وولِيَ الحسن بعد موت عليٍّ ﵉ لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وصالح معاوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين. وقد قيل: في جُمادى الأولى من هذه السنة، ويُسمّى عام صلحه مع معاوية " عام الجماعة ". فكانت خلافته ستة أشهر، تمَّت بها ثلاثون سنة للخلافة.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
رَوى " سفينة " مولى رسول الله ﷺ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثُم تَعود مُلكًا ". ولما بويع الحسن سار إلى معاوية بجنود العراق، وسار إليه معاوية بأهل الشام، فالتقوا بموضع يقال له " مَسْكِن " بأرض الكوفة، فاصطلحوا. وسلَّم الحسن إليه الخلافة. واشترط عليه شروطا، منها أن يذهب ما بين أهل العراق وبين أهل الشام من الذُّحول والضغائن، وأن يكون له الأمرُ من بعده. فرضي معاوية كلَّ ما اشترط عليه الحسن، وكاد يطير فرحا.
البخاريُّ: نا عبد الله بن محمد. نا سفيان عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال. فقال عمرو بن العاصي: إني لأرى كتائب لا توليَّ حتى تقتل أقرانها فقال معاوية: وكان والله خير الرجلين. أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء مَن لي بأمور الناس؟ مَن لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سَمُرة وعبد الله بن عامر. فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فأعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما. وقالا له، وطلبا إليه. فقال لهم الحسن بن علي: " إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإنَّ هذه الأمة قد عاثت في دمائها ".
قالا له: فإنه يعرض عليك كذا كذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه. فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على
[ ٢ / ٢٠٥ ]
المنبر والحسن ابن علي إلى جنبه وهو يُقبل على الناس مرّة وعليه أخرى، ويقول: " إن ابني هذا سيِّد، ولعل الله يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". قال البخاريُّ: قال لي عليُّ بن عبد الله: إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث.
وحدَّث أحمد بن زهير، وهو أبو بكر بن أبي خَيثَمة قال: نا هارون بن معروف: نا ضمرة عن ابن شَوْذَب قال: لمَّا قُتل عليٌّ سار الحسن فيمن معه من أهل الحجاز والعراق. وسار معاوية في أهل الشام قال: فالتقوا. فكَرِهَ الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده. قال: فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين فيقول: العار خير من النار.
ودخل على الحسن بعض شيعة أبيه الناصحين له فقال: السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين بايعت معاوية ومعك أربعون ألف سيف من أهل العراق. قال: اجلس يا بن فلان، لا تقل كذلك. إنَّ أبي عهد إليَّ إنه لا بُدَّ لمعاوية أن يليَ هذا الأمر. فلو قاتلناه بالشجر والحصى والجندل لم ينفعنا ذلك. وقد سبق القضاء والقدر بولايته. ولما خرج ذلك الرجل من عند الحسن دخل على الحسين فقال: أمدُد يدك نُبايعك. فقال له الحسين أما مادام أبو محمد حيا فلا.
وكان الحسن يُكنى أبا محمد، والحسين يُكنى أبا عبد الله.
وذكر أبو عميرة بن عبد البرّ في كتاب " الصحابة " فقال: نا خلف بن قاسم قال: نا عبد الله بن عمر بن إسحاق بن مَعمر قال: نا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدِين قال: حدثني عمرو بن خالد مرارا قال: حدثني زهير بن معاوية الجَعْفيُّ قال: حدثني أبو رَوْق الهَمْدانيُّ أن أبا الغريف حدَّثهم قال: كنا في مقَّدمة الحسن ابن علي اثني عشر ألفا بمسْكِن مُستميتين، تقطُر أسيلفنا من الجدَّ والحرص على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العَمَرُّطة. فلما جاءنا صُلح الحسن ابن علي كأنما كُسرت ظهورنا من الغيظ والحزن. فلما جاء الحسن الكوفة جاءه شيخ يُكنى أبا عامر شفيق بن ليلى فقال: السلام عليك يا مُذِلِّ المؤمنين فقال: لا تقل يا أبا عامر، فإني لم أُذِلَّ المؤمنين ولكنِّي كرهت أن أقتلهم في طلب المُلك.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وحدَّث ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: لما دخل معاوية الكوفة حين سلَّم إليه الأمر الحسن بن علي كلَّم عمرو بن العاصي معاوية أن يأمر الحسن بن علي فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية وقال: لا حاجة بنا إلى ذلك. قال عمرو: ولكني أُريد ذلك ليبدو عِيُّه، فإنه لا يدري هذه الأمور ما هي. ولم يزل بمعاوية حتى أمر الحسن يخطب. وقال له: قُم يا حسن، فكلِّم الناس فيما جرى بيننا. فقام الحسن، فتشهَّد وحمد الله وأثنى عليه وقال في بديهته: " أما بعدُ أيها الناس، فإن الله هداكم بأوَّلنا، وحقن دماءكم بآخرنا. وإنَّ لهذا الأمر مُدَّة، والدنيا دُول. وإن الله ﷿ يقول:) وإن أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعَدونَ إنه يعلم الجهرَ من القول ويعلمُ ما تكتمُون وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين (.
فلما قالها قال له معاوية: إجلس فجلس. ثم قام معاوية فخطب الناس. ثم قال لعمرو: هذا من رأيك.
وروى مُجالد بن سعيد عن الشعبي قال: لما جرى الصُّلح بين الحسن بن علي وبين معاوية. قال له معاوية: قُم فاخطب الناس وأذكر ما كنت فيه. فقام الحسن، فخطب. فقال: " الحمد لله الذي هدى بنا أوَّلكم، وحقن بنا دماء آخركم. ألا أنَّ أكيس الكيس التُّقى، وأعجز العجز الفُجور. وإنَّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية. إما أن يكون كان أحقَّ به مني، وأما أن يكون حقي، فتركته لله ولصلاح أمة محمد ﷺ وحقن دمائهم. قال: ثم التفت إلى معاوية فقال:) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (.
ثم نزل فقال عمرو لمعاوية: ما أردت إلا هذا.
ومات الحسن، ﵁، مسموما يُقال إن امرأته " جَعْدة " بنت الأشعث بن قيس سمَّته. دَسَّ إليها معاوية أن تسمَّه. فإذا مات أعطاها أربعين
[ ٢ / ٢٠٧ ]
ألفا، وزوَّجها من يزيد فلما مات الحسن وفَّى لها بالمال وقال لها: حاجة هذا ما صنعت بابن فاطمة، فكيف تصنع بابن معاوية؟ فخسرت وما ربحت. وهذا أمر لا يعلمه إلا الله، ويُحاشى معاوية منه، وقيل: إن يزيد دسَّ إلى جعدة بذلك. وقد ذكر الخبرين أصحاب التواريخ.
وحدَّث قاسم بن أصبغ البيَّانيُّ قال: نا عبد الله بن رَوْح، نا عثمان بن عمر بن فارس قال: نا ابن عون، عن عُمير بن إسحاق قال: كنا عند الحسن ابن علي فدخل المَخْرَجَ ثم خرج فقال: سُقيت السمَّ مرارا وما سُقيت مثل هذه المرة. ولقد لفظتُ طائفة من كبدي، فرأيتني أُقلِّبها بعود معي. فقال الحسين: أي أخي من سقاك! فقال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظنُّ فالله أشدُّ نقمة. ولئن كان غيره فما أريد أن يُقتل بي بريء.
ولما ورد البريد بموته على معاوية أتى ابن عباس معاوية فقال له: يابن عباس، احتسب الحسن، ولا يُحْزِنك الله ولا يسوؤك. فقال: أما ما أبقاك الله لي يا أمير المؤمنين فلا يُحزِنُني الله ولا يَسُوؤني. فأعطاه على كلمته ألف ألف وعوضا وأشياء. وقال له: خُذها واقسمها على أهلك.
وذُكر أنه لما بلغ معاوية موت الحسن كبَّر، وكبَّر من كان في مجلسه معه. وسمعت فاختة بنت قَرظَة زوجُه التكبير. فلما دخل عليها قالت له: يا أمير المؤمنين؛ إني سمعت تكبيرا عاليا في مجلسك، فما الخبر؟ فقال لها: مات الحسن. فبكت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، سيِّد المسلمين وابن رسول الله تُكبِّر على موته؟ فقال لها معاوية: إنه والله كما قُلتِ فأقلِّي لومي ويحك.
ودخل عليه أبن عباس عشية يوم هذه القصة فقال: يا بن عباس أسمعت بموت الحسن؟ فبكى ابن عباس وقال: قد سمعت به، وبلغني يا معاوية إنك كبَّرتَ على موته، أما والله ما زاد موته في عمرك، وقد وافاه أجله، وقد زكا قوله وعمله، وصار إلى ما أعد الله له من الكرامة في دار المقامة مع جدَّه الرسول وأمَّه البتول وأبيه النفاع في الله الضَّرار، وعمه ذي الجناحين الطيار. ولئن رزئنا بفقدِ مَن هو خير منه؛ محمد ﷺ.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وكانت وفاة الحسن بالمدينة في شهر ربيع الأول سنةَ تسع وأربعين، وهو يومئذ ابن سبع وأربعين سنة، ودفن بالبقيع إلى جنب أمه فاطمة ﵂ وعن بنيها أجمعين. وصلى عليه سعيد بن العاصي والد عمرو الأشدق، وكان يومئذ أميرا على المدينة. قدَّمه الحسين للصلاة عليه، وقال: هي السَّنة، ولولا أنها سنة ما قدَّمتك.
وكان أوصى أن يُدفن مع رسول الله ﷺ، إلا أن تكون فتنة تُثير قتالا، فإن كانت فادفنوني بالبقيع. فلما جيء بسريره إلى المسجد منعهم مروان من الدخول وقال: والله لا، يُدفن أمير المؤمنين عثمان في البقيع وتدفنون الحسن مع رسول الله. وتنازعوا حتى دخلت بنو هاشم مع الحسين في السلاح وبنو أمية مع مروان كذلك فأصلح الناس، وأبو هريرة، بينهم. وقال أبو هريرة والله إن هذا لظلم، يُمنع الحسن أن يُدفن مع جدِّه. ثم ناشد الله الحسين وقال: يا أبا عبد الله أليس قد قال الحسن: ادفنوني بالبقيع إن كانت فتنة تثير قتالا؟ ولم يزل به حتى سكن غضبه ورضي، ودَفن الحسن بالبقيع، ﵄.
ولما توفي الحسن ﵇ أدخله قبره الحسين ومحمد ابن الحنفيَّة وعبيد الله ابن عباس. ثم وقف على قبره وقد اغرورقت عيناه فقال: " رحمة الله عليك أبا محمد. فلئن عزَّتْ حياتك لقد هدَّت وفاتك، ولنعم الروح روح تضمَّنه بدنك، ولنعم الجسد جسد تَضمَّنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمَّنه لحدك. وكيف لا تكون كذلك وأنت حلف التُقى وجدُّك النبي المصطفى وأبوك عليِّ المُرْتضَى، وأمك فاطمة الزَّهراء، وعمُّك جعفر الطيار في جنة المأوى؟ غَذتْك أكفُّ الحقِّ، ورُبيت في حجْر الإسلام ورَضِعتَ ثدي الإيمان. فطِبتَ حيًا وميتا. فلئن كانت الأنفُس غير طيِّبةٍ بفِراقك فإنها غير شاكةٍ أنه قد خير لك، وإنك وأخاك سيِّدا شباب أهل الجنة. فعليك السلام منا ".
وكان الحسن والحسين ﵄ من أجواد الإسلام، ولهما ولعبد الله جعفر ولعبيد الله بن عباس ولسعيد بن العاصي أخبار مأثورة عزيزة الوجود في المبِّرزينَ في الجود.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وولد الحسن بن علي الحسن، أمّه خولة بنت منظور بن زبان الفزارية، وعمرًا أمُّه ثقفيَّة، وابنه محمد بن عمرو. وروى عن جابر بن عبد الله حديث: " ليس من البَّر أن تصوموا في السفر "، خرَّجه مسلم. والحُسين الأثرم لأمِّ ولدِ، وطلحة وأمُّه أمُ إسحاق بنت طلحة بن عُبيد الله.
فأما الحسن بنُ الحسن بن علي فولد: عبد الله، والحسن، وإبراهيم ومحمدًا، وجعفرًا، وداود.
وكان عبد الله بن حسن بن حسن بن حسن يُكنى أبا محمد، وكان خيِّرًا. ورؤي يومًا يمسح على خفَّيه. فقيل له: تمسح؟ قال: نعم، قد مسح عمر بن الخطاب. ومَن جعل عمر بينه وبين الله فقد استوثق. وروي أن عمر بن عبد العزيز وجَّه إلى عبد الله بن الحسن بن حسن: إذا كانت لك حاجةً فأكتب بها لك رُقعةً، فإني أستحي من الله أن يراك على بابي.
ومن ولد عبد الله بن الحسن: إبراهيم، ومحمد، وإدريس. فأما إبراهيم ومحمد فكانت لهما فطنةً وذكاء في صغرهما، وكانا من أهل البلاغة واللَسن في كبرهما.
الأصمعي: عن بعض شيوخه الثقات، عن عبد الله بن طاووس. قال: أقبلت إلى عبد الله بن الحسن، فأدخلني بيتًا قد نُجِّد بالرُّهاوي وكل فرشةٍ شريفةٍ. قال: فبسطت نطعي، وجلست عليه، وأبناه محمد وإبراهيم صبيان يلعبان. فلما نظرا إليَّ قال أحدهما لصاحبه: مِيمْ. قال الآخر: جِيْمْ. فقلت أنا: نونْ واوْ نونْ. فاستُغرِقا ضحكًا، وخَرجا إلى أبيهما، فأخبراه فتبسَّم.
تُوفي عبد الله بن طاووس في خلافة أبي العباس السفاح، وروي عنه الحديث وكان من الثقات، وأكثر روايته عن أبيه. وأبوه طاووس: كان من أصحاب ابن عباس. وتوفي بمكة سنة ستٍ ومئة قبل التَّرْوية بيوم وصلى
[ ٢ / ٢١٠ ]