنيا، يا هادي الطريق، جُرتَ، إنَّما هو الفجر أو البحر. فقلت: خفِّض عليك يا خليفة رسول الله، فإنَّ هذا يهيضك إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحا مُصلحا لا تأسى على شيء فاتك من الدنيا. ولقد تخلَّيت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيرا.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وقال أبو بكر الصديق لعمر الفاروق ﵄ عند موته: إنِّي مُستخلفك من بعدي، وموصيك بتقوى الله. إن لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل. ولا يقبل نافلة حتى تُؤدَّى فريضة، وإنما ثَقُلت موازين من ثَقُلت موازينه باتِّباعهم الحقَّ وثقله عليهم. وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحقَّ أن يكون ثقيلا، وإنَّما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتِّباعهم الباطل في الدنيا وخفَّته عليهم. وحقَّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا، وإن الله ذكر أهل الجنَّة، فذكَّرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم. فإذا سمعت بهم قلت: أخاف أن لا أكون من هؤلاء. وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم، وأمسك في حسناتهم حين لم يقبلها منهم، فإذا سمِعت بهم قلت، أنا خير من هؤلاء. وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغبا راهبا ولا يتمنى على الله تعالى غير الحقَّ، حفظتَ وصيَّتي فلا يكوننَّ غائب أحبَّ إليك من الموت وهو آتيك، وإن ضيَّعتها فلا يكوننَّ غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه.
ويروى أنه لما توفي أبي بكر ﵁ استرجع على بن أبي طالب ﵁ وجاء مسرعا باكيا، وقال: رحمك الله أبا بكر، كنتَ والله أول القوم إسلاما، وأكملهم إيمانا، وأشدَّهم يقينا، وأخوفهم وأحوطهم على رسول الله ﷺ، وأشبههم به هديا وخُلُقا وسمتا وفضلا، وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده. فجزاك الله عن الإسلام خيرا. صدقت رسول الله حين كذَّبه الناس، فسمَّاك الله تعالى في كتابه صدِّيقا، فقال تعالى:) والذي جاء بالصدق وصدَّق به أولَئك همُ المتَّقون (وآسيته حين تخلَّفوا، وقمت معه حين قعدوا. وصحبته في الشدَّة حين تفرَّقوا، وأكرم الصحبة ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، ورفيقه في الهجرة، والمُنزَّل عليه السكينة، وخلفته في أمَّته بأحسن الخلافة؛ فقويتَ حين ضعُف أصحابك، وبررت حين استكانوا، وقُمتَ بالمر حين فشلوا، ومضيت بقوة إذ وقفوا. كنتَ أطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، وأشجعهم قلبا، وأحسنهم عملا. كنت كما قال رسول الله ﷺ: ضعيفا في بدنك قويا في أمر ربِّك، متواضعا في نفسك عظيما عند الله، محبوبا عند السماوات والأرض. فجزاك الله عنَّا وعن الإسلام خيرا.
[ ٢ / ١٢٦ ]
أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب<tit>/
ابن نُفَيل بن عبد العُزَّى بن عبد الله بن قُرط بن رياح بن رزاح بن عديِّ ابن كعب بن لُؤَيِّ بن غالب بن فهر. وقيل، عبد العزَّى بنُ قُرْطِ بن رياح بن عبد الله بن رزاح بن عديٍّ. وقيل: عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قُرطِ ابن رزاح بن عدي. يجتمع مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤيِّ، وهو عَدَيِّ. وعَدِيِّ الذي ينتسب إليه عمر عَمُّ تيمٍ الذي ينتسب إليه أبو بكر. وأمُّ عمر حنْتَمةُ بنتُ هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بنتِ عمِّ أبي جهل. ومن قال: إنها بنتُ هشام بن المغيرة أختُ أبي جهلٍ فقد أخطأ.
أسلم عمر قبل أن يخرج رسول الله ﷺ من دار الأرقم، وهو مستخفٍ فيها مع تسعةٍ وثلاثين رجلًا من المسلمين، فأتم اللهُ به أربعين رجلًا بدعوة رسول الله ﷺ: " اللَّهمَ أيَّدِ الإسلامَ بعمرِ بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام ". فسبقت الدعوة لعمر بن الخطاب، ﵁. وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبش. وكان رجلًا ذا شكيمة لا يُرامُ ما وراء ظهره، فامتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة حتى عَازُّوا قريشًا.
وقال البَكَّائيُّ، وهو زيادُ بنُ عبد الله: نا مِسّعَرُ بن كدامٍ، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوفٍ، قال: قال عبد الله بن مسعودٍ: إن إسلام عُمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمْةً. ولقد كنا وما نصلِّي عند الكعبة حتًى أسلم عُمر. فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلِّى عند الكعبة، وصَلَّينا معه.
[ ٢ / ١٢٩ ]
قال ابنُ إسحاق: حدَّثني نافعُ مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر قال: لمَّا أسلم أبي عمُر، قال: أيُّ قريش أنقل للحديث؟ قال: قيل له: جميلُ بن معمر الجمحيُّ، قال: فغدا عليه. قال عبد الله بنُ عُمر: وغدوتُ أتبع أثرهُ، وأنظرُ ما يفعلُ، وأنا غلامُ أعقلُ كلً ما رأيت حتًى جاءه، فقال له، أعملت يا جيل أني أسلمتُ ودخلتُ في دين محمّد؟ قال: فوالله ما راجعهُ حتى قام يجرُّ رداءهُ، واتَّبَعهُ عُمَرُ، واتَّبَعْتُ أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، وهم في أنديتهم حول الكعبة، ألا إن ابن الخطاب قد صبأ قال: يقول عمر بن خلفه: كذب ولكني قد أسلمت، وشهدتُ أن لا إله إلا الله وحده، وأنَّ محمدًا عبد ورسوله، فثاروا إليه، فما برح يُقاتلُهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطلح فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن، لو كنَّا ثلاثمئةِ رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال: فبنما هم على ذلك إِذ أقبل شيخ من قريشٍ غليه حُلَّةُ حبرة وقميص موشي حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرًا، فماذا تريدون؟ أترون بني عديِّ بن كعب يسلمون لكم صاحبكم هكذا؟ خلوُّا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه. قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت: من الرجل زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك " أي بُني " العاص بن وائلٍ السَّهميُّ.
قال بن هشام: وحدَّثني بعض العلم أنه قال: يا أبت من الرجل الذي زجر عنك القوم وهم يقاتلونك، جزاه الله خيرًا؟ قال: ذلك، أي بنيَّ، العاصي ابن وائلٍ لا جزاه الله خيرًا.
وعن ابن عُمر أنَّ رسول الله ﷺ ضرب صدر عمر بن الخطاب حين أسلم ثلاث مرَّات وهو يقول: " اللهمَّ أَخرج ما في صدره من علَّ أبْدِلْهُ إيمانًا " يقولها ثلاثًا. وقال ابن مسعودٍ: مازلنا أعزَّةً منذ أسلم عمر.
وعن ابن عمر قال: قال ﷺ: " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ".
[ ٢ / ١٣٠ ]
وروى أبو سلمة عن عائشة وأبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " قد كان في الأمم قبلكم مُحدَّثون فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر بن الخطاب ".
وروى عقبة) عامر (وأبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " لو كان بعدي نبيي لكان عمر ".
مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يُكلِّمْنَهُ ويستَكثِرْنه، عالية أصواتهنَّ، فلما أستأذن قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ، ورسول الله يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنَّك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: " عجبتُ من هؤلاء اللائي كنَّ عندي، فلما سمعْن صوتكَ ابتدرْنَ الحجابَ ". قال عمر: فأنت يا رسول الله أحقُّ أن يهبن. ثم قال عمر: أي عدوَّات أنفسهنَّ، أتهبنني ولا تهبن رسول الله؟ قلن: نعم أنت أغلظ وأفَظَّ من رسول الله ﷺ. قال ﷺ: " والذي نفسي بيده ما لقيكَ الشيطانُ قطُّ سالكًا فجًُّا إلا سلكَ فجًَّا غيرَ فجِّكَ ".
وروى يونس عن ابن شهاب، عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت حتى رأيت الريَّ من أظافري، ثم أعطيت فضلى عمر. قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: " العلم ".
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أن النبيَّ ﵇ رأى على عمر قميصًا أبيض، فقال: " أجديدُ قميصُكَ هذا أم غَسيلُ؟ " فقال: بل غسيلُ فقال: " البس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة " قال: وإياك يا رسول الله..
وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: " رأيتُ في النام أني أنزعُ بدلوِ بَكْرةٍ على قَليب، فجاء أبو بكر فنزع ذَنوبًا أو ذَنوبين نزعًا
[ ٢ / ١٣١ ]
ضعيفاُ، يغفر له. ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربًا، فلم أر عبقريًا يفري فريه، حتى روي الناس وضرب بعطن ".
وروى سفيان بن عيينة عن عمر بن ديارٍ، عن جابرٍ أن رسول الله ﷺ، قال: " دخلتُ الجنةَ فرأيتُ فيها دارًا أو قال: قصرًا، وسمعتُ فيه ضوضاء. فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجالٍ لقريش، فظننتُ أني أنا هو. فقلت من هو؟ فقيل: عمر بن الخطاب. فلولا غيْرتُك يا أبا حفصٍ لدخلته. " فبكى عمر، وقال عليكَ يُغارُ؟ أو قال أغار يا رسول الله؟ وروى ابن شهابٍ عن أبي أمامه بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ انه سمع رسول الله ﷺ يقول: " بينًا أنا نايمُ والناسُ يُعْرضون عليِّ وعليهم قُمُصُ، فمنها ما يبلغُ إلى الثُديِّ، ومنها ما دون ذلك. وعُرِضَ عليَّ عمر ُبن الخطاب ولعيه قميصُ يجرُّه ". قالوا: فما أوَّلت يا رسول الله؟ قال: " الدين ".
ونزل القرآن بموافقته في أسرى بدرٍ وفي الحجاب وفي مقام إبراهيم. فأما أسرى بدرٍ أبا بكر أشار على رسول الله ﷺ أن يأخذ منهم الفداء وأشار عمر أن تُضرب أعناقُهم، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يهو ما قال عمر. ونزل القرآن بقول عمر:) ما كان لنبٍّي أن يكونَ له أسرى حتى يثخنَ في الأرض (، إلى آخر الآيات. وأحل الله الغنيمة له. خرَّج هذا الحديث مسلم كامل القصة، وأخرجه الترمذيُّ مختصرًا.
وأما قصَّة الحجاب، فإن عمر كان يقول: يا رسول الله، احجب نساءك فإنه يدخل عليك المنافق والمرتاب. فأنزل الله آية الحجاب.
وقال ابن عباس: نزلت آية الحجاب في الثُّقلاء قال المؤلف، غفر الله له: " ثقلوا على رسول الله ﷺ حين تزوج زينب بنت جحش حين دعاهم إلى وليمتها. فلما طعموا خرج بعضهم وبقي بعض لم يبرح من البيت. فخرج رسول الله ﷺ ثم رجع وهم في البيت. فنزلت آية
[ ٢ / ١٣٢ ]
الحجاب. فحجب رسول الله ﷺ نساء ". خرَّج هذا الحديث الترمذيُّ عن أنس.
وأما قصة مقام إبراهيم فقال الترمذيُّ: حدَّثنا أحمد بن منيع: نا هُشيم، أنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلىًّ. فنزلت:) واتخذوا من مقام إبراهيم مصلىًّ (.
وقال مسلم: حدثنا عقبة بن مكرم العمِّيُّ قال: نا سعيد بن عامر قال: جويرية بن أسماء: أنا نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربيِّ في مقام إبراهيم وفي أسارى بدرٍ: وقال علي ﵁: ما كنا نبعد أنَّ السكينة تنطق على لسان عمر.
مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمير ومحمد بن العلاء أبو كريب قال ابن العلاء: نا أبو معاوية قال: نا الأعمشُ عن شفيقٍ، عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيُّكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ فقلت: أنا. قال إنك لجرىء، وكيف؟ قال: قلت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " فتنةُ الرجل في أهلهِ ومالهِ ونفسهِ وولدهِ وجارهِ يكفرها الصيامُ والصلاةُ والصدقة والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر ". فقال عمر: ليس هذا ما أريدُ، إنما أريدُ الذي تموج كموج البحر. قال: فقلت: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها بابًا مغنمًا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ الليلة. إني حدثته حديثًا ليس بالأعاجيب. قال:.. إن نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا: وخرَّج هذا الحديث البخاريُّ.
وقال ابن مسعودٍ: لو وضع علم أحياء العرب في كفة الميزان، ووضع علم
[ ٢ / ١٣٣ ]
عمر لرجح علم عمر. ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم. ولمجلس كنت أجلسه من عمر أوثق في نفسي من عمل سنةٍ.
وعن الفضل بن العباس قال: قال رسول الله ﷺ: " عمر معي مع عمر، والحقُّ بعدي مع عمر حيث كان ". وقال الشعبُّي: من سرَّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير.
وحدَّث إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: نا علي بن الدينَّي قال: نا حسين بن عليٍّ عن زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير قال: حدثني أبو بردة وأخي عن عوف بن مالك الأشجعيِّ أنه رأى في المنام كأنَّ الناس جمعوا فإذا فيهم رجل فرعهم، فهو فوقهم.. أذرع. قال: فقلت: من هذا؟ قالوا: عمر. قلت: لم؟ قالوا: لأن فيهم ثلاث خصالٍ: لأنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد. قال: فأتى أبا بكر فقصَّها عليه فأرسل إلى عمر فدعاه ليبشِّره. قال: فجاء عمر فقال لي: اقصص رؤياك. فلما بلغت " خليفة مستخلف " زبرني عمر وانتهرني وقال: اسكت، تقول هذا وأبو بكرٍ حيِّ؟ قال: فلما كان بعد، وولي عمر، مررت بالشام وهو على المنبر، قال: فدعاني وقال: اقصص رؤياك فقصتها. فلما قلت: إنه لا يخاف في الله لومة لائمٍ قال: إني لأرجو أن يجعلوا الله منهم. قال: فلما قلت " خليفةُ مستخلفُ " قال: قد استخلفني الله، فسلهُ أن يُعينني على ما ولاني. فلما أن ذكرت " شهيد مستشهد " قال: أني لي بالشهادة وأنا بين أظهركم تغزون وأنا لا أغزو؟ قال: بلى يأت الله بها إن شاء. فأتى الله بها أنى شاء.
عوف بن مالك صاحب رؤيا عمر من مشاهير الصحابة، خرج عنه مسلم وغيره وقد مضى ذكره ما روى ومن روى عنه في " أشجع " من قيس عيلان بن مضر بن نزار.
واستخلف أبو بكر عمر ﵄ في اليوم الذي توفِّى فيه. وعهد بذلك. دعا عثمان بن عفان، وكان من كتابه فقال: اكتب " بسم الله الرحمن
[ ٢ / ١٣٤ ]
الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ في آخره أيامه من الدنيا وأول أيامه من الآخرة في الساعة التي يؤمن فيها الكافر ويتَّقي فيها الفاجر إني استخلفت عليكم " قال عثمان: فأصبته غشيته فخشيت أن يموت فكتبت عمر. فلما أفاق من غشيته قال: ما كتبت؟ قلت: عمر. قال: أصبت ولو كتبت غيره للمتك، ولو كتبت نفسك لكنت أهلًا لذلك. ثم قال: اكتب " أني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن برَّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه. وإن جار وظلم فالله حسيبه ولا علم لي بالغيب. والخبر أردت، ولكلِّ امرئ ما اكتسبت، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ مُنقلَبٍ ينقلبون ".
وقال عبد الله بن مسعود: أصحُّ الناس فراسةًّ ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: أكرمي مثواه، وابنه شعيبٍ حين قالت: استأجره، إن خير من استأجره القومي الأمين، وأبو بكرٍ حين اسخلف عمر بن الخطاب.
وفي أيام عمر تتابعت الفتوحات بالشام والعراق ومصِّرت الأنصار، ودونت الدواوين، ورتِّبت الناس على سوابقهم، وأرخ التاريخ من الهجرة.
الطبري: حدثني محمد بن إسماعيل قال: نا أبو نعيم قال: نا حبَّان بن عليٍّ العنزيُّ عن مجالد عن الشَّعبيِّ قال: كتب أبو موسى الأشعريُّ إلى عمر أنه تأتينا منك كتب ليس تاريخ. قال: فجمع عمر للمشورة. فقال بعضهم: أرِّخي لمبعث رسول الله ﷺ. وقال بعضهم: لمهاجر رسول الله ﷺ. فقال عمر: لا بل نؤرِّخ لمهاجر رسول الله ﷺ، فإن مهاجرة فرق بين الحقِّ والباطل. وقال: حدثني محمد بن إسماعيل قال: نا سعيد بن أبي مريم قال: نا يعقوب بن قال: حدثني محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عباس. قال: كان التاريخ في السَّنة التي قدم فيها رسول الله ﷺ، وفيها ولد عبد الله بن زبير.
وقال الزُّهريُّ والشعبيُّ: أرَّخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم إلى البيت حين بناه إبراهيم وإسماعيل، ثم أرَّخ بنو إسماعيل من بنيان البيت حتى تفرَّقت.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وكان كلما خرج قوم من تهامة أرَّخوا مخرجهم. ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج سعدٍ ونهدٍ وجهينة بن زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤي فأرَّخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل. فكان التاريخ من الفيل حتى أرَّخ عمر بن الخطاب من الهجرة، وذلك سنة سبع عشرة أو ثمان عشر.
الطبري: حدثني محمد بن إسماعيل قال: لا أبو نعيم الفضل بن دكين عن الأسود بن يزيد، عن عبيد بن عمير قال: إن المحرم شهر الله ﵎ وهو رأس فيه يكسى البيت ويؤرَّخ التاريخ، ويضرب فيه الورق. وفيه يوم كان تاب فيه قوم، فتاب الله عليهم. وقال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: نا نعيم بن حمَّاد، قال: نا الدَّراورديُّ عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت سعيد بن المسَّيب يقول: جمع الناس فسألهم فقال: من أي يوم نكتب؟ فقال عليَّ: من يوم هاجر رسول الله ﷺ، وترك أرض الشِّرك، ففعله عمر ﵀. وقدم التاريخ على الهجرة، وذلك أن أول السنة المحرَّم. فبين التاريخ وهجرة شهران واثنا عشر يومًا. وهو أول من تسمَّى بأمير المؤمنين. وذكر الزبير بن بكار قال: قال عمر لما ولي: كان أبو بكر يقال له خليفة رسول الله ﷺ فكيف يقال لي: خليفة خليفة؟ يطول هذا! قال: فقال المغيرة بن شعبه: أنت أميرنا ونحن المؤمنون، فأنت أمير المؤمنين. قال: فذاك إذن. وحدث أبو بكر بن سليمان بن أبي حيثمة قال: حدثتني الشفاء، كانت من المهاجرات الأول وكانت جده أبي بكر أم أبيه، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق أن ابعث إلي رجلين جليدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله. فبعث أليه عامل العراق لبيد بن ربيعة العامري وعديَّ بن حاتم الطائيَّ. فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فإذا هما بعمرو بن العاصي، فقالا له: أستأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرو. فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، نحن المؤمنون وهو أميرنا. فوثب عمرو فدخل على عمر فقال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ما بدا لك في هذا الاسم، يعلم الله لتخرجن مما قلت. قال: إن بيد بن ربيعةَّ وعديَّ بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد وقالا لي: أستأذن لنا يا عمر على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك، أنت الأمير
[ ٢ / ١٣٦ ]
ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من يومئذ. وفي أيامه اختطَّت البصرة، اختطَّها عتبة بن غزوان وبويع له بالخلافة يوم مات أبو بكر باستخلافه له سنة ثلاث عشرة، فسار أحسن سيرة، وأنزل نفسه بالمال الله بمنزلة رجل من الناس، وكان لا يخاف فالله لومة لائم. وهو الذي نور شهر الصيام بصلاة الإشفاع. وهو من المهاجرين الأولين. وشهد بدرًا وبيعة الرِّضوان، وكل مشهدٍ شهده رسول الله ﷺ.
وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنه راضٍ، وهو أول من اتَّخذ الدِّرَّة. وكان عمر ﵁ مهيبًا متواضعًا متقشفًا في اللباس والطعام مع وجود الليِّن منهما بترادف الفتوحات عليه، مسدَّد القول، موفقًا للصواب فيما يقضي ويفعل. فمن ذلك رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري، وهي التي جمع فيها جمل الأحكام، وأختصرها بأجود الكلام. وجعل الناس بعده يتخذونها إمامًا، ولا يجد محق عنها معدلًا ولا ظالم عن حدودها محيطًا. وهي: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. أما بعد، فأن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة. فافهم إذا أدلي إليك، وانفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع التكلم بحقًّ لا نفاذ له. أس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع الشريف في حيفك، ولا ييأس الضعيف بن عدلك. البيَّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلى صلحًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالًا. لا يمنعنَّك قضاء قضيته اليوم فراجعة فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التَّمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا في سنَّةٍ. ثم اعرف الأشباه والأمثال؛ فقس الأمور عند ذلك، واعمل إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق واجعل لمن ادَّعى حقًا غابئًا أو بيِّنةً، أمدًا ينتهي إليه فإن أحضر بيِّنة أخذت له بحقه، وإلا استحللت القضَّية عليه، فإن ذلك أجلى للشك وأنفى للعمى، والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلى مجلودًا في حدٍّ أو مجربًا عليه شهادة زور أو ضنينًا في ولاء أو نسب فإن الله تولى منكم درأ بالبينات والأيمان. وإياك والقلق والضجر والتأدِّي بالخصوم والتنكر عند الخصومات؛ فإن
[ ٢ / ١٣٧ ]
الحق في موطن الحقِّ يعظم الله به الأجل ويحسن عليه الذخر. فمن صحته نيته واقبل على نفسه كفاه الله ما بينه الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنَّه ليس من نفسه شأنه الله، فما ظنك لثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام ".