وهو أيادٌ الأكبر بن مَعدِّ بن عدنان.
[ ١ / ٤٥٢ ]
فمن إياد أبو دُؤاد جارية بن الحجاج الإياديُّ من بني زهر بن إياد. وأبو دؤاد هو القائل:
وفُتُوٍّ حَسَنٍ أَوجُهُهمْ من إياد بن نزارِ بن مَعَدْ
وإخوة زُهر بن ايادٍ: دُعمي ونمارة وثعلبة. فولد نمارة الطمَّاح، ولبنيه يقول عمرو بن كُلثوم التَّغلبيُّ:
ألا أبلغْ بني الطمَّاح عنا ودُعْميًَا، فكيف وجدْتُمونا؟
ومن دُعمي لقيطُ بن معبد الشاعر: قال ابن الأعرابي: هو لقيط بن معبد بن خارجة بن معبد بن حُطيط بن غَوثان بن الهَون بن وائلة بن الطَّمثان ابن عوذ مناة بن يقدم بن أفضى بن دُعمي. وقال عليُّ بن صالح: هو لقيط بن حيَّة. وهو القائل القصيدة البديعة المحكمة على قافية العين، يحذَّر فيها قومه إيادًا كسرى وجنوده، ويصف لهم الاستعداد للحرب بأبلغ وصفٍ، وأول القصيدة:
يا دار عَمرة من محتلِّها الجَرَعا هاجت ليَ الهمَّ والأحزان والجَزَعا
تامَتْ فؤادي بذاتِ الجِزع خَرْعبةٌ مرَّتْ تُريدُ بذاتِ العَذْبةِ البِيعَا
جرَّت لمِا بيننا حبلَ الشَّموسِ فلا يأسًا مُبينًا نَرى منها ولا طَمعا
[ ١ / ٤٥٣ ]
ومن إياد قسُّ بن ساعدة الإياديُّ: خطيب العرب وحكيمها، وعُمِّر ثلاثمئة سنة، وزاد عليها سنين. وقيل إنه أدرك رأس الحَواريين " شَمعون الصَّفا ". وكان مُوحِّدًا لله ﷿ في الجاهلية. ورآه النبيُّ ﷺ بسوق عكاظ يخطب الناس قبل أن يُبعث. وهو القائل في ذلك اليوم الذي رآه رسول الله ﷺ يخطب:
في الذاهبينَ الأوّلي ن من القرون لنا بصائرْ
لمّا رأيتُ مواردًا للموت ليس لها مصادرْ
ورأيتُ قومي نحوها يمضي الأكابرُ والأصاغرْ
لا يَرجعُ الماضي ولا يبقَى من الباقين غابِرْ
أَيقنتُ أني لا مَحا لةَ حيث صار القومُ صائرْ
وقال محمدُ بن حبيب: زعموا أن قسًا أولُ من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكَّأ على عصًا، وأول من قال: " أما بعدُ " من العرب. وعثمرِّ ثمانين ومئة سنةً. وقيل: إن أول من قال: " أما بعدُ " كعب بن لؤي، وقد تقدَّم ذلك.
ومن إياد كعب بن مامة الإياديُّ: وكان أحد أجواد العرب. وكان سافر ورفيقه رجلٌ من النمر بن قاسطٍ، فقلَّ عليهما الماء، فتصافنا. والتصافنُ: أن يُطرح في الماء حجر، ثمَّ يُصبُّ فيه من الماء ما يَغمرُه لئلا يتغابنوا. فجعل النَّمريُّ يشرب نصيبه. فإذا أخذ كعب نصيبه قال: اسق أخاك النَّمريَّ، فيؤثره. حتى جُهد كعب، ورُفِّعت له أعلام الماء. فقيل له: رشدْ ولا ورود، فمات عطشًا. ففي ذلك يقول أبو دؤاد الإياديُّ:
أَوفَى على الماءِ كعبٌ ثم قيل له: رِدْ كعبُ إنك وَرَّادٌ. فما وَرَدا
[ ١ / ٤٥٤ ]
فضُرب به المثلُ. وقال جرير في كلمته التي يمدح فيها عمر بن عبد العزيز:
يعودُ الفضلُ منك على قريشٍ وتَفرِجُ عنهم الكُرَبَ الشِّدادا
وقد أمَّنتَ وحشَهمُ برفقٍ ويُعْيِي الناسَ وحشُكَ إنْ يُصادا
وتَبنى المجدَ يا عمر بن ليلى وتَكفى المجمل السَّنةَ الجَمادا
وتَدعو اللهَ مُجتهدًا ليرضَى وتَذكرُ في رعيَّتكَ المَعَادا
وما كعبُ بنُ مامةَ وابنُ سُعدى بأجودَ منكَ يا عمرُ الجوادا
ابن سُعدى: هو أوس بن حارثة بن لأْمٍ الطائيُّ، وكان سيِّدًا مُقدَّمًا.
ومن بني زُهر بن إياد أبو عبد الله أحمد بن دُؤادٍ: القاضي، وكان قاضيَ قُضاة أبي إسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد. وقضى أيضًا لابنه أبي جعفر هارون الواثق. وكان ابن أبي دؤاد من العَدلية القائلين بخلق القرآن، يراهُ دينًا يقتلُ عليه من خالفه. وامتحن على القول بقوله في خلق القرآن خلقُ كثير في أيام المعتصم والواثق.
منهم الإمام الرِّضي أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حَنبل بن هلال الشَّيبانيُّ: من بني شيبان، من ربيعة، من أنفسهم. وضربه المعتصم بمحضر ابن أبي دُؤاد بعدما خَصم ابن أبي دؤاد وأفحمه، كما صنع عبد العزيز بن يحيى
[ ١ / ٤٥٥ ]
الكنانيُّ صاحبُ الشافعيُّ واضعُ " الحَيدة " مع بشر المريسيَّ بمجلس المأمون عبد الله بن الرشيد. وفي أيام المأمون قيل بخلق القرآن، وقال به، وامتحن أيضًا عليه. إلا أنه كان حليمًا، إذ أبان له وضوح حجَّة انقاد إليها، وإن كان يخالفها. وكان بشر رجل سوء. قال الأزدي الموصليُّ الحافظ في، " كتاب الضعفاء المتروكين " له: بشر بن غياث المريسيُّ صاحب رأي لا يقبل له قول، كان كافرًا بقوله: القرآن مخلوق. وقال أبو خالد يزيد بن هارون الواسطيُّ: حرَّضت أهل بغداد على قتل بشر المريسيُّ غير مرِّة. ويزيد بن هارون من جلَّة المحدَّثين. يروى عن إسماعيل بن أبي خالد، وحُميد الطويل، وإبراهيم بن سعد الزهريِّ ومالكٍ. ورى عنه أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى التميميُّ وأبو خيثمة زهير بن حرب بن وعمر بن محمد الناقد. وكان زيد مولي لبني سليم. وُلد سنة ثمان عشرة ومئة، ومات بواسط سنة ستٍ ومئتين بخلافة المأمون.
وممَّن امتحن ابن أبي داود على القول بخلق القرآن أبا يعقوب يوسف بن يحيى البويطيَّ: من أصحاب الشافعيُّ. وكان حمل من مصر إلى بغداد، ومات في السِّجن، والقيدُ في رجليه، سنة أحدى وثلاثين ومئتين في خلافة الواثق. وقال أبو يحيى زكرياءُ بن يحيى الساجيُّ البصريُّ في كتابة: كان أبو يعقوب البُويطيُّ إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يَبلُغ باب السجن،، فيقول له السجان: أين تريدُ؟ فيقول: أُجيب داعي الله! فيقول: ارجع عافاك الله. فيقول أبو يعقوب: اللهمَّ إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني.
وقال الشافعيُّ: ليس أحدُ أحقَّ بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس من أصحابي أعلم منه. ورُوي عنه قال: أبو يعقوب لساني. وقال الربيعُ بن سليمان المؤذِّنُ المُراديُّ: كان البُويطيُّ أبدًا يحرِّك شفتيه بذكر الله تعالى، وما رأيتُ أحدًا أنزع لحجةٍ من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البُويطيِّ.
وممَّن امتحن ابن أبي دؤاد أيضًا أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصريَّ: حُمل من مصر إلى بغداد، ولم يُجب ما طُلب منه. وانتهت إليه الرياسةُ بمصر. ومات بعد نيِّفٍ وستين ومئتين. وكان فقيهًا محدِّثًا. روى عن ابن
[ ١ / ٤٥٦ ]
وهبٍ وشُعيب بن اللَّيث بن سعد. قال النَّسائي: هو صدوق لا بأس به. وقال ابن أبي حاتم: روى عنه أبي، وكتبتُ عنه. وهو صدوق ثقة.
وأبوه عبد الله بن الحكم: كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضت إليه الرياسة بعد أشهب. ويقال إنه دفع إلى الشافعي ألف دينار من ماله، ومن تاجر موسر ألف دينار، ومن رجلين آخرين ألف دينار. وكان الشافعيُّ مُحِبًّا في مصر. فقال شوقًا إليها:
لقد أصبحت نفسي تَتوقُ إلى مصر ومن دونها قطْعُ المهامةِ والقَفرِ
فواللهِ ما أَدري أللفَوزِ بالغنى أُساق إليها أَم أُساقُ إلى قبري؟
فساقه الله إليهما جميعًا، صبَّ عليه عبد الله بن عبد الحكيم الدنيا صبًّا. وكان يقرأ عليه، ثم انتقل عن مذهبه بعد موته إلى مذهب مالكٍ ﵀. ووُلد عبدُ الله بن عبد الحكيم سنة خمسين ومئة، وتوفي سنة أربع عشرة ومئتين. وأولاده ثلاثة: محمد، وقد تقدَّم ذكره، وسعد وعبد الرحمن. وخرَّج ابن الجارود عن محمد وسعد في " المنتقى "، وخرج الطبريُّ عن عبد الرحمن في تاريخه الكبير. ولعبد الرحمن تأليف جليل في أخبار مصر وفتحها.
قال خليفةُ بن خياط: وفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين قَتل الواثق أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي النيسابوريَّ المحدِّث، ضرب الواثق عنقه بيده لما امتنع عن القول بخلق القرآن، وشركه في قتله بعض مواليه، وصُلب مع بابَك لم يزل مصلوبًا إلى أيام المتوكل ﵀. وفي هذه السنة اشتد الواثق في المحنة على القول بخلق القرآن، ووَلى قيها أحمد بن سعيد بن سَلم الفداء، ومعه خاقان خادم الرشيد، وجعفر الحذَّاء فامتحنوا أسرى المسلمين. فمن قال بخلق القرآن فُوديَ، ومن امتنع تُرك في أيدي الروم. فأجابوا كلُّهم إلى خلق القرآن، وكانوا ألفين وتسعمئة وخمسين ونحوًا من مئة مُراهق.
[ ١ / ٤٥٧ ]
خليفة بن خياط المذكور هو من المحدّثين، وله كتاب في التاريخ حسن ذكره مُسلم في الكنى فقال: أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة العصفري يقال له: شباب. سمع يزيد بن زريع وغُندرا. وقال في جده: أبو هُبيرة خليفة بن خياط جدُّ شباب بن خياط. سمع عمرو بن شعيب. روى عنه وكيع وعمرو بن منصور.
وقال أبو بكر محمد بن الحسين اللاّجُريُّ في كتاب " الشريعة " من تأليفه: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن إدريس القَزوينيُّ قال: نا أحمد بن الممتنع ابن عبد الله القرشيُّ التَّيميُّ قال: نا أبو الفضل صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشميُّ. وكان من وجوه بني هاشم وأهل الجلالة والسنِّ منهم قال: حضرت المُهتدي بالله أمير المؤمنين رحمةُ الله عليه. وقد جلس ينظر في أمور المسلمين في دار العامة، فنظرت إلى قصص الناس تُقرأ عليه من أولها إلى آخرها. فيأمر بالتوقيع فيها وإنشاء الكتب لأصحابها وتُختم وتُدفع إلى صاحبها بين يديه. فسرَّني ذلك، وجعلتُ أنظر غليه، ففطنَ ونظر إلي، فغضضت عنه حتى كان ذلك مني ومنه مرارًا ثلاثةً؛ إذا نظر إليَّ غضضتُ، وإذا اشتغل نظرتُ. فقال لي: يا صالح. قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. وقمتُ قائمًا. فقال: في نفسك منّا شيء تحبُّ أن تقوله؟ أو قال: تريد أن تقوله؟ قلتُ: نعم يا سيدي يا أمير المؤمنين. قال: عُدْ إلى موضعك. فعدت، وعاد في النظر، حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح. فانصرف الناس، ثم أذِن لي وقد همَّتني نفسي. فدخلتُ عليه، فدعوتُ له، فقال لي: اجلِس، فجلست، فقال: يا صالحُ تقول لي ما دار في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ما تَعزمُ عليه وما تأمرُ به. فقال: أقول أنا كأني بك وقد استحسنت ما رأيت منا! فقلت: أيُّ خليفةٍ خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق. فورد على قلبي أمر عظيم، وهمَّتني نفسي ثم قلتُ: يا نفس هل تموتين إلا مرةً، وهل تموتين قبل أجلك،
[ ١ / ٤٥٨ ]
وهل يجوز الكذب في جدٍّ أو هزل؟ فقلتُ: يا أمير المؤمنين، ما دار في نفسي إلا ما قلت. فأطرق مليًّا ثم قال: وَيْحَكَن اسمع مني ما أقول، فوالله لتسمعنَّ الحقَّ. فسُرِّي عني وقلت: يا سيدي ومن أولى بقول الحقِّ منك وأنت خليفة ربِّ العالمين وابن عمِّ سيد المرسلين من الأولين والآخرين.؟ فقال لي: مازلت أقول: إن القرآن مخلوق صدرًا من خلافة الواثق حتى أَقدم علينا أحمد بن أبي دًؤاد شيخًا من أهل " آذنة " فأدخل الشيخ على الواثق مقيَّدًا، وهو جميل الوجه، تامُّ القامة، حسنُ الشيَّبة. فرأيت الواثق قد استَحيا منه ورقَّ له. فما زال يُدينه ويقرِّبه حتى قرُب منه. فسلَّم الشيخ فأحسن السلام. ودعا فأَبلغ وأَوجز. فقال له الواثق: اجلس، ثم قال له: يا شيخ ناظر ابن أبي دُؤاد على ما يُناظرك عليه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دُؤاد يَقِلُّ ويصبو ويضعُف المناظرة. فغضب الواثق، وعاد مكان الرقَّة له غضبًا عليه. فقال: أبو عبد الله بن أبي دُؤاد يقلُّ ويصبو ويضعف عن مناظرتك أنت؟ فقال الشيخ هوِّن عليك يا أمير المؤمنين ما بك وأْذَن لي في مناظرته. فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة. فقال الشيخ: يا أحمد إلى مَ دعوت الناس ودعوتني إليه؟ قال: إلى أن تقول: إن القرآن مخلوق، لأن كل شيء دون الله مخلوق. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظَ عليَّ وعليه ما يقول. قال: أَفعلُ. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك؛ هذه واجبةٌ داخلة في عقد الدِّين، فلا يكون الدِّين كاملًا حتى يُقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول الله ﷺ حين بعثه الله ﷿ إلى عباده هل سَتر رسول الله ﷺ شيئًا مما أمره الله ﷿ في دينه؟ قال: لا. قال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد، فاخبرني عن الله ﷿ حين أنزل القرآن على رسوله فقال:) اليومَ أكملتُ لكم دينكم وأَتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينًا (أكان الله ﷿ الصادق في إكماله دينه أم أنت الصادقُ في نقصانه فلا يكون الدين كاملًا حتى يقال فيه بمقالتك هذه " فسكت ابن أبي دُؤاد. فقال الشيخ: أجب يا أحمد. فلم يُجبه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين اثنتان. فقال الواثق: اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه: عَلِمها رسول الله ﷺ
[ ١ / ٤٥٩ ]
أو جهلها؟ قال ابن أبي دؤاد: علمها. قال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث. فقال الواثق: ثلاث. قال
الشيخ: يا أحمد فاتَّسع لرسول الله إذ عَلِمها كما زعمت ولم يُطالب أمتهُ؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتَّسع لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعليِّ بن أبي طالب ﵃؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأَعرض الشيخ عنه، وأقبل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين قد قدَّمتُ القول إنَّ أحمد يَقلُّ ويصبو ويضعف في المناظرة يا أمير المؤمنين إن لم يَّتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتَّسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فلا وسَّع الله على من لم يَّتسع له ما اتَّسع لهم من ذلك. فقال الواثق: نعم إن لم يَّتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ. فلما قُطع ضرب الشيخُ بيده إلى القيد ليأخذه فجاذبه الحدّاد عليه. فقال الواثق: دع الشيخ ليأخذه. فأخذه الشيخ فوضعه في كمِّه. فقال الواثق: لمَ جاذبت الحدّاد عليه؟ فقال الشيخ: لأني نويت أن أتقدَّم إلى من أُوصِّي إليه إذا ما متُّ أن أجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله ﷿ يوم القيامة وأقول: يا ربِّ سل عبدك هذا لمَ قيدني وروَّع أهلي وولدي وإخواني بلا حقٍّ أَوجب ذلك عليَّ، وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا. ثم سأله الواثق أن يجعله في حلٍّ وسعةٍ ممَّا قاله. فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتُك في حِلٍّ وسعةٍ من أول يومٍ إكرامًا لرسول الله ﷺ إذ كنت رجلًا من أهله. فقال الواثق: لي إليك حاجةٌ؟ فقال الشيخ: إن كانت ممكنة. فقال الواثق: تُقيم قِبَلنا فننتفعُ بك، ينتفعُ فتيانُنا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إنَّ ردَّك إياي إلى الموضع الذي أَخرجني منه الظالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك أَصير إلى أهلي وولدي فاَكفُّ دعاءهُم عليك، فقد خلَّفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقَّبل منا صِلةً تستعين بها على دهرك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لا تَحلُّ لي، أنا عنها غني وذو مِرَّق سَوي. قال: فسل حاجتك. فقال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تُخلِّي سبيلي إلى الثَّغر الساعة، وتأذنُ لي. قال: قد أذنت لك. فسلَّم عليه الشيخ وخرج. قال صالح: قال المهتدي بالله
[ ١ / ٤٦٠ ]
أمير المؤمنين رحمة الله عليه ورضوانه: فرجعت عن هذه المقالة منذ ذلك اليوم. وأظنُّ الواثق بالله كان رجع عنها من ذلك الوقت. يا أحمد فاتَّسع لرسول الله إذ عَلِمها كما زعمت ولم يُطالب أمتهُ؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتَّسع لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعليِّ بن أبي طالب ﵃؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأَعرض الشيخ عنه، وأقبل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين قد قدَّمتُ القول إنَّ أحمد يَقلُّ ويصبو ويضعف في المناظرة يا أمير المؤمنين إن لم يَّتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتَّسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فلا وسَّع الله على من لم يَّتسع له ما اتَّسع لهم من ذلك. فقال الواثق: نعم إن لم يَّتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ. فلما قُطع ضرب الشيخُ بيده إلى القيد ليأخذه فجاذبه الحدّاد عليه. فقال الواثق: دع الشيخ ليأخذه. فأخذه الشيخ فوضعه في كمِّه. فقال الواثق: لمَ جاذبت الحدّاد عليه؟ فقال الشيخ: لأني نويت أن أتقدَّم إلى من أُوصِّي إليه إذا ما متُّ أن أجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله ﷿ يوم القيامة وأقول: يا ربِّ سل عبدك هذا لمَ قيدني وروَّع أهلي وولدي وإخواني بلا حقٍّ أَوجب ذلك عليَّ، وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا. ثم سأله الواثق أن يجعله في حلٍّ وسعةٍ ممَّا قاله. فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتُك في حِلٍّ وسعةٍ من أول يومٍ إكرامًا لرسول الله ﷺ إذ كنت رجلًا من أهله. فقال الواثق: لي إليك حاجةٌ؟ فقال الشيخ: إن كانت ممكنة. فقال الواثق: تُقيم قِبَلنا فننتفعُ بك، ينتفعُ فتيانُنا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إنَّ ردَّك إياي إلى الموضع الذي أَخرجني
منه الظالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك أَصير إلى أهلي وولدي فاَكفُّ دعاءهُم عليك، فقد خلَّفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقَّبل منا صِلةً تستعين بها على دهرك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لا تَحلُّ لي، أنا عنها غني وذو مِرَّق سَوي. قال: فسل حاجتك. فقال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تُخلِّي سبيلي إلى الثَّغر الساعة، وتأذنُ لي. قال: قد أذنت لك. فسلَّم عليه الشيخ وخرج. قال صالح: قال المهتدي بالله أمير المؤمنين رحمة الله عليه ورضوانه: فرجعت عن هذه المقالة منذ ذلك اليوم. وأظنُّ الواثق بالله كان رجع عنها من ذلك الوقت. هـ الظالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك أَصير إلى أهلي وولدي فاَكفُّ دعاءهُم عليك، فقد خلَّفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقَّبل منا صِلةً تستعين بها على دهرك. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لا تَحلُّ لي، أنا عنها غني وذو مِرَّق سَوي. قال: فسل حاجتك. فقال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تُخلِّي سبيلي إلى الثَّغر الساعة، وتأذنُ لي. قال: قد أذنت لك. فسلَّم عليه الشيخ وخرج. قال صالح: قال المهتدي بالله أمير المؤمنين رحمة الله عليه ورضوانه: فرجعت عن هذه المقالة منذ ذلك اليوم. وأظنُّ الواثق بالله كان رجع عنها من ذلك الوقت.
قال المؤلف، أغناه الله من فضله، وأظلَّه يوم حشره في ظلِّه: وهذه طرائف من كلام السَّلف رضوان الله عليهم في الرد على القائلين بخلق القرآن، الحايدين بضلالتهم وحيرتهم عن سبل الإيمان، انتقيتها من كتاب " الشريعة " نفع الله به مؤلفه، إذ أبدع فيما صنَّفه. وكان ﵀ إماما حافظًا سنيًا، جليلًا في أعين نظرائه سنيًَّا.
قال الأجرِّيُّ: حدّثنا أبو عبد الله جعفر بن إدريس القزويني قال: نا حمُّويه بن يونس إمام مسجد قزوين قال: نا جعفر بن محمد الرَّاسيُّ من رأس العين قال: نا عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعدٍ قال: أخبرني معاوية بن صالح عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله ﷿:) قرآنًا عربيًا غير ذي عوج (قال: غير مخلوق. قال حمُّويه بن يونس: بلغ أحمد بن حنبل هذا الحديث، فكتب إلى جعفر بن محمد بن فضيل يكتب إليه بإجازته، فكتب إليه بإجازته. فسرَّ أحمد بهذا الحديث، وقال: كيف فاتني عن عبد الله بن صالح هذا الحديث؟ أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاريُّ قال: نا العُمريُّ قال: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: القرآن كلام الله، وكلام الله من الله، وليس من الله شيء مخلوق.
وحدَّثنا عمر بن أيوب السَّقطيُّ قال: نا الحسن بن الصبَّاح البزَّاز قال: نا سُريجُ بن النعمانُ قال: نا عبد الله بن نافع قال: كان مالك بن أنس ﵀ يقول: القرآن كلام الله ويستفظع قول من يقول: القرآن مخلوق. قال مالك: يُوجعُ ضربًا، ويحبس حتى يموت. وحدَّثنا عمر بن أيوب السَّقطيُّ قال: نا الحسن بن الصبَّاح قال: نا إبراهيم بن زياد قال: سألت عبد الرحمن بن مهدي فقلتُ: ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: لو أني على سلطان لقُمتُ على الجسر، فكان لا يمرُّ بي رجل إلا سألته، فإذا قال: القرآن مخلوق ضربت عنقهُ وألقيته في الماء.
حدَّثنا أبو القاسم عبدُ الله بن محمد بن عبد العزيز البغويُّ قال: نا حنبل بن
[ ١ / ٤٦١ ]
إسحاق قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وسأله يعقوب الدَّوْرقيُّ عمَّن قال: القرآن مخلوق. فقال: من زعم أنَّ علم الله وأسماءه مخلوقة فقد كفر. يقول الله ﷿ ") فمن حاجَّكَ فيه من بعد ما جاءك من العلم (أفليس هو القرآن؟. فمن زعم أن علم الله وأسماءه وصفاته مخلوقة فقد كفر، لا أشكُّ في ذلك إذا اعتقدت ذلك وكان رأيه ومذهبه وكان دينًا يتديَّن به كان عندنا كافرًا.
أخبرنا أبو بكر محمد بن هارون العسكري الفقيه قال: نا محمد بن يوسف الطبَّاع قال: سمعت رجلًا يسأل أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد اله أُصلِّي خلف من يشرب المسكر؟ قال: فأُصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ قال: سبحان الله أنهاك عن مسلم وتسألني عن كافر؟
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاريُّ قال: نا عثمان بن أبي شيبة قال: نا جرير عن ليث بن أبي سُليم عن سلمة بن كُهيل عن أبي الزعراء عبد الله بن هانئ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: القرآن كلام الله ﷿ فلا تَصرفوه على آرائكم. نا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البَغَويُّ قال: نا داود بن رشيد قال: نا أبو حفص البَارُ عن منصور عن هلال بن يساف عن فروة بن نوفل قال: أخذ خَبَّاب بن الأرتِّ فقال: يا هناه تقرَّب إلى الله ﷿ بما استطعت، وإنك لست تتقرَّب إليه بشيءٍ أحبَّ إليه من كلامه.
قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعيَّ يقول: القرآنُ كلام الله غير مخلوق. ومن قال: هو مخلوق، فهو كافر. وقيل لابن عُيينة: إن بشرًا المريسيَّ يزعم أن القرآن مخلوق، فقال: كذب. قال الله ﷿:) ألا له الخلقُ والأمرُ (. فالخَلق خَلْقُ الله والأمرُ " أمر " القرآن.
[ ١ / ٤٦٢ ]
حدثنا عليُّ بن حسنويه القطان قال: نا محمد بن إسحاق الصاغانيُّ قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلاَّمٍ يقول: القرآن مخلوق فقد افترى على الله، وقال على ﷿ ما لم تقله اليهود ولا النصارى.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال: نا أبو دؤاد السَّجستاني قال: سمعت إسحاق بن راهويه وهنَّاد بن السَّرِّ وعبد الأعلى بن حماد وعبيد الله بن عمر وحكيم بن سيف الرِّقِّيَّ وأيُّوب بن محمد وسَوَّار بن عبد الله والربيع بن سليمان صاحب الشافعيِّ وعبد الوهَّاب بن عبد الحكم ومحمد بن الصبَّاح وعثمان بن أبي شيبة ومحمد بن بكار بن الريَّان وأحمد بن حوَّاس الحنفيَّ ووهب بن بقيَّة ومن لا أحصينهم من علمائنا. كلُّ هؤلاء سمعتهم يقولون: القرآن كلامُ الله ليس بمخلوق. وبعضهم قال: غيرُ مخلوق.
وقال أبو دؤاد: ورأيت أحمد بن حنبل يلَّم عليه رجلٌ من أهل بغداد ممَّن وقف، فيما بلغني، فقال له: أغرب لا أراك تجيء إلى بابي، في كلام غليظ، ولم يردَّ ﵇. وقال له: ما أحْوجَك إلى أن يُصْنع بك ما صُنع بصبيغ. ودخل بيته وردَّ الباب.
وحدَّثنا ابن مخلد قال: نا أبو داوُد قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: من قال: لا أقول: القرآن غير مخلوق فهو جهميٌّز وقال أبو داود: وسمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: هؤلاء الذين يقولون: القرآن كلام الله، ويسكتون شرُّ من هؤلاء. يعني ممَّن قال القرآن مخلوق. قال أبو داود: وسألت أحمد بن صالح عمَّن قال: القرآن كلامُ الله، ولا يقول: غير مخلوق. فقال: هذا شاك والشاكُّ كافر.
وقال ابن أبي بزَّة: من قال: القرآن مخلوق أو وقف، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو شيء من هذا فهو على غير دين الله ودين رسوله حتى يموت.
ابن أبي بَزَّة هدا: هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بَزَّة يَسار القارئ المكِّيُّ المؤذِّنُ، مولى بني مخزوم. روى القراءة هو وقُنبُل عن أبن كثير بإسنادٍ، وقد تقدَّم ذكره مُستوعبًا في أول صفحٍ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٤٦٣ ]