قال علي ﵁: ما زال يُعَدُّ منا أهل البيت حتى نشاء عبد الله. وكانت له لسانة وفصاحة، وكان أطلس لا لحية له، ولا شعر في وجهه. وقال عليُّ بن زيد الجُدْعانيُّ: كان عبد الله بن الزبير كثير الصلاة، كثير الصيام، شديد البأس، كريم الجدّات والأمهات والخالات، إلا أنه كانت فيه خصال لا تصلح معها الخلافة لأنه كان بخيلا ضيِّقَ العَطَن سيء الخُلق حسودا، كثير الخلاف. أخرج محمد ابن الحنفية، وسجنه، ونفي عبد الله بن عباس إلى الطائف، وهو القائل من بخلة لجنده: أكلتم تمرى وعصيتم أمري، وفي ذلك قال الشاعر:
رأيت أبا بكر وربُّك غالبٌ على أمرهِ يَبغي الخلافةَ بالتَّمرِ
وبويع له بالخلافة سنة خمس وستين، وكان قبل ذلك لا يُدعى باسم الخلافة. وكانت بيعة بعد موت معاوية بن يزيد. واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخرسان، وحجَّ بالناس ثماني حجج. وروى عيسى عن ابن القاسم عن قال: ابن الزبير كان أفضل من مروان، وكان ألى بالأمر من مروان ومن أبنه. وبدأ الحجاج بحصاره من أول ليلة من ذي الحِجَّة سنة اثنين وسبعين. وحج بالناس الحجاجُ في ذلك العام. ووقف بعرفة في تلك السنة، وعليه درع ومغفر، ولم يطوفوا بالبيت ذلك العام. فحاصره ستة أشهر وسبعة عشر يوما، إلى أن قُتل في النصف من جُمادي ىلآخر سنة ثلاث وسبعين.
وعن هشام بن عُروة عن أبيه قال: لما كان قبل قتل عبد الله بن الزبير بعشرة أيام دخل على أمه أسماء وهي شاكية، فقال لها: كيف تَجدِينَك يا أُمَّهْ؟ قالت: ما أجدُني إلا شاكية. فقال لها: إن في الموت لراحة. فقالت: لعلك
[ ٢ / ٢٩٧ ]
تمنيت لي ما أحبُّ أن تموت حتى تأتي على أحد طرفيك؛ إمَّا قُتلت فأحتسبك، وإمَّا ظفرت بعدوِّك، فقرَّت عيني. قال عروةُ: فالتفت إليَّ عبد الله فضحك. فلما كان في اليوم الذي قُتل فيه دخل عليها في المسجد. فقالت له: يابُنيَّ لا تقبلن منهم خطَّة تخاف فيها على نفسك الذلَّ مخافة القتل. فوالله لضربة بسيف في عزٍّ خير من ضربة بسوط في مَذَلَّة. قال: فخرج وقد جعل له مصراع عند الكعبة، فكان تحته، فأتاه رجل من قُريش، فقال: ألا نفتحُ لك باب الكعبة؟ فقال عبد الله: من كلِّ شيء تحفظ أخاك إلا من نفسه. والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم. وهل حُرمة المسد إلا كحُرمة البيت؟ ثم تمثَّل:
ولستُ بمُبتاعِ الحياةِ بسُبَّةٍ ولا مُرتَقٍ من خشيةِ الموت سُلَّما
وشد عليه أصحاب الحجاج من أبواب المسجد الحرام. فقال لأصحابه: اكسروا أغماد سيوفكم ولا تسلوا عني فإني في الرَّعيل الأول. قال: ففعلوا. ثم حملوا عليهم وحملوا عليه. فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد وهزمهم ثلاث مرات، حتى أقبل عليه حجر من ناحية الصَّفا فضربه بين عينه، فنكَّس رأسه وهو يقول:
لست على الأعقابِ تَدمى كلومُنا ولكنْ على أعقابنا يقطر الدَّمُ
هكذا تمثَّل به الزبير بن بكار، قال: ثم أجمعوا عليه، فلم يزالوا يضربونه حتى قتلوه. ولما قُتل كبَّر أهلُ الشام، فقال عبد الله بن عمر: المكبِّرون عليه يوم وُلد خير من المكبِّرين عليه يوم قُتل.
وبعث الحجاجُ برأس عبد الله بن الزبير وعبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجُحميِّ ورأس عُمارة بن عمر بن حزم الأنصاريِّ البخاريِّ إلى المدينة، فنُصبوا بها. ثم بعثوا برؤوسهم إلى عبد الملك، وصُلبت جثة ابن الزبير على ثَنيَّةِ أهل المدينة عند المقابر.
مسلم: حدَّثنا عقبةُ بن مُكرَمٍ العَمِّيُّ قال: نا يعقوب يعني ابن إسحاق
[ ٢ / ٢٩٨ ]
الحضرميَّ، قال: نا الأسود بن شَيبان عن أبي نوفل قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس حتى مرَّ عبد الله ابن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا ضُبيب، السلام عليك أبا ضبيب، السلامُ عليك أبا ضبيب. أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله إن كنت ماعملت صوّاما قوَّاما وصولا للرَّحم. أما والله لأمَّة أنت شرُّها لأمة خير. ثم نفذ عبدُ الله بن عمر فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه فألقي في قبور اليهود. ثم أرسل إلى أمَّه أسماء بنة أبي بكر الصدِّيق، فأبت أن تأتيهُ، فأعاد عليه الرسول: لتأتينِّي أو لأبعثن إليك من يسحبُك بقرونك، قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إليَّ من يسحبُني بقروني. قال: فقال: أرُوني سِبْتَيَّ، فأخذ نعليه، ثم انطلق يَتَوذَّف حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعتُ بعدوِّ الله؟ قالت: رأيتُك أفسدت عليه دُنياهُ وأفسد عليك آخرتك. بلغَني أنك يقول له: يابن ذات النِّطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أمَّا أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر الصديق من الدوابِّ، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه. أما إنَّ رسول الله ﷺ حدَّثنا أن في ثقيف كذَّابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها.
وقال يعلي بن حرملة: دخلتُ مكة بعدما قُتل ابن الزبير بثلاثة أيام فإذا هو مصلوب، فجاءته امرأة عجوز طويلة مكفوفة البصر تُقاد، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال لها الحجاج: المنافق؟ فقالت: والله ما كان مُنافقا، ولكنه كان صوَّاما قوَّاما بَرًَّا. قال: انصرفي فإنك عجوز وقد خرفت. قالت: لا والله ما خرفت، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في ثقيف كذابٌ ومُبيرٌ. أما الكذابُ فقد رأيناه، وأما المُبيرُ فأنت المُبيرُ. وقيل: إن الكذاب هو المختار بن أبي عُبيد الثقفيُّ. وذكر أن الحجاج حين ذكرت له هذا الحديث قال لها: اللهمَّ مُبيرٌ لا كذاب.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وقال ابن أبي مُلَيْكة واسمه عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة. واسم أبي ملكية زهير بن عبد الله بن جُدعان التَّيميُّ تيمُ قريش: كنت الآذن لِمن بشَّر أسماء بنزول ابنها عبد الله بن الزبير من الخشبة. فدعت بِمركن وشَبٍّ يمانيٍّ وأمرتني بغسله. فكنا لا نتناول عضوا إلا جاء معنا. فكنا نغسل العضو ونضعه في أكفانه، ونتناول العضو الذي يليه فنغسله ونضعه في أكفانه. حتى إذا فرغنا منه قامت فصلَّت عليه، وكانت تقول قبل ذلك: اللهمَّ لا تمُتْني حتى تُقرَّ عيني بجثَّته، فما أتت عليها جُمعة حتى ماتت.
وقيل: إن عروة بن الزبير رحل من مكة إلى دمشق بعدما قتل الحجاجُ أخاه عبد الله. فلما وقف بباب عبد الملك قال للحاجب، قل لأمير المؤمنين: أبو محمد بالباب. فارتاع الحاجب وقال: ما أجفاك يا هذا! إنَّ أمير المؤمنين لا يُستأذن عليه بالكنى. فقال: إنك إن لم تفعل ما أمرتك به عاقَبَك. فدخل الحاجب مغضبا، فقال له عبد الملك: مالك ويحك؟ قال: يا أمير المؤمنين، بالباب رجل أظنُّه من أهل الحجاز، عليه ثياب غلاظ مُشَمَّرة قال لي قولا أُجلُّ أمير المؤمنين أن أخاطبهُ به. قال: قل ويحك. قال: يقول: قل لأمير المؤمنين أبو محمد بالباب. فضحك عبد الملك، وقال: هو عُروة بن الزبير، إئذن له. فلمَّا دخل عليه رغب إليه في إنزال أخيه من الخشبة، فأسعفه وأكرمه ووصله.
وقال عليُّ بن مجاهد: قُتل مع ابن الزُّبير مئتان وأربعون رجلا، منهم من سال دمه في جوف الكعبة. وقال سفيان بن عُيينة: مكث عامر بن عبد الله بن الزبير بعد قتل أبيه حولا لا يسأل الله لنفسه شيئا إلا الدُّعاء لأبيه.
وولد عبدُ الله عبدَ الله، وكان أشبه القوم بأبيه، وخُبيبا، وبه كان يُكنى أيضا، ولا عقب له، وقيسا ولا عقب له، وعامرا، وعبادا، وحمزة، وثابتا، وموسى. ولهولاء الخمسة أعقاب، وأنجبوا. ويروى عن عامر وعباد وحمزة الحديث.
وكان عامر بن عبد الله من أعبد أهل زمانه. وكانت فيه غفلة. أتيي بعطائه وهو في المسجد، فقام ونسبه في موضعه، فلما سار إلى بيته ذكره، فقال: يا غلام إئتني بعطائي الذي نسيت في المسجد. قال له: وأين يوجد وقد دخل المسجد بعدك جماعة؟ قال: وبَقِيَ أحد أن يأخذ ما ليس له؟ وسُرقت نعله فلم
[ ٢ / ٣٠٠ ]
يلبس بعد ذلك نعلا حتى مات. وقال: أكره أن أتَّخذ نعلا، فيجيء من يسرقُها فيأثمُ. وفي هذا الضرب من الناس قال أيوب السِّختيانيُّ: في أصحابي من أرجو بركة دُعائه ولا أجيزُ شهادته. ويكنى عامر أبا الحارث. ولمالك عنه مُشافهة في كتاب الصلاة من الموطأ حديثان مُسندان نصُّهما.
مالك: عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمر بن سُليم الزِّرقيِّ، عن أبي قتادة الأنصاريِّ أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنة رسول الله ﷺ لأبي العاصي بن الربيع بن عبد شمس. فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
مالك: عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُليم الزُّرْقيِّ، عن أبي قتادة الأنصاريِّ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا دَخل أحدُكم المسجد فليركع رَكعتين قبل أن يجلس، وذلك حسن وليس بواجب ". وروىمالك أيضا عن عَبَّادَ بن عبد الله بن الزبير في جامع الجنائز من الموطأ ما نصُّه: مالك عن هشام بن عروة، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير أن عائشة زوج النبيَّ ﷺ أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت، وهو مُسْتَندٌ إلى صدرها، وأصغتْ إليه يقول: " اللهمَّ اغفرْ لي وارحَمْني وألحِقْني بالرفيق ". وروى عباد عن عائشة وأبيه، وروى عنه ابنه يحيى بن عبَّاد.
وأما حمزةُ بن عبد الله بن الزبير: فيكنى أبا عُمارة. وكان من أجواد العرب. وكان عامل أبيه على البصرة وله عقب. وفيه يقول موسى شَهَوات:
حمزةُ المبتاعُ بالمالِ الثَّنا ويرى في بَيعهِ أنْ قد غَبَنْ
وهو إن أعطى عطاء كاملًا ذا إخاء لم يُكدِّرْهُ بِمَنْ
[ ٢ / ٣٠١ ]
وإذا ما سَنَةٌ مُجحِفَةٌ بَرَتِ المالَ كَبْريٍ بالسَّفَنْ
حَسَرتْ عنهُ نقيًا عرضُهُ طاهرَ الأثوابِ ما فيهِ دَرَنْ
وروى حمزة عن عائشة، وابنه عبد الواحد بن حمزة حمزة روى عن عمِّه عبادِ بن عبد الله [بن] الزبير. وروى عن عبد الواحد عبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْدِيُّ وموسى بن عقبة.
وأما ثابتُ بن عبد الله بن الزبير: فكان بذيئًا لسِنا بئيسًا. وولد ثابت نافعا ومُصْعبا. ويكنى نافع أبا عبد الله. ومات سنة خمس وخمسين ومئة، وقد بلغ اثنتين وتسعين سنة.
وابنه أبو بكر عبد الله بن نافع: سمع مالك بن أنس، ذكره مسلم في كتاب " الكنى ".
وأما أخوه مصعب بن ثابت: فمات بالمدينة سنة سبع وخمسين ومئة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
وابنه عبد الله بن مصعب: كان عامل مروان بن محمد على المدينة واليمن، وهو والد مصعب بن عبد الله الزُّبيري، وبكار والد الزُّبير بن بكار. وكان الغالب على مصعب بن عبد الله الزُّبيريِّ النسب والأخبار. وله كتاب في نسب قريش، وكذلك ابن أخيه الزبير بن بكار. ووَليَ الزُّبير قضاء مكة.
وأما موسى بن عبد الله بن الزبير: فكان له عقب بالمدينة، منهم: صُدَيقُ ابن موسى، وكان من سَرِواتِ قُريش.
ومن موالي عبد الله بن الزُّبير أبو نُعيم وهْبُ بن كَيسان: وهو من التابعين. روى عن جابر بن عبد الله وعمر بن أبي سَلمة. ولمالك عنه في الموطأ حديثان.
عروةُ بن الزبير: كنيته أبو عبد الله وأبو محمد، كان يُدعى بهما، وأبو عبد
[ ٢ / ٣٠٢ ]
الله أشهر. وكان فقيها فاضلا، وهو أحد الفقهاء السبعة. قال عمر بن العزيز: ما أحد أعلم من عروة بن الزبير. وقال ابن شهاب: عروة بحر لا تكدَّرُه الدَّلاء. وكان من الزهَّاد في الدنيا، الراغبين في الآخرة، العالمين بالكتاب والسُّنَّة. تمنىَّ على الله خير أُمنية بصدق نية، فأنعم عليه بما يتمنى، وسهَّل له مطلوبّهُ وسَنَّى.
ذُكر أنه اجتمع عبد الله بن الزبير وعُروة ومُصعب أخواه وعبد الملك بن مروان يوما بمكة في حِجْر إسماعيل ﵇. فقال بعضهُم: هلمَّ فَلنْتمنَّ على الله، فإن هذا موضع استجابة للدُّعاء. فقال عبد الله بن الزبير: أتمنَّى أن أملك الحرمين، وأُسمَّى أمير المؤمنين. وقال مصعب بن الزبير: اتمنَّى أن أَلِيَ العراقين، وأن أنكح عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين. وقال عبد الملك بن مروان: أتمنى أن أملك الأرض كلَّها. وقال عروة بن الزبير: لستُ ممَّا أنتم في شيء؛ أتمنى الزُّهد في الدنيا والجنة في الآخرة، وأن أكون مِمَّن يُروى عنه هذا العلمُ. فبلغ كلُّ واحد منهم أُمنيَّتَهُ؛ فكان عبد الملك بن مروان يقول: من سَّرهُ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير.
وأصابت عُروة الأكِلةُ في رجله، وهو بالشام عند الوليد بن عبد الملك فقُطعت رجله والوليد حاضر فلم يتحرَّك، ولم يشعر الوليد أنها تُقطع حتى كُويَتْ، فوجدوا رائحة الكيِّ، وبقي بعد ذلك ثماني سنين. ولما قُطعت رجله ووُضعت بين يديه قال: الحمد لله الذي أخذ مني واحدة، وأبقى لي ثلاثا، يعني رجله الأخرى ويديه. ولم يدع وِردَةُ تلك الليلة. وقال أيضا:
لعَمرُك ما أهويتُ كفي لريبَةٍ ولا حَملتْني نحوَ فاحشةٍ رِجْلي
ولا قادني سمعي ولا بَصري لها ولا دلَّني دِيني عليها ولا عقلي
وأَعلمُ أني لم تُصبْني مُصيبةٌ منَ الدهر إلا قد أصابت فتىً قبلي
وولد عُروة سنة ست وعشرين ومات سنة أربع وتسعين، قاله مصعب بن
[ ٢ / ٣٠٣ ]
عبد الله الزبيريُّ. وكانت تلك السنة تُدعى سنة الفُقهاء، لكثرة من مات منهم فيها. وقال الواقديُّ: مات وهو ابن سبع وستين.
وولد عروة عبد الله وهشاما ومحمدا ويحيى. فأما عبد الله بن عروة فكان من أخطب الناس وأبلغهم. وكان يشبَّه بخالد بن صفوان في البلاغة وقيل له: تركت المدينة دار الهجرة، فلو رجعت لقيت الناس، ولقيك الناس فقال: وأين الناس؟ إنما الناس رجلان. شامت بنكبة أو حاسد لنعمة. وعَمي قبل موته، وأعقب بالمدينة. وروى عنه أخوه هشام.
ومن ولده عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة أبو الحارث. سمع عمَّ أبيه هشاما. روى عنه احمد بن حنبل.
وأما هشام بن عروة: فكان فقيها، وكان من ساكني المدينة، وهو أحد أشياخ مالك. وله عنه في الموطأ خمسون حديثا، منها ستة وثلاثون مُسندة وسائرها مراسل تستند من وجوه صحاح. وقدم الكوفة أيام أبي جعفر فسمع منه الكوفيون. وقدم بغداد في آخر عُمره، فمات بها سنة ست وأربعين ومئة. ودفن في مَقْبرة الخيزُران، وأعقب بالمدينة وبالبصرة. وكان يكنى أبا المنذر. وروى هشام عن أبيه كثيرا. وروى أيضا عن امرأته فاطمة بنة عبد المنذر بن الزبير، وكانت تحته، وكانت أسنَّ منه.
وأما محمد بن عروة: فكان من أجمل الناس ولا عقب له الرجال. وأما يحيى بن عروة فكان له علم بالنَّسب وأيام الناس فذكر إبراهيم بن هشام المخزوميَّ خال هشام بن عبد الملك وواليَهُ على المدينة، قادحا في نسبه. فأمر به هشام فضُرب فمات بعد الضرب. وأعقب بالمدينة.
المنذر بن الزبير: كان يُكنى أبا عثمان، وكان سيدا حليما. وقُتل مع ابن الزبير.
ومن ولده محمد وعاصم. فأما محمد بن المنذر فكان يقال له سيد قُريش ويكنى أبا زيد. وكان إذا مرَّ في الطريق أُطفئت النيران تعظيما له. وانقطع يوما قِبال نعلهِ، فقال برجله هكذا. فنزع الأخرى ومضى، وتركهما ولم يعرِّج
[ ٢ / ٣٠٤ ]
عليها. وهو القائل: ماقلَّ سفهاء قوم قطُّ إلا ذلَّوا. وله عقب.
وأما عاصم بن المنذر فمن ولده أبو عبد الله بن الزبير بن أحمد بن سليمان ابن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام، مات قبل العشرين وثلاثمئة، وكان أعمى. وله مصنفات في مذهب الشافعي كثيرة مليحة، منها: الكافي، وكتاب النِّية، وكتاب سَترِ العورة، وكتاب الهدية، وكتاب الاستشارة والاستخارة، وكتاب رياضة المتعلم، وكتاب الإمارة.
انقضى ذكر ولد الزبير من أسماء بنت الصديق وأعقابهم.
ذكرُ ولد الزبير من غير أسماء ﵂، وهم: مصعب، وحمزة، وقتل حمزة مع أخيه عبد الله بمكة، ولا عقب له، وخالد، وعمر، وعبيدة، وجعفر.
فأما مصعب: فكان يكنى أبا عبد الله وأبا عيسى، وكان أجود العرب جميلا، باهر المَرْآةِ، شريف النفس، بعيد الهمَّة غزيزها. وفيه يقول عبيد الله بن قيس الرقيات:
إنما مصعبٌ شهابٌ من الله تجلَّتْ عن وجههِ الظُّلماء
مُلكُهُ ملكُ رحمةٍ ليسَ فيه جَبروتُ منهُ ولا كِبرياءُ
يتَّقي اللهَ في الأمور وقد أف لحَ مَن كان همُّه الاتِّقاء
وولاَّهُ أخوه عبد الله العراقين، فسار إليه عبد الملك، ووجَّه أخاه محمد بن مروان على مقدِّمته. فلقيه مصعب فقاتلهُ، فقتل محمد مصعبا بدير الجاثليق بين الشام والكوفة سنة إحدى وسبعين. وقُتل ابنه عيسى بن مصعب معه. وخطبة أخيه عبد الله حين بلغه قتله مما يُعدُّ من فصاحته وبلاغته. يُروى أنه لما أتى عبد الله بن الزبير قتل مصعب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعدُ فإنه أتانا خبر مصعب فسُرونا واكتأبنا، فأما السرور فلما قُدِّر له من الشهادة و
[ ٢ / ٣٠٥ ]
له من الثواب. وأما الكآبة فلوعة يجدها الحميمُ عند فراق حميمه. وإذا والله ما نموتُ.
وجمع المصعب بين عَقيلتين لم يجمع بينهما شريف، وهما سُكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله. وكانتا في غاية من الشرف والجمال. وأخبار سُكينة أكثر من أن تُحصى. وكانت سُكينة تحت المصعب حين قتل. ولما كان يوم مَسكين وهرب أكثر الناس عن المصعب دخل إلى سُكينة بنة الحسين وكانت له شديدة المحبة، وكانت تُخفي ذلك عليه، فلبس غِلالة وتوشَّح عليها، وانتضى السيف. فلما رأت ذلك عَلِمت أنه عزم ألا يرجع فصاحت من ورائه: فالتفت إليها، فقال: أوهذا لي في قلبك؟ فقالت: أي والله وأكثر من هذا. فقال: أما لو علمت لكان لي ولك شأن. ثم خرج، فقال لأبنه عيسى: أنجُ إلى نجائك، فإن القوم لا حاجة بهم إلى غيري. فقال: يا أبتاه لا أحرِّف عنك والله أبدا، فقال له؛ وهي الحظوظُ، أما والله لئن فعلت ذلك لما زلت أعرف الكرم في أسرارك وأنت تَقلَّب في مَهدك. فقتل بين يدي أبيه ففي ذلك يقول شاعر أهل الشام من اليمامة:
نحن قتلنا مُصعبًا وعيسى
وابنَ الزبير البطلَ الرئيسا
عَمْدًا أذٌَْنا مُضَرَ التبئيسا
وقال رجل من أهل الشام يذمُّ رجلا:
فلو كانَ شَهْمَ النَّفس؟ أوذا حفيظةٍ رأى ما رأى في الموتِ عيسى بنُ صعبِ
ولما أرادت سُكينة بنت الحسين الرحيل من الكوفة بعد قتل زوجها المصعب حفَّ بها أهل الكوفة، وقالوا: أحسن الله صحابتك يابنة رسول الله. فقالت: لا
[ ٢ / ٣٠٦ ]
جزاكم الله خيرا من قوم، ولا أحسن الخلافة عليكم. قتلتم أبي وجدي وعمي وزوجي، أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة.
ومما نُقم على أهل الكوفة أنهم أغدر الناس؛ انتهبوا عسكر الحسن بن غلي وهم من جنده، وخذلوا الحسين بن عليٍّ بعد أن استدعوه حتى قُتل، وشكوا سعد ابن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب، وزعموا أنه لا يحسن أن يُصلي، فدعا عليهم ألاَّ يُرضِيهم الله عن وال، ولا يُرضي واليا عنهم. وقد دعا عليهم عليُّ بن أبي طالب وقال: اللهمَّ ارمهم بالغلام الثَّقفيِّ الذي لايقبل من مُحسنهم ولا يتجازو عن مُسيئهم، وشكوا عمار بن ياسر والمغيرة بن شعبة، وطردوا سعيد بن العاصي والوليد بن عقبة، وقالوا لعثمان: لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك.
وقال بعض شعرائهم:
يا وَيلتي قد ذهبَ الوليدُ
وجاءنا من بعده سعيدُ
ينقصُ في الصَّاع ولا يزيدُ
ومن أخبار عائشة بنت طلحة: نظر أبو هريرة ﵁ إلى عائشة بنت طلحة فقال: سبحان الله ما أحسن ما غذَّاك أهلُك! والله ما رأيت وجها أحسن من وجهك إلا وجه معاوية على منبر رسول الله ﷺ. وكان معاوية من أحسن الناس وجها. ونظر ابن أبي ذئب إلى عائشة بنة طلحة تطوف بالكعبة فقال لها: من أنت؟ فقالت:
من اللائي لم يَجْجُجْنَ يَعْين حِسبةً ولكنْ ليقتلْنَ البريء المُغفَّلا
مثلك أبا عبد الله. قال: صان الله ذاك الوجه عن النار. قيل: أفَتَنتْك أبا عبد الله. قال: لا، ولكنَّ الحسن مرحوم. وعن الشعبيِّ قال: إني لفي المسجد نصف النهار إذ سمعت باب القصر يُفتح، فإذا بمصعب بن الزبير معه جماعة، فقال: يا شعبيُّ اتبعني، فاتبعته فأتى دار موسى بن طلحة، فدخل مقصورة، فأتبعته فإذا امرأة جالسة عليها من الحلي والجواهر مالم أر مثله، ولهي أحسن من الحلي
[ ٢ / ٣٠٧ ]
الذي عليها. فقال: ياشعبيُّ، هذه التي يقول فيها الشاعر:
وما زلتُ في ليلي لَدُنْ طَرَّ شاربي إلى اليوم أُخفي حبَّها وأداجِنُ
وأحملُ في ليلي لقَومي ضغينةً وتُحملُ في ليلي عليَّ الضغائنُ
هذه عائشة بنت طلحة. فقالت: أمَّا إذ جَلَوْتني عليه فأحسن إليه فقال: يا شعبيُّ، رُحِ العشيَّة، فرحتُ. فقال: يا شعبيُّ ما ينبغي لمن جُليت عليه عائشة أن يُنقص من عشرة آلاف شيئا. فأمر لي بها وبكسوة وبقارورة غالية. فقيل للشعبِّي في ذلك اليوم: كيف الحال؟ قال: وكيف حال من صدر عن الأمير ببدرة وكسوة وقارورة غالية ونظر في وجه عائشة بنت طلحة؟ وكانت قبل مصعب عند ابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، فولدت له طلحة، وكان جوادا، ولم تلد إلا له.
وأصدق المصعب عائشة حين تزوجها ألف ألف درعهم. وفي صداقها قال أنس ابن زُنيم الدُّؤليُّ، وكان مع المصعب بالعراق لأخيه، وكان مع عبد الله بن الزبير بمكة:
أَبلغْ أميرَ المؤمنينَ رسالةً من ناصحٍ لكَ لا يريدُ وَداعا
لو لأبي حَفصٍ أقولُ مقالتي وأقصُّ شأنَ حديثهم لارتاعا
قوله: أبلغ أمير المؤمنين يعني عبد الله بن الزبير. وقوله: لو لأبي حفص يعني عمر بن الخطاب ﵁. وقد أثبت هذه الأبيات لقائلها في صدر هذا الكتاب عند ذكر بني الدُّئل في كنانة.
وتزوَّجها بعد قتل المصعب عُمر بن عبيد الله بن مَعْمر، وروى مصعب عن أبيه الزبير، كذا قال مسلم في الكنى، وكناه بأبي عبد الله.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وولد مصعب عيسى وعُكاشة وجعفر وحمزة، فأما عيسى فقُتل مع أبيه ولا عقب له، وأما عُكاشة فكان له عقب بالمدينة. وابنه مصعب بن عكاشة: قُتل يوم قُديد. وأما جعفر فتزوَّج مُليكة بنت الحسن بن الحسن بن علي فولدت له نساء، وله ولد من غيرها. وأما حمزة فقُتل هو وابنه عُمارة يوم قُديد. وأعقب بالمدينة. ومن ولده: أبو إسحاق إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير. سمع والدَّرواورْديَّ وابن وهْبٍ.
وأما خالد بن الزبير: فاستعمله أخوه عبد الله على اليمن. وله عقب منهم خالد بن عثمان بن الزبير. كان خرج مع محمد بن عبد الله الحُسيني، فأخذه أبو جعفر فصلبه.
وأما عمرو بن الزبير: فكان يُكنى أبا الزبير، وكان له قدر كبير. وخالف أخاه عبد الله، فقاتله، ثم جاءه في جُوار عُبيدة أخيه، فقتله. وله عقب.
وابنه عمرو بن عمرو: الذي يقول أبو حُكيم الحزين بن سُليمان:
لو ان اللُّؤمَ كان معَ الثريا تناولَ رأسه عمرُو بنُ عمرِو
وقيل: اسم الحزين عمرو بن عبيد من بني ليث بن كنانة. ذكر هذا الواقديُّ. والأولُ قولُ عمر بن شَبَّة. وقال إنه مَوليِّ.
وأما عُبيدة بن الزبير فهو الذي قال لعمرو بن الزبير حين قاتل أخلاه عبد الله: امض معي إليه، وأنت في جواري. فإن أمنك وإلا رددتُك إلى مأمنِك. فمضى معه، فلم يُجر عبد الله أمانه، وأقصَّ منه حتى مات. ولعبيدة عقب.
وأما جعفر بن الزبير فكان من فتيان قريش. وكان صاحب غزل، وابنه محمد بن جعفر روى عن ابن عمِّه عبَّادِ بن عبد الله بن الزبير عن عائشة حديث الرجل الذي وطئ نهارا في رمضان. فقال: احترقت. خرَّجه مسلم. ورواه عنه عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد شيوخ
[ ٢ / ٣٠٩ ]
مالك. وروى أيضا عن عمِّه عُروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُه ".
ومن بنات الزبير رملةُ: وكانت تحت خالد بن يزيد ين معاوية وكان يحبُّها، زفيها يقول:
تجولُ خلاخيلُ النساء ولا أرى لرملةَ خَلخالًا يجولُ ولا قُلْبا
فلا تُكثِروا فيها الملامَ فإنني تخيَّرتُها منهم زُبيريةً صُلبا
أحب بني العوَّام طُرَّاَّ لحبِّها ومن أجلها أحببتُ أخوالها كَلبا
وافتعل على لسان خالد بيت رابع، وهو:
فإنْ تُسْلمي أْسْلمْ وإنْ تَتنصَّري يُعلِّقْ رجالٌ بين أعيُنِهم صُلْبا
ويروى أن عبد الملك بن مروان أنشد خالدا البيت فغضب وقال: يا أمير المؤمنين على قائله لعنة الله.
ومن موالي الزبير البَهيُّ الذي يروي عن عائئشة، واسمه عبد الله بن يسار، ويكنى أبا محمد. ونزل الكوفة، فروى عنه الكوفيون. روى البَهيُّ عن عائشة قال: سأل رجل النبيَّ ﷺ: أيُّ الناس خير؟ قال: خرَّج الحديث مسلم.
ومن موالي آل الزبير حُميدُ بن قيس الأعرج المكيُّ أحد أشياخ أبي عمرو ابن العلاء في القراءة. وكان قاريء أهل مكة، كثير الحديث، فارضا، حاسبا. وروى عنه مالك في الموطأ، وقرأ على مجاهد.
[ ٢ / ٣١٠ ]
وأخوه عمر بن قيس يضعَّفُ في حديثه.
وكان الزبير من الإخوة: السائب وعبد الرحمن فأما السائب فكان شقيق الزبير، وشهد أحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ. وقُتل يوم اليمامة شهيدا.
وأما عبد الرحمن فكان أخا الزبير لأبيه وأسلم عام الفتح، وصحب النبيَّ ﷺ، واستشهد يوم اليرموك، وقُتل ابنه عبد الله بن عبد الرحمن يوم الدار. وامرأته جميلة بنت عبد العزَّي بن قَطَن من بني المُصْطلِقِ من خزاعة، كانت من المبايعات. ولا نعلم لها رواية. وهي أمُّ ابنه عبد الله بن عبد الرحمن وغيره. وأبوها عبد العزَّي بن قَطنٍ هو الذي شَبَّه به رسول الله ﷺ الدجّال في حديث النَّواسِ بن سَمعان. خرَّجه مسلم.
[ ٢ / ٣١١ ]