ﷺ لم يحجَّ رسول الله ﷺ من المدينة غير حجة الوداع، وذلك في سنة عشر من الهجرة. وحديثها يدور على الباقر أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن جابر بن عبد الله. وخرج رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، وقد أُذِّن في الناس أن رسول الله ﷺ حاجٌّ العام، فنزل المدينة بشر كثير، كلُّهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله، ويفعل ما يفعل. فأتمَّ الناس به في مناسك الحج، وخطبهم بعرفة خطبته المشهورة، وفي ذلك اليوم أنزل الله تعالى:) اليومَ أكملتُ لكم دينكمْ، وأتممتُ عليكم نعمتي، ورضيتُ لكم الإسلامَ دينًا (.
[ ٢ / ٩٤ ]
وبدء برسول الله مرضه الذي مات منه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشر في بيت ميمونة. ثم انتقل حين اشتدَّ وجعه إلى بيت عائشة. وكان ﷺ ولد يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، وقَدِمَ المدينة يوم الاثنين، وقُبِضَ يوم الاثنين ضحىً، في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة باثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشر من الهجرة، ودُفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس. وقيل: دُفن ليلة الأربعاء ﷺ.
وقالت عائشة ﵂: مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، وفي بيتي، وفي يومي، لم أظلم فيه أحدا. وتولّى غسله عليُّ ابن أبي طالب والعباس وأسامة بن زيد وشُقران مَولَيا النبيِّ ﵇. قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبَّاد، عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري! نجرّد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرِّد موتانا، أو نغسِّله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره. ثم كلَّمهم مُكلَّم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: " اغسلوه في ثوبه ". فغسلوه وعليه قميصه، ويدلكونه والقميص دون أيديهم. قال: وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. فلما فُرغ من غسل رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب، ثوبين صحاريَّين، وبُرد حِبرة، أُدرج فيه إدراجا. كما حدثني جعفر بن محمد عن أبيه، عن جدِّه عليِّ بن الحسين والزهريّ، عن عل] بن حسين.
الترمذي: حدثنا أبو عمار الحسن بن حُريث وقتيبة بن سعيد وغير واحد قالوا: نا سفيان بن عُيينة عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة يوم الاثنين، فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، والناس خلف أبي بكر فأشار إلى الناس أن اثبتوا، وأبو بكر يؤمُّهم وألقى السَّجف وتوفي في آخر ذلك اليوم.
[ ٢ / ٩٥ ]
الترمذي: عن عائشة أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يده على ساعديه وقال: وانبِيَّاه، واصَفِيَّاه، واخَليلاه.
الترمذي: حدثنا نصر بن علي: نا عبد الله بن الزبير: شيخ باهلي قديم نصري قال: نا ثابت البنانيُّ عن أنس بن مالك: لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد فقالت فاطمة: واكرباه. فقال النبي ﷺ: " لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة ".
الترمذيُّ: عن عائشة قالت: لا أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدَّة موت رسول الله ﷺ. الترمذي: عن عائشة قالت: لما قُبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته. قال: " ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يُدفن فيه "، ادفنوه في موضع فراشه.
ونزل في قبره ﷺ العباس عمُّه وعليٌّ معه وقُثَم بن العباس والفضل بن العباس. ويقال: كان أوس بن خوليٍّ وأسامة بن زيد معهم. وكان آخرهم خروجا من القبر قُثَم بن العباس؛ كان آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ وهو الصحيح. وذكر ابن إسحاق قال: حدثتني فاطمة بنت محمد بن عروة، عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا المساحي من جوف الليل، ليلة الأربعاء.
الترمذي: عن أنس قال: لمَّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كلَّ شيء. فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلَّ شيء، وما نفضنا أيدينا من التُّراب. وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال " أنا فرط لأمَّتي، لن يُصابوا بمثلي ". وقال ﷺ ليُعزَّ المسلمين في مصابهم: " المصيبة بي ".
[ ٢ / ٩٦ ]
مالك: عن يحيى بن سعيد أن عائشة زوج النبيّ ﷺ قالت: رأيت ثلاثة أقمار سقطن في حجري. فقصصت رؤياي على أبي بكر الصديق. قالت: فلما تُوفي رسول الله ﷺ ودُفن في بيتها قال لها أبو بكر الصديق: هذا أحد أقمارك وهو خيرها. وهذا الحديث من مراسل يحيى بن سعيد.
وقال حسان بن ثابت من قصيدة طويلة يرثي بها رسول الله ﷺ:
بِطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومَعْهَدُ مُبينٌ وقد تعفو الرسومُ وتَهْمدُ
ولا تَمْتَحي الآثارُ من دارِ حُرمةٍ بها منبرُ الهادي الذي كان يصعدُ
وواضحُ آثارٌ وباقي مَعالمٍ وربْعٌ له فيه مُصلَّى مسجدُ
بها حُجُراتٌ كان ينزلُ وَسْطها من الله نُورٌ يُستضاء ويُوقَدُ
مَعارفُ لم تَطمُسْ على العهد آيُها أتاها البلى فالآي فيها مجددُ
عرفتُ بها رسمَ الرسولِ وعَهدَهُ وقبرًا به واراهُ في التُّرب مُلْحَدُ
فبوركتَ يا قبرَ الرسولِ وبوركتْ بلادُ ثوى فيها الرشيدُ المُسدَّدُ
[ ٢ / ٩٧ ]
وهل عَدلتْ يومًا رزيَّةُ هالكٍ رزيةَ يومٍ ماتَ فيه محمدُ
تقطَّعَ فيه منزلُ الوحي عنهُمْ وقد كان ذا نورٍ يغُورُ ويُنْجِدُ
يَدلُّ على الرحمن مَن يقتدي بهِ ويُنفِذُ من هولِ الخزايا ويُرشِدُ
إمامٌ لهمْ يهديهمُ الحقَّ جاهدًا مُعلِّمُ صِدقٍ إن يُطيعوهُ يُسعَدُوا
وما فقد الماضونَ مثلَ محمدٍ ولا مثلُهُ حتى القيامةِ يُفقَدُ
وقال حسان بن ثابت أيضا يبكي النبيَّ ﵇ من قصيدة:
ما بال عينِكَ لا تَنامُ كأنها كُحلتْ مآقيها بكُحْلِ الأرمدِ
جَزَعًا على المَهْدِيِّ أصبحَ ثاويًا يا خَيرَ مَن وطئ الحصَى لا تَبعَدِ
وجهي يَقِيكَ التُّرْبَ لعهفًا ليتني غُيِّبتُ قَبلكَ في بَقيع الغَرقدِ
بأبي وأمي مَن شهدتُ وفاتَهُ في يوم الاثنينِ النبيُّ المُهْتدي
فظللتُ بعد وفاتِهِ مُتبلِّدا مُتلدِّدًا يا ليتني لم أُولِد
[ ٢ / ٩٨ ]
يا بِكرَ آمنةَ المباركِ بِكرُها ولدتْهُ مُحْصَنةً بسعْدِ الأسعُدِ
نورًا أضاء على البرية كُلِّها مَن يُهدَ للنُّورِ المباركِ يَهتدِ
واللهِ أسمعُ ما بقيتُ بهالكٍ إلا بكيتُ على النبيِّ محمدِ
يا ويحَ أنصار النبيِّ ورَهطهِ بَعد المُغَيَّبِ في سَواء المَلْحُدِ
ضاقتْ بالأنصارِ البلادُ فأصبحتْ سُودًا وجوهُهمْ كلونِ الإثمدِ
ولقد وَلدْناهُ وفينا قبرُهُ وفضولَ نِعمتهِ بنا لم نجْحَدِ
صلى الإلهُ ومَن يَحفُّ بعرشهِ والطيِّبونَ على المباركِ أحمدِ
وقال كعب بن مالك الأنصاريُّ السَّلَميُّ الخَزرَجيُّ يرثيه ﷺ:
ونائحةٍ حرَّى تَحرَّقُ بالبُكا وتَلطِمُ منها خدَّها والمُقلَّدا
على هالكٍ بعد النبيِّ ومَوتهِ ولو عَقلتْ لم تَبكِ السَّمواتِ وُقْعَدا
[ ٢ / ٩٩ ]
وأعظمِهمْ حقًا على كلِّ مسلمٍ وأعظمِهمْ في الناسِ كلِّهمُ يَدا
إذ كان منه القَولُ كان مُوفَّقًا وإن كان وحْيًا كان نورًا مُجدَّدا
لقد أورثتْ أخلاقُه المجدَ والتُّقى فلن تَلْقَهُ إلا رشيدًا ومُرشِدًا
وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب يرثيه ﷺ:
أرِقتُ فباتَ لَيلى لا يزولُ وليلُ أخي المصيبةِ فيه طُولُ
وأسعدني البكاء وذاكَ فيما أُصيبَ المسلمون به قَليلُ
وقد عظُمت مصيبتُنا وجلَّتْ عشيَّةَ قيلَ: قد قُبضَ الرسولُ
وأصبحَ أرضُنا ممَّا عَراها تَكادُ بنا جوانبُها تَزولُ
فقدْنا الوحْيَ والتنزيل فيما يَروحُ به ويَغدو جَبرئيلُ
وذاكَ أحقُّ ما سالتْ عليهِ نفوسُ الناس أوْ كرَبتْ تَسيلُ
نبيٌّ كان يَجلو الشكَّ عنا بما يُوحَى إليه وما يقولُ
ويَهدينا فلا نَخشَى ضَلالًا علينا والرَّسولُ هو الدليلُ
[ ٢ / ١٠٠ ]
يُخبِّرنا بظهرِ الغَيبِ عمَّا يكونَ فلا يجورُ ولا يحولُ
فلم أرَ مثلَهُ في الناس حيًا وليسَ له منَ الموتَى عَديلُ
أفاطمَ إنْ جزِعتِ فذاكَ عذرٌ وإن لم تجزعي فهُوَ السبيلُ
وقولي في أبيكِ ولا تَمَلِّي وهل يَجزيْ بفضل أبيكِ قيلُ؟
فقبرُ أبيكِ سيِّدُ كلَّ قبرٍ وفيهِ سيِّدُ الناس الرسولُ
ويروى أنه لما توفي رسول الله ﷺ، ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم، ورجعت فاطمة ﵂ إلى بيتها اجتمع إليها نساؤها فقالت:
إغبرَّ آفاقُ السماء وكُوِّرتْ شمسُ النهار وأظلمَ العَصْرانِ
فالأرضُ من بعد النبيِّ كئيبةٌ أسفًا عليهِ كثيرةٌ الرَّجَفانِ
فلْيبْكهِ الطَّودُ المعظَّمُ جَوُّهُ والبيتُ ذو الأستارِ والأركانِ
يا خاتِمَ الرسْلِ المبارك قبرُهُ صلَّى عليكَ مُنزِّلُ الفُرقانِ
[ ٢ / ١٠١ ]
وقالت صفيةُ بنت عبد المطلب، ترثيه ﷺ:
إن يومًا أتَى عليكَ ليومٌ كوَّرتْ شمسُهُ وكان مُضِيّا
جَلَّ يومٌ أصبحتَ فيه ثقيلًا لا تردُّ الجوابَ منكَ إليَّا
خُلُقًا عاليًا ودينًا كريمًا وصِراطًا يَهدي إليهِ سَويّا
وسِراجًا يجلو الظلامَ مُنيرًا ونبيًا مُسدَّدًا عَربيًّا
حازمًا عازمًا كريمًا حليمًا عائذًا بالنوَّال بَرًّا تَقِيًا
فعليك السلامُ منَّا ومِن رَبْكَ بالرَّوجِ بُكرةً وعَشيّا
ويُروى أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على النبيِّ ﷺ، وهو مُسجَّى، فكشف عنه الثوب وقال: بأبي أنت وأمِّي طِبتَ حيًّا وميِّتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوءة. فعظمت عن الصِّفة وجللتَ عن البكاء، وخصصتَ حتى صرتَ مَسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سوى. ولولا أن موتك كان اختيارا لجُدنا لموتك بالنفوس، ولولا أنك نهيتَ عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشؤون. فأما ما لا نستطيع دفعه عنا فكمد وحزن يحالفان ولا يبرحان. اللَّهمَّ فأبلغه عنا السلام. اذكرنا يا محمد عند ربك، واجعلنا من بالك.
[ ٢ / ١٠٢ ]