وتزوج الرسول الله ﷺ عددًا كثيرًا من النساء، خص بذلك دون أمه بجمع أكثر من أربع، وأحل له منهن ما شاء. فالمجتمع عليه من زوجه إحدى عشرة امرأة. وهن: خديجةُ بنتُ خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيِّ بن كلاب بن مُرّة ابن كعب بن لؤي. وأُمُّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمِّ. والأصمِّ اسم جُندَب ابن رواحة بن حَجَر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي. وكانت خديجة أبي هالة زُرارة بن تَبَّاش بن عَدي بن حبيب بن صُرَد بن سلامة بن جروة بت أسيَّد بن عمرو بن تميم التميميُّ. فولدت له هند بن أبي هالة، وهالة بن أبي هالة، وقد تقدَّم ذكرها في بني تميم. ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق بن عائذ ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ثم خَلَفَ عليها بعد عتيق المخزومي رسول الله
[ ٢ / ٥٩ ]
ﷺ. ولم يَنكِح عليها امرأة حتى ماتت، وربَّى ابنها هندًا وهالة. وكان هند يقول أنا أكرم الناس أبا وأما وأخا وأختا، أبي رسول الله، وأمي خديجة، وأختي فاطمة، وأخي القاسم.
وخديجة أول مؤمن بالله من الرجال والنساء، قال الزهريُّ وقتادة وابن إسحاق. وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: أوّل من آمن بالنبيِّ ﵇ من الرجال والنساء خديجة بنت خويلد ﵂. وكانت للنبيِّ ﷺ وزير صدق عندما بُعث فكان لا يسمع من المشركين شيئا يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له، إلاَّ فرَّج الله بها عنه، تثبِّته وتُصدِّقه وتُخفِّف عنه وتُهوِّن عليه ما يلقى من قومه. واختارها الله لنبيه ﷺ لما أراد بها من كرامته. وروي من وجوه صحاح أن النبيّض ﷺ قال: " يا خديجة هذا جبريل يُقرئك من ربك السلام ". فقالت خديجة: الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام. وبشَّرها رسول الله ﷺ عن الله ببيت من قصب لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب. والقصبُ: اللؤلؤ المجوَّف، قاله ابن هشام. وقال النبيُّ ﷺ: " خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد "، روى هذا الحديث أبو هريرة، وروى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: ما غرتُ على امرأة ما غرتُ على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكنَّ ذلك لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبَّع به صدائق خديجة يُهديها لهنَّ. وروى الشعبيُّ عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكرها فيُحسن الثناء عليها. فذكرها يوم من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا؟ فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضِبَ حتّى اهتزَّ مُقدَّمُ شعره من الغضب، ثم قال: " لا والله ما أبدلني خيرا منها؛ آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء ". قالت عائشة: فقلتُ في نفسي: لا أذكرها بسُبَّة أبدا.
[ ٢ / ٦٠ ]
وولده ﵇ كلُّهم من خديجة إلا إبراهيم، فإنه من مارية القِبطيَّة. ولدت له أربع بنات لا خلاف في ذلك، وأكبرهنَّ زينب بلا خلاف ورقيَّة وأمُّ كلثوم وفاطمة، رضي الله عن جميعهنَّ. وكُلُّهُنَّ أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه ﷺ.
وولدت له من الذكور القاسم، وبه كان يُكنى، والطاهر والطيِّب، كذا قال ابن إسحاق. وقال مصعب الزُّبيريُّ: ولد لرسول الله ﷺ القاسم، وبه كان يُكنى، وعبد الله وهو الطيِّب، والطاهر لأنه وُلِدَ بعد الوحي.
وتوفيت خديجة وهي بنت خمس وستين سنة في شهر رمضان، ودُفِنت بالحَجُون، ذكر ذلك محمد بن عمر الواقديُّ وغيره. ولم تمت خديجة ﵂ إلا بعد الإسراء، وبعد أن صلت الفريضة مع رسول الله ﷺ.
ثم سَودة بنتُ زَمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودِّ بن نصر بن مالك ابن حِسْل بن عامر بن لؤي. وأمُّها الشَّموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد من بني عديِّ بن النجَّار. وزيدُ جدُّ الشَّموس أخو سلمى بنت عمرو أمِّ عبد المطلب. وكانت قبل رسول الله ﷺ عند السَّكران بن عمرو أخي سُهيل بن عمرو، فخلف عليها بعده، تزوَّجها في قول الزّهريُّ قبل عائشة بمكة في سنة عشر من النبوّة. ولمَّا أسنَّت أراد رسول الله ﷺ طلاقها. فقالت له: لا تُطلِّقني، وأنت في حِلٍّ من شأني، فإنما أُريد أن أُحشر في أزواجك، وإني قد وهبتُ يومي لعائشة، وإني لا أريد ما يريد النساء. فأمسكها رسول الله ﷺ حتى توفي عنها مع سائر من توفي منهنَّ من أزواجه.
وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: ما من الناس أحبُّ إليَّ أن أكون في مِسلاخه من سودة بنت زمعة إلا أن بها حِدَّة. قال ابن أبي
[ ٢ / ٦١ ]
خيثمة: توُفِّيَت سودة بنت زمعة في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق، وأمُّها وأمُّ شقيقها عبد الرحمن أمُّ رومان، يقال بفتح الراء وضمِّها. واسمها زينب بنت عبد دهمان من بني فراس بن غَنِم ابن مالك بن كنانة، كذا قال ابن هشام في نسبها. وتُوفِّيَت أمُّ رومان سنة ستٍّ من الهجرة في ذي الحجة، قاله الواقديُّ. فنزل النبيُّ ﵇ في قبرها، واستغفر لها وقال: " اللهمَّ لم يخف عليك ما لقيت أمَّ رومان فيك وفي رسولك ". وروي عنه ﵇ أنه قال: " مَن سرَّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أمِّ رومان ". وكانت قبل أبي بكر قبل الإسلام، فولدت له الطُّفيل. ثم توفي عن أمِّ رومان ثم خلف عليها أبو بكر بعده. فالطفيل أخو عائشة وعبد الرحمن لأمهما.
ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرا غير عائشة. وكان ﷺ قد أُري عائشة في المنام في سَرَقةٍ من حرير متوفَّى خديجة. فقال: " إن يكن هذا من عند الله يُمضِه ". فتزوجها في شوَّال على ما ذكر الزبير بن بكار قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعرس بها بالمدينة في شوال. وكانت تُحبُّ أن يدخل النِّساء من أهلها في شوَّال على أزواجهنَّ.
وقال الطبري: حدثنا ابن وكيع قال: نا عن إسماعيل بن أميَّة، عن عبد الله بن عروة، وعن عروة، عن عائشة قالت: " تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبَنى بها في شوَّال. فأيُّ نساء رسول الله ﷺ كانت أحظى عنده مني؟ ". وكانت عائشة تستحب أن تُدخِل نساءها في شوال. وقيل: إن رسول الله ﷺ بنى بها في شوال يوم الأربعاء في منزل أبي بكر بالسُّنح. وتُفي عنها ﷺ وهي بنت ثمان عشرة، وكان مكثُها معها تسع سنين. وروت عن رسول الله ﷺ حديثا كثيرا. وكان مسروق إذا حدَّثت عن عائشة يقول: حدَّثتني الصادقة ابنة الصِّديق والبريئة المبرَّأة بكذا وكذا.
[ ٢ / ٦٢ ]
وقال عمرو بن العاصي: قلت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال " عائشة ". قلت: فمن الرجال؟ قال " أبوها ". رواه أبو عثمان النَّهديُّ عن عمرو بن العاصي. وقال ﵇: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام "، رواه أبو موسى الأشعريُّ وأنس. وقال لها رسول الله ﷺ: " هذا جبريل يقرأ عليكِ السلام ". قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا أرى! تريد رسول الله ﷺ. وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة بن الزبير: ما رأيت أحد أعلم بفقه ولا بطبٍّ ولا بشعر من عائشة. وقال الزهريُّ: لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. ونزل صدر سورة النور ببراءتها حين قالوا فيها أهل الإفك ما قالوا، فإنه يُتلى إلى يوم القيامة لكرامتها على الله. وفيها يقول حسان بن ثابت:
حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ برِيبةٍ وتصبح غَرثى من لحوم الغَوافِل
عَقيلةُ أصلٍ من لؤيِّ بن غالبٍ كرامِ المساعي مجدُهم غيرُ زائلِ
مُهذَّبةٌ قد طيَّب اللهُ خِيمَها وطهَّرها من كلِّ بَغْيٍ وباطلِ
وفضائلها ﵂ أكثر من أن تُحصى. وتوفيت سنة ثمان وخمسين للهجرة في آخر خلافة معاوية، وقد قاربت السبعين، وذلك ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان. وأمرت أن تُدفن ليلا، فدُفنت بعد الوتر بالبقيع. وصلى
[ ٢ / ٦٣ ]
عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر. ذكر ذلك صالح بن الوجيه وجماعة من أهل السِّير.
ومن موالي عائشة مَرجانة: وهي أمُّ علقمة بن أبي علقمة أحد شيوخ مالك. واسم أبيه أبي علقمة بلال، وهو مولى عائشة أيضا. وقيل: هو مولى مصعب بن عبد الرحمن.
ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب: وأمُّها زينب بنت مظعون أخت عثمان وعبيد الله وقُدامة والسائب بني مظعون الجمحي. وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله ﷺ تحت خُنَيس بن حُذافة السِّهمي. فلما تأيَّمت ذكرها عمر لأبي بكر وعرضها عليه، فلم يُرجع إليه أبو بكر كلمة. فغضب من ذلك عمر، فعرضها على عثمان حين ماتت رُقية بنت رسول الله ﷺ. فقال عثمان: ما أريد أن أتزوج اليوم. فانطلق عمر إلى رسول الله ﷺ، فشكا إليه عثمان، وأخبره بعرضه حفصة عليه. فقال رسول الله ﷺ " يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هو خير من حفصة ". ثم خطبها إلى عمر، فتزوجها رسول الله ﷺ فلقي أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب فقال: لا تجِدنَّ عليَّ في نفسك، فإن رسول الله ﷺ كان ذكر حفصة، فلم أكن لأُفشي سرَّ رسول الله ﷺ، ولو تركها لتوَّجتها.
وتزوج رسول الله ﷺ في شعبان سنة ثلاث. وطلَّقها رسول الله تطليقة لأنها أفشت سرَّه، ثم ارتجعها. وذلك أن جبريل ﵇ قال له: راجع حفصة، فإنها صوَّامة قوَّامة، وأنها زوجتك في الجنة. وروى موسى بن علي ابن رباح عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: طلَّق رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فحثا على رأسه التراب وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد هذا. فنزل جبريل من الغد على النبي ﵇ وقال: إنَّ الله يأمرك أن تُرتجع حفصة بنت عمر رحمة لعمر. وقال عبد الله بن عباس: سألت عمر بن الخطاب، بعدما هِبتُهُ سنة، عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ فقال: عائشة وحفصة.
[ ٢ / ٦٤ ]
وأوصى عمر بعد موته إلى حفصة، أوصت حفصة إلى عبد الله بن عمر بما أوصى إليها عمر بصدقة تصدَّقت بها بمال وقفته بالغابة. وتوفيت في جمادى سنة إحدى وأربعين، كذا قال أبو معشر. وقال غيره: تُوفيت حفصة سنة خمس وأربعين.
ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية العامرية لم يختلفوا في نسبها كانت تُدعى أمَّ المساكين في الجاهلية. وكانت تحت عبد الله بن جحش قُتل عنها يوم أحد. قال ذلك ابن شهاب. وقال أبو الحسن عليُّ بن عبد العزيز الجُرجانيُّ النسَّابة: كانت زينب بنت خزيمة عند طُفيل بن الحارث بن عبد المطَّلب، ثم خلف عليها أخوه عُبيدة بن الحارث قال: وكانت زينب بنت خُزيمة أخت ميمونة بنت الحارث لأمها. وتزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث. ولم تلبث عنده إلا بسيرا شهرين أو ثلاثة. وتوفيت في حياته.
ثم أمُّ سَلَمَة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظَة ابن مُرَّة بن كعب بن لؤي، وأبوها أبو أمية اسمه حُذيفة، وكان يقال له زاد الراكب لأنه كان إذا سافر في ركب ينفق من ماله على كلِّ من فيه يجعل زادهم عليه. وكان أخوتها لأبيها خمسة: زهير والمهاجر وعبد الله وعامر ومسعود.
فأما زهير بن أبي أمية فكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبت قريش بينهم وبين أهل الشِّعب بني هاشم وبني المطَّلب. وكان من المؤلفة قلوبهم. أعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حُنين مئة بعير. وأما المهاجر بن أبي أمية فكان رسول الله ﷺ إلى الحارث بن عبد كُلال الحميريِّ ملك اليمن. وأما عبد الله بن أبي أمية فكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ. وهو الذي قال: لن نؤمن حتى تُفجِّر لنا من الأرض ينبوعا، إلى: أو يكون لك بيت من زخرف.. الآية. ثم خرج إلى النبي
[ ٢ / ٦٥ ]
ﷺ عام الفتح، فلقيه في الطريق بين السُّقيا والعَرْج، وهو يريد مكة، فتلقَّاه، فأعرض عنه رسول الله ﷺ مرة بعد مرة. فسأل أخته أم سَلَمَة أن تشفع له عند رسول الله فشفَّعها رسول الله ﷺ فيه. وأسلم وحسُن إسلامه، وشهِدَ رسول الله ﷺ فتح مكة مسلما وشهد حُنينا والطائف. ورُمي يوم الطائف بسهم فقتله يومئذ. وأم زهير والمهاجر وعبد الله بن أمية المزكورين عاتكة بنت عبد المطلب.
وأما عامر بن أبي أُمية فأسلم عام الفتح، ولا تُحفظ له رواية عن النبي ﷺ. روى عن أمِّ سَلَمَة وروى عنه سعيد بن المُسيَّب. وأما مسعود بن أمية فكان من أهل القليب ببدر. وقتله مبارزة يوم بدر عليُّ بن أبي طالب، فيما قال ابن هشام.
وأمُّ أمِّ سَلَمَة عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة بن فراس. وكانت أمُّ سلمة، واسمها هند، تحت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزوميِّ، فولدت له سلمة وعمرو وأمَّ كلثوم وزينب.
واسم أبي سلمة عبد الله، وأمَّه برَّة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ، وهو أخوه من الرَّضاع. وأبو سلمة ممّن هاجر الهجرتين، وشهد بدرا، ومات من جرح أصابه يوم أُحد، اندمل، ثم انتقض عليه. وكان موته منه بالمدينة لثلاث مضين من جمادى الآخرة سنة أربع بعد أُحد بسبعة أشهر.
وخَلَفَ رسول الله ﷺ أمَّ سلمة بعده وكفل ابنيها وبناتها. قال عمر بن أبي سلمة: كنت في حجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصَّحفة، فقال لي: " يا غُلام سَمِّ الله، وكُل بيمينك وكُل ممَّا يليك ". أخرج هذا الحديث مسلم بن أبي شيبة وابن أبي عمر، مسندا إلى عمر بن أبي سلمة.
وتوفي عمر بن أبي سلمة، ويُكنى أبا حفص سنة ثلاث وثمانين في خلافة
[ ٢ / ٦٦ ]
عبد الملك بن مروان، وحفظ عن النبي ﵇ وروى عنه التي قالت فيها أمُّ حبيبة لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، إنّا قد تحدَّثنا أنك ناكح دُرَّة بنت أبي سلمة. فقال رسول الله ﷺ: " أَعَلى أمِّ سلمة؟ لو أني لم أنكح أمَّ سلمة لم تحِلَّ لي، إن أباها أخي من الرضاعة ".
وولدت أمُّ سلمة زينب بنت أبي سلمة بأرض الحبشة، وقدِمَت بها. وكان اسمها برَّة، فسمَّاها النبيُّ ﷺ زينب، وحفظت عن النبيّ ﷺ. ويُروى أنها دخلت على النبي ﷺ. وهو يغتسل، فنضح في وجهها. قالوا: فلم يزل ماء الشباب حتى كبرت وعجّزت. وكانت من أفقه من نساء زمانها. وبقين حتى شهدت وقعة الحرَّة، وقُتل لها فيها ابنان من عبد الله بن زمعة بن الأسود الأسدي. أحدهما يزيد، وذلك أنه أُتي به مُسرف أسيرا، فقال له: بايع على أنك خَوَل لأمير المؤمنين، يعني يزيد يحكم في دمِل ومالِك. فقال: أبايعك على الكتاب والسُّنة، وإني ابن عم أمير المؤمنين، يحكم في دمي وأهلي ومالي. وكان صديقا ليزيد وصفيًّا له. فلما قال ذلك قال مُسرف: اضربوا عنقه. فوثب مروان فضمَّه إليه لما كان يعرف بينه وبين يزيد. فقال مروان: نعم يبايع على من أحببت. فقال مسلم: والله لا أُقيلُهُ أبدا. وقال: إن تنحَّى عنه مروان، وإلا فاقتلوهما معا. فتركه مروان وضُربت رقبة يزيد بن عبد الله بن زمعة. وأما الآخر فجلس في بيته وكفَّ يده، فدُخل عليه فقُتل مظلوما.
وأما سلمة بن أبي سلمة فكان أسنَّ من أخيه عمر، وعاش إلى خلافة عبد الملك بن مروان، ولا تُحفظ له رواية عن رسول الله ﷺ. وهو الذي عقد للنبيِّ ﵇ علة أمِّه أمِّ سلمة. فلما زوَّجه رسول الله ﷺ أُمامة بنت حمزة بن عبد المطلب أقبل على أصحابه فقال: " تَرُوني كافأته ".
[ ٢ / ٦٧ ]
وتوفيت أمُّ سلمة سنة تسع وخمسين في شهر رمضان أو شوال. وقيل: أنها توفيت سنة ستين في أول خلافة معاوية وصلى عليها أبو هريرة ودُفنت بالبقيع، ودخل ابناها ابناها عُمر وسلمة وابن أخيها عبد الله بن عبد الله بن أبي أميَّة وعبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد. وهي آخر أجزاء النبيِّ ﷺ موتا.
ومن موالي أمِّ سلمة خَيرةُ أم الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يَسار مولى الأنصار. وكانت أمُّه ربما غابت فيبكي، فتُعطيه أمُّ سلمة ثديها تُعلِّله به إلى أن تجيء أمُّه. فدرَّ عليه ثديها فشربه. فيروون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك. ونشأ الحسن بِوادي القُرى. وروى الأصمعيّ عن حماد بن زيد وحماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان قال: عن قتادة أن أمَّ الحسن كانت مولاة أمِّ سلمة. وقال أبو اليقظان: يسار أبو الحسن البصري من سبي ميسان. وروى الأصمعيُّ عن أبيه قال: ما رأيت أعرض زندا من الحسن، وكان عرضه شبرا. وكان يُشَبَّه برؤية بن العجاج في فصاحة لهجته وعربيَّته. وكان مولده لسنتين بقيتا من خلافة عمر. وروي أن أمَّ سلمة أخرجته إلى عمر فقال: اللهمَّ فقِّهه في الدين وحبِّبه إلى الناس. وسئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا. ومات سنة عشر ومئة. ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما. وقيل ليونس بن عُبيد: أتعرف أحدا يعمل بعمل الحسن؟ فقال: والله ما أعرف أحدا يقول بقوله، فكيف يعمل عمله؟ ثم وصفه فقال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسيرٌ أُمِرَ بضرب عنقه، وإذا ذُكرت النار فكأنها لم تُخلَق إلا له.
ثم زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبيرة بن مرة بن كبير بن غثم بن داودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وأمها أميمة بنت عبدر المطلب عمة رسول الله ﷺ ولا خلاف أنها كانت قبله تحت زيد بن حارثة الكلبيِّ. وكان زيد يقال له زيد بن محمد؛ تبنَّاه رسول الله ﷺ حين قدم والده حارثة إلى مكة في فدائه، فخيَّره رسول الله ﷺ في المكث معه أو السير مع أبيه. فاختار المقام مع رسول الله ﷺ لما أراد الله من كرامته بالإسلام. وكان حكيم
[ ٢ / ٦٨ ]
ابن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق فيهم زيد بن حارثة، وهو صبي صغير، فدخلت عليه عمَّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ قبل النبوة، فخيَّرها في الرقيق فاختارت زيدا فأخذته، فرآه النبي ﷺ عندها فاستوهبه منها فوهبته له، فتبنَّاه بعدما أعتقه.
ولما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بعدما طلقها زيد، وانقضت عدَّتها تكلم في ذلك المنافقون، وقالوا: حرَّم محمد نساء الولد، وتزوج امرأة ابنه. فأنزل الله ﷿) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين (. وقال) ادعوهم لآبائهم هو أقسط لكم عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فأخوانكم في الدِّين ومواليكم (. فنسب إلى أبيه، ودعي من يومئذ زيد بن حارثة. وهو كلبي، وكلب فخذ من قضاعة.
وكان يقال لزيد: حبُّ رسول الله ﷺ ولابنه أسامة: الحبُّ بن الحبِّ. ولم يذكر الله تعالى أحدا باسمه في القرآن، ما عدا الأنبياء، غير زيد في قوله) فلمَّا قضى زيدٌ منها وَطرًا زوَّجناكها (. وقوله تعالى:) وإذ تقول للذي أنعم اللهُ عليه وانعمتَ عليه (يعني زيدا أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه النبيُّ ﵇ بالعتق. وقال رسول الله ﷺ: " أنت أخونا ومولانا "، ذكر هذا الخبر البخاري في حديث الحديبية. واستشهد زيد في مؤته. وتوفي أسامة سنة أربع وخمسين. روى عنه أبو عثمان النَّهديُّ وعروة وعبيد الله بن عبد الله وجماعة. وابنه محمد بن أسامة روى عنه.
وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش في سنة خمس من الهجرة ̧ قاله قتادة، وقال أبو عبيدة: تزوجها سنة ثلاث. وكانت زينب رضي الله ذات دين وورع وصدقة. ذكر مسلم بن الحجاج قال: نا محمود بن غيلان قال: نا الفضل بن موسى السِّنانيُّ قال: نا يحيى بن طلحة عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
[ ٢ / ٦٩ ]
وسلم: " أسرعكنَّ لحاقا بي أطولكنَّ يدا ". قالت: فكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كانت تعمل بيديها وتتصدَّق.
وكانت لها حُسن منزلة عند رسول الله ﷺ، وصحَّ أنها أول نسائه لحاقا به. وروي من وجوه عن عائشة أنها قالت: كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ، وما رأيت امرأة قطٌّ خيرا في الدِّين من زينب أتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرَّحم وأعظم صدقة. وعن عبد الله بن شدَّاد أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب: " إنَّ زينب بنت جحش جحش أوَّاهة ". فقال رجل: أي رسول الله، ما الأوَّاه؟ قال: " الخاشع المتضرِّع، وإنَّ إبراهيم لحليم أوَّاه منيب ". وكانت تفخر على نساء النبيِّ ﵇، وتقول: إنَّ آبائكنَّ أنكحوكنَّ، وإنَّ الله أنكحني إيَّاه من فوق سبع سماوات.
وتوفيت في خلافة عمر سنة عشرين، وفيها افتتحت مصر. وقيل: بل توفيت سنة إحدى وعشرين، وفيها افتتحت الإسكندرية.
ثم أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. واسمها رملة، وهي من المهاجرات من أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله ابن جحش، وهو أبو ابنتها حبيبة، وبها كانت تكنى. فتنصَّر عبيد الله ومات نصرانيا بأرض الحبشة. وهو القائل بها للمسلمين: فقَّحنا وصأصأتم، أي: أبصرنا الدين وعميتم عنه. قيل: الصأصأة أن لا يقدر الجرو أن يفتح عينه عندما تلده الكلبة. فإذا فتح عينيه قيل: فقَّح.
وخطبها رسول الله ﷺ لنفسه، وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشيُّ أربعمئة دينار. وولي عقد نكاحها عند النجاشيّ خالد بن سعيد بن العاصي. وقيل عثمان بن عفان ﵁. وتزوَّجها سنة ستٍّ، وبنى بها سنة سبع. بعث إليها رسول الله ﷺ شرحبيل بن حسنة فجاءه بها. وقيل لأبي سفيان، وهو يحارب رسول الله ﷺ: إن محمدا قد نكح ابنتك. فقال: ذاك الفحل لا يُقدعُ أنفه. ودخل عليها بيتها، ﵂، أبوها أبو سفيان قبل فتح مكة حين بَعَثته قريش ليشدَّ العقد لمَّا صنعوا
[ ٢ / ٧٠ ]
بخُزاعة ما صنعوا. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه. فقال: يل بُنيَّة، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحبَّ أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ. قال: والله يا بُنيَّة لقد أصابك شرٌّ.
وبنتها حبيبة: روت عنها زينب بنت أمِّ سلمة عن أمِّها أمِّ حبيبة: روى سفيان بن عُيينة عن الزهريُّ، عن عروة، عن زينب بنت أمِّ سلمة، عن حبيبة بنت أمِّ حبيبة، عن أمِّ حبيبة، عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نوم محمرًّا وجهه وهو يقول " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وعقد تسعين أو مئة ". قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا كثُر الخبث ". قال سفيان: أحفظ عن الزهريُّ في هذا الحديث أربع نسوة تروي كلُّ واحدة منهنَّ عن الأخرى، كلُّهنَّ رأين النبيَّ ﵇، ثنتين من أزواجه: أمُّ حبيبة وزينب بنت جحش، وثنتين ربيبتيه: زينب بنت أمِّ سلمة وحبيبة بنت أمِّ حبيبة.
وتوفيت أمُّ حبيبة في خلافة أخيها معاوية سنة أربع وأربعين. وأمُّها صفيّة بنت أبي العاصي عمّة عثمان بن عفان ﵁.
ثم جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، وجذيمة هو المصطلق بن سعد بن عمرو بن لُحي. وعمرو بن لُحي هو أبو خزاعة، وهي من سبي بني المصطلق. قالت عائشة: كانت جويرة عليها حلاوة وملاحة، لا يكاد يراها أحد إلا وقعت بنفسه. قالت: فأتت رسول الله ﷺ تستعينه على كتابتها. قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة. فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فقالت: يا رسول الله جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخفَ عليك. فوقعت في السَّهم لثابت بن قيس، أو لابن عمٍّ له. فكاتبته على نفسي، وجئتك أستعينك. فقال لها: " هل لك في خير من ذلك؟ " قالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: " أقضي كتابتك وأتزوَّجك ". قالت: نعم. قال: " قد فعلت ".
[ ٢ / ٧١ ]
وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوَّج جويرة بنت الحارث. فقال الناس: صهر رسول الله! فأرسلوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق. قالت عائشة: فلا نعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها.
وروى الليث عن عقيل، عن ابن شهاب قال: سبى رسول الله ﷺ جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار أحد بني المصطلق يوم المريسيع، فحجبها وقسم لها. وكان اسمها بَرَّة، فغيّر رسول الله ﷺ اسمها وسمَّاها جويرة. هكذا رواه شُعبة ومسعر وابن عُيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كُريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس. مسلم: حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر، واللفظ لعمرو، قالا: نا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كُريب، عن عباس قال: كانت جُويرة اسمها برَّة، فحوَّل رسول الله ﷺ اسمها جويرة. وكره أن يقال: خرج من عند برَّة. وحفظت عن النبي ﵇ وروت عنه.
وأسلم أخوها عبد الله بن الحارث، وهو مذكور في الصحابة. وكانت قبل النبي ﵇ تحت مُسافع بن صفوان المصطلقيِّ. وتوفيت سنة ستٍّ وخمسين.
وأختها عمرة بنت الحارث بن أبي ضرار. روت عن النبي ﷺ: " الدنيا خضرة حلوة "، الحديث.
ثم ميمونة بنت الحارث بن حَزن بن بُجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله ابن هلال بن عامر بن ضعضعة الهلاليَّة العامرية. وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد. وأخواتها لأبيها وأمِّها لُبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب، ولُبابة الصغرى زوج الوليد بن المغيرة أمُّ خالد سيف الدولة. وعصماء كانت تحت أُبَيِّ بن خلف الجمحيّ، فولدت له أبا أُبيّ وغيره، وعزَّة كانت تحت زياد بن عبد الله بن مالك الهلاليِّ. وأخوات ميمونة لأمِّها: أسماء بنت عُميس، كانت تحت جعفر بن أبي طالب. ثم خلف عليها أبو بكر الصدِّيق، ثم خلف عليها علي بن أبي طالب، ولكلِّهم ولدت.
[ ٢ / ٧٢ ]
وسلمى بنت عُميس: أخت أسماء، وكانت تحت حمزة بن عبد المطَّلب، ثم خلف عليها بعده شدَّاد بن الهادي، فولدت له عبد العزيز وغيره.
وزينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمِّها. وأمُّهنَّ كلُّهنَّ هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة من حِمير. وهي العجوز التي قيل فيها: أكرم الناس أصهارا. وكان اسم ميمونة بَرَّة، فسماها رسول الله ﷺ ميمونة. خرَّج الحديث مسلم.
تزوَّجها رسول الله ﷺ وهو محرم بمكة في عمرة القضاء. وابتنى بها حلالا بِسَرِف. وقيل: أنَّه تزوَّجها حلالا، وهو الصحيح. وكانت قبل النبيَّ ﷺ عند أبي رُهم بن عبد العزى من بني عامر بن لؤي. وفي سَرِف دُفنت، حيث ابتنى بها ﷺ، وهو موضع قريب من مكة. وَصَّت عند موتها أن تُدفن فيه، ﵂.
وكانت وفاتها سنة ثمان وثلاثين، ذكر ذلك في " المعارف " ابن قتيبة. وقال غيره: توفيت بسرِف سنة إحدى وخمسين، وصلى عليها ابن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأشمِّ وعبد الله بن شدّاد بن الهادي، وهم بنو أخواتها.
ومن موالي ميمونة ﵂ يسار والد عطاء بن يسار. ووُلد ليسار عطاء وسليمان ومسلم وعبد الملك وعبد الله، كلُّهم فقهاء، ويكنى عطاء أبا محمد، ومات سنة ثلاث ومئة. وهو ابن أربع وثمانين سنة.
ثم صفيَّةُ بنتُ حُيَيِّ بن أخطب اليهودي. وقتل أبوها عدوُّ الله حيي صبرا مع بني قريظة، وكذلك عمها أبو ياسر بن أخطب. وهي من سبي خيبر. وكانت تحت كنانة أبي الربيع أبي الحقيق مع أبي النَّضير. وكان شاعرا، وقتل يوم خيبر بعدما عذبه الزُّبير عل جحده الكنز دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة. فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة وروى عبد العزيز بن صهيب وغيره عن أنس أن رسول الله ﷺ لمَّا جمع سبي خيبر، جاءه دحية فقال: أعطني جارية من السَّبي. فقال: " أذهب فخذ جارية ". فأخذ صفية بنت حيي. فقيل: يا رسول الله إنها سيدة قريظة ما تصلح إلا لك. فقال لي النبي ﵇: " خذ جارية من السبي غيرها ". وقال ابن
[ ٢ / ٧٣ ]
شهاب: كانت ممَّا أفاء الله عليه، فحجبها وأولم عليها وقسم لها. وكانت أحد أمهات المؤمنين. وقال غيره: استصفاها رسول الله ﷺ، وصارت في سهمه ثم اعتقها، وجعل عتقها صداقها، ويختلفون في ذلك. وهو خصوص عند أكثر الفقهاء له ﷺ، إذ كان حكمه في النساء مخالفا لحكم أُمَّته.
وأعرس رسول الله ﷺ بصفيه بخيبر أو ببعض الطريق. وكانت التي جمَّلتها ومشَّطتها لرسول الله ﷺ وأصلحت من أمرها أمُّ سليم بنت ملحان أُمُّ أنس بن مالك. فبات بها رسول الله ﷺ في قبَّة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد أخو بني النجار متوشِّحا سيفه يحرس رسول الله ﷺ، يطيف بالقبِّة حتى أصبح رسول الله ﷺ. فلما رأى مكانه قال: " مالك يا أبا " أيوب "؟. قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك: فقال رسول الله ﷺ: " اللَّهم احفظْ أبا أيوب كما بات يحفظني ".
ويروي أن رسول الله ﷺ دخل على صفية وهي تبكي. فقال لها: " ما يُبكيكِ؟ ". قالت: بلغني أن عائشة وحفص تنالان مني، وتقولان: نحن خير من صفية، نحن بنات عمّ رسول الله وأزواجه. قال: " ألا قلتِ لهنَّ: كيف تكنَّ خيرا مني وأبي هارون وعميِّ موسى وزوجي محمد؟ " رسول الله ﷺ. وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة. وتوفيت سنة ست وخمسين.
فهؤلاء أزواجه اللواتي لم يختلف فيهنَّ، وهنَّ إحدى عشر امرأة، ومنهنَّ ست من قريش وأربع من سادات العرب وواحدة من بني إسرائيل من ولد هارون. توفي في حياته منهن اثنتان: خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة وزينب بنت خزيمة بالمدينة.
وتزوج غير هؤلاء، ولم يدخل بهنَّ. منهن: أسماء بنت النعمان بن الجون بن شراحيل الكندية التي استعاذت منه فقال لها: " قد عذت بمعاذ ". وفي رواية: " الحقي بأهلك ".
[ ٢ / ٧٤ ]
قال ابن الجارود في " المنتقي ": حدَّثنا محمد بن عوف بن سفيان الطائي قال: نا دحيم قال: نا الوليد قال: نا الأوزاعيُّ قال: سألت الزُّهريَّ: أيُّ أزواج النبي ﷺ استعاذت منه؟ فقال: أخبرني عروة بن الزُّبير عن عائشة أن بنت الجون لمَّا دخلت على النبي ﷺ: " عذت بعظيم، الحقي بأهلك " قال الزهريُّ: الحقي بأهلك تطليقه. محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصُّي الذي روى عنه ابن الجارود هذا الحديث. سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: صدوق. روى عنه هو وأبو زرعة. ودحيم اسمه عبد الرحمن بن إبراهيم، والوليد الذي روى عنه دحيم هو الوليد بن مسلم.
ومنهنَّ فُتيلَة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس: تزوَّجها سنة عشر، وتُوفي قبل أن يدخل بها ﷺ. وقال أبو اليقظان: خطب رسول الله ﷺ من بني مُرَّة بن عوف بن سعد بن ذيبان إلى أبيها فقال له: إنَّ بها برصا، وهو كاذب. فرجع فوجد فيها برصا. وهي أمُّ شبيب بن البرصاء. وأبوه الحارث ابن عوف المُرَّي صاحب الحمالة بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء.
وعرض عليه ﷺ رجل ابنته وَوَصَفَهَا، ثم قال له الرجل: وأزيدك يا رسول الله إنها لم تمرض قطُّ. فقال: " ما لهذه عند الله من خير ". وفي رواية " لا خير في بدن لا يسقم "، فطلَّقها ولم يَبْنِ بها. قال أبو اليقظان: اسم هذه المرأة عَمْرَة: وهي من القُرَطاء، وهم من آل بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
ومنهنَّ أمُّ شَريك خولة بنت حكيم السُّلميَّة: وهي التي وهبت نفسها للنبي في قول بعضهم. وقد تقدَّم ذكرها مع زوجها عثمان بن مظعون في بني جُمح من قريش. وقيل إنها أمُّ شَريك القرشية العامرية، واسمها غزيةُ بنت دُودَان. وقيل: إنها أمُّ شريك الأزدية، والاختلاف فيها كثير، والله الموفق للصواب.
وكان له من السَّراري ﷺ اثنتان، إحداهما مارية القبطية
[ ٢ / ٧٥ ]
أهداها له المقوقس ملك مصر والأسكندرية، وأهدى معها أختها سيرين. وخَصِيًا يُقال له مابُور. فوهب ﷺ سيرين لحسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن، فهو ابن خالة إبراهيم بن رسول الله ﷺ. وكان عبد الرحمن بن حسان شاعرا. وأمسك ﵇ مارية، فولدت له إبراهيم، وكانت مرضعته أمُّ بَردَة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش من بني النجار وعمها عمرو بن زيد جدُّ عبد المطلب لأمِّه سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد ابن خداش، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجَعْد بن عوف بن مبذول ابن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النجار، وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله ﷺ فأخبرت أبا رافع، فبَشَّر النَّبي، فوهبت له مملوكا. ولما مات قال النبي ﵇: " إنَّ له مرضعة في الجنة، ولو بقي لكان صِدِّيقا نبيا، ولو بقي لأعتقتُ كلَّ قبطي ".
وروى عبد الله بن وهب عن عبد الله بن لهيعة، عن عمر مولى غْفرَة أنَّ رسول الله ﷺ قال: " الله الله في أهل الذِّمة، أهل المدرة السوداء، السُّحم الجِعاد، فإن لهم نسبا وصهرا ". قال عمر: مولى غُفرة نَسَبَهُم أن أُمَّ إسماعيل النبيِّ منهم وصهرهم أن رسول الله ﷺ تسرَّرَ فيهم. مسلم: نا زهير بن حرب ومحمد بن عبد الله بن نُمير. واللفظ لزهير قالا: نا إسماعيل، وهو ابن عُلية عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أنَس بن مالك قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ قال: كان إبراهيم مُسترضعا له في عوالي المدينة. فكان ينطلق، ونحن معه فيدخل البيت، وإنه ليُدَخِّن، وكان ظِئرُهُ فينا، فيأخذ فيقبِّله، ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفيَ إبراهيم قال رسول الله ﷺ: " إنَّ إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين يُكْملان رضاعة في الجنة ".
وتوفيت مارية في خلافة عمر بن الخطاب وذلك في المحرَّم من سنة ستَّ عشرة وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهود جنازتها، وصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع.
[ ٢ / ٧٦ ]
وأما مابور فإنه كان ابن عم مارية، وكان يهتم بها، فقال رسول الله ﷺ لعلي: " اذهب فاضرب عنقه ". فأتاه علي فإذا هو في ركيٍّ يتبرَّد فيها. فقال له علي: اخرج. فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر. فكفَّ عنه علي، ثم أتى النبيَّ ﵇ فقال: يارسول الله: والله إنه لمجبوب. وروى الأعمش هذا الحديث فقال فيه: قال علي: يارسول الله أكون كالسِّكَّة المحماة، أو الشاهد يرى مالا يرى الغائب. فقال: بل الشاهد يرى مالايرى الغائب والثانية ريحانة بنت شمعون بن زيد بن قنافة: كذا نسبها ابن عبد البر في الاستيعاب.. إحدى نساء بني قريظة، اصطفاها لنفسه من نسائهم حين سباهنَّ، وكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفي عنها وهي في ملكه. وذكرها ابن إسحاق وسمَّاها فقال: هي ريحانة بنت عمرو بن خنافة. وقال غيره: كانت وفاتها قبل وفاة النبي ﵇ سنة عشر، مرجعه من حجَّة الوداع.
وقد كان رسول الله ﷺ عرض عليها أن يتزوَّجها ويضرب عليها الحجاب. فقالت: يارسول الله، بل تتركني في ملكك، فهو أخفُّ عليَّ وعليك، فتركها وقد كانت حين سباها قد تعصَّت بالإسلام، وأبت إلا اليهودية. فعزلها رسول الله ﷺ، ووجد في نفسه لذلك من أمرها. فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: " إنَّ هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة ". فجاءه فقال: يارسول الله قد أسلمت ريحانة. فسره ذلك من أمرها.
وأبوها أبو ريحانة شمعون، وبها كني. وهو حليف الأنصار، ويقال له: مولى رسول الله ﷺ. وهو مشهور بكنيته، وله صحبة وسماع ورواية. وكان من الفضلاء الزاهدين في الدنيا. نزل الشام، وروى عنه الشاميون.
[ ٢ / ٧٧ ]