[ ٢ / ٢٧٩ ]
أبو عبد الله الزبير بن العوام
ابن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيٍّ بن كلاب بن مُرَّة بن كعب ابن لؤي. يجتمع مع رسول الله ﷺ في قصي بن كلاب.
وينتسب الزبير أسديا إلى أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيٍّ وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبيِّ ﷺ، وعمته خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ.
أسلم، ﵁، وهو ابن خمس عشرة سنة. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمة بن سلامة بن وَقش. وهو حواريُّ رسول الله ﷺ. مسلم: حدثنا عمرو الناقد قال: نا سفيان بن عُيينة، عن محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: ندب رسول الله الناس يوم الخندق. فانتدب الزبير ثم ندبَهُم فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير. فقال النبيُّ ﷺ: " لكلِّ نبيٍّ حواريُّ وحواريِّ الزبير ".
مسلم: حدثنا إسماعيل بن الخليل وسويد بن سعيد كلاهما عن ابن مُسهِر قال إسماعيل: نا عليُّ بن مُسهر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بتن الزبير قال: كنت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الخندق مع النِّسوة في أطمِ حسَّان، فكان يُطاطئ لي مرة فينظر كنت أعرف أبي إذا مرَّ على فرسه في السلاح إلى بني قريظة قال: وأخبرني عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال: فذكرت ذلك لأبي فقال: ورأيتني يا بُنَيِّ؟
[ ٢ / ٢٨١ ]
قلتُ: نعم. قال: أما والله لقد جمع لي رسول الله ﷺ يومئذ أبويه. فقال: فداك أبي وأمي.
مسلم: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا ابن نُمَير وعبدة قالا: نا هشام عن أبيه قال: قالت لي عائشة: أبوك والله من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وقال ﵇: " الزبير ابن عمَّتي وحواريِّ من أُمَّتي ". وسمع ابن عمر رجلا يقول: أنا ابن الحواريِّ، فقال: إن كنت ابن الزبير وإلا فلا.
وقال محمد بن سلاَّم: سألت يونس بن حبيب عن قوله ﵇: " حواريِّ الزبير ". قال: " خُلْصانُه ". وقال غيره: الحواريُّ الناصر.. وذكر قول الأعور الكلابي:
ولكنَّه ألقى زِمامَ قَلوصِهِ فيحيل كريمًا أو يموت حَوَارِيَّا
وقال محمد بن عبد السلام الخُشنيُّ: نا محمد بن بشار: نا محمد بن جعفر قال: نا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق السَّبيعيَّ قال: سألت مجلسا فيه أكثر من عشرين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ: مَن كان أكرم الناس على رسول الله ﷺ؟ قالوا: الزبير وعليُّ بن أبي طالب.
وجاء في صحيح الآثار أنه كان مُعتمرا بعمامة صفراء يوم بدر، فيقال: إنه نزلت الملائكة يوم بدر على سيما الزبير. وروى أبو إسحاق الفزاريُّ عن هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة بن الزُّبير. قال: كان على الزبير عمامة صفراء معتجرا بها يوم بدر. ونزلت الملائكة عليها عمائم صُفر.
وكان الزبير تاجرا مجدودا في التجارة. وقيل له يوما: بِمَ كنت في التجارة وما أدركتَ؟ فقال: لأني لم أشتر عيبا ولم أرُدَّ ربحا، والله يبارك لمن يشاء. وقال حسان بن ثابت يمدحه:
[ ٢ / ٢٨٢ ]
أقام على عهدِ النبيِّ وهديهِ حواريُّهُ والقولُ بالقول يُعدَلُ
أقام على مِنْهاجِهِ وطريقِهِ يُوالي وليَّ الحقِّ والحقُّ أعدلُ
هو الفارسُ المشهورُ والبطلُ الذي يصولُ إذا ما كانَ يومٌ مُحجَّلُ
وإنَّ امرأ كانت صفيةُ أمَّه ومِن أسدٍ في بَيتهِ لَمُرَفَّلُ
لهُ من رسول اللهِ قُربى قَريبةٌ ومن نُصرةِ الإسلامِ مجدٌ مؤثَّلُ
فكم كُربةٍ ذَبَّ الزبيرُ بسيفهِ عن المصطفى واللهُ يُعطي ويُجزِلُ
إذ كشَّفتْ عن ساقِها الحرثُ حشَّها بأبيضَ سبَّاقٍ إلى الموتِ يُرقلُ
فما مثلُه فيهمْ ولا كانَ قبلَهُ وليس يكونُ الدهرَ ما دامَ يَدْبُلُ
وحضر الزبير ﵁ يوم اليرموك وأبلى فيه. قال عروة ابن الزبير: إنَّ أصحاب النبيَّ ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشدَّ فَنشدَّ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
معك؟ قال: إني أخاف إذا شددتُ كذبتُم. قالوا: لا نفعل. فحمل عليهم حتى شقَّ صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد منهم. ثم رجع مُقبلا، فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين على عاتقه، بينها ضربة ضربها يوم بدر. قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير.
وحضر، ﵁، فتح مصر مع عمرو بن العاصي، بعثه عمر بن الخطاب من المدينة مددا لعمرو. وشهد الجمل مع عائشة ﵂، وقُتل بوادي السباع راجعا من حرب الجمل.
وذكر الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه الكبير عن قتادة قال: سار عليٌّ من الزاوية يريد الزبير وطلحة وعائشة، وساروا من الفَرضَة يريدون عليا، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد في النِّصف من جمادى الآخرة سنة ستٍّ وثلاثين يوم الخميس. فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه السلاح. فقيل لعلي: هذا الزبير. فقال: أما إنه أحرى الرجلين إن ذُكِّر بالله أن يذكر. وخرج طلحة فخرج إليهما علي، فدنا منهما حتى اختلف أعناق دوابِّهما. فقال علي: لعمري لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتم أعددتما عند الله عُذرًا فاتَّقيا الله ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثا، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرِّمان دمي وأحرِّم دمائكما، فهل من حدث أحلَّ لكما دمي؟ قال طلحة: ألَّبتَ الناس على عثمان. قال علي: يومئذ يُوفِّيهمُ اللهُ دينهم الحقُّ ويعلمون أن الله هو الحقُّ المبين. يا طلحة تطلب بدم عثمان؟ فلعن الله قتلة عثمان. يا زبير أتذكر يوم مررت بي مع رسول الله ﷺ؟ فناظر إليَّ فضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدعو ابن أبي طالب زهوه. فقال لك رسول الله ﷺ: " إنه ليس بمُزْهٍ، ولتُقاتلنَّه، وأنت له ظالم "! فقال اللهمَّ نعم، ولو تذكَّرت ما سرتُ مسيري هذا. والله لا أقاتلك أبدا. فانصرف على إلى أصحابه فقال: أما الزبير فقد أعطى الله عهدا ألاَّ يقاتلكم. ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنتُ في موطن منذ عقِلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا. فقالت: فماذا تريد أن تصنع؟ فقال: أريد أن
[ ٢ / ٢٨٤ ]
أدعهم وأذهب. فقال له ابن عبد الله: جمعت هذين العارين حتى إذا حدَّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب أحسستَ رايات ابن أبي طالب، وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد؟ قال: إني قد حلفت أن لا أقاتله. فأحفظه ما قال له: كفِّر عن يمينك وقاتل. فدعا غلاما له يقال له " مكحول " فأعتقه. فقال رجل من شعرائهم:
يُعتِقُ مَكحولًا لصَونِ دينهِ كفَّارةً للهِ عن يمينهِ
والنَّكثُ قد لاحَ على جبينهِ وقال آخر:
لم أَرَ كاليومِ أخَا إخْوانِي أعجبَ من مُكفِّرِ الأيمانِ
بالعِتقِ في مَعْصِيَةِ الرَّحمنِ وقال الطبري في خبر آخر مُسند إلى من شهد يوم الجمل قال: لما انهزم الناس عن طلحة والزبير، مضى الزبير حتى مَرَّ بعسكر الأحنف. فلما رأوه وأخبر به قال: والله ما هذا بجبان. فقال للناس: من يأتنا بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز لأصحابه: أنا. فتبعه، فلما لحقه نظر إليه الزبير وكان شديد الغضب. فقال: ما وراءك. قال: إنما أردت أن أسألك. فقال غلام للزبير يُدعى عطيَّة كان معه: إنه مُعد. فقال: ما يهولك من رجل. وحضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة. فقال الزبير: الصلاة. ويستدبره ابن جرموز، فطعنه من خلفه في جربَّان درعه، وأخذ فرسه وخاتمه وسلاحه، وخلَّى عن الغلام، فدفنه بوادي السباع، ورجع إلى الناس بالخبر. فأمَّا الأحنف فقال: والله ما أدري أأحسنت أم أسأت. ثم انحدر إلى عليٍّ، وابن جرموز معه فدخل عليه، فأخبره. فدعا بالسيف فقال: سيف طالما جلَّى الكرب عن وجه رسول الله ﷺ. وبعث بذلك إلى عائشة.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وقال الطبريُّ أيضا: حدثنا محمد بن عمارة الأسديُّ قال: أنا فُضَيل عن شقيق بن عُقبة، عن قُرَّة بن الحارث، عن جون بن قتادة قال قُرَّة بن الحارث: كنتُ مع الحنف، وكان جون قتادة ابن عمي مع الزبير بن العوَّام، فحدَّثني جون بن قتادة قال: كنت مع الزبير فجاء فارس يسير، وكانوا يسلِّمون على الزبير بالإمارة. فقال: السلام عليك أيها الأمير. فقال: وعليك السلام. قال: هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا. فلم أر قوما أرثَّ سلاحا ولا أقلَّ عددا ولا أرعب قلوبا من قوم أتوك. ثم انصرف عنه، قال: ثم جاء فارس فقال: السلام عليك أيها الأمير. فقال: وعليك السلام. قال: جاء القوم حتى أتوا مكان كذا. فسمعوا ما جمع الله من العدد والعُدَّة والجدِّ. فقذف الله في قلوبهم الرعب، فولَّوا مدبرين. قال الزبير: أيها عنك، فوالله لو لم يجد ابن أبي طالب إلا العرفَجَ دبَّ إلينا فيه. قال: ثم انصرف. قال: ثم جاء فارس، وقد كادت الخيول أن تخرج من الرَّهج. فقال: السلام عليك أيها الأمير. قال: وعليم السلام. قال: هؤلاء القوم قد أتوك، فلقيت عمارا. فقلت له، وقال لي: فقال الزبير: إنه ليس فيهم. فقال: بلى والله إنه لفيهم. قال: لا والله ما جعله الله فيهم. قال: والله لقد جعله الله فيهم. فلما رأى الرجل يخالفه قال لبعض أهله: اركب فانظر أحقٌّ ما يقول؟ قال: فركب معه، فانطلقا، وأنا أنظر إليهما حتى وقفا في جانب الخيل قليلا، ثم رجعا إلينا. فقال الزبير لصاحبه: ما عندك؟ قال: صدق الرجل. قال الزبير: يا جدع أنفاه، أو يا قطع ظهراه. قال محمد بن عمارة: قال عبيد الله: قال فُضَيل: لا أدري أيهما. قال: ثم أخذه أفكل. قال: فجعل السلاح ينتقض. قال فقال جونٌ: ثكلتني أمي، هذا الذي كنت أريد أن أموت معه، أو أعيش. والذي نفسي بيده ما أخذ هذا ما أرى إلا لشيء قد سمعه، أو رآه فارس رسول الله ﷺ. قال: فلما تشاغل الناس انصرف فجلس على دابته، ثم ذهب. قال: ثم جاء فارسان حتى أتيا الأحنف وأصحابه فنزلا فأتياه فأكبَّا عليه. فناجاه ساعه ثم انصرفا، ثم جاء عمرو بن جرموز إلى الأحنف فقال: أدركته في وادي السباع فقتلته. فكان قُرَّة يقول: والذي نفسي بيده إنَّ صاحب الزبير لَلأحنف.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وقال غير الطبري: كان الزبير قد انصرف عن القتال نادما مفارقا للجماعة التي خرج فيها منصرفا إلى المدينة. فرآه ابن جرموز فقال: أتى يؤرِّش بين الناس، ثم تركهم، والله لا تركته. ثم تبعه، فلما لحق بالزبير ورأى أنه يريده أقبل عليه، فقال له ابن جرموز أذكِّرك الله. فكفَّ عنه الزبير حتى فعل ذلك مرارا. فقال الزبير: قاتله الله، يذكِّرنا الله وينساه. ثم غافصه، ابن جرموز فقتله، وذلك يوم الخميس في جمادى الأولى لعشر خلون منه، وهو ابن أربع وستين سنة، هذا قول الواقديّ. وقال أبو اليقظان قُتِل وهو ابن ستين سنة.
وقيل: إن عمرو بن جرموز لما قتل الزبير أتى بلبسه إلى عليٍّ واستأذن عليه، فلم يأذن له. وقال: بشِّروه بالنار. سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بشِّروا قاتل ابن صفية بالنار ". وكيف لا يُبشَّر بالنار من قتل حواريَّ رسول الله ﷺ غدرا؟ لقد جاء شيئا نُكرا، وباء بإثم عظيم لقتل حواريٍّ كريم.
وقال ابن جرموز حين استأذن على علي ﵁ فلم يأذن له وبشَّره بالنار:
أتَيتُ عليًّا برأسِ الزُّبيْرِ أرجو لديهِ بهِ الزُّلفَةْ
فبشَّرَ بالنار إذْ جئتُهُ فبئسَ البِشارةُ والتُّحْفَةْ
وسيانِ عندي قَتلُ الزُّبِيرِ وضرطةُ عَيْرٍ بذي الجِحْفَةْ
وتزوَّج الزبير بمكة أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق، وهي أسنُّ من عائشة، وهي ذات النطاقين. وسميت بذلك لأن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة نسيت أن تشُدَّ سِفرة الزاد بشيء، فقطعت نطاقها نصفين، فشدَّت
[ ٢ / ٢٨٧ ]
بالواحد السُفرَة، وانتطقت بالآخر. فقال لها النبيُّ ﷺ: " أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة ". وزعم ابن إسحاق أن أسماء بنت أبي بكر أسلمت بعد إسلام سبعة عشر إنسانا.
وتوفيت أسماء بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير بيسير، لم تلبث بعد إنزاله من الخشبة إلا ليالي عشرى، وقيل: عشرين، وقيل: بضعا وعشرين. وماتت وقد بلغت مئة سنة، وعُميت في آخر عُمرها.
وولدت للزبير عبد الله، وبه كان يُكنى، وبه كانت تُكنى عائشة ﵂، وعروة، وعاصما، ومات عاصم وهو غلام لا عقب له، والمنذر.
فأما عبد الله بن الزبير: فهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين، هاجرت أمُّه أسماء وهي به حامل، فوضعته بقباء. مسلم: حدتنا أبو كُرَيب محمد بن العلاء، قال: نا أبو أسامة عن هاشم، عن أبيه، عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت: فخرجتُ وأنا مُتِمٌّ، فأتيت المدينة فنزلت بقباء. ثم أتيت رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء يدخل جوفه ريق رسول الله ﷺ، ثم حنَّكه بالتَّمرة، ثم دعا له وبرَّك عليه، وكان أول مولود في الإسلام.
مسلم: عن عائشة قالت: جئنا بعبد الله بن الزبير إلى النبي ﷺ، لم يحنِّكه، فطلبنا تمرة، فعزَّ علينا طلبها. وخرَّج مسلم أيضا عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يؤتي بالصِّبيان فيُبرِّك عليهم ويحنِّكهم. وقال الطبري: حدَّثني الحارث قال: نا ابن سعد قال: قال محمد بن عمر الواقديُّ: ولد ابن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهرا بالمدينة، وكان أول مولود ولد من المهاجرين في دار الهجرة، فكبَّر، فيما ذكر أصحاب رسول الله ﷺ حين ولد، وذلك أن المسلمين كانوا قد تحدَّثوا أن اليهود يذكرون أنهم قد سحروهم، فلا يولد لهم. فكان تكبيرهم ذلك سرورا منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا من ذلك.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الطبري: حدثني الحارث قال: نا ابن سعد قال: أنا محمد بن عمر قال: نا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود قال: ذُكر النعمان بن بشير عند عبد الله بن الزبير فقال: هو أسنُّ مني بستَّة أشهر. قال أبو الأسود: وُلد ابن الزبير على عشرين شهرا من مُهاجر رسول الله ﷺ، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرا في ربيع الآخر. وقيل: إن عبد الله بن الزبير ولد في السنة الأولى من الهجرة، ذكره ابن عبد البرِّ في " الاستيعاب ". وذكر أيضا ما قال ابن البرِّ محمد بن عمر الواقديُّ ومسلم.
وقال عبد الله بن الزبير: ادخلني الزبير وأنا ابن سبع سنين على رسول الله ﷺ، ومعي غلمان في سنيِّ، معهم آباؤهم لنبايعه ﵇، فكلُّهم كعُّوا إلا أنا، فإنني تقدّمت. فلما وصلت إليه تبسَّم ومد يده فبايعته، وقال: " إنه ابن أبيه ".
وقال مسلم: حدثنا الحكم بن موسى أبو صالح قال: نا شُعيبُ يعني ابن إسحاق قال: أخبرني هشام بن عروة قال: حدَّثني عروةُ بن الزبير وفاطمة بنت المنذر بن الزبير أنهما قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت، وهي حُبْلى بعبد الله بن الزبير فقدمت قُباء فنُفِست بعبد الله بقُباء، ثم خرجت حين نُفستْ إلى رسول الله ﷺ ليحنِّكه فأخذه رسول الله ﷺ منها، فوضعه في حَجرهِ، ثم دعا بتمرة. قال: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسُها قبل أن نجدها، فمضغها ثم وضعها في فيه. فإنَّ أول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ. ثم قالت أسماء: ثم مسحه وصلى عليه، وسماه عبد الله. ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان ليبايع رسول الله ﷺ، وأمره بذلك الزبير. فتبسَّم رسول الله ﷺ حين رآه مُقبلا إليه، ثم بايعهُ.
وحدَّث أبو زرعة عبد الحمن بن عمرو والدِّمشقيُّ: نا محمد بن شَريكٍ المَكيُّ عن ابن أبي مُليكة، نع عبد الله بن الزبير قال: سُميتُ باسم جدي أبي بكر وكُنِيتُ بكُنيِته. وذُكر أنه كان يلعب مع الغلمان في أول خلافة عمر، فمرَّ عليهم
[ ٢ / ٢٨٩ ]
عمر فتفرَّقوا، ربقي عبد الله واقفا. فلما وصل إليه عمر قال: ياعبد الله مالك لا تفرُّ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أجْرُمْ فأخافك، ولم يكن بالطريق ضيق فأوسع عليك.
وكان عبد الله مع العسكر الذي استفتح إفريقية، وكان شجاعا بئيسا مُقْدِما مثل أبيه. ويقال: إنه قتل جرجيس ملك أفريقية، ونفَّله عبد الله بن أبي سَرْح ابنة جرجيس. وبعثه ابن أبي سرح بفتح إفريقية إلى عثمان. فلما وصل إلى المدينة ودخل على عثمان، وأجبره عن الفتح قال: يا بن أخي أتقدر أن تتكلم بهذا الكلام على الناس؟ فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أهيب في عيني منهم. فلما كان من الغد صعد عثمان على المنبر، وخطب الناس فقال: إنَّ الله قد فتح عليكم إفريقية، وهذا عبد الله يُخبرُكم خبرها إن شاء الله. ثم جلس عثمان على المنبر وأقام عبد الله إلى جنبه، فتكلم عبد الله في الفتح بكلام بليغ عجب منه الصحابةُ. فلما فرغ من كلامه قام الزبير إليه فاعتنقه وقبَّل بين عينيه وقال: يا بُنَّي إذا نكحت امرأة فانكحها على شبه أبيها أو أخيها؛ فإنها تأتيك بأحدهما، والله مازلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمتَّ.
وشهد الجمل مع أبيه وخالته، وكان شهما شرسا ذا أنفة. ذكر الطبريُّ في تاريخه عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان لا يجيء أحد يوم الجمل فيأخذ بالزِّمام إلا قال: أنا فلان بن فلان، يا أمَّ المؤمنين. فجاء عبد الله بن الزبير فقالت حين لم يتكلم: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله، أنا أبنك، أنا أبن أختك. قالت: وأثكل أسماء " تعنى أختها " وينتهي إلى الجمل الأشتر وعديُّ بن حاتم، فخرج عبد الله بن حكين بن عزام إلى الأشتر، فمشى إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين فقتله الأشتر، ومشى إليه عبد الله بن الزبير فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحا شديدا، وضرب عبد الأشتر ضربة خفيفة، وأعتنق كلُّ واحد منهما صاحبه، وخرَّا إلى الأرض يعتر كان. فقال عبد الله بن الزبير: اقتلوني ومالكا. فكان مالك يقول: ما أحبُّ أن يكون. قال الأشتر: وإن لي حمر النعم. وشدَّ أناس من أصحاب على وأصحاب عائشة، فافترقا، وتنقَّذ كلُّ واحد الفريقين صاحبه. وقال دينار أبو العيزار: طعن عبد الله بن حكيم بن حزام قبل أن يقتله الأشتر عديَّ بن حاتم في عينه، ففقأها.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وذكر الطبريُّ أيضا عن الشعبيِّ قال: لزم الخطام يوم الجمل سبعون رجلا من قريش، كلهُّم يقتل، وهو أخذ بالخطام. وحمل الأشتر فاعترض عبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين، ضربه الأشتر فأمَّه وواثبه عبد الله، فاعتنقه فصرعه. فجعل يقول: اقتلوني ومالكا.. وكان له ألف نفس، ما نجا منها شيء. وما زال يضرب في يدي عبد الله حتى أفلت. وكان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يعد. وجرح يومئذ مروان وعبد الله بن الزبير.
وذكر الطبريُّ عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أمسيت يوم الجمل، وبي سبعة وثلاثون جراحة من طعنة وضربة. وما رأيت مثل يوم الجمل قطُّ، ما ينهزم منا أحد، وما نحن إلا مثل الجبل الأسود، وما يأخذ أحد بخطام الجمل إلا قتله. فأخذ عبد الرحمن بن عتاب فقتل، وأخذه الأسود بن أبي البختريِّ فصرع. وجئت فأخذت بالخطام، فقالت عائشة: من أنت؟ قالت: ابن الزبير. قالت: واثكل أسماء. ومرِّ بي الأشتر، فعرفته فعانقته فسقطنا جميعا. فناديت: اقتلوني ومالكا. فجاء ناس منا ومنهم، فقاتلوا عنا حتى تحاجزنا، وضاع الخطام. ونادى علي: اعقر الجمل، فإنه إن عقر تفرَّقوا. فضربه رجل فسقط، فما سمعت صوتا قطُّ أشدَّ من عجيج الجمل. وأمر علي محمد بن أبي بكر فضرب على عائشة قبَّة، وقال: انظروا هل وصل إليها شيء؟ فأدخل رأسه فقالت: من أنت ويلك؟ قال: أبغض أهلك إليك. قالت: أأنت أبن الخثعمية؟ قال: نعم. قالت: بأبي أنت وأمي الحمد الله الذي عافاك.
وعن دينار أبي العيزار قال: سمعت الأشتر يقول: لقيت عبد الرحمن بن عتَّاب بن أسيد، فلقيت أشدَّ الناس وأحرقه. فما لبثة أن قتلته، ولقيت الأسود بن عوف، فلقيت أشدَّ الناس وأشجعه. فاستعلاني فما كدت أنجو، فتمنيت أني لم أكن لقيته. ولحقني جُندب بن زهير الغامديُّ فضربته، ولقيت عبد الله ابن الزُّبير فلقيت أشدَّ الناس وأروعه فعانقته فسقطنا إلى الأرض جميعا فنادى: اقتلوني ومالكا.
وأوى عبد الله بن الزبير بعد الهزيمة إلى دار رجل من الأزد يُدعى وزيرا
[ ٢ / ٢٩١ ]
وقال: إيت أمَّ المؤمنين فأعلمها بمكاني، وإياك أن يَطَّلع على على ذلك محمد بن أبي بكر. فأتى عائشة، فأخبرها، فقالت: عليَّ بمحمد، فقال يا أمَّ المؤمنين إنه قد نهاني أن يعلم به محمد فأرسلت إليه، فقالت: إذهب مع هذا الرجل حتى تجيئني بابن أختك. فانطلق معه، فدخل الأزديُّ على ابن الزُّبير، فقال: جئتك والله بما كرهت، وأبَت أمُّ المؤمنين إلا ذلك. فخرج عبد الله ومحمد يتشاتمان حتى انتهيا إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف. وكان عبد الله بن خلف قُتِل يوم الجمل مع عائشة في طلب من كان جريحا، فضمَّت منهم ناسا، وضمَّت مروان فيمن ضمَّت، وكانوا في البيت.