أسلم منهم اثنان: حمزة والعباس. فوجب تقديمهم للذِّكر.
حمزة بن عبد المطلب: أسلم ﵁ قبل عمر، وكان مع رسول الله ﷺ بدار الأرقم المخزوميِّ عند الصَّفا قبل كمال المسلمين أربعين رجلا بها. وغنما أُكملوا أربعين بعمر ﵁. وكان سبب إسلام حمزة أَنفة وغضبا لما نال أبو جهل عدوّ الله من النبي ﵇ من السبِّ والأذى عند الصَّفا. أخبرت حمزة بذلك مولاة عبد الله بن جُدعان، وقد رجع من قنصه متوشحا قوسه. وكان صاحب قَنص. ورفع قوسه فضربه بها فشجَّه شَجَّة مُنكرة. وقال: أتشتمه! فأنا على دينه أقول ما يقول، فردَّ عليَّ ذلك إن استطعت، وتمَّ ﵁ على إسلامه لما أراد الله به من كرامته. وهاجر حمزة إلى المدينة قبل هجرة النبي ﵇، وشهد بدرا، وهو أخو رسول الله ﷺ من الرَّضاع. وكان حمزة أسنَّ منه، بينهما سنتان، أرضعت النبيَّ ﷺ وحمزة وأبا سلمة بن عبد الأسد " ثُوَيبَة " مولاة أبي لهب. فكان رسول الله ﷺ يُكرم ثُويبة، وكانت تدخل على خديجة بعد أن تزوج خديجة. فكانت خديجة تكرمها. وأعتقها أبو لهب بعدما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة. فكان ﵇ يبعث إليها من المدينة بصِلة وكسوة حتى ماتت بعد فتح خيبر.
[ ٢ / ٧ ]
وحمزة سيد الشهداء استشهد يوم أحد، قتله " وحشي " غلام جُبير بن مُطعم. ويكنّى وحشي أبا وسمة. وأسلم وحشي بعد فتح مكة والطائف. وكان يخاف أن يُقتل إن ظُفر به. فقال له رجل: ويحك أن محمدا لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه، فقدِم المدينة فلم يَرُعْ رسول الله صلى عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه يستشهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ: " أَوَحشيُّ ". قال نعم يا رسول الله. فقال " اقعد فحدِّثني كيف قتلت حمزة ". فقال وحشي: فلما فرغت من حديثي قال لي: " ويحك غيِّب عني وجهك، فلا أريَنَّك ". قال: فكنت أتنكَّب رسول الله حيث كان لئلا يراني، حتى قبضه الله ﷺ، وأستُخلف أبو بكر. فلما خرج المسلمون إلى مُسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجتُ معهم وأخذتُ حربتي التي قتلتُ بها حمزة. فلما التقى الناس رأيتُ مسيلمة قائما، في يده السيف، وما أعرفهُ فتهيأتُ له، وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى، كلانا يريده. فهززتُ حربتي، حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه فوقعتْ فيه. وشدَّ عليه الأنصاريُّ فضربه بالسيف، فربُّك أعلم أيُّنا قتله. فإن كنت قتلت حمزة فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ. وإن كنت قتلت مسيلمة فقد قتلت شرَّ الناس.
ودُفن حمزة ﵁ بأُحُد حيث قُتل في بُرده لم يُغسل. قال ابن عباس: أمر رسول الله ﷺ فسُجِّي ببُرده، ثم صلى عليه فكبَّر سبع تكبيرات ثن أُتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فيُصلِّي عليهم وعليه معهم حتَّى صلَّى عليه ثِنتين وسبعين صلاة. وكان قد مثل به المشركون، فوقف عليه رسول الله ﷺ وقال " ما وقفتُ موقفا قطُّ أَغيظَ عليَّ من هذا، لن أُصاب بمثلك أبدا ". وجاءت أخته شقيقته صفية لتنظر إليه، فأمر رسول الله ﷺ الزبير بن العوَّام ابنها أن يأمرها بالرجوع. فقال لها الزبير يا أمَّاه إِنَّ النبيَّ ﷺ يأمرك بالرجوع. فقالت: يا بُنَيَّ، ما أردت إلا أن أراه فأترحَّم عليه، وأسترجع. فقد بلغني أنَّه قد مُثِّل بأخي، وذلك في الله قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك. لأحتسبنَّ ولأصبرنَّ إن شاء الله. فأخبر الزبير بذلك النبيَّ ﵇. فقال: خلِّ سبيلها. فأتته، فنظرت إليه،
[ ٢ / ٨ ]
فصلَّت عليه واستغفرت له. وقال ﵇: " لولا أن تحزن صفية لتركته حتى يُحشر من حواصل الطير وبطون السباع ". وقال ﷺ: " جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ".
وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي يبكي حمزة بن عبد المطلب:
بكتْ عيني وحُقَّ لها بُكاها وما يُغني البكاء ولا العويلُ
على أسدِ الإلاهِ غداةَ قالوا أحمزةُ ذاكُمُ الرجلُ القتيلُ
أصيبَ المسلمونَ به جميعا هناكَ وقد أُصيبَ به الرسولُ
أبا يَعلى لكَ الأركانُ هُدَّتْ وأنت الماجدُ البَرُّ الوَصولُ
عليك سلامُ ربِّك في جنانٍ مخالطُها نعيمُ لا يزولُ
وقال حسان بن ثابت يُبكي حمزة بن عبد المطلب من قصيدة:
ولقد هَدِدتُ لِفَقدِ حمزةَ هَدَّةً ظلَّتْ بناتُ الجَوفِ منها تُرعَدُ
[ ٢ / ٩ ]
ولو أنَّهُ فُجِعتْ حَراء بمثلهِ لرأيتَ راسِيَ صخرِها يتبدَّدُ
قَرْمٌ تمكَّنَ في ذؤابةِ هاشمٍ حيثُ النبوَّةُ والنَّدى والسَّؤدَدُ
والعاقرُ الكومَ الجلادُ إذا غَدَتْ ريحٌ يكادُ الماء منها يجمدُ
والتاركُ القِرنَ الكَمِيَّ مُجدَّلًا يوم الكريهة والقنَا تتقصَّد
وتراه يرفُلُ في الحديد كأنه ذو لِبدةٍ شُثْنُ البَراثِنِ أربَدُ
عمُّ النبيِّ محمدٍ وصفيُّهُ وردَ الحِمامَ فطابَ ذاكَ الموردُ
وأتى المنيةَ مُعْلَمًا في أسرةٍ صَدقوا النبيَّ ومنهمُ المستَشهدُ
وأُمُّ حمزة: هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زُهرة بنت عمِّ آمنة بنت وهب ابن عبد مناف أمِّ رسول الله ﷺ.
وكانت لحمزة كُنيتان: أبو يعلى وأبو عُمارة. وأم عُمارة امرأة من بني النجار من الأنصار. ولم يُعقب، وكان له من البنات أمُّ أبيها واسمها أُمامة، وأُمُّ الفضل. فأمَّا أُمُّ أبيها فأُمُّها زينب بنت عُميس الخثعمية، وكانت تحت عمر بن أبي سلمة المخزوميِّ ربيب النبي ﵇. وأما أمُّ الفضل فروى عنها عبد الله ابن شدّاد قالت: تُفي مولى لنا وترك ابنة وأختا. فأتينا رسول الله ﷺ، فأعطى الابنة النِّصف وأعطى الأخت النصف.
[ ٢ / ١٠ ]
العباس بن عبد المطلب: كان أسنَّ من رسول الله ﷺ بسنتين وقيل: ثلاث سنين. وأمُّه امرأة من النَّمِرِ بن قاسط، وهي نُثيلة بنت جناب بن حبيب بن مالك بن عمرو بن عامر الضَّحيان الأصغر بن زيد مناة ابن عامر الضَّحيان الأكبر بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النَّمر بن قاسط. هكذا نسبها أبو عبيدة معمر بن المثنَّى، قال: وهي أول عربية كست البيت الحرام الحرير والدِّيباج وأصناف الكسوة؛ وذلك أن العباس ضلَّ وهو صبي، فنذرَتْ إن وجدَتْهُ أن تكسو البيت الحرام فوجدته وفعلت. وكان رئيسا في الجاهلية، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية. فالسقاية معروفة، وأما العمارة فإنه كان لا يدع أحدا يستبُّ في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هُجرا، يحملهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعا منه لأنه كان ملأ قريش قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا أعوانا عليه، وسلَّموا ذلك إليه. وكان أنصر الناس لرسول الله ﷺ بعد أبي طالب. وشهد مع رسول الله ﷺ بيعة العقبة مع الأنصار السَّبعين ليشُدَّ العقد للنبيَّ ﵇ عليهم، وهو على شركه. وأسلم العباس قبل فتح خيبر، وقيل: أسلم قبل بدر إذ ذكر بعض من ألَّف في المغازي أنه قال لرسول الله ﷺ حين أُسِر يوم بدر: يا رسول الله إني مسلم، وإني أُخرِجتُ كَرها. فقال: " الله أعلم بإسلامك، وأما ظاهر أمرك فعلينا ". وكان مقيما بمكة من أجل السقاية أذن له النبي ﷺ في ذلك. وكان يسُرُّه ما يفتح الله على المسلمين، ويكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ. وكان المسلمون يتقوُّنَ به، ولكن يكتم إسلامه، وفي حديث الحجاج بن عِلاط السُّلَمِيِّ ثم البَهْزي أنه كان مسلما في قصته مع قريش حين خدعهم بعد فتح خيبر، وحديثه بذلك صحيح من رواية ثابت البنانيِّ وغيره عن أنس. وقد مضى ذكره في بَهْزٍ من سُلَيم.
وأُسر العباس يوم بدر ففدى نفسه وفدى نوفلا وعقيلا ابني أخويه الحارث وأبي طالب. والذي أسر العباس أبو اليَسَر كعب بن عمرو السُّلميُّ من بني سَلٍمة بن الخزرج. وكان أبو اليَسَر رجلا قصيرا مجموعا، والعباس رجل طويل ضخم. فقال النبي ﷺ: " لقد أعانك عليه مَلَكٌ كريم ". وقال:
[ ٢ / ١١ ]
رسول الله ﷺ: " من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنَّ قريشا أخرجته إلى بدر كرها ".
ولما شُدَّ وثاقه مع الأسرى بات رسول الله ﷺ ساهرا تلك الليلة ولم ينم. فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا رسول الله؟ قال: " أسهر لأنين العباس ". فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه. فقال رسول الله ﷺ ما لي لا أسمع أنين العباس؟ فقال الرجل: أنا أرخيت من وثاقه. فقال رسول الله ﷺ: " فافعل ذلك بالأسرى كلِّهم ".
وكان رسول الله ﷺ يعظِّم العباس ويجله ويقول " هذا عمي وصنوِ أبي ". وقال ﵇ " هذا عمي العباس أجود قريش كفا وأوصلها ". ووجَّهه رسول الله ﷺ مرة إلى أهل مكة فأبطأ عليه، فقال: " ردُّوا عليَّ أبي، أما والله لئن فعلت به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود لأضرمنَّها عليهم نارا ".
وكان عمر وعثمان ﵄، إذا لقيا العباس بن عبد المطلب وهما راكبان نزلا، ويقولن: عمُّ رسول الله ﷺ. وقال خُرَيم بن أوس بن حارثة الطائي ويُكنَّى أبا نجاء: هاجرت إلى رسول الله ﷺ مُنصرفه من تبوك، فسمعت العباس عمَّه يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمدحك، فقال له النبي ﵇: " قُل لا يُفضض الله فاك "، فأنشأ يقول:
مِن قَبلها طِبتَ في الظِّلالِ وفى مُستَودعٍ حيثُ يُخصفُ الورقُ
ثمَّ هبطتَ البلادَ لا بَشَرٌ أنتَ لا مُضغةٌ ولا عَلَقُ
بل نُطفة تركب السفينَ وقد ألجمَ نَسرًا وأَهلَهُ الغرقُ
[ ٢ / ١٢ ]
تُنقَلُ من صالبٍ إلى رَحمٍ إذا مضى عالمٌ بدا طَبقُ
حتى احُتَوى بيتُكَ المُهَيمِنُ مِن خِندِفَ علياء تَحتَها النُّطُقُ
فنحنُ في ذلك الضياء وفي الن ور وسُبْلِ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ
وقال ابن شهاب: كان أصحاب النبيِّ ﵇ يعرفون للعباس فضله، ويقدِّمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه. وقال غيره: كان العباس جميلا أبيضا بضَّا ذا ضفيرتين معتدل القامة. وقيل: بل كان طُوالا. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر قال: أردنا أن نكسو العباس حين أُسر يوم بدر فما أصبنا قميصا يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أُبي. وذُكر في صحيح التاريخ أن العباس كان جوادا مطعما. وهو من المطعمين يوم بدر. وكان وصولا للرحم، ذا رأي حسن ودعوة مرجوَّة.
واستسقى به عمر زمن الرَّمادة وذلك سنة سبع عشرة. وكان كعب الأحبار قال له: يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل كانوا إذا قُحطوا استسقوا بعصبة الأنبياء. قال: فخرج عمر وخرج معه العباس وقال: اللهم إنا نتقرب إليك بعمِّ نبيِّك. ونستشفع به. فاحفظ فيه نبيَّك، كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما، وأتيناك مستغفرين ومستشفعين. ثم أقبل على الناس فقال: استغفروا ربَّكم إنه كان غفَّارا، يُرسل السَّماء عليكم مِدرارا. ثم قام العباس وعيناه تنضحان، فطال
[ ٢ / ١٣ ]
عمر ثم قال: اللهم إنه لم ينزل من السماء بلاء إلا بذنب، ولن يُكشف إلا بتوبة، وقد توجَّه بي القوم إليك لمكاني من نبيِّك، وإنَّك لا تُهمل الضَّالَّة ولا تدع الكسير بدار مضيعة. فقد ضرع الصغير، وفَرِق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السِّرَّ وأخفى. اللهمَّ أغِثْهُم بغيثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا. فإنه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون. اللهمَّ شفِّعنا في أنفسنا وأهلنا. اللهمَّ إِنَّا شفعاء عمَّن لا ينطق من بهائمنا وإنعامنا. اللهم اسقنا سقيا وادعا نافعا طَبَقا سَحَا عاما. قال: فأرخت السماء غزالَيها. فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفرُ بالآكام، وأخصبت الأرض، معاش الناس. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه. وفي رواية أخرى: فنشأت طُريرة من سحاب. فقال الناس: تَرونَ تَرونَ، حتى تلاءمت واسْتَتَبَّتْ، ومسَّت فيها ريح ثم هرَّت ودرَّت. فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء، وقلَّصوا المآزر. وطفق الناس يمسحون بأركان العباس ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين. وقال حسان بن ثابت:
سألَ الإمامُ وقد تَتابع جَدبُنا فسُقي الغَمامُ بغرَّة العباسِ
عمِّ النبيِّ وصِنوِ والدهِ الذي ورِثَ الفَخارَ بذَاك دون الناسِ
أحيا المليكُ به البلادّ فأصبحتْ مُخضَرَّة الأجنابِ بعدَ الياسِ
وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب:
بعمِّي سَقَى اللهُ الحجازَ وأهلَهُ عشيَّةَ يستقي بشيْبتِهِ عُمَرُ
[ ٢ / ١٤ ]
توجَّه بالعباس في الجدبِ راغبا فما كرَّ حتى جاء بالدَّيمةِ المطرُ
ومن فضائله ﵁ الترمذي: حدثنا قتيبة، نا أبو عَوانَةَ عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء: حدثني عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مغضبا وأنا عنده، فقال: " ما أغضبك؟ ". قال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرَّ وجهه، ثم قال: " والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبَّكم لله ولرسوله، ثم قال: " يا أيها الناس من آذى عمِّي فقد آذاني، فإنَّما عمُّ الرجل صنو أبيه "، قال: هذا حديث حسن. الترمذي: نا القاسم بن دينار الكوفي: نا عبيد الله عن إسرائيل، عن عبد العلي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ: " العباس مني وأنا منه ".
ومات العباس ﵁ قبل موت عثمان بسنتين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: ابن تسع وثمانين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: بل من رمضان سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه عثمان ودُفن بالبقيع. وقال خليفة بن خياط: كانت وفاة العباس سنة ثلاث وثلاثين، ودخل قبره ابنه عبد الله بن عباس.
ومن موالي العباس: عُبيد بن حُنين: روى عن ابن عباس حديث: كنت أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ، وهو حديث طويل، خرَّجه مسلم، وروى عن عبيد بن حنين يحيى بن سعيد الأنصاريُّ وهو قال فيه: مولى العباس. وفي الموطأ في كتاب " الصلاة " عن عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب عن أبي هريرة حديث الرجل الذي سمعه رسول الله ﷺ يقرأ:) قل هو الله أحد (.
وولد العباس الفضل الرَّدْفَ، وبه كان يُكنى، وعبد الله الحَبْر، وعُبيد الله الجواد، وقُثَم الشهيد بسمرقند، وعبد الرحمن، ومعبدا. وأُمُّهُم أمُّ الفضل لُبابة
[ ٢ / ١٥ ]
الكبرى الهلالية من بني عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة. كُنيت بالفضل ابنها. وهي لُبابة بنت الحارث بن حَزْن أخت ميمونة زوج النبي ﷺ لأبيها وأمِّها. ويقال: أنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة. فكان النبي ﵇ يزورها ويقيل عنها. وروت عنه أحاديث كثيرة. وكانت من المُنجِبات، ولدت للعباس ستة رجالا لم تلد امرأة مثلهم.
وفي أم الفضل هذه يقول عبد الله بن يزيد الهلالي:
ما ولدتْ نجيبةٌ من فحلِ
بجَبلٍ نعلمُهُ وسهلِ
كَستَّةٍ من بطن أمِّ الفضلِ
أكرِمْ بها من كهلةٍ وكهلِ
عمِّ النبيِّ المصطفى ذي الفضلِ
وخاتمِ الرُّسْلِ وخَيرِ الرسْلِ
الفضل بن عباس: سُمِّي الفضل الرَّدف لأنه كان رديف رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع، ونصُّ ذلك في الموطأ كتاب " الحج ". مالك عن بن شهاب، عن سليمان بن شهاب، عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ، فجاءته امرأة من خَثعم تستفتيه. فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه. فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشقِّ الآخر. فقالت: يا رسول الله إنَّ فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: " نعم "، وذلك في حجَّة الوداع.
ويكنَّى الفضل أبا عبد الله. وقيل: يكنى أبا محمد. غزا مع رسول الله ﷺ حُنينا، وشهد معه حجة الوداع، وشهد غسله ﷺ.
[ ٢ / ١٦ ]
وهو الذي كان يصُبُّ على عليٍّ يومئذ، وكان أجمل الناس وجها. وأختُلف في وقت وفاة الفضل. فقيل: أصيب يوم أجنادين في خلافة أبي بكر الصديق ﵁. وقيل: بل يوم مُرج الصُّفَّر، وكلا الوقيعتين كانتا سنة ثلاث عشرة. وقد قيل: مات الفضل في طاعون عَمَواس بالشام سنة ثمان عشرة. وقد قيل: إنه قتل يوم اليرموك سنة خمس عشرة في خلافة عمر. ولم يترك ولدا إلا أمَّ كلثوم، تزوجها الحسن بن علي، ثم فارقها. فتزوجها أبو موسى الأشعريُّ. روى عنه أخوه عبد الله بن عباس وأبو هريرة.
عبد الله بن عباس أبو العباس: ولد، ﵁، بالشِّعب قبل خروج بني هاشم منه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. ودعا له رسول الله ﷺ حين وضع له الوضوء، فقال: " اللهم فقِّهه "، وضرب بيده في صدره. وفي حديث آخر: " اللهمَّ فقَّهه بالدِّين وعلِّمه التَّأويل ". وفي آخر " اللهمَّ علِّمه الحكمة وتأويل القرآن ". وفي آخر " اللهمَّ بارك فيه وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين ". وهي أحاديث كلها صحاح. وقال مجاهد عن ابن عباس: رأيت جبريل عند النبي ﵇ مرتين. ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. وقال ابن مسعود: نِعمَ ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك ما عاشره منا رجل. وقال مجاهد: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلا أن يقول قائل: قال رسول الله ﷺ. وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث قلت: أعلم الناس. وقال يزيد بن الأصمِّ: خرج معاوية حاجَّا معه ابن عباس. فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممَّن يطلب العلم.
وحدَّث يحيى بن معين قال: نا الحجاج بن محمد عن ابن جُريح، عن عطاء قال: كان ناس يأتون ابن عباس في الشِّعر والأنساب، وناس يأتون لأيام العرب ووقائعها، وناس يأتون للعلم والفقه. فما منهم صف إلا يُقبل عليهم بما شاؤوا. وقال ﵁: تُوفي رسول الله ﷺ وأنا قد ناهزت الاحتلام. وفي الموطأ مالك: عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس أنه قال: أقبلتُ راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله ﷺ بمنى، فمررت بين يدي بعض
[ ٢ / ١٧ ]
الصفَّ. فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصفِّ، فلم يُنكر ذلك على أحد.
قال المؤلف، وفقه الله: كان ذلك، في حجَّة الوداع، وبين موته ﵇ وصلاته للناس بمنى ثلاثة أشهر وأربعة أيام. وروى الزَّهريُّ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: " يا غلام ألا أُعلِّمك كلمات ينفعك الله بهنَّ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك. تعرَّف إليه في الرَّخاء، يعرفك في الشدَّة. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. جفَّ القلم بما هو كائن، فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه. فاعمل لله بالرضى في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ".
قال أبو عمرو بن العلاء: نظر الحطيئة إلى ابن عباس في مجلس عمر بن الخطاب غالبا عليه، فقال: من هذا الذي برع الناس بعلمه، ونزل عنهم بسنِّه؟ قالوا عبد الله بن عباس. وفيه يقول حسان بن ثابت:
إذا ما بنُ عباسٍ بدا لك وجهُهُ رأيتَ له في كلِّ أحولِهِ فَضْلا
إذا قالَ لمْ يترك مقالا لقائلٍ بمنتظِماتٍ لا تَرى بينها فَضْلا
كفى وشَفى ما في النفوسِ فَلَم يَدَعْ لذي إرْبةٍ في القَولِ جِدًّا ولا هَزلا
[ ٢ / ١٨ ]
سَموتَ إلى العُليا بغير مشقَّةٍ فنلتَ ذُراها لا دَنيًّا ولا وَغْلا
خُلقتَ حليفًا للمروءةِ والنَّدى بَليجًا ولم تُخْلَقْ جبانًا ولا جِبْلا
ويُروى أن معاوية نظر إلى ابن عباس يوما فأتبعه بصره، وقال متمثِّلا:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل مُصيبٍ ولم يَثْنِ اللسانَ على هُجْر
يُصرِّف بالقولِ اللسانَ إذا انتحى وينظر في أعطافهِ نَظرَ الصَّقْرِ
وروي أنَّ عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحيَّ مرَّ يوما بدار عبد الله بن عباس بمكة، فرأى فيها جماعة من طالبي الفقه. ومرَّ بدار عبيد الله بن عباس فرأى فيها جماعة ينتابونها للطعام، فدخل على ابن الزبير فقال: أصبحتَ والله كما قال القائل:
فإن تُصبك من الأيام قارعةٌ لم أبكِ منكَ على دُنيا ولا دينِ
قال: وما ذاك يا أعرج؟ هذان ابنا العباس، أحدهما يفقِّه الناس، والآخر يُطعم الناس، فما أبقيا لك مكرمة. فدعا عبد الله بن مُطيع وقال له: انطلق لإلى ابني عباس فقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين اخرجا عني، أنتما ومن انضوى إليكما من أهل العراق، وإلا فعلت وفعلت. فقال عبد الله بن عباس: قل لابن الزبير، والله ما يأتينا من الناس إلا رجل يطلب فقها ورجل يطلب فضلا، فأيَّ هذيم تمنع؟ وكان بالحضرة أبو الطفيل عامر بن واثلة الكنائي، فجعل يقول:
[ ٢ / ١٩ ]
لا دَرَّ دَرُّ الليالي كيف تُضحكنا منها خطوبٌ أعاجيبٍ وتُبكينا
ما مِثلُ ما تُحْدِثُ الأيامُ من غِيَرٍ في ابنِ الزبير عن الدنيا يُسلِّينا
كنا نَجيء ابن عباس فيُقْبِسنا فِقْهًا ويُكسِبُنا أجرًا ويَهدينا
ولا يزال عُبيدُ الله مُتْرعَةً جِفانُهُ مُطعِمًا ضَيفا ومسكينا
فالبِرُّ والدينُ والدنيا بدارهما نَنالُ منه الذي نَبغي إذا شِينا
إن النبيَّ هو النوُ الذي كُشطتْ به عمايةُ ماضِينا وباقينا
ورهطُهُ عِصمةٌ في ديننا ولهمْ فضلٌ علينا وحقٌ واجبٌ فينا
ففيمَ تمنعُنا منهمْ وتَمنعهمْ منا وتُوذيهمُ فينا وتُوذينا؟
فلستَ فاعلمْ بأولاهُمْ به رَحِما يا بْنَ الزُّبير ولا أولى به دِينا
لن يؤتيَ الله إنسانًا ببغضتهمْ في الدين عزًّا ولا في الأرض تمكينا
وقال فيه عمر بن الخطاب، ﵁: عبد الله فتى الكُهول، وله لسان سؤول، وقلب عقول. وقال طاووس: أدركتُ نحو خمسمئة من أصحاب رسول الله ﷺ، إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يُقرُّهم حتى ينتهوا إلى
[ ٢ / ٢٠ ]
قوله. وقال له العباس: يا بُنيَّ، إني أرى هذا الرجل " يعني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب " يختصُّك ويستشيرك دون من ترى من أبناء الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإني موصيك بثلاث وفي رواية احفظ عني ثلاثا: لا تُفشينَّ له سِرًّا، ولا يُجربنَّ عليك كذبا، ولا تُغتابنَّ عنده أحدا. قال: فقال: يا أبه كلُّ واحدة منها خير من ألف. فقال: كلُّ واحدة منها خير من عشرة آلاف.
وكان عمر، ﵁، يحبُّه ويدينه ويقربُّه ويشاوره مع جلَّ الصحابة. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس أبن عباس باطلا قُطُّ. وما سمعت فتوى أشبه بالسنَّةِ من فتواه. وكان أصحابه يسمونه البحر والحبر. وقال أبو الزنَّاد عن عبيد الله: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنَّة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا من ابن عباس. ولقد كان عمر يُعدُّه للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين.
وعمى، ﵁، في آخر عمره. روي عنه أنه رأى رجلا مع النبي ﵇، فلم يعرفه. فسأل النبيَّ ﵇. فقال رسول الله ﷺ: " أرأيته؟ ". قال: نعم. قال: " ذلك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك ". فكان كما قال رسول الله ﵇. وهو القائل في ذلك في ما روي عنه من وجوه:
إن يأخِذ اللهُ من عينيَّة نورَهما ففي فؤادي وقلبي منها نورُ
قلبي ذكيٌّ وعقلي غيرُ ذي دَخَلٍ وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثورُ
وهو القائل أيضا حين أسنَّ:
ما زلتُ أرمُقُ حبلَ الدهر منتظرًا حتى بَليتُ وحبلُ الدهرِ ممدودُ
[ ٢ / ٢١ ]
أقدِّمُ العُودَ قُدَّامي وأتبعُهُ وكنتُ حينًا وما يَمشي بيَ العُودُ
وتوفي، ﵁، بالطائف في أيام عبد الله بن الزيبر سنة ثمان وستين، وهو أبن سبعين سنة، وقيل: أبن إحدى وسبعين سنة. وصلَّى عليه محمد أبن الحنفيّة، وكبَّر عليه أربعا، وقال: اليوم مات ربَّانيُّ هذه الأمة. وضرب على قبره فسطاطا. وقال أبو الزبير: مات أبن عباس بالطائف، فجاء طائر أبيض، فدخل في نعشه حين حُمل، فما رُئي خارجا منه. وقيل: إنه بصره بالتأويل. وشهد أبن عباس مع عليّ، ﵂ الجمل وصفِّين والنهروان. وشهدها معه الحسن والحسين ومحمد بنوه، وعبد الله وقثم ابنا العباس، وعبد الله ومحمد وعون بنو جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وولد عبد الله بن عباس عليا، وهو أجلُّ ولده قدرا، وأشهرهم وأعظمهم. وعباسا وبه كان يكنى عبد الله. ومحمدا. والفضل. وعبد الرحمن. وعبيد الله ولبابة. وأمُّهم زرعة بنت مشرح. كنديَّة. وليس لمحمد. والفضل. وعبيد الله أعقاب.
وأما عليُّ بن عبد الله فكان من أعبد الناس وأجملهم وأكثرهم صلاة. كان يصلي كلَّ يوم وليلة ألف ركعة. وقيل: كان له خمسمئة أصل من زيتون، يصلي في كلِّ يوم لكلِّ أصل ركعتين. وولد في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب، ذكر ذلك الواقديُّ، وهو الأشهر. وفي الكامل قال أبو العباس: ويروي عن على بن أبي طالب ﵇ أنه افتقد عبد الله بن العباس ﵀ في وقت صلاة الظهيرة، فقلا لأصحابه، ما بال أبي العباس لم يحضُر؟ فقالوا: ولد له مولود. فلما صلي عليٌّ قال: امضوا بنا إليه. فاتاه فهنَّأ فقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب. ما سَّميتَهُ؟ قال: أيجوز لي أن أسمِّيهُ حتى تُسمِّيهُ؟ فأمر به فأخرج إليه، فأخذه وحنَّكهُ ودعا لهُ، ثم ردَّه إليه، وقال: خُذ
[ ٢ / ٢٢ ]
إليك أبا الأملاك، قد سَّميته عليا، وكنَّيته أبا الحسن. فلما قام معاوية قال لأبن عباس: ليس لك أسمه وكنيته، وقد كنَّيته أبا محمد، فجرت عليه. وقال فيه مسلم في كتاب " الكُنى ": أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله عليٌّ بن عباس بن عبد المطلب. روى عنه ابنه محمد والزُّهريُّ. وكان عليٌّ سيدا شريفا بليغا، وكان يقال له السَّجَّاد، ويُدعى ذا الثفنات. وقد ذكره دعبل بن عليُّ الخزاعيُّ في قصيدته التي رثى بها آل علي بن أبي طالب ﵃ في بيت منها. ومن القصيدة مُتخيَّر، قوله:
مدارسُ آياتٍ عفَتْ من تِلاوةٍ ومنزِلُ وحي مُقفِرُ العَرَصاتِ
لآلِ رسول الله بالخيفِ من مِنى وبالبيتِ والتعريف والجَمَراتِ
ديارُ عليٍّ والحسينِ وعفرٍ وحمزةَ والسجَّادِ ذي الثَفِناتِ
قفا نسألِ الدارَ التي خفَّ أهلها متَى عهدُها بالصَّوم والصلواتِ؟
وأين الأُلى شطَّت بهمْ غُربةُ ألنَّوى أفانينَ الآفاقِ مُفتَرِقاتِ
نفوسٌ لدي النَّهرينِ من بطنِ كربلا مُعرَّسُهم منها مطَى الفَلَواتِ
بِنفسي كرامٌ من كهولٍ وفتيةٍ لفكَّ عُناةٍ أو لحملِ دِياتِي
أآل رسولِ الله خُمْسٌ بطونُهم وآلُ زيادٍ غُلَّظُ القَصَراتِ؟
[ ٢ / ٢٣ ]
أرى فيأهم في غيرهم متقسِّمًا وأيديَهم من فيئهمْ صَفِراتِ؟
إذا وُتروا مَدُّوا إلى واتريهمُ أكفًّا عنِ الأوتار مُنّقبضاتِ
أحبُّ قَصِيَّ الدارِ من أجل حبِّهم وأهجُرُ فيهمْ أُسْرتي وثقاتي
وضربه الوليد بن عبد الملك بن مروان بالسِّياط مرتين؛ إحداهما في تزويجه لُبابة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وكانت قبل عليّ عند عبد الملك بن مروان. فعضَّ تفاحة ثم رمى إليها، وكان أبخر. فدعت بسكين. فقال: ما تصنعين؟ فقالت: أُميطُ عنها الأذى. ففارقها فتزوَّجها عليُّ بن عبد الله، فضربه الوليد وقال: إنما تتزوَّج نساء الخلفاء لتضع منهم، كما فعل مروان بن الحكم حين تزوَّج أمَّ خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منعا فقال علي: إنما أردت الخروج من هذه البلدة وأنا ابن عمِّها فتزوجتها لأكون لها محرما. وأما ضربه إياه في المرة الثانية فلأنه كان يرى أن الخلافة في ولده، وطيف به على بعير ووجهه ممَّا يلي ذَنَب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا عليٌّ بن عبد الله الكذاب. وما كذب بل صدق وبرَّ، ومن ضربَهُ ظَلَم وفَجَر. قال الذي رآه مضروبا على حمار: فأتيته فقُلتُ له: ما هذا الذي نسبوه إليك من الكذب؟ قال: بلغهم أني أقول: إن هذا الأمر سيكون في ولدي، والله ليكوننَّ فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه، الذي كأنَّ وجوههم المجانُّ المطارقة.
وقال عليُّ بن عبيد الله بن العباس في شأن يوم الحَرَّة يفخر:
أبي العباسُ قَرْمُ بني قُصَيٍّ وأخوالي الملوكُ بنو وَليعَة
همُ مَنعوا ذِماريَ يوم جاءتْ كتائبُ مُسرِفٍ وبنو اللكيعَهْ
[ ٢ / ٢٤ ]
أراد بيَ التي لا عزَّ فيها فحالت دونَهُ أيدٍ مَنيعه
قوله: بنو وليعة هم أخواله من الكِندة، وأمه زُرعة بنت مِشرح الكندية، ثم أحد بني وليعة، وقد تقدم ذكرها وذكر بنيها قبل. وقوله: كتائب مُسرف، يعني مُسلم بن عقبة المرِّيَّ صاحب الحرَّة، وأهل الحجاز يسمونها مُسيرفا وكان أراد أهل المدينة جميعا على أن يبايعوا يزيد بن معاوية، على أن كلَّ واحد منهم عبدٌ قِنٌ له إلاَّ إلا عليَّ بن الحسين. فقال حُصين بن نُمير السَّكونيُّ من كِندة: ولا يبايع ابن أختنا عليَّ عبد الله إلا ما يبايع عليه عليُّ ابن الحسين، على أنه ابن عمِّ أمير المؤمنين وإلا فالحرب بيننا. فأُعفيَ عليُّ بن عبد الله، وقُبِل منه ما أراد، فقال هذا الشعر لذلك. وقوله بني اللَّكيعة فهي اللئيمة. ويقال في النداء للَّئيم: يا لُكع، وللأنثى: يا لَكَاع، لأنه موضع معرفة. كما يُقال: يا فُستقُ ويا خُبثُ، فإن لم تُرد أن تعد له عن جهته قلت للرجل: يا لُكعُ، وللأنثى يا لْكعاء. وهذا موضع لا تقع فيه النكرة. وقد جاء في الحديث، والأصل ما ذكرت لك " لا تقوم الساعة حتى يلي الناس لُكع بن لُكع ". فهذا كناية عن اللئيم بن اللئيم، وهذا بمنزلة عُمر ينصرف في النكرة ولا ينصرف في المعرفة. ولُكاع يُبنى على الكسر. وقد اضطرَّ الحطيئة فذكر لكاعِ في غير النداء. وقال يهجو امرأته:
أطوِّفُ ما أطوِّفُ ثم آوي إلى بيتٍ قعيدته لَكاعِ
وكان عبد الملك بن مروان يكرم عليَّا ويُقدِّمه. قال علي بن عبد الله: سايرتُ يوما عبد الملك، فما جاوزنا إلا يسيرا حتى لقيه الحجاج قادما عليه. فلما رآه ترجَّل ومشى بين يديه. فحثَّ عبد الملك فأسرع الحجاج، فزاد عبد الملك فهرول الحجاج. فقلت لعبد الملك: أَبِكَ مَوجدة على هذا؟ قال: لا، ولكنه رفع من نفسه، فأحببتُ أن أغُضَّ منه.
وحضر عليٌّ عبد الملك وقد أُهديت له من خراسان جارية وفَصٌّ وسيف فقال: يا أبا محمد، إن حاضر الهدية شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحدا. فاختار الجارية وكانت تُسمَّى سُعدى، وهي من سبي الصُّغد من رهط عُجيف بن عَنبة.
[ ٢ / ٢٥ ]
فأولدها سليمان بن علي وصالح بن علي. وكانت فيها رُتَّة، فكانت معروفة في ولد سليمان وولد صالح.
ودخل عليُّ بن عبد الله على هشام بن عبد الملك، وهو شيخ كبير ومعه ابنا ابنه الخليفتان أبو جعفر وأبو العباس. فأوسع له على سريره، وسأله عن حاجته فقال: ثلاثون ألف درهم، عليَّ دين. فأمر بقضائها. وقال: وتستوصي بابنيَّ هذين خيرا، ففعل وشكره. فقال: وصلتك رحم. فلما ولَّى علي قال الخليفة لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختلَّ وأسنَّ وخَلط، فصار يقول: إن هذا الأمر سيُنقل إلى ولده. فسمعه فقال: والله ليكوننَّ ذلك وَلَيَملكنَّ هذان.
ومات عليٌّ بالسَّراة سنة ثمان عشرة ومئة. وهو ابن ثمانين سنة، قاله الواقدي وقال غيره: تُوفي سنة تسع عشرة ومئة. وولد عليُّ بن عبد الله بن عباس محمدًا: أمُّه العالية بنت عبيد الله بن عباس، وأُمُّها عائشة بنت عبد الله ابن عبد المَدَان الحارثيِّ، وداود وعيسى لأمِّ ولد، وسليمان وصالحا لأمِّ ولد تُسمى سُعدى وإسماعيل وعبد الصَّمد لأُمِّ ولد، وعبد الله، وعبد الله، وعبد الله ثلاثة. وأحد هؤلاء العبادلة، اُمُّه أُمُّ أبيها بنت عبد الله بن جعفر وأمُّها ليلى بنت مسعود بن خالد النَّهشلي. والثاني أُمُّه بربرية اسمها هنَّادة، وهو الذي خالف على أبي جعفر فأرسل إليه أبو جعفر أبا مسلم، ثم حبسه أبو جعفر في بيت جُعل أساسه مِلحا، ثم أطلق عليه الماء ليلا، فسقط عليه البيت فمات.
فأما محمد بن علي فكان من أجمل الناس وأعظمهم قدرا. وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة. وكان عليٌّ يخضب بالسواد ومحمد بالحمرة. فيظن من لا يعرفهما أن محمدا هو علي. ومات سنة اثنتين وعشرين ومئة، وفيها ولد المهديُّ. ويقال: مات سنة خمس وعشرين ومئة بالسَّراة من أرض الشام، وهو ابن ستين سنة، وخلفاء ولد العباس من ولده أبي جعفر فإن العباس لم يُعقِب وكان محمد يُنهى أن يتزوج في بني الحارث بن كعب، كان ينهاه عن ذلك خلفاء بني أمية لأنهم كانوا يرون في الحدثان أن صاحب الرايات السود الخارجة من خراسان من بني هاشم ثم من بني العباس أمُّه من بني الحارث بن كعب، فلما قام عمر
[ ٢ / ٢٦ ]
بن عبد العزيز جاءه فقال: يا أمير المؤمنين إني مُنعت أن أتزوَّج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب. فقال عمر: تزوَّج رحمك الله من أحببت. فتزوجها، فأولدها أبا العباس أمير المؤمنين. وكان لأخوة محمد بن على ولأعقابهم شرف وصيت وولايات حين صارت لهم الدَّولة.
وولد محمد بن علي بن إبراهيم الذي يُدعى الإمام، وإليه أوصى أبوه محمد، ومات بالشام مسموما. وعبد الله أبا العباس وعبد الله أبا جعفر وموسى ويحيى.
فأما أبو العباس عبد الله بن محمد: ويُعرف بالسَّفَّاح فأمُّه رَيطة بنت عبيد بن عبد الله بن عبد المدان بن الديَّان وعبد المدان واسمه عمرو بن الديَّان. والديَّان: اسمه يزيد بن قَطَن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة ابن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد بن الغوث الحارثية الأزدية. وبنو الحارث بن كعب من أشراف الأزد. وجدُّ ريطة عبد الله ابن عبد المدان. قال الطبريُّ: إنه وفد على النبي ﷺ في وفد بني الحارث بن كعب، فقال له: " مَن أنتَ؟ " فقال: أنا عبد الحَجَر. فقال: " أَنتَ عبد الله " فأسلم. وكانت ابنته عائشة عند عبيد الله بن العباس. ويأتي ذكرها عند ذكره. وهي التي قتل باليمن ولديها منه بُسر بن أرطأة. وفي الديَّان من بني الحارث بن كعب يقول الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف:
ولقد صحَبتُ الناسَ ثم خَبرتُهم فوجدتُ أكرمَهمْ بني الديَّانِ
قومُ إذا نزل الغريبُ بدارهمْ تركوهُ ربَّ صَواهلٍ وقِيانِ
لا يَنكُتون الأرضَ عند سؤالهمْ لتلمُّسِ العلاَّتِ بالعِيدانِ
بل يَبسُطونَ وجوهَهمْ فَترى لها عند السؤالِ كأحسنِ الألوانِ
[ ٢ / ٢٧ ]
وإذا تَعصَّوا بالصوارِم والقَنا سَدُّوا شعاعَ الشمسِ بالمُرَّانِ
هذه الأبيات منسوبة لقائلها من تاريخ بغداد الكبير للخطيب الحافظ أبي بكر أحمد بن عليِّ بن ثابت بن أحمد بن مهديِّ ﵁. وقال حسان بن ثابت في بني عبد المدان:
وقد كنا نقول إذا رأينا أخا جسم يهولُ وذا بَيانِ
كأنا أيها المُعطَى بَيانا وجسما من بني عبدِ المدانِ
وبويع أبو العباس ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول بالكوفة سنة اثنتين وثلاثين ومئة في بني أوْد فخذٍ من مَذححج في دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم، دخل عليه وعلى أخيه أبي جعفر الدار المذكورة أبو سلمة حفص بن سليمان الخلَّلُ، وكانا فيها مُختفيين، فقال: أيكما عبد الله؟ فقال أبو جعفر كلانا عبد الله. فقال أبو سلمة: أيُّكم ابن الحارثية؟ فقال أبو العباس أنا. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وبايعه. فلما أصبح أمره فركب. ثم حمله حتى صلى بالناس الجمعة في مسجد الكوفة الأعظم. وبويع في ذلك اليوم بيعة العامة، فأقام في خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وتوفي بالأنبار في ذي الحجة سنة ستٍّ وثلاثين ومئة. ويقال إنه ولي العهد وهو ابن ثمان وعشرين سنة. وقال المسعودي: عُمِّر ثلاثا وثلاثين سنة، وكانت بنته ريطة عند المهديِّ.
وأما عبد الله بن محمد أبو جعفر المنصور فأمه بربريَّة اسمها سلاَّمة، ومولده بالسَّراة في ذي الحجة سنة خمس وتسعين. وكانت خلافته اثنين وعشرين سنة إلا شهرا. وبويع له بالأنبار يوم مات أبو العباس أخوه، وكان أبو جعفر غائبا، وولي ذلك والإرسال به في الوجوه عيسى بن علي عمُّه. فلقيتْ أبا جعفر
[ ٢ / ٢٨ ]
بيعته في الطريق، ومضى أبو جعفر حتى قَدِم الكوفة، وصلى بالناس وخطبهم، ثم شَخَصَ حتى قدم الأنبار، وقدم أبو مسلم عليه فقتله بروميَّة المدائن.
وولي أبو جعفر الخلافة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. وكان سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صُفرة، ضربه بالسِّياط. فلما ولي الخلافة وظفر به صلبه. وخرج أبو جعفر حاجّا سنة أربعين ومئة، وكان أحرم من الحيرة. وقد كان قبل خروجه أمر بمسجد الكعبة أن يُوسَّع في سنة تسع وثلاثين، وكانت تلك السنة تُدعى " عام الخصب " فوسِّع. ولما قضى أبو جعفر حجَّه صَدَرَ إلى المدينة فأقام فيها ما شاء الله، ثم توجَّه إلى الشام، حتى صلَّى في بيت المقدس، ثم انصرف إلى الرقة، ثم سلك الفرات حتى نزال المدينة الهاشمية بالكوفة، ثم حضر الموسم سنة أربع وأربعين ومئة، ثمَّ تحوَّل إلى بغداد سنة خمس وأربعين ومئة، وسمَّاها الزَّوراء، ويقال لها أيضا مدينة السلام.
وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ في تاريخه الكبير حُسْن بناء أبي جعفر لها، وغرابته وإتقانه، وأبدع في وصفها كلَّ الإبداع. وأتمَّ أبو جعفر بناءها. واتّخذها منزلا سنة ستٍّ وأربعين ومئة، فلم يلبث أبو جعفر بعد أن حلَّ بغداد إلا يسيرا حتى خرج محمد بن عبيد الله بن حسن بن حسن بالمدينة، فلما بلغه خروجه انحدر إلى الكوفة مسرعا، فوجَّه الجيوش إلى المدينة عليهم عيسى بن موسى وعلى مقدَّمته حُمَيد بن قَحطبة، فقُتل محمد بن عبد الله في شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومئة. وكان أخوه إبراهيم بن عبد الله خرج إلى البصرة في أول يوم في شهر رمضان. فلما انتهى إليه قَتْلُ أخيه خرج متوجِّها إلى الكوفة، وأقبل عيسى بن موسى فالتقوا بباخَمْرا من أرض الكوفة، فقُتل إبراهيم وأصحابه في سنة خمس وأربعين ومئة.
وخرج أبو جعفر يريد الحجَّ سنة ثمان وخمسين ومئة، فمات لستٍّ خلون من ذي الحجة على بئر ميمون، وقد بلغ من السن ثلاثا وستين سنة وشهورا. وبئر ميمون بأعلى مكة، حفرها ميمون بن الحضرمي أخو العلاء ابن الحضرميّ في الجاهلية، فنُسبت إليه. وصلى عليه إبراهيم بن يحيى بن عليّ. وقال
[ ٢ / ٢٩ ]
الهيثم: صلى عليه عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
وكان لإبراهيم الإمام وموسى ويحيى بن محمد بن علي أخوة أبي العباس وأبي جعفر بنون وَلُوا الولايات، ولهم أعقاب، إلا إبراهيم بن يحيى فإنه لم يُعقب. وحجَّ بالناس سنة هلك عمُّه أبو جعفر.
ولد لأبو جعفر المهديَّ: واسمه محمد، وجعفرا. وأمهما أُمُّ موسى بنت منصور الحميريَّة، وصالحا أمُّه أمة، يُقال أنها بنت ملك الضُّغد. وسليمان وعيسى ويعقوب أمُّهم فاطمة بنت محمد ومن ولد طلحة بن عبيد الله، والقاسم وعبد العزيز والعباس.
فأما جعفر بن أبي جعفر فولي الموصل لأبي جعفر، ومات ببغداد، فولد جعفر إبراهيم بن عفر وزبيدة وهي أمُّ جعفر أمُّها سلسبيل أمُّ ولد. وجعفر بن جعفر وعبيد الله وعيسى بن جعفر وصالح بن جعفر ولُبابة بنت جعفر. فأما إبراهيم فلا عقب له. وأما زبيدة فتزوجها هارون الرشيد، فولدت له محمدا الأمين المخلوع. وأما لُبابة فكانت عند موسى بن المهديّ. وأما عيسى بن جعفر فولي البصرة وكورها وفارس والأهواز واليمامة والسِّند. ومات بدير بين بغداد وحلوان، وكان يُكنى أبا موسى. وله عقب باقٍ، وللآخرين من ولد جعفر. وأعقب الباقون من ولد أبي جعفر، وولوا الولايات، وصلَّوا بالناس بالموسم.
وكان أبو جعفر فقيها فصيحا خطيبا، مقبوض اليد عن العطاء إلا في الواجب. وكان يُدعى أبا الدَّوانيق، لأنه كان أول من استخرجها، وكان يقبل المواعظ من نُسَّاك العلماء، ويصبر على الجفاء منهم. وأمْرهُ مع ابن أبي ذيب الفقيه حين دخل عليه مع مالك مشهور.
وقد ذَكرتُ من أخبار الحبر عبد الله بن عباس وأخبار ولده وما يستملي لصحة آثاره وأخباره ولا يُملُّ، ويُعظِّم للشرف الهاشمي العبَّاسيِّ ويُجَلُّ.
ومن موالي عبد الله بن عباس عكرمة، ومات ابن عباس وعكرمة عبد فباعه عليُّ ابن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة عليا فقال: ما خير لك بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار. فاستقال
[ ٢ / ٣٠ ]
خالدا فأقاله وأعتقه. وكان يكنى أبا عبد الله. قال يزيد بن هارون: قَدِم عكرمة البصرة، فأتاه أيوب وسليمان التَّيمي ويونس. فبينما هو يحدِّثهم سمع صوت غناء، فقال عكرمة: اسكتوا فنسمع. ثم قال: قاتله الله لقد أجاد. وقال: ما أجود ما غنَّى! فأمَّا سليمان ويونس فلم يعودا إليه، وعاد إليه أيوب. قال يزيد: وأحسن أيوب. وأصل عكرمة من " بربر ".
عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب: يكنى أبا محمد، ورأى النبيِّ صلى الله ﵇، وسمع منه وحفظ عنه. وكان أصغر سنا من أخيه عبد الله ن عبد عباس. يقال: كان يبنهما في المولد سنة.. استعمله عليُّ بن أبي طالب على اليمين وأمَّره على الموسم، فحجَّ بالناس سنة ست وثلاثين وسنة سبع وثلاثين. فلما كان سنة ثمان وثلاثين بعثه أيضا مع الموسم. وبعث معاوية في ذلك العام يزيد بن شجرة الرُّهاويَّ ليقيم الحجَّ، فاجتمعا وسأل كلُّ واحد منها صاحبه أن يسلِّم له فأبي. واصطلحا على أن يُصلِّي بالناس شيبة بن عثمان. وقتل بسر بن أرطأة العامريُّ القرشيُّ لعبيد الله بن عباس ابنين صغيرين، وهما عبد الرحمن وقثم حين بعثة معاوية إلى اليمين، وهرب عبيد الله عنها. ذكر أبن الأنباري عن أبيه، عن أحمد بن عبيد، عن هشام بن محمد، عن أبي منحف قال: لمَّا توجَّه بسر بن أرطأة إلى اليمين أخبر عبيد الله بن العباس بذلك، وهو عامل لعلي عليها، فهرب، ودخل بسر اليمين. فأتي بابني عبيد الله بن العباس، وهما صغيران، فذبحهما. فنا أمّها عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان من ذلك أمر عظيم.
فأنشأت تقول:
ها مَن أحسَّ بَنيَّيَّ اللذِين هُما كالدرَّتينِ تَشظَّى عنهما الصدفُ
ها مَن أحسَّ بَنيَّيَّ اللذِين هُما سَمعي وعقلي، فقلبي اليومَ مُخْتَطَفُ
حُدِّثْتُ بُسرًا وما صدَّقتُ ما زعموا مِن قِيلهمْ ومن الإثم الذي اقْترفوا
[ ٢ / ٣١ ]
أنحى عليَّ ودجَّي ابنيَّ مُرهفةً مَشحوذةً، وكذاك الإثمُ يُقْترفُ
ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر، وتهيم على وجهها. ودخل عبيد الله ن عباس على معاوية بعد قتل عليُّ ﵁ في مجلس الإمارة وعنده بسر بن أرطأة فقال له عبيد الله: أأنت قاتل الصبيَّين؟ قال: نعم فمه. فقال عبيد الله: ألا سيف؟ فناوله بسر سيفه! فأهوى بيده ليأخذه فنزل معاوية على سريره، وقبض على السيف، وقال لبسر: ويلك، أين ذهب بعقلك؟ لقد خرفت تعتمد إلى رجل موتور تناوله سيفا؟! والله لأمسكه لبدأ بي قبلك. فقال عبيد الله: ذلك والله أردت. فتبسَّم معاوية، وأخذه بيده وأجلسه معه على سريره، وباسطه وأجازه وقضى حوائجة.
وكان بسر من الأبطال الطغاة، وشهد مع معاوية صفين. وهو أحد الذين بعثهم عمر بن الخطاب مددا إلى عمرو بن العاصي لفتح مصر على اختلاف في ذلك. فمن ذكره فيهم فقال: كانوا أربعة: الزبير وعمير بن وهب وخارجة بن حذافة وبسر بن أرطأة. ومنهم من يجعل بدل بسر المقداد، وعليه أكثر الرواة، وهو أول بالصَّواب إن شاء الله. ولم يتخلفوا أن المقداد شهد فتح مصر. وكان بسر سفاكا للدماء، جريئا على المحظور. قال أبو الحسن الدارقطنيُّ: بسر بن أرطأة له صحبة، ولم تكن له استقامة بعد النبي ﵇. وكان يحيى بن يقول: لا تصح له صحبة. وكان يقول فيه: رجل سوء.
وحدث بقي بن مخلد قال: نا زيد بن الحباب قال: حدَّثنى موسى بن عبيد قال: نا يزيد بن عبد الرحمن بن أبى سلامة عن أبى الرَّباب وصاحب له أنهما سمعا أبا ذرٍ يتعوَّذ في صلاةٍ صلاها، أطال قيامها وركوعها وسجودها، قال: فسألناه: ممَّ تعوَّذتَ؟ وفيم دعوتَ؟ قال: تعوَّذتُ بالله من يوم البلاء ويوم العورة. فقلنا: وما ذاكَ؟ فقال: أمَّا يومُ البلاء فتلتقي مئتان من المسلمين، فيقتل بعضهم بعضًا: وأما يوم العورة فإن نساء من المسلمات يسيبن فيكشف عن سوقهن، فأيَّتُهنَّ كانت أعظم ساقًا اشتريت على عظم ساقها. فدعوت الله ألاَّ يدركني الزمان، ولعلكما تدركانه. قال: فقتل
[ ٢ / ٣٢ ]
عثمان، ثم أرسل معاوية بسر بن أرطأة إلى اليمن، فسبى نساء مسلماتٍ فأقمن في السوق.
وقال أبو عمر والشيباني: لما وجَّه معاوية بسر بن أرطأة لقتل شيعة علي ﵁ قام إليه معن بن يزيد بن الأخنس السلمي وزيادة بن الأشهب الجعديُّ فقالا: يا أمير المؤمنين نسألك بالله والرَّحم أن تجعل لبسر على قيس سلطانًا فيقتل قيسًا بما قتلت بنو سليم من بنى فهرٍ وكنانة يوم دخل رسول الله ﷺ مكة. فقال معاوية: يا بسر لا إمرة لك على قيس. فسار حتى أتى المدينة بعدما أتى اليمن وقتل بها ابني عبيد الله بن العباس. ففرَّ أهل المدينة ودخلوا الحرَّة حرة بنى سليم. وفي هذه الخرْجَة التي ذكر أبو عمرو الشيبانِّي أغار بسر بن أرطأة على همدان وقتل وسبى نساءهم، فكنَّ أول مسلماتٍ سبين في الإسلام، وقتل أحياء من بنى سعدٍ.
وذكر أن معاوية أرسل بعد تحكيم الحكمين بسر بن أرطأة في جيش، فساروا من الشام حتى قدموا المدينة، وعامل المدينة يومئذ لعليٍّ أبو أيوب الأنصاريُّ صاحب رسول الله ﷺ، ففرَّ أبو أيُّوب ولحق بعلي، ودخل بسر المدينة، فصعد منبرها وقال: أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس؟ يعني عثمان ثم قال: يا أهل المدينة، والله لولا ما عَهِد إليَّ معاوية ما تركت محتلما إلا قتلته. ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، وأرسل إلى بني سلمة فقال: ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله. فانطلق حتى جاء أمَّ سلمة زوج النبيَّ ﷺ، فقال لها: ماذا ترَين؟ فإني خشيتُ أن أُقتل، وهذه بيعة ضلالة. فقالت: أرى أن تبايع وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، فأتى جابر بُسرا فبايع لمعاوية. وهدم بسرا دورا في المدينة. ثم انطلق حتى أتى مكة وبها أبو موسى. فخافه أبو موسى على نفسه أن يقتله فهرب. فقيل ذلك لبسر فقال: ما كنت أقتله وقد خلع عليَّا ولم يطلبه.
ويُعدُّ بسر بن أرطأة في الشاميين، وأتى اليمن، وله دار بالبصرة. ومات بالمدينة وقيل: بل مات بالشام بقية أيام معاوية. وخرِف في آخر عمره.
وكان عبيد الله بن عباس أحد أجواد الإسلام. وكان يقال: من أراد
[ ٢ / ٣٣ ]
الجمال والفقه والسخاء فليأت دار العباس؛ الجمال للفضل، والفقه لعبد الله، والسخاء لعبيد الله. ومات عبيد الله بن العباس فيما قال خليفة بن خياط وأحمد بن محمد بن أيوب سنة ثمان وخمسين، وهو الأصح على اختلاف في ذلك.
وابن ابنه الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس الهاشمي: كان متروك الحديث.
قُثَمْ بن عبَّاس: قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: كنت أنا وعبيد الله وقثم ابنا العباس نلعب، فمرَّ بنا رسول الله ﷺ فقال " ارفعوا لي هذا " يعني قُثم. فرُفع إليه فأردفه خلفه، وجعلني بين يديه، ودعا لنا. وروي عن عليٍّ وعبد الله بن عباس أنهما كانا يقولان: آخر الناس عهدا بالنبي ﷺ قُثم بن العباس، ويُنكران ما ادَّعاه المغيرة بن شعبة من ذلك. وكان قُثم من المشبَّهين برسول الله ﷺ. وولاَّه عليٍّ ﵁ مكة بعدما عزل أبا قتادة الأنصاريَّ، فلم يزل واليا عليها حتى قُتل علي. هذا قول خليفة بن خياط. وقال الزبير بن بكَّار: استعمل عليُّ بن أبي طالب قُثم بن العباس على المدينة، واستُشهد بسمرقند، وكان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية. وكان جوادا. وفيه يقول داود بن سَلم:
عتقتِ من حَلِّي ومن رِحلتي يا ناقَ إن أدْنَيْتِنِي من قُثَمْ
إنَّكِ إن أدنَيتِ منه غَدًا حالفني اليُسْرُ وماتَ العَدَمْ
في كفِّه بحرٌ وفي وجههِ بدرٌ وفي العرْنَين منهُ شَمَم
أصمُّ عن قِيلِ الخنَا سمعُهُ وما عنِ الخيرِ به مِن صَمَمْ
[ ٢ / ٣٤ ]
لم يدرِ ما لا وبَلى قَد دَرى فعَافها واعتَاضَ منها نَعَمْ
عبد الرحمن بن عباس: وُلد على عهد رسول الله ﷺ، وقُتل بأفريقية شهيدا هو وأخوه معبد بن العباس في زمن عثمان بن عفان مع عبد الله بن سعد بن أبي سَرح. وهو قول مصعب وغيره. ويقال: إنه ما رُئِيت قبور أشدُّ تباعدا بعضها من بعض من قبور بني العباس بن عبد المطلب، ولدتهم أمُّ الفضل في دار واحدة، استُشهد الفضل بأجنادين، وتوفي عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقُثم بسمرقند. هؤلاء الستَّة من أمِّ الفضل، وأختهم أمُّ حبيب شقيقتهم.
وولد العباس من غير أمِّ الفضل: تمَّام وكثير والحرث وعون. وأمُّ تمام وشقيقه كثير أمُّ ولد، ورويَّة تُسمى " سبأ ". وروى تمام عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تدخلوا عليَّ قُلْحًا، اسْتاكوا ". من حديث منصور بن المعتمر عن أبي علي الصَّيقل، عن جعفر بن تمَّام بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه عن رسول الله ﷺ. وكان أصغر أولاد العباس تمام، وكان من أشدِّ الناس بطشا، وله عقب. وكان العباس يحمله صغيرا ويقول:
تمُّوا بتمَّام فصاروا عَشرةْ
يا ربِّ فاجعلهمْ كرامً بَرَرَةْ
واجعل لهُمْ ذِكرًا وانْمِ الثَّمَرةْ
ومات كثير بن عباس بينبُعْ من الذُّبحة. وروى كثير عن أخيه عبد الله الحبر عن النبي ﷺ حديث صلاة الخسوف أنه صلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات. خرَّج الحديث مسلم.
وولد معبد بن العباس عبد الله بن معبد. وروى عن ابن عباس، وروى عنه
[ ٢ / ٣٥ ]
ابنه إبراهيم بن عبد الله. مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب قال: نا إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني سليمان بن سُحيم عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه. فقال: " ألا هل بلَّغت؟ " ثلاث مرات " إنه لم يبق من مُبشِّرات النبوَّة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو تُرى له. وإنِّي نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. فأما الركوع فعظِّموا فيه الرَّب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمَنٌ أن يُستجاب لكم ".
وأمُّ الحرث بن عباس امرأة من هُذيل، وله عقب.
ومن ولده السَّريٌّ بن عبد الله: وليَ اليمامة، ولم يشتهر لعون بن العباس خبر يُذكر.
انقضى ذكر حمزة بن عبد المطلب والعباس بن عبد المطلب وولده ﵃ الزبير بن عبد المطلب: كان من رجالات قريش في الجاهلية. وولده عبد الله بن الزبير، وأمه عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بنت خال عبد الله والد رسول الله ﷺ، ولا عقب له. قُتل يوم أجنادين شهيدا في خلافة أبي بكر. وكان النبي ﵇ يقول له: " ابن عمي وحبِّي ". ومنهم من يروي أنه كان يقول له: " ابن أمي ". ولا نحفظ له رواية عن النبي ﷺ. وقد روت اختاه ضُباعة وأمُّ الحكم ابنتا الزبير بن عبد المطلب. وكانت ضُباعة تحت المقداد بن عمرو. وأمُّ الحكم تحت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. ويأتي ذكر أمِّ الحكم عند ذكر ربيعة إن شاء الله.
[ ٢ / ٣٦ ]