ابن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مُرة بن كعب بن لؤي. نسبُه ونسب سعد بن أبي وقاص واحد يجتمع معه في زهرة بن كلاب ويجتمع مع رسول الله ﷺ أين يجتمع معه سعدٌ في كلاب بن مرّة، وأمُّه الشِّفاء: زهرية أيضًا أبوها عوف بن عبد " بن " الحارث بن زهرة. فهي بنت عمِّ أبيه، وهو من المهاجرين الأولين. وجمع الهجرتين جميعًا إلى أرض الحبشة، ثم قدِم قبل الهجرة إلى المدينة من أرض الحبشة. وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع.
وكان اسمه في الجاهلية عبد عوف، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. وكان جوادًا كريمًا كثير المعروف والصدقة والنفقة في سبيل الله. الترمذي: حدثنا قُتيبة: نا بكر بن مضر عن صخر بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إن أمركنَّ عمَّا يُهمِني بعدي، ولن يصبر عليكنَّ إلا الصابرون ". قال: ثم تقول عائشة: فسقى الله أباك من سلسبيل الجنة. تريد عبد الرحمن بن عوف، وكان قد وصل أزواج النبي ﷺ بمالٍ بيعت بأربعين ألفًا.
وبعثه رسول الله ﷺ إلى دُومة الجندل إلى كلب وعمَّمه بيده، وأسدَلها بين كتفيه وقال له: " سِر باسم الله ". وأوصاه بوصاياه لأمراء سَراياهُ، ثم قال له: " إنْ فتح اللهُ عليك فتزوجْ بنتَ مليكِهم " أو قال شريفهم ". وكان الأصبغ بن ثعلبة بن ضَمضَمَ الكلبيُّ شريفهم. فتزوَّج بنتَهُ تُماضر، فهي أمُّ ابنه أبي سلمى الفقيه. وكان عبد الرحمن أحد العشرة الذين شَهد لهم رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٣٢٧ ]
بالجنة، وأحد الستَّة الذين جعل عمر فيهم الشورى. وأخبر أن رسول الله ﷺ تُوفيَ وهو عنهم راضٍ. وصلى رسول الله ﷺ خلفه في غزوة تبوك. ورُوي عنه ﵇ أنه قال: " عبد الرحمن بن عوف من سادات المسلمين ". ورُوي عنه ﵇ أنه قال: " عبد الرحم بن عوف أمينٌ في السماء أمين في الأرض ".
وحدَّث يزيد بن هارون قال: نا أبو المعلَّى الجَزَريُّ عن ميمون بن مِهران، عن ابن عُمر أن عبد الرحمن بن عوف قال لأصحاب الشورى: هل لكم أن أختار لكم وأنتقي منها؟ فقال علي ﵁: أنا أولُ من رضي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنت أمين في السماء أمين في أهل الأرض ".
وقال الزبير بن بكار: كان عبد الرحمن بن عوف أمين رسول الله ﷺ على نسائه. وروى عبد الملك بن عُمير عن قُبيصة بن جابر قال: دخلت على عمر، عن يمينه رجل كأنه قُلب فضة، وهو عبد الرحمن بن عوف، وكان تاجرًا مجدودًا في التجارة، وتكسَّب مالًا كثيرًا، وخلَّف بعير وثلاثة آلاف شاه ومئة فرس ترعى بالبقيع. وكان يزرع بالجُرف على عشرين ناضحًا، فكان يُدخل من ذلك قوت أهله سنةً. وروى ابنُ عُيينة عن عمرو بن دينار، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: صالحنا امرأة عبد الرحمن التي طلَّقها في مرضه من ثُلُث الثِّمن بثلاثةٍ وثمانين ألفًا. وقد روى غير ابن عيينة في هذا الخبر أنها صولحت بذلك عن رُبع الثِّمن من ميراثه. وروى الثَّوريُّ عن طارق عن سعيد بن جُبير قال: نا أبو الهيَّاج قال: رأيتُ رجلًا يطوف بالبيت وهو يقول: اللهمَّ قني شحَّ نفسي. فسألتُ عنه فقيل: هذا عبد الرحمن بن عوف.
ورويَ أنه أعتق في يوم واحدٍ ثلاثين عبدًا. ولما حضرتْهُ الوفاةُ بكى بكاء شديدًا. فسئل عن بكائه فقال: إن مصعب بن عمير كان خيرًا مني؛ تُوفي على عهد رسول الله ﷺ. فلم يكن له ما يكفَّن فيه. وإن حمزة بن عبد المطلب كان خبرًا مني، لم نجد له كفنًا. وإني أخشى أنْ أكون ممَّن عُجِّلتْ له
[ ٢ / ٣٢٨ ]
طيباتُه في حياة الدنيا. وأخشى أن أحبس عن أصحابي بكثرة مالي.
الترمذي: حدثنا عبد الرحمن بن حُميد: حدثنا محمدُ بن إسماعيل بن أبي فُدَيك: أخبرنا ابن أبي ذيب عن مسلم بن جندب، عن نوفل بن إياس الهُذليِّ قال: وكان عبد الرحمن بن عوف لنا جليسًا، وكان نعم الجليسُ، وإنه انقلب بنا ذات يوم، حتى إذا دخلنا بيته، ودخل فاغتسل ثم خرج. وأُتينا بصحفةٍ فيها خبز ولحم. فلما وضعت بكى عبد الرحمن، فقلت له: يا أبا محمد، ما يبكيك؟ فقال: هلك رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهلهُ من خبز الشعير، فلا أرانا أُخِّرنا لما هو خير لنا.
وحدث الإمام أبو عبد الله أحد بن حنبل قال: نا أبو معاوية قال: نا العمش عن سفيان، عن أمِّ سلمة، قال: دخل عليها عبد الرحمن بن عوف قالت: فقالت: يا أمَّه قد خفت أن يُهلكني كثرة مالي؛ أنا أكثر قريش مالًا. قالت: يا بُنيَّ أنفق، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه ". فخرج عبد الرحمن ولقيَ عمر فأخبرهُ، فجاء عمر فدخل عليها فقال: بالله منهم أنا؟ فقالت: لا والله، ولا أُبِّرئ أحدًا بعدك.
حلية عبد الرحمن قال الواقدي: كان رجلًا طويلًا، حسن الوجه، رقيق البشرة، فيه جُمة، أبيض " مُشربًا بحمرةٍ "، ولا يغيِّر رأسه ولا لحيته. وقالت سهلة بنت عاصم بن عدي زوجُه: كان أعين أقنى، طويل الثنيَّتين العُليَين، ربما أدمى نابهُ شفته، جعدًا له جمَّة أسفل من أذنيه، أعنق تنظرُ إلى صورة وجهه كانَّ حباب الماء فيها، ضخم الكعبين، غليظ الأصابع. وقال ابن هشام: إنه جُرح يوم أحدٍ عشرين جِراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرج.
قال الواقديٌّ: ولد عبد الرحمن بن عوف بعد الفيل بعشر سنين، ومات سنة اثنتين وثلاثين، وهو يومئذ ابن خمس وسبعين سنةً. ورُوي عن أبي سلمة أنه
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قال: تُوفي أبي وهو ابنُ اثنتين وسبعين سنةً. ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمانُ، وهو أوصى بذلك.
وقال أبو اليقظان: قُسِّم ميراثُه على ستة عشر سهمًا، فبلغ نصيب كلِّ امرأةٍ له ثمانين ألف درهم. وولد عبد الرحمن محمدًا، وبه كان يُكنى، وإبراهيم، وحُميدًا، وزيدًا، ولا عقب له، وأمُّهم أمُّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيطٍ، وأبا سلمة الفقيه وأمُّه تُماضر بنت الأصبغ الكلبية، ومُصعبًا أمُّه سبيَّةٌ من بهراء، وعثمان وأمُّه غزال بنت كسرى من سبي سعد بن أبي وقاص يوم المدائن، وكان له عقب بالبصرة، وعبد الله الأكبر، وعُروةَ، وسالمًا، وعُمر، والمسْوَرَ، وسُهيلًا، وأبا بكرٍ.
فأما محمد: فكان شديد الغَيرة، وولد عبد الواحد. وله عقب.
وأما إبراهيم بن عبد الرحمن: فكان سريًا، قصيرًا، مسَّودًا. وتزوَّجَ سُكينة بنت الحسين، فلم تَرض بذلك بنو هاشم فخُلعت منه وكان يُكنى أبا إسحاق. وسمع أباه وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص. وروى عنه ابنه سعدٌ والزهريُّ. ومات سنة تسعٍ وستين، وهو ابن خمس وسبعين سنة.
وولد إبراهيم سعدًا وصالحًا. فأما سعد بن إبراهيم فأمُّه بنتُ سعد بن أبي وقاص، وكان قاضي المدينة زمن هشام بن عبد الملك. وقال فيه موسى شهواتك:
يتَّقى الناسُ فحشَهُ واذاهُ مثلما يتَّقون بَولَ الحمار
لا تَغرَّنَّك سجدةٌ بين عينيه حَذاري منها ومنها فِراري
وكان سعد ثقةً من حملة الحديث. والشاعر رُبما أُغضب فهجا ذا الفضل بما ليس فيه لقلة اجتنابه عن اقتراف الإثم وتَوقِّيه. أوَ لا ترى النبيَّ ﵇
[ ٢ / ٣٣٠ ]
لمَّا انشدَه من أطلق في قلَّة الرِّضا في بقسمة عَنانه قال بخُلقه العظيم وصفحه الجميل العميم: " اقطعوا عنه لسانه "؟ ويُكنى سعد أبا إبراهيم. وسمع أباه وعمَّيه حُميدًا وأبا سَلمى والقاسم بن محمد. وروى عنه الثوريُّ وشعبةُ. وتُوفي سعد بالمدينة سنة سبع وعشرين ومئة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
وابنه إبراهيم بن سعد أبو إسحاق، كان ببغداد على بيت المال، وكان عسرًا في الحديث ثقةً. أخرج مسلم عنه، فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الصَّباح وعبد الله بن عون الهلالي جميعًا عن إبراهيم بن سعد قال ابنُ الصَّباح: نا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: نا أبي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو يعقوب بن إبراهيم يروي عن أبيه، وأخرج البخاريُّ ومُسلم عنهما أحاديث كثيرة. ويروى إبراهيم بن سعد عن أبيه كثيرًا وعن ابن شهاب وغيره من الثقات العُدول. وقال إبراهيم بن سعد الزهريُّ: قال لي أبو يوسُف القاضي: ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني! ما منكم وضيع ولا شريف ينحاش عنها؟ قال: فغضبتُ وقلت: أحدًا أُسمع الغِناء فظهر منه ما يَظهرُ من سُفهائكم هؤلاء الذين يشربون المُسكِرَ فيترك أحدهُم صلاته ويطلِّق امرأتَهُ ويَقذف المحصنة من جاراته ويكفرُ بربِّه، فأين هذا من آخر اختار شعرًا جيدًا، ثم اختار له جِرمًا حسنًا فردَّده عليه فأطربَهُ وأبهجَهُ، فعفا عن الجرائم وأعطى الرَّغائب؟ قال أبو يوسف القاضي: قطعتني. ولم يُحرْ جوابًا.
وأما صالح بن إبراهيم فروى عن أبيه عن جدَّه عبد الرحمن حديث مُعاذ بن عمرو بن الجَموح ومُعاذ بن عفراء في قَتلهما أبا جَهل يومَ بدرٍ، خرَّجه مسلم. وروى صالح أيضًا عن محمود بن لبيدٍ الأنصاريِّ الأشهليِّ. وروى عن صالح عمرو بن دينارٍ ومحمدُ بن إسحاق ويوسف بن الماجشون.
وأما حُميد بن عبد الرحمن فكان له مال وجاه، وحُمل عنه الحديث. سمع عثمان وأبا هُريرة. وروى عنه الزُّهريُّ ويُكنى حُميد أبا عبد الرحمن بابنه
[ ٢ / ٣٣١ ]
عبد الرحمن، وحُمل عنه الحديث. وكان من سَرَوات قريش. وابنه عبد الملك بن حُميد من ولد يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حُميد وكان راوية محدِّثًا، سمع إبراهيم بن سعد والدَّراوَرديَّ وكان ويُكنى أبا يوسف. وتوفي حُميد سنة خمسٍ وتسعين وهو ابنُ ثلاثٍ وسبعين سنةً.
ومن موالي حميدٍ سُليم والد صفوان بن سُليم. ولمالكٍ عن صفوان في الموطأ حديثان مُسندان وخمسةٌ مُرسلةٌ، وأحدُ الحديثين المسندين نصُّه: مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أن رسول الله ﷺ قال: " غسلُ الجمعة واجبٌ على كل مُحتلمٍ ". والثاني عن أبي هُريرة في الوضوء بماء البحر، وكان صفوان من عُبَّادِ أهل المدينة وفضلائهم. ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
وأما أبو سلمة فهو عبدُ الله الصغر الفقيه. وروى عن عائشة كثيرًا، وهي القائلة له حين سألها: ما يوجبُ الغسل؟ هل تدري ما مَثَلُك يا أبا سلمة؟ مثل الفرُّوج يسمع الدِّيكة تصرخ فيصرخ معها. إذا جاوز الختانُ الختان فقد وجَب الغسل. وروى أيضًا عن أبي هُريرة كثيرًا، وعن جابر بن عبد اله وابن مسعود. وروى عنه ابنُ شهابٍ وسالم أبو النَّضر مولى عمر بن عُبيد الله. ومات أبو سلمة سنة أربع وتسعين وهو ابنُ اثنتين وسبعين سنةً. وكان له ابنان: عُمر بن أبي سلمةَ وسلمةٌ، وبه كان يُكنى.
فأما عمر فروى عنه الحديث وقتله أبو جعفر بالشام، وكان مع بني أختٍ له من بني أمية، فقتله معه.
وأما سلمةُ فروى عن أبيه، وروى عنه عُقيل بن خالد صاحب ابن شهابٍ.
وأما مصعب بن عبد الرحمن فكان شجاعًا. وقال عبد الملك بن مروان لرجل من أهل الشام: أيُّ فارسٍ لقيته قطُّ أشدُّ؟ قال: مصعبُ بن عبد الرحمن. وقُتل مع ابن الزبير. وكان الواقديُّ يذكر أنه توفِّي ولم يُقتل: وقال الواقديُّ: قَتل مصعب بن عبد الرحمن من أصحاب الحُصين بن نُميرٍ السَّكوني خمسة ثم رجع وسيفُهُ منحنٍ وهو يقول:
[ ٢ / ٣٣٢ ]
إنا لنوردُها بيضًا ونُصدرها حمرًا، وقيها انحناءٌ بعد تقويمِ
وكان مصعب يُكنى أبا زُرارةَ، وروى عن أبيه. وابنه زُرارة يُكنى أبا بكرٍ. وولد زُرارة أحمد وهو أبو مُصعب الزُّهريُّ، وكان من أعلم أهل المدينة، لا تزالون ظاهرين على أهل العراق مادمت لكم حيًا. وعاش تسعين سنةً، ومات سنة اثنتين وأربعين ومئتين.
وأما عثمان بن عبد الرحمن فمن عقبه الذين كانوا بالبصرة: سعيدُ بن يحيى بن الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف، أبو عثمان. سمع عمَّه إبراهيم. وروى عنه يعقوب بن محمدٍ الراوية من ولد حُميد بن عبد العزيز بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف. روى عن الزُّهري وأبي الزناد. وكان مُنكر الحديث غير مَرضِيٍّ.
وأما عبد الله الأكبر بن عبد الرحمن فيُكنى أبا عثمان، وقُتل بإفريقية. فأمُّه وأمُّ أخيه القاسم بنتُ أنس بن رافع الأنصاري من بني عبد الأشهل.
وأما عروة بن عبد الرحمن فقتل أيضا بإفريقية وأمُّه بحيرة بنت هانئ بن قبيصة الشيباني.
وأما سالم بن عبد الرحمن ولقبُه " الصغر " فأمُّه سهلة بنت سُهيل العامريًّ لأمِّه محمد بن أبي حُذيفة بن عُتية بن ربيعة.
وأما عمر بن عبد الرحمن فكان من جُلداء قريش، وهو أحدُ من عمل في أمر الحجَّاج حتى عزله عبد الملك عن المدينة. ومن ولده: محمد بن عبد العزيز قاضي أبي جعفر على المدينة. وله عقب، وكان متروك الحديث.
وأما المسور بن عبد الرحمن فقُتل يوم الحرَّة.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وأما سُهيل بن عبد الرحمن فهو الذي تزوَّج الثريا من بني أمية الصغرى. وقد تقدَّم ذكرُها قبل عند ذكر بني عبد شمس بن عبد مناف. وأمُّ سهيل مجد بنت يزيد بن سلامة الحميريِّ.
وابنه عبد المجيد بن سُهيل لمالك عنه حديث واحد مُسند. وهو حديث التمر الجنيب من خيبر. ورواه يحيى بن يحيى بن الأندلسيُّ عبد الحميد، وتابعه قومٌ، وأكثر الرواة يقولون: عبد المجيد، وهو الصواب، وكذلك قال فيه مسلم: عبد المجيد، في حديث التَّمر الجنيب أيضا وغيره. ولعبد المجيد هذا مع بنت زُرارة بن أَوفى الحَرَشِيِّ خبر طريف. الهيثم بن عديٍّ عن عبد الله ابن عيَّاشٍ المعروف بالمنتوف. وقيل له: المنتوف لأنه كان ينتفُ لحيته وكان خاصًا بأبي جعفر المنصور، وقال: أخبرني موسى السلامانيُّ مولى الحضرميِّ، وكان من أسرى تاجرٍ بالبصرة قال: بينا أنا جالس إذ دخل علي غلام لي فقال: هذا رجل من أهل أمك يستأذن عليك، وكانت أمه من ولد عبد الرحمن بن عوف. فقلت: إذن له. فدخل شاب حلو الوجه تعرف في هيئته أنه قرشي، في طمرين. فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عبد المجيد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري خال رسول الله ﷺ. قلت: في الرحب والقرب. ثم قلت: يا غلام بره وأكرمه وألطفه وأدخله الحمام، ثم كسوته قميصًا رقيقًا ومُبطنًا قوهيًا ورداء عمريًا، وحذوتُ له نعلين حضرميَّين. فلما نظر الرجل في عِطفيه أعجبته نفسه " قال ": يا هذا أبغني أشرف أيِّمٍ بالبصرة أو أشرف بِكر بها. قلت: يا بن أخي كُفَّ عن هذا. قال: ما أقول لك. قلت: فإن أشرفَ أيِّمٍ بالبصرة هندُ بنت أبي صُفرة أخت عسرةٍ وعمَّةُ مئة، وحلُها في قومها حالُها. وأشرف بِكر بالبصرة المُلاءة بنت زُرارة بن أوفى الحَرشيَِ قاضي البصرة. قال: اخطُبْها عليَّ. قلت: يا هذا إنَّ أباها قاضٍ. قال: انطلق بنا إليه. فانطلقنا إلى المسجد فتقدَّم فجلس إلى القاضي، فقال له: يا بن أخي من أنت؟ قال له: عبد المجيد بن سُهيل بن عبد الرحمن بن عوف خال رسول الله ﷺ. قال: مرحبًا ما حاجتك؟ قال: جئتُ خاطبًا. قال: ومن ذكرت؟ قال: المُلاءة ابنتك.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
قال: يا ابن أخي ما بها رغبة، ولكنها امرأة لا يُفتاتُ عليها أمرها، فاخطِبها إلى نفسها. فقام إليَّ. فقلت: ما صنعت؟ قال: كذا وكذا. قلت: ارجع بنا ولا تخطبها. قال: اذهب بنا إليها. فدخلنا دار زُرارة وفيها مقاصيرُ، فاستأذنَّا على أمِّها، فلقيَتْنا بمثل كلام الشيخ. ثم قلت: وهاهي في تلك الحجرة. قلت له: لا تأتِها. قال: أو لست بِكرًا؟ قلت: بلى. قال: ادخل بنا إليها. فاستأذنَّا فأذنَ لنا، فوجدناها جالسةً وعليها ثوبٌ رقيقٌ مُعيَّر منه سَراويلُهُ، يُرى منه بياض جسدها كلِّه ومِرْطٌ قد جمعته على فخذيها ومصحف على كرسيٍّ بين يديها، فأشْرجت المصحف ثم نحَّته. فسلَّمنا فرحَّبتْ ثم قالت: من أنت؟ قال: عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف خال رسول الله ﷺ، ومدَّ بها صوته. فقالت له: " يا هذا " لسنا بساسين، إنما يُمدُّ الصوت للساسين، قال موسى: فدَخل بعضي في بعض. ثم قالت: ما " حاجتُك؟ قال: " جئتُ خاطبًا. قالت: ومن ذكرت؟ قال: ذكرتُك. قالت: مرحبًا بك يا أخا أهل الحجاز؟ فما الذي " قال ": سهمان بخيبر أعطانا هما رسول الله ﷺ، ومدَّ بها صوته، وعينٌ بمصر، وعبنٌ باليمامة، ومال باليمن. قالت: يا هذا، كلُّ هذا عنّا غائب. ولكن ما الذي يحصل بأيدينا، فإني أظنُّك أردت أن تجعلني كشاة عكرمة، أتدري من عكرمة؟ قلت: لا. قالت: عكرمة بن ربعيٍّ، فإنه كان قد نشأ بالسَّواد. ثم انتقل إلى البصرة وقد تغذَّى باللبن، فقال لزوجته: اشتري لنا شاةً نحتلبها وتصنعين لنا من لبنها شرابًا وكامخًا. ففعلت وكانت عندهم الشاةُ إلى أن استحرمت فقالت: يا جارية خُذي بأذن الشاة وانطلقي بها إلى التيَّاس فانْزِي عليها، ففعلت. فقال التيَّاس: درهم. فانصرفت إلى سيدتها فأعلمتها فقالت: إنما رأينا من يدحمُ ويعطى، فأما من يَدحم ويأخذ فلم نره. ولكن يا أخا أهل المدينة أردت أن تجعلني كشاة عكرمة. فلما خرجنا قلتُ له: ما كان أغناك عن هذا. " قال: ما كنت أظنُّ " أن امرأةً تجترئ على مثل هذا.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وأما " أبو بكر " بن عبد الرحمن فأمُّه أمُّ حكيم بنت قارظ بن خالد بن عبيد من كنانة.
ومن بنات عبد الرحمن جُويريةُ: زوج المِسْور بن مخرمة، وأمُّها بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفيُّ التي نعتها هيت لعبد الله بن أبي أمية، وكان عبد الرحمن خال المسور.
ومن إخوة عبد الرحمن عبد الله والأسود. فأما عبد الله بن عوف فكان من سَرَوات قريش. وابنه أبو عبد الله طلحة بن عبد الله: من حَمَلة الحديث. روى عن أبي بكرة وغيره وروى عنه ابن شهابٍ.
وأما الأسود بن عوف فكانت له صحبة، وهاجر قبل الفتح، ووجده عمر بن الخطاب بمكة شاربًا، فأمر به فجُلد الحدَّ. وشهد الجمل مع عائشة فقُتل. وهو والدُ جابر بن السود الذي ولي المدينة لابن الزُّبير. وهو الذي جلد سعيد بن المسيَّب في بيعة ابن الزبير. وقد جرى ذكر جابر هذا في طلاق المكره من الموطأ.
[ ٢ / ٣٣٦ ]