وبويع لعلي، ﵁، بالخلافة يوم قُتِل عثمان، ﵀، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، وتخلف عن بيعته منهم نفر، فلم يَهجهُم، ولم يُكرِهُهُم. وسئل عنهم، فقال: " أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل ". ورواية أخرى: " أولئك قوم خذلوا الحقَّ، ولم يبصروا الباطل ".
وتخلف عن بيعته أيضا معاوية ومن معه في جماعة أهل الشام. فكان منهم في صِفِّين بعد الجمل ما قد كان تغمَّد الله جميعهم بالغفران.
وقُتل مع عليٍّ في صفين أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر مالك بن كنانة بن قيس بن الحُصين بن لَوذين ويقال: لوذيم بن ثعلبة بن عَوف بن حارثة بن عامر بن يام بن عنس العنسيُّ المذحجيُّ. وعَنس بالنون أخو مرادٍ،
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وأبوهما مالك بن أُدَد، وهو جِماع مَذْحِج. وكان ياسر أبو عمَّار قَدِم مكة من اليمن. فحالف أبا حُذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. فزوَّجه أبو حُذيفة أمة له يقال لها سُميَّة بنت خياط، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة. فمن هاهنا هو عمار مولى لبني مخزوم، وأبوه عربي كما ذُكر.
وكان عمار وأمُّه سُميَّة وأبوه ياسر ممَّن عُذِّب في الله. ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه. واطمأنَّ بالإيمان قلبه، فنزلت فيه: " إلا مَن أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان "، وهذا مما اجتمع عليه أهل التفسير. وكان رسول الله ﷺ يمرُّ بهم، وهم يُعذَّبون، فيقول لهم: " صبرا آل ياسر، صبرا آل ياسر، فإنَّ موعدكم الجنَّة. اللهمَّ اغفر لآل ياسر، وقد فعلتَ ".
وأمُّه سميَّة فيما روى سفيان وشُعبة وجرير عن منصور، وعن مجاهد بن جبر، أول شهيد استُشهد في الإسلام. وروى أبو رزين عن عبد الله بن مسعود قال: إنَّ أبا جهل طعن بحربة في فخذ سميَّة، أمَّ عمار عتى بلغت فرجها، فماتت. فقال عمار: يا رسول الله، بلغ منَّا العذاب كلَّ مبلغ. فقال رسول الله ﷺ: " صبرا أبا اليقظان، اللهمَّ لا تُعذِّب من آل ياسر أحدا بالنار ".
وقال مجاهد: أول من أظهر الإسلام وأبو بكر وبلال وصهيب وخبَّاب وعمار وسميَّة أمُّ عمار.
وهاجر عمار إلى أرض الحبشة، وصلى القبلتين، وهو من المهاجرين الأولين. ثم شهد بدرا والمشاهد كلَّها. وأبلى ببدر بلاء حسنا. ثم شهد اليمامة فأبلى فيها أيضا، ويومئذ قُطعت أذنه.
وذكر الواقديُّ: حدَّثنا عبد الله بن نافع عن أبيه، وعن عبد الله بن عمر قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح: " يا معشر المسلمين أمِن الجنَّة تفرُّون؟ أنا عمار بن ياسر، هلُمُّوا إلي ". وأنا أنظر إلى أذنه، قد قُطِعت، فهي تذبذب، وهو يقاتل أشدَّ القتال.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وكان، فيما ذكر الواقديُّ، طويلا أشهل، بعيد ما بين المنكبين. وقال إبراهيم بن سعد: بَلَغَنا أن عمار بن ياسر قال: كنتُ تِربا لرسول الله ﷺ في سنَّه، ولم يكن أحد أقرب منه سنا منَّي.
وروي عن ابن عباس في قول الله ﷿:) أوَمن كان مَيْتًا فأحيَيناهُ وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس (، قال: هو عمار بن ياسر) كمن مَثَلُه في الظلمات ليس بخارج منها (قال: أبو جهل ابن هشام.
وقال رسول الله ﷺ: " إنَّ عمارا مُلئ إيمانا إلى مُشاشته " وروى مسروق عن عائشة قالت: ما من أحد من أصحاب محمد أشاء أن أقول فيه إلا قلتُ، إلا عمار بن ياسر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " عمار بن ياسر حُشِي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا ".
وعن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قال: " من أبغضَ عمارا أبغضه الله ". قال خالد: فما زلت أحبُّه من يومئذ.
وعن علي بن أبي طالب قال: " جاء عمار يستأذن على النبي ﷺ يوما، فعرف صوته النبيُّ: فقال " مرحبا بالطيِّب المطيَّب، ائذنوا له ".
وقال عبد الرحمن بن أبْزَي: شهدنا مع عليٍّ صفين في ثمان مئة ممَّن بايع بيعة الرِّضوان: قُتل منَّا ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر.
وتواترت الآثار عن النبي ﷺ أنه قال: " تقتل عمار الفئة الباغية ". وهو حديث ثابت صحيح، أخبر فيه ﵇ بما يكون بعده من مغيَّبات الأمور، وهو من بواهر معجزاته ﷺ. وروى هذا الحديث
[ ٢ / ٢٥٩ ]
جماعة من الصحابة مشهورون وهم: عثمان بن عفان، وأبو هريرة، وأُبَي بن كعب، وأبو سعيد الخدريُّ، وأنس بن مالك، وعمرو بن العاصي، وابنه عبد الله ابن عمرو، وخُزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين. قال محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت: ما زال جدَّي خزيمة كافًَّا سلاحه يوم صفين. فلما قُتل عمَّار سلَّ سيفه، فقاتل حتى قُتِل. وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تقتل عمار الفئة الباغية ". وروته أمُّ سَلَمَة ﵂.
مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن ابن عون، عن الحسن، عن أمِّه، عن أمِّ سَلَمة قالت: قال رسول الله ﷺ: " تقتل عمار الفئة الباغية ". وعن أبي عبد الرحمن السُلميُّ قال: شهدتُ مع علي، ﵀، صِفِّين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في جمعة، ولا واد من أودية صفِّين إلا رأيت أصحاب محمد ﷺ يتبعونه كأنه عَلَمٌ لهم. وسمعت عمارا يقول يومئذ لهاشم بن عُتبَة: يا هاشم تَقدَّم الجنة تحت الأبارقة.
اليومَ ألقَى الأحبَّة
محمدًا وحزبَهْ
والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سَعَفَات هَجْر لعلمن أنَّا على الحقِّ وأنهم على الباطل.
وروِي أن عليا قال بعد مصاب بصفين: " إنَّ امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر، وتدخل عليه به المصيبة الموجعة لغير رشيد. رحم الله عمارا يوم أسلم، ورحم الله عمارا يوم قُتِل، ورحم الله عمارا يوم يُبعث حيا. ولقد رأيتُ عمارا يوم يُبعث حيا. لقد رأيت عمارا، وما يُذكر من أصحاب محمد ﷺ أربعة إلا كان رابعا، ولا خمسة إلا كان خامسا. وما كان أحد من قدماء أصحاب محمد ﷺ يشكُّ أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن، ولا اثنين. فهنيئا لعمار الجنة. ولقد قيل: إنَّ عمارا مع الحق، والحقُّ مع عمار. يدور عمار مع الحق أين ما دار وقاتل عمار في النار.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وعن الصَّعب بن زُهير بن عبد الله بن جَنادة أبي رملة أنَّ سفيان بن عوف حدَّثه بمكة، والتقيا في الحجِّ، فقال: إنَّي لعندَ معاوية إذ أُتي برأس عمار بن ياسر، فقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: بشِّر قاتل عمار بالنار. فقال معاوية، وضرب على صدره: أبطلت، ففيهم نحن إذًا؟ فقال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: " تقتل عمار الفئة الباغية ". فقال معاوية: صدَقْت، إنك لا تعرف تأويل هذا المنطق، نبغي قتلة ابن عفان حتى ننقى بدمه.
وعَهِدَ إليه ﷺ أنَّ آخر شُربة يشربها من الدنيا شَربة لبن. فاستسقى يوم صفين. فأتته امرأة طويلة اليدين بإناء فيه ضَيَاح من لبن، فقال عمار حين شربه: الحمد لله، الجنة تحت الأسنَّة. ثم قاتل حتى قُتِل.
وكانت سنُّ عمار يوم قُتِل نيِّفا على تسعين سنة. قتله أبو الغادية الفِزاريُّ، واحتزَّ ابن جُزء السَّكسَكيُّ. ودفنه علي في ثيابه، ولم يُغسِّله. وروى أهل الكوفة أنه صلَّى عليه. وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يُغسَلون، ولكنَّهم يُصلَّى عليهم.
وكانت صفين في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين. ولما أجهد أهل الشام القتال بصفين، وسئموا منه، وخافوا الفناء رفعوا المصاحف على أسنَّة الرِّماح، وقالوا: بيننا وبينكم كتاب الله. أمرهم بذلك عمرو بن العاصي، فقال أهل العراق لعليّ: يا أمير المؤمنين، بيننا وبينهم كتاب الله نُحاكمهم إليه. فقال: " إنها مكيدة منهم، فناجزوهم حتى يرجعوا في أمر الله وحُكمه ". فأبوا عليه.
وحَكَّم أهل العراق أبا موسى الأشعريَّ، وحكَّم أهل الشام عمرو بن العاصي. وكان عليٌّ قال لأهل العراق: " حكِّموا عبد الله بن عباس ". فقالوا: لا والله، لا يجتمع في الحُكم مُضريَّان. فلما اجتمع أبو موسى وعمرو مكر عمرو بأبي موسى.
[ ٢ / ٢٦١ ]
ولما كان من أمر الحَكَمَين ما كان خَرَجت الخوارج على عليٍّ، فكفَّروه، وكفَّروا كلَّ مَن معه، إذ رضي بالتحكيم، وقالوا له: حَكَّمت الرجال في دين الله، والله يقول: " إنِ الحكمُ إلا للهِ ". ثم اجتمعوا، وشقُّوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السُّبل، وقتلوا عبد الله بن خَبَّاب بن الأرتِّ ذبحا. وقيل إنهم ضربوا عنقه، وبقروا بطن امرأته، وهي حُبلى، أبعدهم الله.
وخبَّاب: أبوه من خيار الصحابة، شهد بدرا، وكان من المعذَّبين في الله بمكة في أول الإسلام. وهو من بني سعد بن مناة بن تميم. وكان أصابه سِباء، فبيع بمكة، فاشترته أمَّ أنمار الخُزاعية، وهي أمُّ أبي نياز سِباع بن عبد العُزَّى الخُزاعيِّ الغُبشانِّي، حليف بني زُهرة، فأعتقته. وكانت أمُّ سِباع ختَّانة بمكة. ولولدها سباع قال حمزة يوم أُحد: هلمَّ إليَّ يا بن مقطِّعة البظور. وحين التقيا ضربه حمزة فقتله.
وانظمَّ خُباب إلى سِباع، وادَّعى حلفَ بني زُهرة بهذا السبب. وكان خباب رجلا قَيْنا. وكان بظهره بَرص. الواقديُّ قال: كان خُبَّاب يُكنى أبا عبد الله. ومات بالكوفة سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وستين أو ثلاث وسبعين. وهو أوّل من قَبَرَه علي بالكوفة، وصلى عليه مُنصرَفَه من صفين، وله عقب.