كان أبو طالب شديد الحب لرسول الله ﷺ ناصرا له يغضب له يغضب له ويحوطه. وهو القائل فيه ﵇ من قصيدة طويلة:
وأبيضَ يَسْتَسقَى الغمامُ بوجههِ ثِمالَ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ
يلوذُ به الهُلاَكُ من آلِ هشامٍ فهم عندَه في نعمةٍ وفواضلِ
كذبتمْ وبيتِ الله نُبْزَى محمدًا ولمَّا نُطاعنْ دونَه وتُناضلِ
ونُسلمُهُ حتى نُصرِّعَ حولَهُ ونَذهبَ عن أبنائنا والحلائلِ
وفي الأثر أن أهل المدينة أقطحوا، فأتوا رسول الله ﷺ. فشكوا إليه ذلك، فصعد رسول الله رسول الله ﷺ المنبر فاستقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل العوالي يشكون من الغرق. فقال رسول الله ﷺ: " اللهمَّ حوالينا ولا علينا ". فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل. فقال رسول الله ﷺ " لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرَّه ". فقال بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله:
وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه ثِمالَ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
[ ٢ / ٣٧ ]
قال: " أجل ". ولأبي طالب من قصيدة أثنى فيها على النبي ﵇:
إذا اجتمعتْ يومًا قريشٌ لِمِعْجَز فعبدُ منافٍ سرُّها وصميمُها
إنْ حُصِّلت أشرافٌ عبدِ منافِها ففي هاشم أشرافُها وقديمُها
وقال من قصيدة، مدح فيها النبيَّ ﵇، وتوعَّد قريشا حين كتبوا صحيفة القطيعة.
ألا أبلغا عني على ذاتِ بَينِنا لُؤيَّا وخُصّا من لؤيِّ بني كعب
ألم تَعلموا أنَّا وجَدْنا محمدًا نبيًا كموسى خطَّ في أولِ الكتْبِ
وأنَّ عليه في العبادِ محبَّةً ولا خيرِ ممَّن خصَّةُ اللهُ بالحبِّ
وآخُر القصيدة:
أليس أبونا هاشمٌ شَدَّ أزرَهُ وأوصى بَنيهِ بالطَّعانِ وبالضَّرْبِ
ولسنا نَملُّ الحربَ حَتى تَملَّنا ولا نَتشكَّى ما ينوبُ من النَّكْبِ
ولكنَّنا أهلُ الحفائظِ والنُّهى إذ طار أرواحُ من الرعبِ
وولد أبو طالب طالبا، وبه كان يُكنى، وهو أكبر ولده، وعقيلا وجعفرا
[ ٢ / ٣٨ ]
وعليا وأمَّ هانئ، واسمها هند، وقيل فاختة وجُمانة. وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين، وعقيل أكبر من جعفر بعشر سنين، وجعفر أكبر من عليٍّ بعشر سنين. وأمُّهم فاطمة بنت أسد بن عبد مناف بنت عمّ أبي طالب. وقال الزبير: وهي أول هاشمية ولدت لهاشميٍّ وأسلمت، وهاجرت إلى الله ورسوله. وماتت في المدينة في حياة النبيِّ ﵇، وشهد دفنها ﷺ. وروى عطاء بن أبي رباح: عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أمُّ عليٍّ بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه واضطجع معها في قبرها. فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه! فقال: " إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرَّ بي منها، إنما ألبستها قميصي لتُكسى من حُلل الجنة، واضطجعت معها ليُهوَّن عليها ".
وهلك أبو طالب مشركا بعد غزوة بدر. وقيل: إنه ذهب فلم يرجع، ولم يُدر له موضع ولا خبر، وهو أحد الذين تاهوا في الأرض. وكان مُحبَّا في رسول الله ﷺ، وله فيه مدائح. وكان خرج إلى بدر كرها، وجرى بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة فقالوا: والله يا بني هاشم لقد عرفنا، وإن خرجتم معنا، أنَّ هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وهم بنو زُهرة مع الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثَّقفي، وكان حليفا لهم ومُطاعا فيهم. ولم يكن بقي من قريش بطن إلا وقد نفر منهم ناس إلا عديُّ بن كعب وبنو زهرة، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. وقال طالب حين رجع من غزوة بدر:
لا هُمَّ إمَّا يَغزُوَنَّ طالبْ
في عصبةٍ مخالفٍ محاربْ
في مقنب من هذه المقانبْ
فليكنِ المسلوبَ غيرَ السالبْ
وليكنِ المغلوبَ غيرَ الغالبْ
[ ٢ / ٣٩ ]
وقال من قصيدة ثناء على النبي ﵇، وبكى فيها أصحاب قليب بدر:
فمنا إنْ جَنينَا في قريش عظيمةً سِوى أنْ حَمَينا خيرَ مَن وطئ التُّربا
أخا ثقةٍ في النائبات مُرزَّءًا كريمًا نثاهُ لا بخيلًا ولا ذَرْبا
وأما عقيل بن أبي طالب: فكان نسَّابة، ويكنى أبا يزيد. وأُسر يوم بدر ففداه العباس بأربعة آلاف درهم فيما ذكره أبو اليقظان. وورث عقيل وطالب أبا طالب ولم يرثه عليٌّ ولا جعفر، لأنهما كانا مسلمين. قال عليُّ: فلذلك تركنا نصيبنا من الشِّعب. وأسلم عقيل قبل الحديبية. وشهد غزوة مؤتة. وكانت له طنفسة تُطرح في مسجد رسول الله ﷺ يصلي عليها، ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب، وذكرها مالك في الموطأ في وقت الجمعة. وكان أسرع الناس جوابا، وأحضرهم مراجعة في القول، وأبلغهم في ذلك. وقال له النبي ﷺ: " يا أبا يزيد، إني أحبُّك حبَّين: حبا لقرابتك مني، وحبا لما كنت أعلم من حبِّ عمي إياك ".
وانصرف عن على في خلافته إلى معاوية مغاضبا له إذ سأله قضاء دَينه وكان مالا كبيرا. فقال: إنما أنت رجل من المسلمين، ولا أحمل على بيت مالهم دَينَك. فلما وفد على معاوية برَّه ووصله بمال عظيم، وقضى دَينه. وقال يوما بحضرته: هذا أبو يزيد، لولا علمه أني خير له من أخيه ما أقام معنا وتركه. فقال عقيل: أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي. وقد آثرت دنياي. وأسأل الله خاتمة خير.
وكانت له دار بالمدينة واسعة كثيرة الأهل. ومات، بعد ما عَمِيَ، في آخر خلافة معاوية. وكان له من الولد اثنا عشر ذكرا، وخرج منهم تسعة مع الحسين ﵁، فقُتلوا معه. منهم: مُسلم بن عقيل وكان أشجعهم، وهو الذي
[ ٢ / ٤٠ ]
قدَّمه الحسين ﵇ إلى الكوفة، فقتله الدَّعيُّ ابن زياد صبرا. وفيهم قيل:
عينِ جودي بعَبرةٍ وعويل واندُبي إن نَدبتِ آل الرسولِ
سبعةُ كلُّهم لصلب عليٍّ قد أُصيبوا وتسعةٌ لعقيلِ
فأما جعفر بن أبي طالب: فأسلم قديما في أول الإسلام، وهاجر إلى أرض الحبشة، ومعه امرأته أسماء بنت عُميس الخثعميَّة، فولدت له بها عبد لله ومحمدا وعونا. وقدم على رسول الله ﷺ من أرض الحبشة يوم فتح خيبر فعانقه النبي ﷺ وسُرَّ بقدومه، وقال: " ما أدري بأيَّ الأمرين أنا أُسرُّ: بقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟ ". وقال ﵇ له: " أشبهت خَلقي وخُلقي ". خرَّج هذا الحديث البخاريُّ والترمذيُّ. واختطَّ له وقدم على رسول الله ﷺ إلى جنب المدينة. وقال أبو هريرة: ما ركب الكور ولا احتذى النَّعال ولا وطئ التُّراب أحد بعد وقدم على رسول الله ﷺ أفضل من جعفر. أخرج هذا الحديث التّرمذيُّ. وكان يكنى أبا عبد الله. وعبد الله ابنه أول مولود في الإسلام بأرض الحبشة.
وكان أجود العرب، وأخباره في الجود كثيرة. وكان لا يرى بسماع الغناء بأسا. وحفظ عن وقدم على رسول الله ﷺ وروى عنه. مسلم: حدَّثنا يحيى ابن يحيى التميميُّ وعبد الله بن عون الهلاليُّ قال: رأيت وقدم على رسول الله ﷺ يأكل القثَّاء بالرُّطب. وتوفي بالمدينة سنة ثمانين، وهو ابن تسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ أمير المدينة لعبد الملك بن مروان.
وأما محمد بن جعفر فكان يكنى أبا القاسم، واستُشهد بتُسْتَر. وحلق وقدم على رسول الله ﷺ رأسه ورأس أخويه حين جاء نعيُّ أبيهم جعفر سنة ثمان ودعا لهم. وقال: " أنا وليُّهم في الدنيا والآخرة ". وقال: " أما محمد فشبيه عمِّنا أبي طالب ". وهو الذي تزوَّج أمَّ كلثوم بنت عليٍّ بعد عمر ﵁.
[ ٢ / ٤١ ]
وأما عون بن جعفر: فقُتل بتُسْتر أيضا، قال هذا ابن قتيبة. قال مسلم: أبو جعفر عبد الله بن المِسوَر بن عون بن جعفر بن أبي طالب روى عنه عمرو بن مُروة. وقال الموصليُّ الحافظ: عبد الله بن المُسوّر بن أبي طالب الهاشميُّ أبو جعفر متروك ذاهب الحديث، جريء على ما لا يحلُّ له من المحظور. وقال عنه وهبةُ بن مصْقلة العبديُّ إنه كان يضع أحاديث كلام ليست من أحاديث النبي ﷺ، وكان يرويها عن النبي ﷺ.
والعقب من ولد عبد الله بن جعفر لعليٍّ ومعاوية وإسحاق وإسماعيل. وكان معاوية من ولد عبد الله بن جعفر ضدَّ أبيه ومن ولده عبد الله بن معاوية: وهو أشهر ولده، وطلب الخلافة فظفر بأصبهان وبعض فارس فقتله أبو مسلم. وكان شاعرا مطبوعا مُجيدا. وهو القائل يعاتب بعض إخوانه المداهنين في الودِّ:
رأيتُ فُضيلًا كان شيئا مُلفَّفًا فكشَّفه التَّمحيصُ حتى بَدا لِيَا
أأنتَ أخي ما لَم تكُن لِيَ حاجةٌ فإن عرضتْ أيقنتُ أنْ لا أخا لِيا
فلا زادَ مض بَيني وبينك بعد ما بَلوتك في الحاجاتِ ألا تَمادِيا
فلستُ براءٍ عيبَ ذي الودِّ كلِّهِ ولا بعضَ ما فيه إذا كنتُ راضِيا
فعينُ الرِّضا عن كلِّ عيب كليلةٌ ولكنَّ عينَ السُّخط تُبدي المساويا
كلانا غتيٌ عن أخيهِ حياتَهُ ونحنُ إذا مِتْنا أشدُّ تَغانيا
[ ٢ / ٤٢ ]
الملفَّف: المغطَّى. والتمحيص: الاختبار. قال تعالى:) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الذِينَ آمَنُواْ ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ (.
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر أيضا:
أنَّى يكونُ أخًا أوْ ذا محافظةٍ مَن كنتَ في غَيبهِ مُستشعرًا وَجَلا
إذ تغيَّب لم تَبرحْ تظنُّ بهِ سُوءًا وتسألُ عمَّا قال أو فَعلا
وهذا من جيّد الشعر.
واستشهد جعفر ﵁ يوم مؤته، وقُطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء منها.
وأما عليٌّ فيأتي ذكره بعد في الخلفاء الأربعة.
وأما أمُّ هانئ: فكانت تحت هُبَيرة بن أبي وهب المخزوميُّ، كما ذكرت قبل. وأسلمت عام الفتح. وحديث ركعات الضُّحى عليها مداره. مالك: عن أبي النَّضر مولى عمر بن عبيد الله أن أبا مُرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أمّ هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، وفاطمة ابنته تستره بثوب قالت: فسلَّمت. فقال: " من هذه؟ " فقلت: أمُّ هانئ بنت أبي طالب. فقال: " مرحبا بأمُّ هانئ ". فلما فرغ من غسله قام فصلَّى ثماني ركعات مُلتحفا في ثوب واحد، ثم انصرف. فقلت: يا رسول الله زعم ابن أمِّي عَلي أنه قاتلٌ رجلا أجرته فلان ابن هبيرة. فقال وقدم على رسول الله ﷺ: " لقد أجرنا مَن أجَرتِ يا أمُّ هانئ ". قالت أمّ هانئ: وهذا ضحى. الذي أجارت أمُّ هانئ هو ابنها جَعْدَة بن هُبيرة. وخرَّج مسلم هذا الحديث من طرق عن أمِّ هانئ، وأحد طرفيه عن يحيى بن يحيى التَّميميَّ، عن مالك كما في الموطأ.
[ ٢ / ٤٣ ]
ضرار بن عبد المطلب: مات ضرار قبل الإسلام، ولا عقب له، وكان يقول الشعر.
المقوَّم بن عبد المطلب: ولم يدرك الإسلام، ولا عقب له.
أبو لهب: عبد العزَّى بن عبد المطلب، ويكنى أبا عتبة، وكان أحول. وكانت دار النبي ﵇ بمكة بين دار أبي لهب ودار عقبة بن أبي المعيط، فكان ﷺ بين شرِّ جارين، وروى عنه أنه قال ذلك. وقيل له أبو لهب لجماله. وأصابته العدسة فمات بمكة بعد وقعة بدر بيسير.
وولد له: عتبة وعتيبة ومعتِّب، وبنات أمُّهم أمُّ جميل بنت حرب بن أمية حمالة الحطب. وهي أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية.
فأما عتبة فكان رسول الله زوَّجه رقية ابنته. فأمره أبو لهب أن يطلقها ففعل. ودعا عليه النبي ﷺ فقال " اللهم سلِّط عليه كلبا من كلابك "، فأكله الأسد في أسفاره، والقصة مشهورة. وكان يكنى أبا واسع، وله عقب كثير من بنين وبنات منهم: الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر. وهو القائل:
وأنا الأخضرُ مَن يعرفُني أخضَرَ الجِلدةِ في بيتِ العَربْ
مَن يساجِلْنِي يساجلْ ماجدًا يملأ الدلوَ إلى عَقدِ الكَرَبْ
وابنه عبد الله بن الفضل: من شيوخ مالك، وله عنه في الموطأ حديث واحد مسند صحيح. مالك: عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبيد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال " الأيِّم أحق بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها ".
[ ٢ / ٤٤ ]
وأما معتِّب: فأسلم، وشهد حنينا مع النبي ﷺ، وله عقب كثير.
وأما عتيبة: فتزوَّج أم كلثوم بنت النبي، وفارقها قبل أن يدخل بها. وأسلم يوم الفتح مع أخيه معتَّب.
الغيداق بن عبد المطلب: وهو حجل ولا عقب له.
الحارث بن عبد المطلب: هو أكبر ولد عبد المطلب، وشهد معه حفر زمزم، وبه كان يكنى. وولد له أبو سفيان بن الحارث، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد شمس بن الحارث، وأروى بنت الحارث.
فأما أبو سفيان بن الحارث: فكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاعة؛ أرضعته معه حليمة أياما. واسمه المغيرة، وقيل: اسمه كنيته. وكان يألف رسول الله، فلما بعث عاداه وهجاه. ثم أسلم عام الفتح، وحسن إسلامه. وشهد أبو سفيان حنينا، وثبت فيمن ثبت مع النبي ﵊ يومئذ من أهل بيته. وله قال حسان بن ثابت معارضا:
ألا أبلغْ أبا سفيانَ عنِّي مُغَلغلةً فقد برِح الخفاء
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه وعندَ الله في ذَاك الجَزاء
أتَهجوهُ ولستَ لهُ بكفء فشرُّكما لخيرِكُما الفِداء
فإنَّ أبي ووالدَه وعرِضي لِعرْضِ محمدٍ منكمْ وِقاء
[ ٢ / ٤٥ ]
وقال النبي ﵇ في أبي سفيان هذا: " أرجو أن يكون خلفا من حمزة ". وقال فيه أيضا: " أبو سفيان سيد فتيان أهل الجنة ". ويقال: إنه لما أسلم ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ حياء منه حتى مات. وكان أبو سفيان من الشعراء المطبوعين. وأنشد النبيَّ ﷺ قوله في إسلامه واعتذاره ممَّا سلف منه:
لعَمرُك إني يومَ أحملُ رايةً لتغلبَ خَيلُ اللاتِ خيلَ محمدِ
لَكا لمُدْلجِ الحَيْرانِ أظلم ليلُهُ فهذا أواني حين أُهدَى فأهتدي
هَدانيَ هادٍ غيرُ نفسي ودلَّني على الله مَن طرَّدْتُه كلَّ مُطْرَدِ
أصُدُّ وأَنْأَى جاهدًا عن محمدٍ وأُدْعَى وإن لم أنتَسِبْ مِن محمدِ
قال ابن إسحاق: لما أنشد أبو سفيان رسول الله ﷺ: " مَن طرَّدتَهُ كلَّ مُطردِ " ضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: " أأنتَ طرَّدتَني كل مطردِ؟ ". وأبو سفيان بن الحارث القائل أيضا:
لقد علمتْ قريشٌ غيرَ فخرِ بأنَّا نحنُ أجودهُمْ حِصانا
وأكثرهُمْ دروعًا سابغاتٍ وأمضاهُمْ إذا طَعنوا سِنانا
وأدفعُهم لدى الضَّرَّاء عنهمْ وأبْينُهم إذا نطقوا لسانا
وكانت وفاته سنة عشرين بالمدينة، ودفن بالبقيع، ولم يبق له عقب. قال
[ ٢ / ٤٦ ]
هذا ابن قتيبة. وقال غيره مثل قوله في الوفاة، إلا أنه قال: ودُفن في دار عقيل بن أبي طالب، وصلى عليه عمر بن الخطاب. ولما حضرته الوفاة قال لأهله: لا تبكوا عليَّ، فإني لم أتنظَّف بخطيئة منذ أسلمتُ.
وأما نوفل بن الحارث: فكان أسنَّ من أسلم من بني هاشم. كان أسنَّ من حمزة والعباس ومن جميع إخوته. وأُسر يوم بدر ففداه العباس، وأسلم وهاجر أيام الخندق. وتوفي بالمدينة في داره سنة خمس عشرة، وصلى عليه عمر ﵁، بعد أن مشى معه إلى البقيع، ووقف على قبره حتى دُفن، ﵀، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين العباس بن عبد المطلب، وكانا شريكين في الجاهلية، متفاوضين في المال، متحابِّين. وأعان نوفل يوم حنين رسول الله ﷺ بثلاثة آلاف رمح. فقال له رسول الله ﷺ: " كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين ". وكان لنوفل عقِب كثير منهم: المغيرة بن نوفل: وكان قاضيا بالمدينة في خلافة عثمان، ولم يدرك من حياة النبي ﷺ إلا ستَّ سنين، وشهد مع علي ﵇ صِفِّين.
ومن ولد المغيرة يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل المدنيُّ. وكان متروك الحديث.
ومن ولد نوفل عبد الله بن الحارث بن نوفل: وهو الملقب بَبَّه. وولد على عهد رسول الله ﷺ، وحنّكه ودعا له. وهو الذي اصطلح عليه أهل البصرة عند موت يزيد بن معاوية، فبايعوه، حتى يتفق الناس على إمام. وروى عن عمر وعلي وعثمان والعباس وأمِّ هانئ. وتوفي أبوه الحارث في البصرة في آخر خلافة عثمان. وأسلم حين أسلم أبوه نوفل. وكان الحارث رجلا حين أسلم أبوه نوفل. ولُقِّب عبد الله بِبَبَّه لأنَّ أمَّه كانت تُرقصه صغيرا وتقول:
لأُنكحنَّ بَبَّةْ جارية خِدبَّهْ
مُكرَمةً مُحبَّهْ تَخدُمُ بيتَ الكعبَهْ
[ ٢ / ٤٧ ]
وكان له ابنان: محمد وعبد الله. وأما محمد بن عبد الله فروى عنه ابن شهاب في كتاب " الحج " من الموطأ. وأما عبد الله بن عبد الله بن الحارث فروى عنه عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن ابن عباس حديث الوباء الواقع بالشام. خرَّجه مالك في كتاب " الجامع " من الموطأ، وخرجه البخاري ومسلم عن مالك.
ومن موالي عبد الله بن الحارث مِقسم: ويكنى أبا القاسم. وإنما قيل له مولى ابن عباس للزومه إياه. وانقطاعه إليه، وروايته عنه. وقد روى مِقسم عن أمِّ سَلَمَة سماعا منها.
وأما عبد شمس بن الحارث بن عبد المطلب: فسماه رسول الله ﷺ عبد الله. ومات بالصَّفراء في حياة رسول الله ﷺ، فدفنه رسول الله ﷺ في قميصه وقال: " أدركتهُ السعادة ". ذكره مصعب وغيره.
وأما ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: فكانت له صحبة. وقال النبيُّ: " نِعم الرجل ربيعة لو قَصَّر من شَعره وشَمَّر من ثوبه ". وكان شريك عثمان في التجارة. ولربيعة بنون وبنات. فمن بنيه: العباس بن ربيعة: وكان له قدر، وأقطعه عثمان دارا بالبصرة. وأعطاه مئة ألف درهم. وشهد صفِّين مع علي، وكانت تحته أمُّفراس بنت حسان بن ثابت، فولدت له أولادا. وعقُبُه كثير.
ومن بنيه عبد المطلب بن ربيعة: أمُّه أمُّ الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب كان على عهد رسول الله ﷺ رجلا روى عنه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن رسول الله ﷺ دخل على ضُباعة بنت الزبير، انتهش عندها كتفا ثم صلى ولم يتوضأ.
[ ٢ / ٤٨ ]
ومن بنيه محمد بن ربيعة بن الحارث
انقضى ذكر عمومة النبي ﵇ وأعقابهم كما يجب والحمد لله كثيرا على ما يسَّر من ذلك