ابن أبي العاصي بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف. يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مناف وأمُّه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف. وأُمُّها أمُّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. فأمه بنت عمّة رسول الله ﷺ، ويُنسب عثمان إلى أمية بن عبد شمس، وهو سيِّد بني أميَّة وأفضلهم ﵁.
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام أخي حسان بن ثابت، ووالد شدَّاد بن أوس فلذلك كان حسان يبكيه وحين قُتل ﵁. وكان يُدعى ذا النُّورين من أجل رُقيَّة وأمُّ كلثوم بنتي رسول الله ﷺ، فإنه تزوجهما واحدة بعد الأخرى. وتوفيَّتا عنده ﵁ وعنهما. وقال له رسول الله ﷺ: " لو كان عندي غيرهما لزوَّجتُكها ".
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " سألت ربي ﷿ أن لا يدخل النار أحدا صاهر إليَّ أو صاهرت إليه ".
وقال سهل بن سعيد: ارتجَّ أُحُد وعليه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال رسول الله ﷺ: " اثبت فإنَّما عليك نبيُّ وصدِّيق وشهيدان ". وقال ابن مسعود حين بويع عثمان بالخلافة: بايعنا خيرنا ولم نألُ.
ولم يشهد بدرا لتخلفه على تمريض زوجه رُقيَّة، كانت عليلة. فأمره رسول الله ﷺ بالتخلُّف عليها، وضرب له بسهمه وأجره. فهو معدود في البدريين لذلك.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وتزوَّج عثمان رُقيَّة بمكة حين فارقها عُتبة بن أبي لهب. وهاجرت معه إلى أرض الحبشة. وولد له منها غلام سماه عبد الله. واكتنى به. فبلغ ست سنين فنقر عينه ديك فتورَّم وجهه ومرض ومات. وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة أربعة من الهجرة، وصلَّى عليه رسول الله ﷺ، ونزل في حفرته أبوه عثمان ﵀.
وماتت رُقيَّة سنة ثنتين من الهجرة حين أتى خبر رسول الله ﷺ بما فتح الله عليه يوم بدر. وتزوَّج بعدها أختها أمُّ كلثوم في ربيع الأول من السنة الثالثة من الهجرة. وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة. وتوفيت أمُّ كلثوم سنة تسع من الهجرة، وصلَّى عليها أبوها رسول الله ﷺ، ونزل في حفرتها عليٌّ والفضل وأسامة بن زيد. وغسَّلتها أسماء بنت عُميس وصفية بنت عبد المطلب. وشهدت أمُّ عطية الأنصارية غسلها. واسمها نسيبة بن الحارث. وحكت قول رسول الله ﷺ: " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر " الحديث.
ومن أجله كانت بيعة الرضوان بالحديبية، حين أتى رسول الله ﷺ الخبر الكاذب بأن عثمان قد قُتِل. فجمع أصحابه فبايعوه على قتال أهل مكة يومئذ. وبايع رسول الله ﷺ عن عثمان حينئذ بإحدى يديه للأخرى. وروي عن ابن عمر أنه قال: " يدُ رسول الله ﷺ خير من يد عثمان لنفسه ". وروي عن عثمان عبد الله بن موهَب أن رجلا من أهل مصر حجَّ البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء؟ قالوا: قريش. قال: فمن هذا الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدِّثنيه أنشدك بربِّ هذا البيت. أتعلم أن عثمان فرَّ يوم أُحُد؟ قال: نعم. قال: أتعلم أنه تغيَّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: أتعلم أنه تغيّب يوم بدر فلم يشهده؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. فقال ابن عمر: تعال أبيِّن لك ما سألت. أمَّا فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأمَّا تغيُّبه يوم بدر فإنه كانت عنده " أو تحته " ابنة رسول الله ﷺ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: " لك أجر رجل شهد بدرا وسهمه " وأمَّا تغيُّبه عن بيعة الرضوان فلو كان
[ ٢ / ١٧٠ ]
أحد أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه رسول الله ﷺ مكان عثمان. فبعث رسول الله ﷺ عثمان. وكانت بيعة الرِّضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة. فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى " هذه يد عثمان " ضرب بها على يده فقال: " هذه لعثمان " فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك.
الترمذيّ: حدثنا أحمد بن عبدة الضَّبيُّ: نا حمَّاد بن زيد عن أيُّوب، عن أبي عثمان النَّهديَّ، عن أبي موسى الأشعريِّ. قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ، فدخل حائطا للأنصار يقضي حاجته فقال لي: " يا أبا موسى أملِكَ عليَّ الباب، فلا يدخلن عليَّ أحد إلا بإذن " فجاء رجل يضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، قال: " إئذن له وبشِّره بالجنَّة ". فدخل وبشَّرته. وجاء رجل آخر فضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر. فقلت: يا رسول الله هذا عمر يستأذن. فقال: " افتح له وبشِّره بالجنة ". ففتحت الباب ودخل وبشَّرته بالجنَّة. فجاء رجل آخر وضرب الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان. قلت: يا رسول الله هذا عثمان يستأذن. قال: " افتح له وبشِّره بالجنة على بلوى تصيبه ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي عن غير وجه، عن أبي عثمان النَّهديّ. وخرَّجه مسلم عن أبي عثمان بمعناه، وفي آخره زيادة قالها عثمان حين بُشِّر بالجنَّة على بلوى تكون: اللهمَّ صبرا والله المستعان. وخرَّجه مسلم أيضا عن سعيد بن المسيَّب عن أبي موسى.
مسلم حدَّثنا محمد بن مسكين اليماميُّ قال: نا يحيى بن حسان قال: نا سليمان، وهو ابن بلال عن شريك بن أبي نَمِر، عن سعيد بن المُسيَّب قال: أخبرني أبو موسى الأشعريُّ أنه توضّأ في بيته ثم خرج فقال: لألزمنَّ رسول الله ﷺ، ولأكوننَّ معه يومي هذا. قال فجاء المسجد فسأل عن النبيِّ ﷺ فقالوا: خرج وجه هاهنا. قال: فخرجتُ على أثره أسأل عنه حتّى دخل بئر أريس. قال: فجلست عند الباب، وبابها من جريد حتّى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضّأ، فقمت إليه، فإذا هو
[ ٢ / ١٧١ ]
قد جلس على بئر أريس، وتوسَّط قُفَّها، وكشف عن ساقيه ودلاَّهما في البئر. قال: فسلَّمت عليه ثم انصرفت، فجلستُ عند الباب، فقلت: لأكوننَّ بواب رسول الله ﷺ اليوم. فجاء أبو بكر، فدفع الباب: فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك. قال: ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن. فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة ". قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر. أدخل ورسول الله يبشِّرك بالجنَّة. قال: فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القفِّ ودلَّى برجليه في البئر، كما صنع النبيَّ ﷺ، وكشف عن ساقيه. ثم رجعت فجلست وتركت أخي يتوضأ ويلحقني. فقلت: إن يُرد الله بفلان يريد أخاه خيرا يأت به. فإذا إنسان يحرِّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقلت: على رسلك. ثم جئت إلى رسول الله ﷺ، فسلَّمتُ عليه وقلت: هذا عمر يستأذن. فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة ". فجئت عمر فقلت: أذِن ويبشِّرك رسول الله ﷺ بالجنَّة. فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القفِّ عن يساره، ودلَّى رجليه في البئر. ثم رجعت فجلست فقلت: إن يُرد الله بفلان يعني أخاه يأت به. فجاء إنسان فحرَّك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان. فقلت: على رسلك. قال: وجئت النبيّ ﷺ فأخبرته فقال: " إيذن له، وبشِّره بالجنَّة مع بلوى تصيبه ". قال: فجئت فقلت: ادخل وبشَّرك رسول الله ﷺ بالجنَّة مع بلوى تصيبك. قال: فوجد القفَّ قد مُلئ، فجلس وجاههم من الشقِّ الآخر. قال شريك: فقال سعيد بن المسيَّب: فأوَّلتها قبورهم. وفي طريق آخر لمسلم، قال ابن المسيَّب: فتأوَّلت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا
ويروى عن عبيد الله بن عمر أنه قال في قوله ﷿ في هذه الآية:) أمَّنْ هُوَ قانتٌ آناءَ الليل ساجدًا وقائمًا يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّه (أنها نزلت في عثمان ﵁. وقال علي: كان عثمان أوصلنا للرَّحم، وكان
[ ٢ / ١٧٢ ]
من الذين آمنوا ثم اتَّقوا وأحسنوا والله يحبُّ المحسنين.
وعثمان أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة وأحد الستَّة الذين جعل عمر فيهم الشورى. وأُخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض. وقال رسول الله ﷺ: " إن الله مقمِّصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه ". وقال فيه ﵇ لعائشة حين دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف عن فخذيه فلم يغطِّهما، فلما دخل عثمان غطَّاهما: " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ ". خرَّج الحديث مسلم. وقال ﵁: ما تغنَّيت وما تمنَّيت ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ.
وجهَّز جيش العسرة بألف بعير وستين فرسا. روى ذلك قتادة. وقال غيره: جهَّز جيش العسرة بتسعمئة بعير وخمسين بعيرا، وأتمَّ الألف بخمسين فرسا. واشترى بئر رومة بعشرين ألف درهم، فجعلها للمسلمين وكانت ركيَّة ليهودي حين قال رسول الله ﷺ: " من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة ". وقال رسول الله ﷺ: " من يزيدنا في مسجدنا؟ " فاشترى عثمان موضع خمسين سوار فزاده في المسجد.
وهو أحد القراء الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ من المهاجرين، وجمعه في خلافته على حرف واحد، وهي القراءات السبع التي يُقرأ بها إلى الآن في الأمصار، بعدما جمعه أبو بكر بين اللوحين. وسبب ذلك ما نذكره أحسن ذكر عن الثقات من الأئمة. حدَّث عليُّ بن عبد العزيز رواية أبي عبيد قال: نا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: نا عبد المطلب بن زياد عن السَّدِّي، عن عبد خير قال: أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر. وعن هشام بن عروة، عن أبيه أن أبا بكر الصديق أول من جمع القرآن في المصاحف حين قُتل أصحاب اليمامة، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقال ابن شهاب: أخبرني أنس عن مالك أن حذيفة بن اليمان قَدِم على عثمان، وكانوا يقاتلون على مَرَج أرمينية فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين إني قد سمعت الناس قد اختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى. حتى إن الرجل ليقوم فيقول: هذه قراءة فلان. فقال: فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالصحف فننسخها في المصاحف، ثم نردَّها إليك. قال: فأرسلت إليه في الصحف قال: فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد الله بن عمرو بن العاصي وإلى عبد الله بن الزبير وإلى ابن عباس وإلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد. وقال للقرشيين: إن اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على لسان قريش، فإنما نزل بلسان قريش. قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء، ثم نجمع أمرنا على رأي واحد. فاختلفوا في " التابوت "، فقال زيد: التابوه، وقال النفر القرشيون: التابوت، قال: فأبيت أن أرجع إليهم، وأبوا أن يرجعوا إليَّ، حتى رفعنا ذلك إلى عثمان، فقال عثمان: اكتبوه التابوت، فإنَّما أُنزل القرآن على لسان قريش. قال زيد: فذكرت آية سمعتها من رسول الله ﷺ لم أجدها عند أحد حتى وجدتها عند رجل من الأنصار؛ خُزيمة بن ثابت:) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنِتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم (.
قال ابن شهاب: قال أنس: فردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وألغى ما سوى ذلك من المصاحف. وحدَّث عليُّ بن عبد العزيز قال: نا القاسم بن سلام قال: نا ابن مهدي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس حين شقَّق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يعب ذلك أحد. قال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان المقرئ المدائنيُّ الحافظ يرحمه الله: أكثر العلماء على أن عثمان بن عفَّان ﵁ لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كلِّ ناحية من النواحي بواحدة منهنَّ. فوجَّه إلى الكوفة إحداهنَّ، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة، وهذا هو القول الأصحُّ، وعليه الأئمة.
وفي أيام عثمان استفتحت بلاد فارس وطبرستان وكرمان وسجستان
[ ٢ / ١٧٤ ]
وذرابجرذ الأسادرة في البحر. ثم كانت مروٌ على يدي عبد الله بن عامر بن كُرير، واستُفتحت أيضا أفريقيَّة في أيامه سنة سبع وعشرين على يدي عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وامتلأت أيدي الناس من الأموال من الفتوحات العظيمة التي فتح الله عليه. قال ابن سيرين: كثُر المال في زمن عثمان حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمئة ألف درهم، ونخلة بألف درهم.
وقال مبارك بن فَضالة: سمعت الحسن يقول: سمعت عثمان يخطب يقول: يا أيها الناس ما تنقمون على، وما من يوم إلا وأنتم تقسمون فيه خيرا؟