ذكر عمر بن شَبَّة عن الضحَّاك بن مَخْلَد أبي عاصم النَّبيل وموسى بن إسماعيل أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن بن مُلجم يستحمل عليا فحمله ثم قال:
أريدُ حباءهُ ويريدُ قَتلي عَذيري من خليليَ من مراد
[ ٢ / ٢٦٦ ]
أما إنَّ هذا قاتلي. قيل له: فما يمنعك منه؟ قال: " إنه لم يقتلني بعد ". وأُتي علي فقيل له: إنَّ بن مُلجم يسُمُّ سيفه ويقول: إنَّه سيفتك فتكة تُحدِّث بها العرب. فبعث فيه وقال له: " لِمَ تَسُمُّ سيفك؟ " فقال: لعدوِّي وعدوَّك. فَخَلَّى عنه، وقال: " ما قَتَلَني بعد ".
وكان سبب قتل ابن مُلجم لعلي أنه خطب امرأة من بني عِجل بن لُجَيم يقال لها قَطام وقال المُبرَّد: إنها قطام بنت علقمة بن تَيم الرِّباب وكانت ترى رأي الخوارج. وكان عليٌّ قد قتل أباها وإخوتها بالنَّهروان، فلما تعاقد الخوارج على قتل علي وعمرو بن العاصي ومعاوية بن أبي سفيان خرج منهم ثلاثة نفر لذلك. وكان عبد الرحمن بن مُلجم المراديُّ حليفا لهم من تَجوبَ، وقيل من السَّكون من كِندة. وقيل من حِمْير هو الذي اشترط قتل علي منهم. والثاني الحجاج بن عبد الله: وهو البُرَكُ التَّميميُّ الصَّريميُّ اشترط قتل معاوية. والثالث زَاذَوَيهِ: مولى بن العنبر بن عمرو بن تميم. اشترط قتل عمرو بن العاصي. وتواعدوا أن يكون ذلك في ليلة واحدة، وهي ليلة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، وقيل: ليلة تسع عشرة من رمضان.
فدخل ابن مُلجم، لعنه الله، الكوفة عازما على ذلك، واشترى لذلك سيفا بألف، وسقاه السُّمَّ فيما زعموا حتى لفظه. وكان في خلال ذلك يأتي عليا، ويستحمله فيحمله. إلى أن وقعت عينه على قَطَام، وكانت امرأة رائعة جميلة، فأعجبته، وكانت معتكفة بالمسجد الأعظم بالكوفة، ووقعت بنفسه فخطبها فقالت: آليت أن لا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه فقال: وما هو؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبد وقينَةٌ وقَتْلُ علي بن أبي طالب. فقال: والله قصدتُ لقتل
[ ٢ / ٢٦٧ ]
علي بن أبي طالب والفَتكِ به، وما أقدمني إلى هذا المصر غير ذلك. ولكن لما رأيتك آثرت تزويجك. فقالت: ليس إلا الذي قلت. فقال لها: وما يُغنيك أو يُغني منك قتْلُ علي، وأنا أعلم إن قَتَلْتَهُ لم أفُتْ؟. فقالت: إن قتلته ونجوت فهو الذي أردت أن تبلغ شفاء نفسي، ويهنيك العيش معي. وإن قُتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. فقال لها: لكِ ما اشترطتِ.
وفي تزوُّج ابن مُلجم لقطام وما دار بينهما في قتل علي يقول شاعر الخوارج:
ولم أرَ مَهرًا ساقَهُ ذو سَماحةٍ كمهرِ قَطامٍ من فَصيحٍ وأعجمِ
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقَينةٌ وضربٌ عليٍّ بالحسامِ المصمِّمِ
فلا مهرَ أغلى من عليٍّ وإن غَلا ولا فَتْكَ إلا دونَ فتكِ ابن مُلجمِ
وقيل: إن عدوَّ الله ابن ملجم جلس مع شبيب بن بَجرَة الأشجعي بعد محاورة كانت بينهما في قتل علي قُبالة السدَّة التي يخرج منها علي إلى المسجد. فخرج علي إلى صلاة الصبح فبدره شبيب فضربه فأخطأه، وضربه عبد الرحمن بن ملجم على رأسه وقال: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك. فقال علي: " فزْتُ وربِّ الكعبة. لا يفوتنَّكم الكلب ". فشدَّ عليه الناس من كلِّ ناحية. فلما همَّ الناس به حمل عليهم بسيفه، فأفرجوا له، فتلقَّاه المُغيرة بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب بقطيفةٍ، فرمى بها عليه واحتمله، وضرب به
[ ٢ / ٢٦٨ ]
الأرض، وقعد على صدره، وانتزع سيفه، وكان أيِّدًا. ثم حمل ابن مُلجم، وحُبس حتى مات علي، ﵀، فقُتِل لا ﵀، ورحم الله عليا والمغيرة.
وقال عبد الله بن حبيب أبو عبد الرحمن السُّلميُّ: أتيت الحسن بن عليّ في قصر أبيه، وكان يقرأ عليَّ وذلك في اليوم الذي قُتل فيه علي. فقال لي أنه سمع أباه في ذلك السَّحر يقول له: " يا بُنيَّ، رأيت رسول الله ﷺ الليلة في نومة نمتها. فقلتُ: يا رسول الله ماذا لقيت من أُمَّتك من الأودِ؟ فقال: ادعُ الله عليهم. فقال: اللهمَّ أبدلني بهم خيرا منهم، وابدلهم بي مَن هو شرٌّ منِّي ". ثم انتبه، وجاء مؤذنه بالصلاة، فخرج، فاعْتَوَره الرجلان. فأما أحدهما فوقعت ضربته في الطاق. وأما الآخر فضربه في رأسه. وذلك في صبيحة يوم الجمعة لسبعَ عشرة من رمضان، صبيحة بدر.
وروى أبو رؤوف عبد الله بن مالك قال: جُمع الأطباء إلى علي ﵁ يوم جُرِح، وكان أبصرهم بالطِّبِّ أُثَيِّر بن عمرو السكونيُّ: وكان يُقال له: أثيِّر بن عُمَريَّا، وكان صاحب كرسي يتطبَّب. وهو الذي تُنسب إليه صحراء أثيِّر فأخذ أثير رئة شاة، فتتبَّع عرقا منها، فاستخرجه وأدخله في جراحة عليٍّ، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض، وإذا الضربة قد وصلت إلى أمَّ رأسه. فقال: يا أمير المؤمنين أعهد عهدك، فإنك ميِّت. وفي ذلك يقول عمران بن حَطَّان الخارجيُّ:
يا ضَربةً من تَقيٍّ ما أرادَ بها إلا ليبلُغَ مِن ذي العرشِ رضْوانا
إني لأذكرُهُ حينًا فأحسِبُهُ أوفَى البريَّةِ عندَ اللهِ مِيزانًا
[ ٢ / ٢٦٩ ]
كَذَبَ أبعده الله. وقال بكر بن حماد التاهرتيُّ مناهضا له:
قُل لابنِ مُلجمٍ والأقدارُ غالبةٌ هدمتَ ويلكَ للإسلامِ أركانا
قَتلتَ أفضلَ مَن يمشي على قدمٍ وأوَّل النس إسلامًا وإيمانا
وأعلمَ الناس بالقرآنِ ثمَّ بِما أسنَّ الرسولُ لنا شَرعًا وتِبْيَانا
صِهرُ النبيِّ ومولاهُ وناصرُهُ أضحتْ مناقبه نورًا وبُرهانا
وكانت منهُ على رغم الحسودِ لهُ مكانَ هارونَ من موسى بن عِمْرانا
وكان في الحرب سيفًا صارمًا ذَكَرًا ليثًا إذا لقِيَ القرانُ أقرانا
ذكرتُ قاتلَهُ والدمعُ مُنحدِرٌ فقلت: سُبحان ربِّ العرش سُبحانا
إني لأحسِبُه ما كَانَ من بشرٍ يَخْشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقَى مُرادٍ إذا عُدَّت قبائلُها وأخسرُ الناس عند اللهِ مِيزانا
كعاقِر الناقةِ الأولى التي جَلبتْ على ثمودَ بأرضِ الحجْرِ خُسرانا
[ ٢ / ٢٧٠ ]
قد كان يُخبِرهُم أنْ سوفَ يَخضِبُها قبل المنيَّة أزمانًا فأزمانا
فلا عفا اللهُ عنه ما تحمَّله ولا سَقَى قَبرَ عِمرَانَ بن حِطَّانا
لقولهِ في شقيٍّ ظلَّ مُخْتبلًا ونالَ ما نالَهُ ظلما وعُدوَانا
يا ضَربةً من تَقيِّ ما أرادَ بها إلا ليبلغَ من ذي العَرشِ رضوانا
بل ضربةً من شقيٍّ أورَدَتْه لظىً مُخَلَّدا قد أتى الرحمنَ غَضْبانا
وروى ابن الهادي عن عثمان بن صهيب، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " مَن أشقى الأولين؟ " قال: الذي عقر الناقة. قال: " صدقت. فمن أشقى الآخرين؟ " قال: لا أدري. قال: " الذي يضربك على هذه " يعني لحيته.
وكان علي، ﵁، كثيرا ما يقول: ما يمنع أشقاها، أو: ما ينظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا " ويشير إلى لحيته ورأسه " خضاب دم ولا خضاب عطر وعبير.
وذكر النَّسَّائيُّ من حديث عمار بن ياسر عن النبي ﵇ أنه قال لعليٍّ: " أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذه " ووضع يده على رأسه حتى يخضب هذه " يعني لحيته ". وذكره الطبري وغيره، وذكره ابن إسحاق في " السيرة " عن عمار في غزوة ذي العُشَيرَة.
وروى الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة الحِمَّانيُّ، سمع عليَّ ابن أبي طالب يقول: " والذي فلق الحبَّة، وبرأ النسمة، لتخضَبنَّ هذه من دم هذا " يعني رأسه.
[ ٢ / ٢٧١ ]
وقال بكر بن حمَّاد الناهرتي، ﵀:
وهزَّ عليٌّ بالعراقينِ لحيةً مُصيبتُها جلَّت على كلِّ مُسلمِ
فقال: سيأتيها من الله حادثٌ ويَخضِبُها أشقَى البرية بالدَّمِ
فباكرَهُ بالسيف شَلَّتْ يمينُه لشؤم قَطامٍ عند ذاكَ ابنُ مُلجِمِ
فيا ضربةً من خاسرٍ ضلَّ سعيهُ تَبوَّأ منها مَقْعدًا في جهنمِ
ففازَ أميرُ المؤمنينَ بحظِّهِ وإن طَرقتْ فيه الخطوبُ بِمَعْظَمِ
ألا إنما الدنيا بلاء وفتنةٌ حلاوتُها شِيْبتْ بصابٍ وعَلقمِ
وقال أبو زَبيد الطائيُّ:
إنَّ الكرامَ على ما كانَ من خُلُقٍ رهطُ امرئ خارهُ للدّين مُختارُ
طَبِّ بصير بأَضعانِ الرجال ولم يُعدل بِحَبْرِ رسولِ اللهِ أحْبارُ
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وقَطرةٌ قَطرتْ إذ حانَ موعدُها وكلُّ شيء لهُ وقتٌ ومِقْدَارُ
حتى تنَصَّلها في مسجدٍ طُهْرٍ على إمامِ هُدىً إنُ معشرٌ جاروا
حُمَّت ليدخُلَ جنَّاتٍ أبو حسنٍ وأوجِبَتْ بعدَه للقاتلِ النارُ
وقال الكُمَيت:
والوصيُّ الذي أمالَ التَّجوبيْ به عرش أمَّةٍ لانهِدامِ
قَتلوا يومَ ذَاكَ إذ قتلوهُ حَكَمًا لا كغابرِ الحكَّامِ
الإمامَ الزكيَّ والفارسَ المُعْ لِمَ تحتَ العجاج غيرَ الكَهامِ
راعيًا كانَ مُسْجِحًا فَفَقدْنا هُ وفَقْدُ المُسيمِ هُلُك السَّوامِ
وكان قتادة، ﵀، يقول: قُتل علي ﵁ على غير مال احتَجْنَه، ولا دنيا أصابها.
وذُكر أن ابن مُلجم لما ضرب عليا، ﵁، أُدخل منزله فاعترته غَشية، ثم أفاق، فدعا الحسن والحسين فقال: " أوصيكما بتقوى الله تعالى، والرغبة في الآخرة، والزُّهد في الدنيا، ولا تأسفا على شيء فاتكما منها. واعملا الخير، وكونا للظالمين خصما، وللمظلوم عونا ".
[ ٢ / ٢٧٣ ]
ثم دعا محمدا فقال: " أما سمعت بما أوصيت به أخويك؟ " قال: بلى. قال: فإني أوصيك به. وعليك ببرِّ أخويك، وتوقيرهما، ومعرفة فضلهما. ولا تقطع أمرا دونهما ". ثم أقبل عليهما فقال: " أوصيكما به خيرا، فإنه سيفكما وابن أبيكما. وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبُّه فأحبَّاه ".
ولما أُدخل ابن مُلجم، عدوُّ الله، على عليٍّ ﵁، قال له الذين أدخلوه: يا عدوَّ الله، لا بأس على أمير المؤمنين. قال: فعلام تبكي إذا أمُّ كلثوم؟ والله لقد ضربته ضربة لو كانت بأهل مِنىً لوسعتهم. ولقد سقيت سيفي السُّمَّ حتى لفظه، وما كان ليخونني.
ولما مُثِّلَ بين يدي عليّ قال: " احبسوه، واحسنوا إساره، فإن أعيش فسأرى فيه رأيي في العفو أو القِصَاص. وإن أمُتْ فقتلُ نفس بنفس، ولا تمثِّلوا به ".
ولما دُفن علي ﵁ أراد الحسن أن يقتل عدوَّ الله ابن ملجم بضربة واحدة. فقال عبد الله بن جعفر: كلا والله حتى أذيقه العذاب الأليم. فقطعه عضوا عضوا حتى مات، لعنه الله.
وروي أن البُرَك الصَّريميُّ وزادوايهِ فارقا ابن ملجم من الكوفة على ما تعاقدوا عليه. فذهب البركُ إلى الشام إلى معاوية للفتك به، فضربه على إليته، وهو في الصلاة. فأمر به، فحُبس، وأراد قتله. فقال له البَرْك: لا تعجل واحبسني فإن في هذه الليلة قُتل علي. فقال: ويلك، وما يُدريك؟ قال: إنا تواعدنا ثلاثة لقتل علي وقتلك وقتل عمرو بن العاصي. فإن وجدت الأمر على خلاف ما قلتُ فاضرب عنقي. فوصل الخبر إلى معاوية بقتل علي، كما ذكره البرك فأطلقه بعدما قطع يده ورجله. ثم قتله بعد ذلك زياد بن سُميَّة بالكوفة.
ودعا معاوية بالطبيب فقال له: إنَّ الضَّربة مسمومة فاختر لي إحدى خَصلتين؛ إما أن تصبر على الكيِّ، وأما أن أسقيك شربة تقطع عنك الولد. فقال: لا صبر لي على النار، ولي يزيد وعبد الله كفاية. فسقاه الشربة، فلم يولد له بعدها.
وذهب زَاذَويهِ إلى مصر للفتك بعمرو بن العاصي. فدخل المسجد فضرب
[ ٢ / ٢٧٤ ]
خارجة بن حُذافَة السَّهميُّ، حين كبَّر للصلاة، فقتله. فقبض عليه الناس بعد جولة. وكان عمرو بن العاصي مريضا يشتكي بطنه: فقَدم خارجة ليصلي بالناس. فلما أُدخل الخارجيُّ على عمرو، ورأى الناس يسلمون عليه بالإمرة قال: أو ما قتلتُ عمروا؟ قالوا: لا إنما قتلتَ خارجة. فقال: أردتُ عمرا وأراد الله خارجة، فأمر به عمرو، فقُتِل.
وفي عمرو وخارجة يقول الكاتب الأديب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون الأندلسيُّ الطليوسيُّ من قصيدة:
وليتَها إذ فَدَتْ عَمرًا بخارجةٍ فدت عليًا بمن شاءتْ من البشرِ
ومات عليٌّ ﵁، ليلة إحدى وعشرين من رمضان سنة أربعين. ودُفن في قصر الإمارة بالكوفة عند مسجد الجماعة. وصلى عليه الحسن، هذا قول أبي اليقظان. وقال الواقديُّ: دُفِن ليلًا وعُمِّي قبره.
وروي عن أبي جعفر محمد بن علي أن قبر علي جُهل موضعه. وكانت ولايته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وقال ابن قتيبة في " المعارف ". وقالت عائشة، رحمها الله، لما بلغها قتلُ علي: لتصنع العرب ما شاءت، فليس أحد ينهاها. وقال الحسن صبيحة ليلة دفن علي في المسجد الأعظم: " أيها الناس، إنكم فقدتم رجلا لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون. وكان إذا شهد الحرب اكتنفه جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره. ولم يترك إلا ثمان مئة درهم. أو سبع مئة درهم فضلت من عطائه، كان يُعدُّها لخادم يشتريها لأهله.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وقال الفضل بن العباس بن عنبة بن أبي لهب يرثي عليا ﵁:
ما كنتُ أحسبُ أن الأمر مُنصرفٌ عن هاشمٍ ثم منها عن أبي الحَسنِ
أليسَ أولَ مَن صلَّى لِقِبلتهِ وأعلمَ الناس بالقرآنِ والسُّننِ؟
وقالت أمُّ الهيثم بنتُ العُريان النَّخعيَّة ترثيه:
ألا يا عينُ وَيْحكِ أسعِدِينا ألا تَبكي أميرَ المؤمنيِنا
تُبكِّي أمُّ كلثومٍ عليهِ بعَبْرتِها وقد رأت القِينا
ألا قُل للخوارج حيثُ كانوا فلا قَرَّتْ عيون الشامِتينا
أفي شهرِ الصِّيام فَجعتُمُونا بخيرِ الناسِ طُرًّا أجْمعينا؟
قَتَلتم خيرَ مَن ركب المطايا وذَلَّلَها ومن رَكب السفينا
ومن لبسَ النعالَ ومَن حذاها ومن قرأ المثاني والمِئِينا
وكلُّ مناقبِ الخيراتِ فيهِ وحبُّ رسولِ ربِّ العالمينا
[ ٢ / ٢٧٦ ]
لقد علمتْ قريشٌ حيث كانتْ بأنكَ خيرُها حَسَبًا ودِينا
إذا استَقْبَلتَ وجه أبي حُسينٍ رأيتَ النورَ فوقَ الناظرينا
وكنا قبلَ مقتلهِ بخيرٍ نرى مولى رسول الله فينا
يُقيمُ الحقَّ لا يرتابُ فيه ويَعدِل في العِدا والأقربينا
وليس بكاتمٍ علمًا لديهِ ولم يُخْلقْ من المتجبِّرينا
كأنَّ الناس إذا فقدوا عليًا نَعامٌ حارَ في بلدٍ سِنينا
فلا تَشْمتْ معاويةَ بن صَخرٍ فإنَّ بقيةَ الخلفاء فينا
قاضي عليِّ: شُرَيح. كاتبه: عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ. حاجبه: قُنْبُر مولاه.
نعته: كان ﵁ عظيم العينين أدعَجَهُما، عظيم البطن، عريض المنكبين، حسن الوجه، أغيَد، كأنًَّ عنقه إبريق فضَّة، آدم، شديد الأُدمة، أصلع ليس في رأسه شعرٌ إلا من خلفه، لا يتبيَّن عضده من ساعديه، قد أُدمجت إدماجا، شديد الساعد واليد. إذا أمسك بذراعه رجل أمسك بنفسه، فلم يستطع أن يتنفَّس. إذا مشى إلى الحرب هرول ثَبْتَ الجَنان، قويا، شجاعا،
[ ٢ / ٢٧٧ ]
منصورا على من لاقاه، أبيض الرأس واللحية، لا يُغيِّر شَيبَه. ورأتهُ امرأة بالكوفة فقالت: مَن هذا الذي كأنه كُسِر ثم جُبِر؟ عمره: خمس وستون، وقيل: ثلاث وستون، قاله أبو نُعَيم الفضل بن دُكَين وغيره. وقيل: ثمان وخمسون، قاله أبو جعفر محمد بن عليّ. واختلفت عنه الرواية في ذلك، رضي الله عن عليّ وعلى آله الأكرمين الطاهرين المنتجبين، آمين.
قال المؤلف: غفر الله له: لقد ذكرتُ من صحيح الآثار والأخبار في مناقب الخلفاء الأربعة ما يملأ الآذان حُسنا، ويمنح مَن سلك سبيلها الزِّيادة والحُسنى، والحمد لله على ما وفق ليه وأعان بفضله عليه. قال رسول الله ﷺ: " عليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنواجذ ".
وفضائلهم ﵃ ليس لها نفاد، ولا يحصرها تعداد، إذ هم أئمة الهدى، ومصابيح الدُّجى، وأرباب التُّقى، وواضحوا سُبُل سنَّة نبيِّنا محمد المصطفى، نفعنا الله بمحبَّتهم، وحشرنا في زمرتهم آمين.
[ ٢ / ٢٧٨ ]