ولدت فاطمة الحسن للنصِّف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة قبل وقعة أحد بشهر، هذا أصحُّ ما قيل في ذلك إن شاء الله. وعقَّ عنه رسول الله ﷺ يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه، وأمر أن يتصدَّق بزنته فضة.
مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال: وزنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ شعر حسن وحسين وزينب وأمِّ كلثوم فتصدَّقت بزنة ذلك فضة.
وقال ابن الجارود: حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغانيُّ قال: نا محمد ابن عمر القصبانيُّ قال: نا عبد الوارث عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كبشا كبشا؛ عن الحسن كبشا وعن الحسين كبشا. محمد بن إسحاق أبو بكر الصاغانيُّ شيخ ابن الجارود خرَّج عنه مسلم. قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي وهو ثبت صدوق.
وكان الحسن من المشبَّهين برسول الله ﷺ، وكذلك قُثَم بن العباس وجعفر بن أبي طالب.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
الترمذي: بسنده عن عليّ قال: الحسن أشبه رسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبيّ ﷺ ما كان أسفل من ذلك.
الترمذيُّ: نا محمد بن يحيى، نا عبد الرزاق عن مَعمر عن الزُّهريَّ، عن أنس ابن مالك قال: لم يكن منهم أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسن بن علي. قال: هذا حديث حسن صحيح. وقال: نا محمد بن بشار، نا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جُحيفة قال: رأيت رسولا الله ﷺ، وكان الحسن بن علي يُشبهه. هذا حديث حسن صحيح.
قال النَّبيُّ ﷺ: " حسن مني وحسين من علي ". وقال ﵇: " الحسن والحسين سيَّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما ". وقال ﷺ في الحسن: " إنَّ ابني هذا سيِّد. وسيُصلح الله على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". وفي حديث آخر إن ابني هذا سيِّد، وعسى الله أن يُبقيَهُ حتى يُصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". رواه جماعة من الصحابة. وفي حديث أبي بَكرة في ذلك " وإنه ريحانتي من الدنيا ". ولا أسْودَ ممَّن سماه رسول الله ﷺ سيدا.
وتصارع الحسن والحسين يوما بين يدي النبيِّ ﷺ، فجعل ﵇ يقول: " إيه يا حسن، إيه يا حسن ". فقالت له فاطمة: يا رسول الله، أتحرِّض الكبير على الصغير؟ فقال: " يا فاطمة، هذا جبريل يقول إيه يا حسين، إيه يا حسين ".
وكان معاوية وهو خليفة، إذا دخل عليه الحسن يعظِّمه ويُجلُّه ويُجلسه معه على سريره، ويقول له: يا أبا محمد، كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ إذا رأيتك لشبهك به. وحُقَّ لمعاوية أن يصنع به هذا الصنع الجميل، وما أعزُّ منه وأكرم، ففعل رسول الله ﷺ به أكبر وأعظم.
[ ٢ / ٢٠١ ]
رُوي أن رسول الله ﷺ سجد في صلاة من الصلوات، فركب الحسن على ظهره، فأطال السجود. قال بعض الصحابة: رفعت رأسي من السجود، لأنظر ما شأن رسول الله. فرأيت الحسن على ظهره، فرجعت إلى السجود. فلما قضى ﷺ الصلاة قيل: يا رسول الله، إنك سجدت سجدة في هذه الصلاة فأطلتها. فقال: " إن ابني استرحلني فكرهت أن أعجله ".
وحدَّث أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النَّسائيُّ في مُصنَّفه قال: نا محمد بن عبد العزيز بن غزوان، وهو ابن أبي رزمة، قال: نا الفضل بن موسى عن حسين ابن واقد عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يعثران فيهما. فنزل النبي ﷺ فقطع كلامه، فحملهما ثم عاد إلى لمنبر ثم قال: " صدق الله:) أموالكم وأولادكم فتنة (رأيت هذين يعثران في قميصهما، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما ". وخرَّج هذا الحديث الترمذيُّ عن الحسن بن حُريث عن عليَّ بن حسين بن واقد، عن أبيه، وخرَّجه أيضا الحافظ أبو نعيم الأصبهانيُّ في كتاب " رياضة المتعلِّمين ". فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان: نا الحسن بن سفيان: نا أبو بكر بن أبي شيبة: نا زيد بن حُباب عن حسين بن واقد. ومدار هذا الحديث عن حسين بن واقد، عن عبد الله بن بُريدة.
مُسلم: عن أبي هريرة أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يُقبِّل الحسن بن علي ﵄ فقال: إنَّ لي عشرة من الولد، ما قَبَّلت واحدا منهم!. فقال رسول الله ﷺ: " إنه من لا يَرحم لا يُرحم ". مسلم: حدثنا ابن أبي عمر قال: نا سُفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جُبير بن مُطْعِم، عن أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار لا يُكلِّمني ولا أُكلمه حتى جاء سوق بني
[ ٢ / ٢٠٢ ]
قَيْنُقاع، ثم انصرف حتى أتى خِباء فاطمة: فقال: " أثَمَّ لُكَعُ، أثمَّ لكعُ؟ " يعني حسنًا. فظننَّا أنه إنما تحبسه أُمُّه لأن تَغسله وتُلبسه سِخابا. فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كلُّ واحد منهما صاحبه. فقال رسول الله ﷺ: " اللهمَّ إني أحبُّه فأحِبَّه، وأحبب من يحبُّه ". وخرَّج الحديث البخاريُّ.
مسلم: حدثني عبد الله بن الروميِّ وعباس بن عبد العظيم العَنبريُّ قالا: نا النَّضر بن محمد قال: نا عِكرمة، وهو ابن عمار قال: نا إياس عن أبيه قال: لقد قُدْتُ بنبيِّ الله ﷺ والحسن والحسين على بغلته الشهباء؛ حتى إذا أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قُدامَه، وهذا خلفَه.
إياس الذي روى عنه عكرمة بن عمار هذا الحديث هو إياس بن سَلمة ابن الأكوع الأسلميُّ، وأبوه سلمة من كبار الصحابة. شهد بيعة الرضوان، وظهر منه في غزوة ذي قَرَد الفعل الكريم والغَناء العظيم. وقد ذكرتهما قبل في " أسلم " من خُزاعة.
الترمذيُّ: حدثنا محمد بن بشار: نا أبو عامر العَقَديُّ: نا زمعة بن صالح عن سَلمة بن وَهْرام، عن عِكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ حامل الحسن بن علي على عاتقه. فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غُلام. فقال النبيُّ ﷺ: " ونعم الراكب هو ".
وقال: حدَّثنا محمد بن بشار: نا محمد بن جعفر: نا شُعبة بن عديِّ بن ثابت قال: سمعت البراء بن عازب يقول: رأيت النبيَّ ﷺ واضعا الحسن بن علي على عاتقه، وهو يقول: " اللهمَّ إني أُحبُّه فأحِبَّه ". وخرَّج مسلم الحديث بسنده ونصَّه.
الترمذيُّ: عن أسامة بن زيد قال: طَرقت النبيَّ ﷺ ذات ليلة في بعض الحاجة. فخرج النبيُّ ﷺ، وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو. فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه، فإذا حسن وحسين ﵉ على وركيه. فقال: " هذان ابناي وابنا ابنتي إني أُحبُّهما فأَحبَّهما ".
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وحفظ الحسن عن النبيِّ ﷺ أحاديث، ورواها عنه. منها حديث الدُعاء في القُنوت. ومنها: " إنا آل محمد لا تحلُّ لنا الصدقة ". وكان الحسن ﵁ مُحبا في النساء، كثير النِّكاح، كثير الطلاق. وكان علي يستحيي من أصهار الحسن، فخطب الناس وقال: إن الحسن مَطلاق فلا تُنكِحوه. فقام إليه رجل من همدان، فقال: يا أمير المؤمنين: والله لنُنكحنَّه فيُمسك من شاء ويطلِّق من شاء. فقال علي، وقد سُرَّ بقول الهمدانيِّ:
لِهمْدانَ أخلاقٌ ودينٌ يَزِينُهم وبأسٌ إذا لاقَوْا وحسنُ كلامِ
فلو كنتُ بوابًا على باب جنَّةٍ لقلتُ لهمْدانَ: ادخُلوا بسلامِ
وكان عليٌّ ﵁، مُحَبا في هَمدان. وقال يوم الجمل في بطن منهم، وهم بنو ربيعة بن مالك بن معاوية بن صعب بن دومان بن بَكيل بن جُشَم بن خَيْوان بن نَوف بن هَمْدان: " لو تمَّت عِدَّتُهم ألفا لَعُبد الله حقَّ عبادته ". وكان إذا رآهم تمثَّل بقول الشاعر:
ناديتُ هَمْدانَ والأبوابُ مغلقةٌ ومثلُ هَمْدانَ سَنَّى فتحةَ البابِ
كالهنْدُوانيَّ لم تُفْلَلْ مَضاربُهُ وجهٌ جميلٌ وقلبٌ غيرُ وجَّابِ