أما أمُّه فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وأمُّه آمنة: بنت عبد العُزَّى بن عثمان عبد الدار بن قصي. وأمُّ برة: أمُّ حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي. وأمُّ أمِّ حبيب بنت أسد بن عبد العزَّى بن قُصي. وأمُّ أمِّ حبيب برةُ بنت عوف بن عبيد ابن عويج بن عديِّ بن كعب بن لؤي.
وأما أمُّ وهب جدِّ النبيِّ فهي عاتكة بنت الأوقص بن مُرة بن هلال بن فالج بن ذكوانّ بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم بن منصور بن عكرمة.
فرسول الله ﷺ أشرف ولد آدم حسبا وأفضلهم نسبا من قبل أبيه وأمِّه ﷺ.
وتزوَّج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة عند الفراغ من فدائه بالإبل لنذر أبيه الذي كان نذر حين نازعته قريش في
[ ٢ / ٥٠ ]
حفر زمزم. ولذلك قال ﷺ: " أنا ابن الذَّبيحين ". وهذه حجة من جعل الذبيح إسماعيل. وقال أسد بن الفرات قاضي أفريقية في إمرة إبراهيم بن الأغلب: سمعت محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة يقول: اختلف أهل التفسير، فقال بعضهم: إسحاق هو الذي أُمر إبراهيم بذبحه. وقال بعضهم: إسماعيل هو، فكان أصحَّ القولين عندنا أنه إسماعيل، لأن الله يقول في كتابه:) فبشَّرناه بإسحاق ومِن وَراءِ إسحاقَ يَعقوب (. فكيف يختبر في ذبحه، وقد أعلمه أنه سيولد لإسحاق يعقوب؟ وإنما الاختبار فيما لم يعلم غافية أمره.
ولما فرغ عبد الله بن عبد المطلب من وفاة نذره انصرف آخذا بيد ابنه عبد الله حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بم مرة بن كعب بن لؤي، وهو يومئذ سيد بني زهرة سنًا وشرفًا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا. فزعموا أنه دخل عليها حين املكها مكانه، فوقع عليها، فحملت برسول الله ﷺ.
ومات عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ﷺ وأمُّهُ حمل به، سار إلى المدينة ليزول أخوال أبيه من بني النجار، فمات بالمدينة، وقبره بها في دار من دور عدِّي بن النجار. وقال ابن شهاب: كان عبد المطلب بعث ابنه عبد الله إلى يثرب يمتار له تمرا منها، فمات بها وهو شاب عن أخواله بن النجار، ولم يكن له ولد غير رسول الله ﷺ.
وولد ﷺ عام الفيل بعد قدوم أصحاب الفيل بشهر، وقيل بأربعين يوما، وقيلا: بخمسين يوما. وولد مختونا مسرورا، يعني مقطوع السُّرَّة. هذه رواية وردت. وروي عكرمةُ عن أبن عباس أن عبد المطلب ختن النبيِّ ﷺ يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه محمدًا. وذكر أن آمنة أمَّ رسول الله ﷺ كانت تحدِّث أنها أنبئت حين حملت برسول الله ﷺ. فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي: " أُعيذُه بالواحد من شرِّ كل حاسد، ثم سمِّيه محمدا ". ورأت حين حملت أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. وقالت
[ ٢ / ٥١ ]
آمنة: " حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قطُّ كان أخف ولادة أيسر منه. ووقع حين ولدته، وإنه لواضع يديه بالأرض، رافع رأسه إلى السماء، رسول الله ﷺ ".
ولما وضعته أمُّه ﷺ أرسلت إلى جدِّه عبد المطلب: إنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه. فأتاه فنظر إليه، وحدَّثته بما رأت حين حملت به، وما قيل له وما أمرت أن تُسِّميه. فأخذه عبد المطلب، فدخل به الكعبة، فقام يدعوا الله ويتشكَّر له ما أعطاه، ثمَّ خرج به إلى أمِّة، فدفعه إليها.
وأرضعته رسول الله ﷺ حليمة بنت أبي ذؤيب السَّعديَّةُ من بني سعد أبن بكر بن هوزان بن منصور، ورأت بها في طريقها من الأتان عجبا وفي حاضرها من البركات ما أخصب به محلُّها، وتعَّجب منه قومها. وكان يشبُّ شبابا لا يشبُّه الغلمان. فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا. ثم ردَّته حليمة على أمِّه، وهي أحرص شيء على مكثه فيهم، لما كانوا يرون من بركته. فكلَّمت أمَّه فيه وقالت له: لو تركت بنيِّي عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة. فلم تنزل بها حتى رجعت بهز وبعد مقدمتها من به بأشهر كان أمر شقِّ بطنه خلف بيوت حليمة، أخبرها بذلك ابنها. والخبر مشهور فردّته حليمة إلى أمه.
وروي عن خالد بن معدان الكلاعيِّ أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال: " نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى. ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام. واسترضعت في نبي سعد بن بكر، فبينما أنا مع الخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذ أتانى رجلان عليهما الثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، فأخذاني فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقّا فاستخرجا منه علقة سوداء، فطرحاها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه - قال: - ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشره من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم. ثم قال: زنة بألف من أمَّته، فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمَّته لوزنها ".
[ ٢ / ٥٢ ]
وكان ﷺ يقول: " ما من نبي إلا وقد رعى غنما ". قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: " وأنا ". وكان ﵇ يقول لأصحابه " أنا أعربكم؛ أنا قرشي، واسترضعت في بني سعد بن بكر ". وفي حديث آخر أنه قال ﷺ: " أنا أفصح العرب بيد أنا من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر ".
وتوفيت آمنة أم رسول الله ﷺ، وهو أبن ستِّ سنين بالأبواء بين مكة والمدينة. وكانت أمُّه أخرجته معه إلى أخوال أبيه بني النجار بالمدينة، تزورهم هي فتوفيت وهو معها، فردّته حاضنته أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ، ورثها عن أبيه. وهي أمُّ أسامة بن زيد بن حارثة، وابنها أيمن بن عبيد الحبشيُّ الذي تكنى به، استشهد مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فكفله بعد أمُّه جدُّه عبد المطَّلب، وكان مع أمِّه وجدِّه في كلاءة الله تعالى وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يرد به من كرامته.
وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظلِّ الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله ﷺ يأتي، وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخِّروهُ عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا. ثم يجلسه معه عليه، يمسح ظهره بيده، ويسرّه ما يراه يصنع. فلما بلغ رسول الله ﷺ ثمان سنين هلك جدُّه عبد المطلب. وعمي عبد المطلب في آخر عمره، وأوصى بالنبيِّ رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب. فصار في حجر عمِّه أبي طالب حتى بلغ خمسة عشر سنة. وكاب أبو طالب يحبُّه، ثم انفرد بنفسه. وكان مائلا إلى عمِّه أبي طالب لوجاهته في بني هشام، وكان مع ذلك شقيق أبيه.
وخرج النبيِّ ﷺ مه عمِّه أبو طالب في تجارة إلى الشام سنة ثلاث عشر من الفيل، فرآه بحيرا الراهب فقال: احتفظوا به فإنه نبي. وشهد ﷺ حرب الفجار، وهو أبن عشرين سنة. وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد، وهو أبن خمس وعشرين سنة، فرآه نسطور الراهب، وقد أضلته غمامة فقال: هذا نبي.
[ ٢ / ٥٣ ]
وتزوج خديجة بنت خويلد بشهرين وخمسة وعشرين يوما في عقب صفر. وكانت خديجة يوم تزوجها بنت أربعين سنة. وشهد ﷺ بنيان الكعبة، وتراضت قريش بحكمة في الحجر وهو أبن خمس وثلاثين سنة.
ولما بلغ ﷺ أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وكافَّةً للناس يوم الاثنين في شهر رمضان. وقيل: بل بُعث يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول فأسرَّ أمره ثلاث سنين أو نحوها. حدَّث أحمد بن زهير قال: نا موسى بن إسماعيل قال: نا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند، عن الشِّعبي قال: بُعث رسول الله ﷺ لأربعين، فوُكِّل به إسرافيل ﵇ ثلاث سنين، ثم وُكِّل به جبريل. وأعلن بالدعاء بعد ذلك إلى الله، وسفّه أحلام قومه وضلَّلهم، وعاب أصنامهم، فقالوا قومه قتلَه فأجاره عمُّه أبو طالب، ولم يزل في جواره، إلى أن توفي في النِّصف من شوال سنة عشرين من المبعث. وحصرت قريش النبيَّ ﷺ وأهل بيته بني هاشم، ومعهم بنو المطَّلب في الشِّعب بعد المبعث بستِّ سنين. فمكثوا في ذلك الجدار ثلاث سنين، وخرجوا منه في أول سنة خمسين من عام الفيل. وتوفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام. وروى مَعمرٌ عن عن الزُّهريّ عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ، وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: يا عمِّ قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجُّ لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب، أترغب عن ملة المطلب؟ فقال النبي ﵇: لأستغفِرَنَّ لك ما لم أُنهَ عتك. فنزلت:) ما كان للنبيِّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى (. إلى آخر الآية. ونزلت) إنك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنَّ الله يهدي من يشاء (.
وقال مسدَّد بن مُسَرهد في مسنده: حدَّثنا سفيان قال: حدثني أبو إسحاق عن يحيى بن ناجية بن كعب، عن عليٍّ ﵁ قال: قلتُ للنبيِّ صلى
[ ٢ / ٥٤ ]
الله عليه وسلم: إنَّ عمَّك الشيخ الضالَّ قد مات فمن يُواريه؟ قال: " اذهب فوارِ أباك، ثم لا تُحدِثنَّ حدثا حتى تأتيني ". فذهبت فواريته ثم جئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي. مسلم عن عبد الله بن الحارث قال: سمعت العباس يقول: قلت: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل ينفعه ذلك؟ قال: " نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضَحضَاح ". مسلم عن أبي سعيد الخدريِّ أن رسول الله ﷺ ذُكر عند عمُّه أبو طالب فقال: " لعلَّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ". مسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه ".
ولما توفي أبو طالب وتوفيت خديجة بعده بأيام يسيرة خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، وطلب منهم المنعَة، فأقام عندهم شهرا، ولم يجد فيهم خيرا. ثم رجع إلى مكة في جوار المُطعِم بن عديّ. قيل: كان ذلك سنة إحدى وخمسين من الفيل. وفيها قَدِمَ عليه جنٌّ نصيبينَ بعد ثلاثة أشهر فأسلموا.
وأُسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس بعد سنة ونصف من حين رجوعه إلى مكة من الطائف، كذا في " الإستيعاب ". وقيل: إن الإسراء كان قبل موت أبي طالب وخديجة قال ابن إسحاق وغيره. ودخل ﷺ المدينة مُهاجرا يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ونزل على أبي قيس كلثوم بن الهِدْم بن امرئ القيس أحد بني عمرو ابن عوف، فأقام عنده أربعة أيام، وخرج من بني عمرو بن عوف منتقلا إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاَّها في بطن الوادي، ثم احتل المدينة فنزل على أبي أيوب خالد بن زيد بن كُليب الأنصاريّ النجاري، فلم يزل عنده حتى بُني مسجده ومساكنه، ثم انتقل إليها، وذلك في السنة الأولى من هجرته. وقيل: إنه نزل في بني عمرو بن عوف من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة، ثم خرج من عندهم غداة يوم الجمعة على راحلته معه الناس حتى مرّ ببني سالم بن عوف
[ ٢ / ٥٥ ]
لوقت الجمعة، فجمع بهم. وهي أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ بالمدينة. وكانت خطبته في هذه الجمعة الخطبة التي ذكرها الطبريُّ في تاريخه الكبير. الطبريُّ: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: نا ابن وهب قال " حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجُمحيُّ أنه بلغه أن خطبة رسول الله ﷺ في أول جمعة صلاّها بالمدينة في بني سالم بن عوف: " الحمد لله أحمَدهُ وأستعينُهُ، وأستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفُرُه، وأشهد أن لا إلى إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرًُسل وقِلَّة من العلم وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوِّ الساعة، وقُرب الأجل. مَن يُطِع الله ورسوله فقد رَشَد، ومَن يَعصِهِما فقد غوى وفرط وضلَّ ضلالا بعيدا. أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحضَّه على الآخرة، أو أن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرا. وإن تقوى الله لِمَن عَمِل به على وجل ومخافة من ربِّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة. ومَن يُصلح بينه وبين الله من أمره في السِّر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكُن له ذِكرًا في عاجل أمره، وذُخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدَّم وما كان من سوى ذلك، يَودُّ أن لو بينه وبينه أمدا بعيدا. ويُحذِّركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد، والذي صَدَقَ قَولُه ونَجَز وعدَهُ، ولا خُلْفَ لذلك فإنه يقول ﷿: ما يُبَدَّل القول لديَّ وما أنا بظلاَّم للعبيد، فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السِّر والعلانية، فإن من يتَّق الله يُكَفِّر عنه سيئاته، ويُعْظِم له أجرا. ومن يَتَّق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإنَّ تقوى الله يوقي مَقْتَه، ويؤمن عقوبته ويوقي سخطَه، وإنَّ تقوى الله يُبيِّض الوجوه، ويُرضي الربَّ، ويرفعه الدرجة. خُذوا بِحظِّكم ولا تُفرطوا في جنب الله فقد علمكم الله كتابه ونَهَجَ لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه، وجاهدوا في سبيل الله حقَّ جهاده، هو اجتباكم وسمَّاكم المسلمين من قَبلْ ليَهلِك من هَلَكَ عن بيِّنة ويَحيَا من حَي عن بيِّنة، ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لِما بعد اليوم، فإنه من يُصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأنَّ الله
[ ٢ / ٥٦ ]
يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم ".
ثم ركب رسول الله ﷺ لمَّا صلى الجمعة لا يحرِّك راحلة، يقول: " دعوها فإنها مأمورة ". فمشت حتى بركت في موضع مسجده الذي أنزله الله به في بني النجار، وكان مربدا لغلامين يتيمين من بني النجار " سهل وسهيل " ابني عمرو، وكانا في حجر معاذ بن عفراْ. فنزل عشية الجمعة، ومن مقدمته المدينة أرِّخ التاريخ في زمن عمر ﵁.
ولم يغز رسول الله رسول الله ﷺ في تلك السنة، وآخى بين المهاجرين والأنصار بعد ذلك بخمسة أشهر. وبعث حمزة عمَّه في جمادى الأولى في السنة الثانية، فكان أول من غزا النبي في سبيل الله، وأول من عقدت له راية في الإسلام. خرج في ثلاثين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، إلى سيف البحر، فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة من قريش، فحجز بينهم مجدُّي بن عمرو، وكان موادعًا للفريقين. ثمَّ بعث عبيدة بن الحارث بن عبد المطلِّب ابن عبد مناف في خمسين راكبا، يعارض عيرا لقريش، فلقوا جمعا كثيرا، فتراموا بالنَّبل، ولم تكن بينهم مسايفة. ثم بعث عبد الله بن جحش في سنة اثنتين إلى نخلة في آخر جمادى الآخرة، وفيها قتل ابن الحضرمي عمرو لليلة بقيت من جمادى الآخرة.
وفي السنة الثانية من الهجرة صرف الله تعالى ذكره قبلة المسلمين من الشام إلى الكعبة في شعبان. الطبري: حدّثنا ابن حُمَيد قال: نا سَلَمَةُ عن ابن إسحاق قال: صُرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله ﷺ المدينة. وحُدِّثتُ عن ابن سعد عن الواقديِّ مثل ذلك، وقال: صُرفت القبلة في الظُّهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان.
قال الطبري: وفي هذه السنة فُرض، فيما ذُكِر، صوم شهر رمضان، قيل: إنه فُرض في شعبان منها. وفيها، أُمِر الناس بإخراج زكاة الفطر. وقيل: أن النبي ﷺ خطب الناس قبل افطر بيوم أو يومين، وأمرهم بذلك. وفيها، فيما ذُكر، حُمِلَت العنزة له إلى المُصلَّى، فصلى إليها وكانت للزبير ابن العوَّام،
[ ٢ / ٥٧ ]
كان النجاشيُّ وهبها له، فكانت تُحمل بين يديه في الأعياد، وهي اليوم، فيما بَلَغَني عند المؤذِّنين.
وكانت بعوثه وسراياه خمسا وثلاثين بين بعث وسَريَّة. وكانت غزواته بنفسه ﷺ ستا وعشرين غزوة. هذا أكثر ما قيل في ذلك. وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله والمسلمين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل الله صناديد قريش، وأظهر دينه من يومئذ. وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان، وليس يعدلها في الفضل إلا غزوة الحُديبية، حيث كانت بيعة الرِّضوان. وكان أمر بني قُينَقاع وقَتْلُ كعب بن الأشرف بين بدر ولأُحُد. وكانت غزوة أحد في النصف من شوال سنة ثلاث يوم السبت. وغزوة بني النَّضير في ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة. وغزوة ذات الرِّقاع في جمادى الأولى من هذه السنة، وفيها كانت صلاة الخوف. وغزوة الخندق في شوَّال من السنة الخامسة. وغزوة بني قُريظة. وقتلُ أبي رافع سَلاَّم بن أُبَي الحقيق اليهودي بعد أمر قريظة. وغزوة بني لِحيَان من هُذيل في جُمادى الأولى من السنة السادسة. وغزوة قَرَدٍ بعدها بِليال قلائل. وغزوة بني المُصطَلِق في شعبان من هذه السنة، وفيها كان حديث الإفك، وفيها قال عبد الله بن أُبَي: لئِن رجعنا إلى المدينة ليُخرَجَنَّ الأعَزُّ منها الأذلُّ. وعمرة الحديبية في ذي القعدة من هذه السنة. وغزوة خيبر في آخر المحرَّم، ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام. وعمرة القضاء، ويقال لها أيضا عمرة القِصاص في ذي القعدة من السنة السابعة، وفيها تزوج ميمونة بنت الحارث. وكان بَعثُ مُؤتَة في جُمادى الآخرة من سنة ثمان، وأمَّر على الجيش زيد ابن حارثة مولاه. وقال: " إن أُصيب فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحة ". فقُتِلوا جميعا ﵃. وغزوة فتح مكة سنة ثمان في شهر رمضان لعشرين بقين منه. وكانت غزوة حُنَين للوقيعة بهوازن في أول شوال من السنة الثامنة، وشهدها في اثني عشر ألفا من المسلمين؛ عشرة آلاف دخل بهم مكة، وألفين من مُسلمة الفتح. وكانت هوازن في أربعين ألفا قائدهم مالك بن عوف النَّصريُّ من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. وكانت غزوة الطائف إثر غزوة حُنين.
[ ٢ / ٥٨ ]
وأقام الحجَّ للناس في سنة ثمان عُتَّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: وهو أول أمير أقام الحجُّ في الإسلام. وحجَّ المشركون على مشاعرهم، وكان عتاب شابا خيِّرا فاضلا ورعا. وآخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ غزوة تبوك غزاها في الحرّ الشديد. وفيها افتُخح المنافقون واعتذروا، فلم يقبل الله عذرهم، وتاب الله فيها على الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ وهم: كعب بن مالك السَّلميُّ الخزرجيُّ من بني سَلَمَة بن سعد، وهلال بن أميَّة الواقفيُّ الأوسيُّ، ومُرارة بن الربيع العَمريُّ من بني عمرو بن عوف الأوسي ﵃. وكانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع.
وفي سنة تسع حجَّ أبو بكر الصدّيق بالناس، وأنزلت سورة براءة بعد ما سار أبو بكر فبعث النبيُّ ﵇ عليّا ﵁ في إثره، فقرأها على الناس في تلك الحجَّة، وأعطى لكلِّ ذي عهد عهده إلى مُدَّته.