ابن عم رسول الله ﷺ القريب القرابة. وهو أول من آمن بالنبيِّ ﵇ من الصِّبيان. قيل إنه أسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، روى ذلك نافع عن ابن عمر. وقيل إنه أسلم وهو ابن عشر سنين، قال ابن إسحاق. وذكر أبو زيد عمر بن شبه قال: نا سُريج بن النعمان قال: نا الفرات بن السائب عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر قال: أسلم عليُّ بن أبي طالب وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وهذا أصحُّ ما قيل في ذلك. وقد روي عن ابن عمر من وجهين جيِّدين.
وروى شُعبة عن سلمة بن كُهيل عن حبَّة العرنيُّ قال: سمعت عليا يقول: أنا أول من صلى مع رسول الله ﷺ. وقال زيد بن أرقم: أول من آمن بالله بعد رسول الله ﷺ عليُّ بن أبي طالب. وعن أنس بن مالك قال: استُنبئ النبيُّ ﵇ يوم الاثنين، وصلَّى عليٌّ يوم الثلاثاء. وروى سفيان الثوريُّ عن سلمة بن كُهَيل، عن أبي صادق، عن حَنَش المُعتمِر، عن عُليم الكندي، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول
[ ٢ / ١٩١ ]
الله ﷺ: " أوَّلكم ورودا عليَّ الحوض أولكم إسلاما عليُّ بن أبي طالب ".
وحدَّث عبد العزيز بن محمد الدَّراورديُّ قال: حدثني عمر مولى عُفرة قال: سُئل محمد بن كعب القُرظيُّ عن أول من أسلم عليٌّ أو أبو بكر. قال: سبحان الله عليٌّ أولهما إسلاما. وعن معاذة بنت عبد الله العدويَّة قالت: سمعت عليَّ بن أبي طالب على منبر البصرة وهو يقول: " أنا الصدِّيق الأكبر، آمنتُ قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمتُ قبل أن يُسلم ".
وروى إبراهيم بن سعد الزُّهريُّ عن ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث، عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكنديِّ، عن أبيه، عن جده قال: كنتُ امرأ تاجرا. فقدمت الحجَّ، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرأ تاجرا. فوالله إني لعنده إذ خرج رجل من خِباء في بيت، فنظر إلى الشمس. فلما رآها قد مالت قام يصلِّي. قال: ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامت خلفه تصلي. ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء، فقام معه يصلي. فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي. قلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة بنت خويلد. قلت: من هذا الفتى؟ قال: عليٌّ بن أبي طالب ابن عمه. قلت: ما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي. وهو يزعم أنه نبيٌّ، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الغلام وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. فكان عفيف يقول، وقد أسلم بعد ذلك، وقد حسُن إسلامه: لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثانيا مع علي.
وقال مجاهد بن جبر أبو الحجاج: كان من نعمة الله تعالى على عليٍّ بن
[ ٢ / ١٩٢ ]
أبي طالب، وممَّا صنع الله تعالى له، وأراد به من الخير أن قريشا قد أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمِّه، وكان من أيسر بني هاشم: " يا عباس إنَّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة. فانطلق بنا إليه، فلنخفِّف من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت رجلا، فنكفيهما عنه ".
قال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفِّف عنك من عيالك، حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله ﷺ عليا فضمَّه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمَّه إليه. فلم يزل عليٌّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا، فاتَّبعه علي، وآمن به وصدَّقه. ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.
وذُكر أن رسول الله ﷺ في أول الإسلام كان إذا حضرته الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصلِّيان الصلوات فيها. فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله تعالى أن يمكثا.
ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما، وهما يصلِّيان. فقال رسول الله ﷺ: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: " أي عمِّ، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم ". أو كما قال ﷺ: " بعثني الله به رسولا إلى العباد. وأنت أي عمِّ أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه "، أو كما قال. فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت. وقال لعلي بن أبي طالب: أي بنيَّ، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت، آمنت برسول الله ﷺ، وصدَّقته بما جاء به، وصليت معه لله تعالى،
[ ٢ / ١٩٣ ]
واتَّبعته. فزعموا أنه قال له: أمَّا إنه لم يدعك إلا إلى خير فألزمه.
وروى سلمة بن كُهيل عن حَبَّة بن جُوين قال: سمعت عليا ﵁ يقول: " لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين ".
ولمّا دبَّرت قريش في دار النَّدوة في رسول الله ﷺ قبل الهجرة بيسير ما دبَّرت، وأرادوا المكر به، ومعهم إبليس في صورة شيخ نجديٍّ، أتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ناموا، فيثبون عليه. فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: " نم على فراشي، وتسجَّ بردي هذا الحضرميَّ الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيْ تكرهه منهم ".
قال محمدُ بن كعب القرظيُّ: اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام فقال، وهم على بابه: إن محمد يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بُعثتم من بعد موتكم، فجُعلت لكم جنان كجنان الأُردنِّ، وإن لم تفعلوا كان لكم فيه ذبح، ثم بُعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم نار تُحرقون فيها. قال: وخرج عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: " نعم، أنا أقول ذلك، أنت أحدهم ". وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه، فلا يرونه. فجعل ينثو ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس:) يس والقرآن الحكيم إنَّك لَمِنَ المُرسلين (إلى قوله تعالى:) وجَعانا من بين أيديهمْ سدًا ومن خلفهم سَدًَا فأغْشيناهم فهم لا يُبصرون (حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا. ثم انصرف إلى حيث أراد. فأتاهم آت ممَّن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمد. قال: خيَّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منهم رجلا إلا وقد وضع
[ ٢ / ١٩٤ ]
على رأسه تُرابا، وانطلق لحاجته. أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كلُّ رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب. ثم جعلوا يطَّلعون فيرون عليا على الفراش متسحِّيا ببرد رسول الله ﷺ. فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه بردُه. قال: فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي عن الفراش. فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي كان حدَّثنا. وكان ممَّا أنزل الله تعالى من القرآن في ذلك اليوم، ما كانوا أجمعوا له من المكر بالنبي ﵇:) وإذ يمكرُ بك الذينَ كفروا لِيُثْبِتوكَ أو يُخرِجوكَ ويَمكُرون ويمكرُ اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين (.
ولما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أقام علي بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدَّى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس أمره بذلك ﷺ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﷺ، فنزل معه على كُلثوم بن هدم الأوسي.
وأجمع رواة الآثار على أن عليا صلَّى القبلتين، وهاجر، وشهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد، وأنه أبلى ببدر وبأُحد والخندق وخيبر بلاء عظيما، وأنه أغنى في تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم، وكان لواء رسول الله ﷺ بيده في مواطن كثيرة. وكان يوم بدر بيده على اختلاف في ذلك.
لما قتل مصعب بن عمير يوم أحد وكان اللواء بيده دفعه رسول الله صلى
[ ٢ / ١٩٥ ]
الله عليه وسلم إلى علي. وشهد بدرا وهو ابن خمس وعشرين سنة، قاله ابن إسحاق.
وذكر ابن السرَّاج في تاريخه عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: دفع رسول الله ﷺ الراية يوم بدر إلى علي، وهو ابن عشرين سنة.
ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول الله ﷺ مُذ قَدِم المدينة إلا في غزوة تبوك، خلَّفه رسول الله ﷺ على عياله، وقال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبيَّ بعدي ". وروى قوله ﵇ لعليٍّ: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " جماعة من الصحابة، وهو من أثبت الآثار وأصحها. رواه عن النبي ﷺ: سعد بن أبي وقاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جدا، وقد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره. ورواه جابر بن عبد الله، وأسماء بنت عميس، وابن عباس، وأبو سعيد الخدريُّ، وأمُّ سلمة.
الترمذيُّ: حدثنا القاسم بن دينار الكوفيُّ: نا أبو نُعيم، عن عبد السلام بن حرب، عن يحيى بن سعيد بن المسيَّب، عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ". قال هذا حديث حسن صحيح.
الترمذيُّ: حدثنا محمود بن غَيلان: نا أحمد الزبيريُّ: نا شريك عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله أن النبيَّ ﷺ قال لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي ".
وحدَّث يحيى بن معين قال: نا مروان بن معاوية الفزاري، عن موسى
[ ٢ / ١٩٦ ]
الجُهَنيِّ، عن فاطمة بنت علي قالت: سمعت أسماء بنت عميس تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبيٌّ ".