عليه هشام بن عبد الملك. وهو طاووس بن كيْسانَ مولى لأهل اليمن. وأُمُّه مولاة لحِمير. وكان يُكنى أبا عبد الرحمن. وخرَّج عنه الأئمةُ مالكّ والبخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وغيرهم.
وخرج محمد وإبراهيم على أبي جعفر بن المنصور، وغَلبا على المدينة ومكة والبصرة. فبعث إليهما، فقتل محمد في المدينة، وقتل إبراهيم ببا خمْرا، على ستة عشر فرسخا من الكوفة.
وأما إدريس بن عبد الله أخوهما، فهو الذي صار إلى أرض البربر بالمغرب هاربا في خلافة هارون الرشيد. وولد إدريس الأصغر، ترك أمَّه حاملا به حين سُمَّ، وخبرهُ مشهور.
ومن ولد إدريس بن إدريس الشرفاء بالمغرب، والأمراء بقرطبة ومالقةَ وسبتةَ، وذلك بعد انقراض دولة المنصور محمد بن أبي عامر المعافري ودولة ولديه.
وأمُّ عبد الله بن حسن بن حسن فاطمة بنت
الحسين بن علي، أخت سكينة. وكانت أجمل من سكينة. وكان الحسين ﵁ أرى ابن أخيها الحسن بن الحسن ابنتيه سكينة وفاطمة، وخيَّره فيهما، فاختار فاطمة.
ومات عبد الله بن حسن في سجن أبي جعفر، وأخوته معه، وهم: حسن وداود وإبراهيم.
[ ٢ / ٢١١ ]
ومن ولد إبراهيم بن حسن ابن طباطبا وهو محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن، وهو صاحب أبي السرايا الشَّيباني وخرج ابن طباطبا على المأمون عبد الله بن الرشيد بالكوفة سنة تسع وتسعين ومئة. وهي السنة الثانية من خلافة المأمون. وبويع للمأمون عند قتل المخلوع أخيه محمد الأمين ليلًا ببغداد، وهو بخراسان لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة. وتولَّى قتل المخلوع طاهر بن الحسين ذو اليمينين.
ومن موالي الحسن بن علي ﵄ الحسن بن سعد: روى عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. مسلم: حدثنا شيبان بن فرُّوج قال: نا مهديًّ ُ بن ميمون قال: نا محمد بن عبيد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر قال: أرْدَفَني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفَه، فأسرَّني حديثًا لا آخذ به احتراس الناس "؟ ".
وأبو أسامة حماد بن أسامة: المحدِّث الثقة، مولى الحسن بن سعد هذا. فهو مَولى مَولى. توفي أبو أسامة بالكوفة سنة تسع ومئتين وهو ابن ثمانين سنة.
[ ٢ / ٢١٢ ]
الحسين بن علي
بن أبي طالب ﵉
وُلد الحسين في شعبان سنة أربع من الهجرة. ويكنى أبا عبد الله. وعلقت فاطمة بالحسين بعد وضعها الحسن بخمسين يوما. قاله الواقدي. وكان الحسين ﵁ من الفقهاء العاملين بالكتاب والسنة. وروى عن النبي ﷺ قوله " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". هكذا حدَّث به العُمريُّ عن الزَّهريِ، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن النبي ﷺ. وروى إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن سنان بن أبي سنان الدُّؤلي عن حسين بن علي، عن النبي ﷺ حديثا في ابن صائد: " اختلفتم وأنا بين أظهركم وأنتم بعدي أشدُّ اختلافا ". وحديث " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وهو ثُلُث الإسلام ". رواه أيضا أبو هريرة.
وروى سفيان بن عُيينة عن عبد الله بن شريك عن بِشر بن غالب قال: سمعت ابن الزبير وهو يسأل حسين بن علي: يا أبا عبد الله، ما تقول في فكاك الأسير على مَن هو؟ قال: على القوم الذين أعانهم. وربما قال: قاتل معهم. قال سفيان: يعني يُقاتل مع أهل الذِّمَّة فيُفَكُّ من جزيتهم، قال: وسمعته يقول: يا أبا عبد الله متى يجب عطاء الصبيِّ؟ قال: إذا استملى وجب عطاؤه ورزقه. وسأله عن الشرب قائما، فدعا بلقحة له فحُلبت وشرب قائما، وناوله، وكان يُعلِّق الشاة المَصْلية فيُطعمنا منها، ونحن نمشي معه.
وكان كثير الصلاة والصيام والحج. حجَّ ﵁ عشرين حجَّة، ماشيا. قال ذلك مصعب بن عبد الله الزبيريُّ. وكان ﵁ متواضعا. مرَّ على قوم من المساكين، وكان راكبا، فسلَّم عليهم، وهم قد وضعوا كسرا
[ ٢ / ٢١٣ ]
بالأرض، وهم يأكلون. فقالوا: هلُمَّ يا ابن رسول الله. فنزل عن دابته وقال: إنَّ الله لا يحبُّ المستكبرين، ثم جلس وأكل معهم. فلما فرغوا قال: إنكم دعوتموني فأجبتكم. وإني أدعوكم إلى منزلي، فأجابوه. فلما دخلوا منزله وجلسوا قال: يا رباب هاتِ ما كنتِ تدَّخرين.
ومن مناقبه ما ذكر التَّرمذيُّ بسنده عن يعلى بن مُرَّة قال: قال رسول الله ﷺ: " حسين مني وأنا من حسين. أحبَّ الله من أحبَّ حسينا. حسين سبط من الأسباط ". وقال أبو هريره " أبصرتْ عيناي هاتان، وسمعتْ أذناي قال رسول الله ﷺ، وهو آخذ بكفَّي حسين، وقدماه على قدم قال رسول الله ﷺ وهو يقول: " تَرَقَّ عَين بَقَّة ". قال: فرَقيَ الغلام حتى وضع قدمه على صدر قال رسول الله ﷺ، ثم قال رسول الله ﷺ: " افتح فَاك ". ثمَّ قبَّلَه، ثم قال: " اللهمَّ أحِبَّه فإني أُحِبُّه ".
الترمذي: حدثنا عُقبة بن مُكرم العضمِّي: نا وَهَب بن جرير بن حازم: نا أبي عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دمِّ البعوض يصيب الثوب. فقال ابن عمر: انظروا إلى هذا، يسأل عن دمِّ البعوض، وقد قتلوا ابن قال رسول الله ﷺ وسمعت قال رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا ".
ولما مات معاوية، وبويع يزيد ابنه وصل البريد ببيعة يزيد إلى المدينة، وأمر واليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بأخذ الحسن بالبيعة. فأرسل إليه ليلا،
[ ٢ / ٢١٤ ]
وأقرأه كتاب يزيد وطلبه بالبيعة، فقال: مثلي لا يبايع سرا، فإذا كان في غد بايعت علانيَّة. فلما همَّ بالخروج قال مروان بن الحكم للوليد وكان حاضرا معه في مجلسه لتدبير أمر بيعة يزيد: يا لها من غلطة، ما رأيت لها مثيلا، تترك الأمر مُستقبِلا، وتُبطله مُستدبِرا؟ فقال له: فما ترى أنت؟ قال: تأخذوه بالبيعة. إن أبي ضَرَبتَ عنقَه. فسمعه الحسين. فسلَّ سيفه، وهمَّ أن يضرب مروان، ثم قال له: يا ابن الزرقاء، أمِثْلُكَ يأمُر بقتل مِثْلي؟ وكان الحسين قد دعا بمواليه، وأهل بيته فأقعدهم على الباب حين دخل وقال لهم: إن ارتفع صوتي فاقتحموا عليَّ الدار، وإلا فمكانكم حتى أخرج إليكم. وحين خرج الحسين عن الوليد ارتحل من ليلته إلى مكة. وقيل: إنه ارتحل نهارا.
وكان عبد الله بن الزبير كان قد خرج من أول هذه الليلة إلى مكَّة هاربا بعد ما اجتمع مع الحسين مخافة أن يؤخَذ بالبيعة ليزيد، وهرب معه أخوه جعفر ابن الزبير. ومضيا على طريق " الفرْع "، وهي طريق غير الجادة، خوفا من الطلب، فلم يُقدَر عليهما. فلما قدم الحسين مكة كتب إليه سليمان بن صُرد الخزاعيُّ والمُسَيَّب بن نَجَبَة الفزاريُّ وغيرهما من رجال أبيه وشيعته من الكوفة: " هلمَّ إلينا يا ابن رسول الله، فأنت أحقُّ بالخلافة من يزيد الخَمُور "، وكتبوا بيعتهم. فلما أراد الخروج من مكة جاءه عبد الله بن عمر فقال: إلى أين تسير يا أبا عبد الله؟ قال: هذه بيعة أهل العراق وكُتُبِهِم قد أتتني. قال: أتسير إلى قوم قتلوا أباك، وخذلوا أخاك، وكانت طاعتهم لهما أكثر ممَّا لك الآن؟ وجعل عبد الله يُثَبِّطه عن الخروج. فلما أبى عليه اعتنقه وقال: أستودعك الله من قتيل.
وبعث الحسين من مكة إلى الكوفة ابن عمِّه مسلم بن عقيل ليصحِّح بيعته بها، ويأخذ العهود له من أهلها. فقُتِل بعد خَطبِ "؟ " طويل. قتله عبيد الله بن
[ ٢ / ٢١٥ ]
زياد، وقتل معه هانئ بن عروة المراديَّ. وقيل أن الوالي على المدينة عند بيعة يزيد بن معاوية خال بن الحكم أخو مروان. ثم عُزل وولاها عثمان بن محمد بن أبي سفيان. وهو الذي قال: لمَّا خرج الحسين عن المدينة، ولم يبايع: اركبوا كلَّ بعير بين الأرض والسماء، فاطلبوه، فطلبوه فلم يُدْرَك.
وخرج الحسين من مكة إلى العراق فلقيه الفرزدق في الطريق، فسأله عن أمر الناس، فقال: يا ابن رسول الله، القلوب معك والسيوف عليك، والنصر من السماء. وخرج عبيد الله بن زياد من الكوفة بجيشه إلى الحسين، وعلى مقدِّمته عمر بن سعد بن أبي وقاص. وكان مسلم بن عقيل لمَّا قُدِّمَ لِيُقْتَل بين يدي عبيد الله ابن زياد، وقد أُثخِن جراحا نظر، هل يرى أحد من قريش؟ فرأى عمر بن سعد، فقال: ادنُ مني. فدنا منه عمر، فقال: أنت أقرب الناس إليَّ في النسب، فإن أردت أن تفوز بشرف الدارين فابعث إلى الحسين ليرجع من الطريق، فإني تركته ومن معه، وهم تسعون إنسانا على الخروج من مكة، وإنهم الآن في الطريق، واكتب إليه بما أصابني.
فلما انصرف عنه عمر بن سعد قال لابن زياد: أتدري ما قال لي مسلم؟ قال: اكتم على ابن عمِّك. قال: الأمر أعظم من ذلك. قال: اكتم على ابن عمِّك فلما أكثر على ابن زياد قال له مسلم، قال له: قل أخبرني أن حسينا خرج في أهله وقرابته ومن اتبعه من الناس إلى الكوفة. قال له ابن زياد: أمَّا إذ أخبرتني فوالله لا خرج لقتاله غيرك. أما والله لو أسرَّ إليَّ كما أسرَّ إليك لرددتهم. ويحك ما حفظت وصية ابن عمِّك حين رآك لها أهلا؟ ثم التقوا مع الحسين بكربلاء: وهو موضع على الفرات. فأتاه عمر بن سعد فقال: ما هذا المسير يا أبا عبد الله؟ قال: سرتُ إلى قوم غرُّوني بكتبهم، ولا مردَّ للقضاء. وإني أسأل منكم إحدى ثلاث خِلال: إما أن تتركوني أرجع من حيث جئت، وأمَّا أن تُخلُّوا بيني وبين الطريق إلى الأعاجم، أُقاتل فيهم حتى
[ ٢ / ٢١٦ ]
أموت، وأما أن أسير إلى يزيد فأضع يدي في يده. فأخبر عمر بن سعد بذلك عبيد الله بن زياد، فقال: لا أُعطيه واحدة من الثلاث. ولكن ينزل على حُكمي. فأخبر عمر بن سعد ذلك إلى الحسين فقال: أأنزل على حكم ابن مَرجانة الدَّعِيُّ؟ والموت والله عندي دون ذلك أشهى وأحلى. ومرجانة: أمُّ عبيد الله وهي أَمَة. ولما أبي عبيد الله أن يعطي الحسين واحدة من الخلال الثلاث التي تطلب، قالت طائفة من عسكر عبيد الله: يعرض عليك ابن بنت رسول الله واحدة من ثلاث خلال فلم تسعفوه بها! لقد خاب سعيكم، وشقي من يتبعكم. فانصرفوا إلى الحسين، فقتلوا معه، ﵃، ورحمهم.
وأبلى الحسين في ذلك اليوم بلاء عظيما، وقتل من عسكر عبيد الله أشقياء كثيرة، حتى قتل، رضوان الله عليه. وقتل معه من ولده وولد أخيه الحسن وولد عمِّه عقيل جماعة لم ينشأ في الإسلام مثلهم. وروى فطر عن مُنذر الثَّوريِّ عن ابن الحنفيَّة قال: قُتل مع الحسين بن علي سبعة عشر رجلا، كلُّهم من ولد فاطمة.
وقُتل، ﵁، يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. واختلف فيمن قتله، فقيل: شَمِرُ بنُ ذي الجوْشَن الضِّبابيُّ، لعنه الله. وهو القائل لعبيد الله بن زياد:
أوقِرْ رِكابي فضةً وذَهبا إني قتلتُ الملكَ المُحَحَّبَا
خيرَ عبادِ الله أمًَّا وأبًا وخيرَهم إذ ينسُبون نَسبا
وقال مُصعبُ الزُّبيريُّ: الذي ولي قتل الحسين بن علي سنان بن أبي سنان النَّخعيُّ، لا ﵀. وهو جدُّ شريك بن عبد الله القاضي، ويُصدِّق قولُ الشاعر:
[ ٢ / ٢١٧ ]
وأيُّ رَزِيَّةٍ عَدلتْ حُسينا غداةَ تُبيرُهُ كفَّا سِنانِ
ولمَّا أدخل أهله على يزيد بن معاوية بالشام، وهم في حال سيئة، وكانوا على الأقتاب، لم يوطَّاُ في طريقهم إليه. قالت له أمُّ كلثوم بنت علي من غير فاطمةَ: يا يزيدُ، بنات رسول الله سبايا أذلَّة!! فقال: بل كرام أعزَّة. وبكى، وأمر بإدخالهم إلى حرمه.
وجعل بين يدي يزيد عليُّ بن الحسين الأصغر، وهو زين العابدين. وكان عليُّ الأكبر قُتل مع الحسين مع جملة من قتل من بنته وبني أخيه الحسن وبني عمِّه عقيل. فقرأ يزيد:) وما أصابكم من مُصيبةٍ فَبِما كسَبتْ أيديكمُ ويَعفو عن كَثير ". فقال لا تقل ذلك يا يزيد، ولكن قل:) ما أصابَ من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نُبْراها، أن ذلك على الله يسير (.
واستشار يزيد أهل الشام في من بقي من ولد الحسين وولد أخيه الصِّغار. فقال له بعض الأشقياء منهم: لا تَتَّخذُ من كلب سوء جروًا يا أمير المؤمنين. فقال النعمان بن بشير: اصنع بهم يا أمير المؤمنين ما كان يصنع بهم رسول الله ﷺ لو رآهم على هذا الحال. فأمر بإنزالهم وإكرامهم. ثم قال: لو كان بينهم وبين من عضَّ بظر أمِّه نسب، يعنى ابن زياد ما قتلهم، ثم ضرب عليهم القبقاب بعدما أدخلوا الحمَّام، وأمال عليهم المطبخ، وكساهم، وأخرج لهم جوائز كثيرة، وبعث معهم من ردَّهم إلى المدينة.
وأُتي يزيد برأس الحسين ﵇. فلما وضع بين يديه جعل ينكت أسنانه بقضيب كان في يده ويقول: كان أبو عبد الله صبيحا. فقال النعمان بن بشير: ارفع يدك يا يزيدُ عن فم طالما رأيت رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٢١٨ ]
يُقبِّلُه. قال: فاستحيا يزيدُ، وأمر برفع الرأس. وما روي بعد قتل الحسين من العبر في يقظة ومنام روي عن رواة صحائح الآثار والأخبار.
الترمذي بسنده عن أمِّ سلمة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عيه وسلم " تعني في المنام " وعلى رأسه ولحيته الترابُ. فقال: مالك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفا. وحدَّث أبي بكر بن أبي شيبة قال: نا حَّماد سن سَلمة قال: نا عمار، عن ابن عباس قال: رأيت النبي صلى الله عيه وسلم، فيما النائم نصف النهار، وهو أشعث أغبرُ، في يده قارورة فيها دمٌ. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: " هذا دمُ الحسين، لم أزل ألتقطه منذ اليوم " فوجد قد قُتل في ذلك اليوم.
وبكى الناسُ الحسين، فأكثروا وأحسنوا. قالت الربابُ بنتُ امريء القيس الكلبية، ترثي زوجها الحسين بن علي ﵄:
إنَّ الذي كان نورًا يُستضاء به بكربلاء قتيلًا غيرَ مَدْفونِ
سِبط النبيِّ جزاكَ الله صالحةً عنا وجُنِّبتَ خُسرانَ الموازينِ
قد كنتَ لي جَبَلًا صعبًا ألوذ به وكنتَ تَصْحبُنا بالرَّحْم والدين
مَن لليَتَامى ومن للسائلين ومَن يَقي ويأوي إليهِ كلُّ مِسكنِ؟
[ ٢ / ٢١٩ ]
وقال سليمان بن قنَّةَ الخزاعي، وأجاد فيما قال:
مررتُ على أبياتِ آلِ محمدٍ فلم أر من أمثالها حيثُ حلَّتِ
فلا يُبعِدِ اللهُ البيوتَ وأهلَها وإن أصبحتْ منهم برَغْمي تَخلَّتِ
وكانوا رجاء ثم عادوا رزيَّةً لقد عظُمتْ تلك الرزايا وجلَّتِ
وإن قتيلَ الطَّفِّ، من آلِ هاشمٍ أذلَّ رقابًا من قُريشٍ فذَلَّتِ
ألم ترَ أ، الأرضَ أضحتْ مريضةً لفقدِ حُسينٍ، والبلادُ اقشعرَّتَ
وقد أعْولتْ تبكي السماءُ لفقده وأنجمُها ناحتْ عليه وصَلَّتِ
كذا قال عمر بن عبد البِّر في الاستيعاب: عن سليمان بن قنَّةَ إنه خزاعي. وقال المُبرد في الكامل: هو من تميم بن مُرَّةَ بن كعب بن لؤي. وكان منقطعا إلى بني هاشم. وقال ابن قُتيبة، في " المعارف ": سليمان بن قُنةَ هو منسوب إلى أمِّه. وهو مولى لتيم قريش. وكان مع روايته الحديث شاعرا. وهو القائل:
وقد يحرِمُ الله الفتى وهْوُ عاقلٌ ويُعطى الفتى وليس عاقلا
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وهذا البيت زعموا لا يُدري قائله:
أتَرجو أُمَّةٌ قَتلتْ حُسينًا شَفاعةَ جدِّهِ يومَ الحسابِ؟
ولبعض المُحسنين المُجيدين يرثى الحسين ﵁:
أمرُرْ على جَدَثِ الحسي ن وقُل لأَعظُمهِ الزكيَّةْ:
يا أعظُمًا لا زلتِ من وَطْفاءَ ساكبةٍ رَوِيَّةْ
وإذا مَررتَ بقبرهِ فأَطِلْ بهِ، وقِفِ المطيَّة'
وابكِ المطهَّرَ للمُطَهْ رِ والمطَهَّرةِ التَّقيَّةْ
كبكاء مُعْوِلةٍ أتَتْ يومًا لواحدِها مَنِيَّةْ
وقال بعض من وقذ رُزء الحسين فؤاده، وألف الحزن على مصابه الجلل واعتاده. نفعه الله بما قاله، من عثرات الذنوب أقاله:
أيا رُزء الرِّضَى الذاكي حُسينٍ أسَلْتَ مع الدموعِ لنا نَجيعا
ِبُقعَة كربلاء أرَيتَ سِبْطًا لخيرِ المرسَلين لَقًي صَريعا
[ ٢ / ٢٢١ ]
رُزِئنا ابنَ البَتولِ وأيُّ رُزْءِ جليلٍ قد رأى خَطْبًا شَنيعا
أثارَ لنا اكتئابًا وانتحابًا وأجَّحَ لفحُهُ من الضُّلوعا
وكَم مِن أجلهِ صبرٌ تَوَلَّى وكم عينٍ لها هَجَرتْ هُجوعا
وكم قلب به أضحى مَرُوعًا ونَفْسٍ فارقَتْ جَلَدًا ورُوعا
فيا صَبْري على بَلْوى حُسينٍ ألا ودِّعْ فؤادًا لي جَزُوعا
وما عافَ الأسى والوجدَ مثلي عليهِ ولا الكآبة والخُشوعا
دَهاهُ ابنُ الدَّعيِّ بشرِّ ناسٍ فجدُوا الأَصلَ منهُ والفروعا
لقد خسِروا بما اكتَسَبوا فَمنْ ذا يكونُ لهم إذا بُعثوا شَفيعا
هُمُ وَتَروا شفيعَ الخلقِ في ابْنٍ لديهِ كان محفوظًا رَفيعا
فلا سقتِ الغَوادي قبرَ رجسٍ زَنيمٍ لِلغَرورِ غَدًا مُطيعا
تَحكَّم في بني المختارِ قَسرًا وأجرى من دِمائهمُ رَبيعا
[ ٢ / ٢٢٢ ]
عن ماء الفراتِ حَمَى كِرامًا لِرَعْي حقوقِهمْ أَضحى مُضِيعًا
أتى في الذِّكرِ ذِكرهُمُ بقُدْسٍ فكن يا من تَلاهُ له مُذيعًا
وولد الحسينُ، ﵁، عليا الأكبر: أمُّه مُرَّةُ بنتُ عُروةَ بن مسعود الثَّقفيِّ. كذا قال محمد بن شبل في روايته غير ابن شبل هي بنت مُرة بن عروة ابن مسعود، وقُتل مع أبيه الحسين.
وولد عليا الأصغر لأّم ولد، وفاطمةَ: أمُّها أمُّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وسُكينةَ: أمُّها الربابُ بنت امرئ القيس الكلبية، وفيها كان الحسين يقول:
لعَمُرك إِنَّني لأُحبُّ داراُ تَحلُّ به سُكينةُ والربابُ
فأما عليٌّ الأصغر فليس للحسين عقب إلا منه، زين العابدين. وكان أفضل بني هاشم بعد علي والحسين، وأمُّه فارسية، معروفة النسب، واسمها سلافةُ بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى أنو شروان بن قُباذ. وكانت سلافةُ من خيرات النساء. ويقال: إنها عمةُ أمُّ يزيد الناقص أو أختها. وكان عليُّ ابن الحسين من أبرِّ الناس بأمِّه سُلافة. وكان لا يأكل معها في صحفة واحدة، فسئل عن ذلك فقال: أكره أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها. وكان يقال له " ابنَ الخِيرَتين " لقول رسول الله ﷺ: " لله من عباده خيرتان ". فخيرتُه من العرب قريش، ومن العجم فارس.
وخلف على سلافة بعد الحسين بن علي زِبَيد مولاه. فولدت له عبد الله بن
[ ٢ / ٢٢٣ ]
زِبَيد فهو أخو عليِّ بن حسين لأمِّه. ورُوي أن عليَّ بن حسين زوَّج أمَّه من مولاه، وأعتق جارية له وتزوَّجها. فكتب إليه عبد الملك يعيِّره بذلك، فكتب إليه عليِّ: " قد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ. قد أعتق رسول الله ﷺ صفيَّة بنت حُيَيّ وتزوجها، وأعتق زيد بن حارثة وزوَّجه بنت عمته زينب بنت جحش ".
وتوفي عليُّ بن الحسين بالمدينة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، سنة أربع وتسعين. وكان يُكنى أبا الحسن. ودفن بالبقيع، وكان خيِّرا فاضلا. قال الزُّهريُّ: ما رأيت قرشيا أفضل منه. وقال يحيى بن سعيد الأنصاريُّ: عليُّ بن حسين أفضل هاشميّ رأيت بالمدينة. وكان، ﵁ من أهل العلم. وكان معظما عند خلفاء بني أمية.
وأشهر ولد عليّ بن الحسين: محمد وعليّ وزيد. فأما محمد فهو الباقر: أمُّه أمُّ عبد الله بنت الحسن بن عليّ. وقيل له الباقر، لأنه بقَّر العلم أي شقَّه، وكان من الفقهاء. لقي جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وغيرهما ممَّن تأخَّر موته من شباب الصحابة. ومات بالمدينة سنة سبع عشرة ومئة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وقال المدائنيُّ: مات وهو ابن ثلاث وستين.
وأخوه شقيقه عليُّ بن عليِّ بن الحسين: كان يلقب الأفطس. وأعقب. ومن عقبه حسين بن حسن بن علي بن علي بن علي بن الحسين: خرج على المأمون بمكة سنة تسع وتسعين ومئة.
وقيل لمحمد بن عليّ بن الحسين ﵈: من أزهد الناس؟ قال: من لا يُبالي في يدي من كانت الدنيا. ومن العجب أن يشغل الرجل نفسه بشيء، التدبير فيه إلى غيره.
وكان ﵁، يقول: أدَّب الله محمدا ﷺ أحسن
[ ٢ / ٢٢٤ ]
الأدب، فقال:) خُذِ العفو وأمُر بالعُرفِ وأعرض عن الجاهلين (. فلما وعى عن الله ﷿ ما أمره قال:) وإنك لعلى خلق عظيم (. فلما قبل منه ما فوَّض إليه قال:) وما آتاكم الرسولُ فخذُوهُ وما نهاكم عنه فانْتَهُوا (. وقال ﵁: " وإنَّ شرَّ الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق. وإنَّ شرَّ الآباء مند دعاه البرُّ إلى الإفراط ".
وولد محمد الباقر جعفرا وهو الصادق: ولده أبو بكر الصديق، ﵁ مرتين. أمُّه أمُّ فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمُّها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. وكان من ساكني المدينة. وبها مات في خلافة أبي جعفر في قول المدائني والواقدي. قال الواقديُّ: لمَّا خرج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بالمدينة على أبي جعفر هرب جعفر بن محمد إلى ماله بالفُرُع. فلم يزل هنالك مقيما متنحِّيا عما كانوا فيه، حتى قُتل محمد فلما قُتل محمد واطمأنَّ الناس وأمِنوا رجع إلى المدينة، فلم يزل بها حتى تُوفي سنة ثمان وأربعين ومئة. وهو يومئذ ابن إحدى وسبعين سنة. وكان فاضلا، وتكذِب عليه الشيعة كثيرا، وكان من شيوخ مالك وسفيان الثوريِّ. ولمالك عنه في الموطأ تسعة أحاديث، منها خمسة متصلة مسندة، أصلها حديث واحد وهو حديث جابر الطويل في الحج، والأربعة منقطعة، وكان يُكنى أبا عبد الله.
وكان أبو جعفر يعُظِّمهُ ويعرف له حق القرابة والطاعة. وأراده مرة بسوء لأمر باطل قُرف به، فصرف الله عنه. وعلم أبو جعفر براءته وصدقه وإخلاصه ونصحه، ﵁ وعن آبائه.
وولد جعفر موسى. وولد موسى عليا وهو الرِّضى، وهو مولى معروف الكرخي الزاهد. وحدَّث الرِّضى عليُّ بن موسى عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليِّ بن وبايع المأمون لعليِّ الرِّضى بولاية العهد بعده بخراسان. وأمر الناس بلباس الخُضرة وترك السَّواد. فلما بلغ أهل بغداد ما فعل من ردِّ الأمر إلى
[ ٢ / ٢٢٥ ]
آل أبي طالب بايعوا عمَّه إبراهيم بن المهدي، وهو الذي كان يقال له: ابن شَكْلة. وخبره مع المأمون مشهور. وكان أسود حسن الصوت والغناء.
ومات الرِّضى بخراسان، فصرف المأمون عن الطالبيِّن الأمر، ورجع هو وأهل دولته إلى أهل السواد.
وأما زيد بن علي بن الحسين فكان يُكنى أبا الحسين، وأمُّه سنديَّة. وكان بعيد الهمَّة، شريف النفس سديد القول، بليغ المنطق. حدَّث شَبابة ابن سَوَّار الفزاريُّ قال: حدَّثني ابن أبي الصَّبَّاح الكوفيُّ، عن أبي سلمة يحيى بن دينار، عن أبي المُطهَّر الوراق قال: بينما زيد بن علي في بعض أزقة الكوفة إذ بصُرَ به رجل من الشيعة، فدعاه إلى منزله فأحضرهُ طعاما. فتسامعت به الشيعة، فدخلوا عليه حتى غَصَّ المجلس منهم فأكلوا معه، ثم استسقى فقالوا أي شراب نسقيك يا بن رسول الله؟ قال: أصلبه وأشدُّه. فأتوه بعُسٍّ من نبيذ، فشرب. ودار العُسُّ عليهم فشربوا. ثم قالوا: يا بن رسول الله، لو حدَّثتنا في هذا النَّبيذ بحديث رويته عن أبيك، عن جدِّك، فإن العلماء يختلفون فيه. فقال زيد: حدَّثني أبي عن جدي أن النبيَّ ﷺ قال: " لتركبنَّ طبقة بني إسرائيل القُدَّة بالقُدَّة، والنَّعلَ بالنَّعل. ألا وإن الله ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت، حلَّ منه الغرفة والغرفتين، وحرَّم منه الرِّيَّ. وقد ابتلاكم بهذا النبيذ، أحلَّ منه القليل وحرَّم منه الكثير ". فكان أهل الكوفة يُسمُّون النبيذ نهر طالوت.
شبابة بن سَوَّار: راوي هذا الخبر هو مولى لفزارة من أهل بغداد من أبناء أهل خراسان. وتحوَّل إلى المدائن، فنزل بها، ثم خرج إلى مكة فأقام بها حتى مات. وروى مسلم في صحيحه عن ابن أبي شَيْبةَ أبي بكر، عن شبابة وعن زهير بن حرب عنه، وعن حجّاج بن الشاعر ومحمد بن رافع وإسحاق بن إبراهيم
[ ٢ / ٢٢٦ ]
الحنظلي. وهو ابن زاهَويَهِ عنه. ويَروي شبابة عن شُعبة وسليمان بن المغيرة وورقاء بن عمر وغيرهم من الثقات.
ولزيد بن علي مع ابن شهاب الزُّهريُّ خبر طريف. رأى الزُّهريُّ في منامه كأنه مدفون في قبر، وكفُّه خارجة من القبر، مخضوبة بالحنَّاء. فسئل عن ذلك سعيد بن المسيَّب فقال: هذا رجل صالح، يُصيب دما خطأ. فاستُعمل الزهريُّ على صدقات بني عُذرة. فاستعمل مولى للصَّلت بن عبد الله بن الحرث بن نوفل ابن الحرث بن عبد المطلب، سلعيا. فخان، فضربه الزُّهريُّ بعصا، فأصاب جرحا كان بظهره قد برأ. فانتفض عليه عند ضربه إياه فمات منه. فجزع الزُّهريُّ وندم، وقال: لا أقرب امرأة، ولا يُظلُّني سقف بيت وظلَّ متخفيا منفردا عن الناس. فمرَّ به زيد بن علي بن الحسين فقال: يا ابن شهاب، إتَّقِ الله، فوالله ما أخاف أن تعجز عنك رحمة الله، ولكني أخاف أن يوبقك قنوطك من رحمة الله. يُب إلى الله تعالى، وابعث إلى أهل الرجل بديَّته، وارجع إلى أهلك ومنزلك. فكان الزُّهريُّ يقول: زيد بن عليٍّ أعظم الناس عَلَيَّ منَّة.
ودخل زيد على هشام بن عبد الملك وهو خليفة. فقال له هشام: بلغني أنَّك تدَّعي الخلافة، وأنت ابن أمَة. فقال له: إنَّ الله وضع بالإسلام النَّقيصة، ورفع به الخسيسة. هذا إسماعيل أمه هاجر، وهي أمَة، أخرج الله من صلبه سيِّد ولد آدم محمدا ﷺ وهذا إسحاق ابن حُرَّة، أخرج الله من صُلبه من مسخَه ق ﴿ردة وخنازير. فأسمعه هشام ما كره. فخرج مُغضبا وهو يقول: ما أحَبَّ أحد الحياة إلا ذَلَّ. قال مولاه: فلما سمعت منه هذا الكلام علمتُ أنَّه سيخرج. فخرج على هشام بالكوفة، واجتمع عليه عسكر كبير. وحارب فبعث إليه يوسف بن عمر الثقفيّ عامل هشام على العراق جيشا، فرُمي بسهم فمات وصُلِب. صلبه يوسف بن عمر بالكُناسة، وذلك سنة اثنتين وعشرين ومئة. وإليه تُنسب الزيدية. وهم أقلُّ الرافضة غُلوًّا. غير أنهم يرون الخروج مع كلِّ من خَرَج.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
فوَلَد زيد بن علي يحيى وعيسى وحسينا. فأما يحيى فقُتل بخراسان بالخُوزَجان منها، زمن نصر بن سيار. وقدم برأسه إلى الشام على الوليد بن يزيد الماجن. وأمُّ يحيى رَيطةُ بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد الحنفية.
وأما عيسى بن زيد فخرج على أبي جعفر المنصور بعد قتل أبي مسلم واستيلائه على مُلك العراقين والشام والحجاز وخُراسان ومصر واليمن. وقاتله فيما بين الكوفة وبغداد، ولقيه في جموع كثيرة، نحو من عشرين ومئة ألف. فأقام أياما يقاتله في كلِّ يوم، حتى همَّ أبو جعفر بالهزيمة، وركب فرسه لذلك. ثمَّ جعل يشجِّع الناس، ويَعِدهم العطايا الواسعة والصلات العظيمة، فقاتلوا. ثم أنَّ أبا جعفر غلبته عينه، وهو على فرسه. فنام. فرأى في نومه كأنه يُمدُّ، وتُستمر يداه ورجلاه على الأرض. فاستيقظ، فدعا عبَّارا كان معه. فأخبره بما رأى. فقال له: أبشر يا أمير المؤمنين، فإن سلطانك ثابت، وسيليه بعدك جماعة من ولدك. وهذا الرجل منهزم. فما كان بأسرع أن نظر المنصور إلى عيسى بن زيد منهزما.
وأما حسين بن زيد: فَعَمي. وكانت ابنته ميمونة عند المهدي. وكان له ولد.
وولَد عليٌّ من غير فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنهما محمدا وهو ابن الحنفية وأبا بكر وعثمان والعباس وجعفر وعبد الله وإبراهيم. وقُتل هؤلاء الستة مع الحسين ﵁ وعنهم. وعُبيد الله قتله المختار، ولا عَقِبَ له. ويحيى: وأمُّه أسماء بنت عُميس. وعمر: أمُّه تغلبيَّة. وكان خالد بن الوليد سباها في الرِّدَّة، فاشتراها علي. وحُمل عنه الحديث. وروى عن عمر بن الخطاب، وكان له عَقِب بالمدينة. ومن ولده محمد، وأمُّه أسماء بنت عقيل بن أبي طالب.
ومن ولد محمد بن عمر أبو الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب. حدَّث عن ابن أبي فُديْك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت علي
[ ٢ / ٢٢٨ ]
بن أبي طالب ﵁ يقول: خرج إلينا رسول الله ﷺ، فقال: " اللهمَّ ارحم خلفائي ". قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: " الذين يأتون من بعدي، يروون أحاديثي وسنَّتي ويُعلِّمونها الناس " خرَّج هذا الحديث أبو نُعَيم الحافظ الأصبهانيُّ في " الرياضة " عن أبي حُصين محمد بن الحسين بن حبيب القاضي، عن أبي الطاهر، مرفوع النسب، عن ابن أبي فُديْك.
وأعقب العباس بن علي. ترك ولدين: عبيد الله، أمُّه لبانة بنت عبيد الله ابن العباس. وحسنا لأمِّ ولد. وأمُّ العباس وأخويه جعفر وعبد الله أمُّ البنين بنت حرام الوحيدية. وليس لجعفر عقب وأمُّ عبيد الله وأبي بكر ابني علي: ليلى بنت مسعود بن خالد النَّهشليِّ.
وأمَّا أبو القاسم محمد بن علي ابن الحنفية فأمُّه من سبي بني حنيفة، اشتراها علي، واتَّخذها أمَّ وِلد. فولدت له محمدا فأنجبت. واسمها خولة بنت إياس بن جعفر جانِّ الصَّفا. ويقال: بل كانت أمة لبني حنيفة، سندية سوداء. ولم تكن من أنفُسِهم. وإنما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم.
وكان شجاعا أيَّدا فصيحا عالما بالكتاب والسُّنة، وللشيعة فيه أقاويل، يكذبون عليه فيها، وينكرها أهل السنَّة ويُحاشى عنها، ﵁. وكان يُفضِّل أبا بكر وعمر، ويُثني على عثمان ﵃ وعنه.
وكان ابن الزُّبير قد حبس محمد بن الحنفية في خمسة عشر رجلا من بني هاشم، فقال: لتُبايعُنَّ أو لأُحرِقَنَّكُم، فأبوا البيعة، وكان السجن الذي حبسهم فيه يُدعى سجن عارم وفي ذلك يقول كُثيِّر، يخاطب ابن الزبير:
تُخَبِّرُ من لاقَيتَ أنك عائذٌ بل العائذُ المحبوسُ في سجنِ عارمِ
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وصيُّ النبيِّ المصطفى وابْنُ عمِّه وفَكَّاكُ أعناقٍ وقاضي مَغارِمِ
أراد ابن وصيِّ النبيِّ. والعرب تُقيم المضاف إليه في هذا الباب مقام المضاف، كما قال الآخر:
صَبَّحْنَ من كاظمةَ الخصَّ الخَرِبْ يَحملْنَ عباسَ بنَ عبد المطَّلب
يريد ابن عباس. وكان ابن الزبير يُدعى العائذ، لأنه عاذ بالبيت. وكان يُدعى المُحِلَّ لإحلاله القتال في الحرم. وفي ذلك يقول رجل في رملة بنت الزبير:
ألا مَن لقلبٍ مُعَنَّى غَزلْ بِقَتلِ المُحِلَّةِ أختِ المُحِل؟
وكان عبد الله بن الزبير يُظهر البغض لابن الحنفيَّة إلى بغض أهله وكان يحسده على أيْدِه. ويُقال أن عليَّا استطال درعا، فقال: ليُنقض منها كذا وكذا حلقة. فقبض محمد ابن الحنفية على ذيلها بإحدى يديه، وبالأخرى على فضلها ثم جذبها فقطعها من الموضع الذي حدَّ أبوه فكان ابن الزبير إذا حُدِّث بهذا غضب واعتراه له أفكَل.
ومات محمد بن الحنفية بالطائف سنة إحدى وثمانين، وهو يومئذ ابن خمس وستين سنة. وروي عنه أنه قال: " الحسن والحسين خير مني، وأنا أعلم بحديث أبي منهما ". وولد لسنتين بقيا من خلافة عمر. وروى فِطِر عن منذر الثَّوريِّ عن محمد ابن الحنفية، قال: قال لي علي: قلت يا رسول الله إن ولد لي من بعدك ولد أسمِّيه باسمك وأكنِّيه بكنيتك؟ قال: " نعم ". أخرج هذا الحديث الترمذيُّ عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القَطَّان عن فِطر.
وأشهر ولد محمد ابن الحنفية: عبد الله أبو هاشم، والحسن أبو محمد، وروي
[ ٢ / ٢٣٠ ]
عنهما الحديث. مالك عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابنَي محمد بن عليّ ابن أبي طالب، عن أبيهما، عن عليّ بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحُمر الأُنسيَّة. قال عمرو ابن دينار: ما رأيت أحدا أعلم بما اختُلف فيه من الحسن بن محمد، وما كان زُهريُّكم هذا إلا غلاما من غلمانه، يعني ابن شهاب. ومات زمن عمر بن عبد العزيز.
وأما أبو هاشم أخوه فكان عظيم القدر. وكانت الشيعة تتولاه، فحضرته الوفاة بالشام، فأوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وقال له: أنت صاحب هذا الأمر، وهو من ولدك. ودفع إليه كتبه، وصرف الشيعة إليه. وليس لأبي هاشم عقب.
وبنات عليٍّ ﵁ من غير فاطمة كنَّ عند ولد عقيل وولد العباس، وعند جَعدة بن هُبيرة المخزوميَّ، وعند سعيد بن الأسود بن أبي البَخْتَريِّ القرشيِّ الأسديِّ. واسم أبي البَخْتريِّ: العاصي بن هشام بن الحارث بن أسد. وهو قتيل وهو قتيل المُجذَّر بن ذِياد يوم بدر. وقد ذكرت خبره في بني أسد من قُريش.
ومن موالي آل علي ﵁ وعنهم يحيى بن أبي كثير: روى عنه الأوزاعيُّ. قال أيوب السَّختياني: ما بقي على الأرض مثل يحيى بن أبي كثير. ومات يحيى سنة تسع وعشرين ومئة. وروى عنه ابنه عبد الله بن يحيى وغيره الحديث.
[ ٢ / ٢٣١ ]