وتزوج عليُّ فاطمة بنت رسول الله ﷺ في صفر في العام الثابي من الهجرة، وابتنى بها في ذي الحجة من آخر العام. ورُيَ أنه مَهَرها دِرعَه، إذ لم يكن له في ذلك الوقت صفراء ولا بيضاء. وقيل أن عليا ﵀، تزوج فاطمة على أربع مءة درهما. فأمره النبي ﵇ أن يجعل ثلثها في الطِّيب، وقيل إن عليا قدَّم الدِّرع من أجل الخول بأمر رسول الله ﷺ إياه بذلك. وكان سنُّها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفا. وكانت سنُّ علي، ﵀، يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر.
وقالت عائشة، ﵂: ما رأيت أحدا كان أشيه برسول الله ﷺ كلاما وحديثا من فاطمة ابنته. وكان يحبها حبا شديدا. وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، وقبَّل بين عينيها ورحَّب بها وأجلسها في مجلسه. كما كانت تصنع هي به ﷺ.
وقال ابن السرَّاج محمد بن إسحاق بن إبراهيم أبو العباس: حدثنا محمد بن حُميد: نا سَلمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما رأيت أحدا أصدق لهجة من فاطمة، إلا أن يكون الذي ولدها ﷺ.
وذكر ابن السراج أيضا: نا محمد بن عبد الأعلى قال: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: " حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية وامرأة فرعون ". وروى عبد الرحمن بن أبي نُعيم عن أبي سعيد الخدريِّ
[ ٢ / ١٩٧ ]
قال: قال النبي ﵇: " فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران ".
وذكر ابن السرَّاج قال: نا محمد بن الصباح قال: نا علي بن هاشم عن كثير النَّواء عن عِمران بن حُصين أن النبيَّ ﷺ عاد فاطمة، وهي مريضة، فقال لها: " كيف تجدينك يا بُنية؟ " قالت: إني وجعة، وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله فقال: " يا بُنية، أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ " فقالت: يا أبت، فأين مريم بنت عمران؟ قال: " تلك سيدة نساء عالمِها، وأنت سيدة نساء عالمك. أما والله، لقد زوَّجتك سيِّدا في الدنيا والآخرة ".
ابن السراج بسنده عن جُميح بن عُمير قال: دخلت على عائشة فسُئلتْ أيُّ الناس كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ؟ قالت: فاطمة. قلتُ: فمن الرجال؟ قالت: زوجُها، إن كان ما علمتُهُ صوَّاما قوَّاما.
مسلم: حدَّثني زُهير بن حرب قال: نا يعقوب بن إبراهيم قال: نا أبي عن أبيه أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة، رضوان الله عليها، حدثته أن رسول الله ﷺ دعا فاطمة ابنته، ﵂، فسارَّها، فبكت. ثم سارَّها، فضحكت. فقالت عائشة: فقلت لفاطمة: ما هذا؟ الذي سارَّك به رسول الله ﷺ فبكيت، ثم سارَّك به فضحكت؟ قالت: سارَّني فأخبرني بموته فبكيت. ثم سارَّني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت.
وتُوفيت فاطمة بعد موت رسول الله ﷺ بسبعين ليلة. قاله ابن بُريدة عن أبيه. وقال عمرو بن دينار تُوفيت فاطمة بعد رسول الله ﷺ بثمانية أشهر. وقيل: توفيت بعده بستة أشهر، وهو قول أكثر أصحاب التواريخ والآثار، وقال مسلم في الصحيح، وقال ذلك محمد بن علي أبو جعفر الباقر وابن هشام.
وقال محمد بن عمر الواقديُّ: حدَّثنا مَعْمر عن الزُّهري، عن عروة، عن
[ ٢ / ١٩٨ ]
عائشة قال: وأخبرنا ابن جُريج عن الزهري، عن عائشة أن فاطمة تُوفيت بعد النبي ﵇ بستة أشهر. قال محمد بن عمرو: هو الثَّبت عندنا.
وقال المدائنيُّ: ماتت فاطمة ليلة الثلاثاء لثلاثون خلون من شهر رمضان، سنة إحدى عشرة، وهي ابنة تسع وعشرين سنة. وُلدت قبل النبوة بخمس سنين، وصلى عليها العباس. وقال عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: بلغت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثلاثين سنة.، قيل صلَّى عليها علي، وهو الذي غسلها مع أسماء بنت عميس، ودُفنت ليلا. ودخل قبرها العباس وعليٌّ والفضل، وهي أول مَن غُطِّي نعشها من النساء في الإسلام. إذ حكت لها أسماء بنت عميس ما يُصنع للمرأة إذا ماتت بأرض الحبشة، فأمرتها أن تصنع ذلك لها. وكذلك صُنع بعدها بزينب بنت جحش زوج النبيِّ ﵇. ولم يخلَّف رسول الله ﷺ من بنيه غيرها.
ويُروى أن عليَّ بن أبي طالب، ﵁، لما رأى فاطمة، ﵂، مُسجَّاة بثوبها بكى حتى رُثي له. ثم قال:
لكلِّ اجتماعٍ من خليلينِ فُرقةٌ وإنَّ الذي دونَ المماتِ قليلُ
وإنَّ افتقادي واحدًا بعد واحدٍ دليلً على أن لا يدومَ خليلُ
ووَلدتْ فاطمة لعلي ﵄: الحسن، والحسين، ومحسِّنًا درج صغيرا، وأمَّ كلثوم الكبرى أمَّ زيد بن عمر بن الخطاب، وقد تقدَّم ذكرها،
[ ٢ / ١٩٩ ]
وزينب الكبرى وكانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فولدت له جعفرًا الأكبر، وعليًا، وعونًا الأكبر، وعباسًا، وأمِّ كلثوم.