وكيفية قتله ﵁ ذكر أسد بن موسى قال: نا حماد بن زيد يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سالم، عن ابن عمر قال: لقد عتبوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عتبوها عليه. قال ابن قتيبة في " المعارف ": وكان ممَّا نقموا على عثمان أنه آوى الحكم بن أبي العاصي عمَّه، وأعطاه مئة ألف درهم. وقد سيَّره رسول الله ﷺ، ولم يؤوه أبو بكر ولا عمر. وتصدَّق رسول الله ﷺ بمهزور موضع سوق المدينة على المسلمين، فأقطعها الحارث بن الحكم أخا مروان، وهي صدقة رسول الله ﷺ. وافتتح أفريقية، فأخذ الخُمُس، فوهبه كله لمروان. فقال عبد الرحمن بن حنبل الجُمحيُّ، وكان عثمان سيَّره:
أحْلِفُ باللهِ ربِّ الأنا مِ ما تركَ اللهُ شيئاُ سُدى
ولكنْ خُلِقْتَ لنا فِتنةٌ لكي نُبْتَلَى بكَ أو تُبْتَلَى
فإنَّ الأمينيْنِ قد بَيَّنا مَنارَ الطريق عليهِ الهَدَى
فَما أخذا درهمًا غِيلَةً ولا جَعَلا درهمًا في هَوَى
[ ٢ / ١٧٥ ]
وأعطيتَ مروانَ خُمسَ العِبا دِ فهيهاتَ شأوُكَ ممَّن سَعى
وطلب إليه عبد الله بن خالد بن أُسيد صلة فأعطاه أربعمئة ألف درهم. وسيَّر أبا ذر إلى الرَّبذة. وسيَّر عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام. وقال غير ابن قتيبة: لم يفعل هذا عثمان ﵁ إلا بتأويل أصاب فيه، وأمر جائز له. ولو لم يُجز ما سكت عليه عليٌّ وأكابر الصحابة. وكان عثمان أتقى لله من أن يعطي ما لا يحلُّ، ويهب ما هو محجور. وقد قيل له ﵁ حين آثر قرابته وولاَّهم: هلاَّ فعلت مثل ما فعل عمر؟ لم يؤثر من قرابته أحدا على غيرهم، ولم يولِّهم. فقال: كان عمر يقطع قرابته في الله، وأنا أصلهم في الله. وأمَّا أيواؤه ﵁ عمَّه الحكم الطريد فإنه ذكر أنه استأذن النبيَّ ﷺ في ردِّه إن أفضى إليه الأمر، فأذن له في ذلك، وصدق فيما قال وبرّ. وأما تسيير أبي ذر إلى الربذة فأمر قدِّر محتوم، تصديقا لقول النبي ﷺ في غزوة تبوك، حين رأى أبا ذر في ناحية من العسكر وحده: " يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده ". فكان كما قال ﷺ؛ مات بالربذة وحده.
وأمَّا تسيير عامر بن عبد قيس فإن عبد الله بن عامر وحمران مولى عثمان، كتبا فيه إلى عثمان بأمور كان مُبرَّأ منها، والله حسيب من رماه بها.
ولما كثر الطعن على عثمان سار إليه قوم من أهل مصر منهم: محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة في جند، وكنانة بن بشر التَّجيبيُّ في جند، وابن عُديس البلويُّ في جند. ومن أهل الصرة حُكيم بن جبلة العبديُّ وسدوس بن عبيد الشنِّيُّ. ونفر من أهل الكوفة منهم: الأشتر بن الحارث النخعيُّ، فاستعتبوه فأعتبهم وأرضاهم. ثم وجد أهل مصر بعد أن انصرفوا بمحمد بن أبي بكر أميرا على مصر في الطريق غلاما ومعه راحلة. فقالوا: لمن أنت يا غلام؟ فجعل يقول مرة: أنا غلام أمير المؤمنين، ومرَّة يقول: أنا غلام مروان. ففتَّشوه فوجدوا معه كنانة تقلقل، ليس لها فم، فشقوها فوجدوا فيها كتابا عليه خاتم عثمان إلى أمير مصر: " إذا أتاك القوم فضرِّب رقابهم، واثبت على عملك حتى يأتيك أمري ".
[ ٢ / ١٧٦ ]
قال: ففزع محمد بن أبي بكر ومن معه، ورجعوا إلى المدينة بالكتاب، وأروه عليا وأكابر الصحابة، فأعظموا ذلك ودخلوا على عثمان، ودفعوا إليه الكتاب فحلف لهم أنه لم يأمر ولم يعلم، وصدق فيما قال. قالوا: فهذا عليك شديد، يؤخذ خاتمك بغير علمك وراحلتك، وهذا خطُّ مروان، فإذ كنت غُلبت على أمرك فاعتزل أو ادفع إلينا مروان. فأبى أن يعتزل ويدفع إليهم مروان، وأن يقاتلهم، ونهى عن ذلك، وأغلق بابه فحوصر حتى قتل ﵀.
وكان مع عثمان في الدار حين حوصر ممن يريد الدفع عنه: أبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن سلام وعبد الله بن الزبير والحسن بن عليّ، وكان شديد الحب لعثمان، قائلا بفضله، وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم والمغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفيّ ويومئذ قُتل المغيرة قبل قتل عثمان ﵀. وعن أبي هريرة قال: إني لمحصور مع عثمان في الدار، قال: فرُمي برجل منَّا فقلت: يا أمير المؤمنين الآن طاب الضِّراب؛ قتلوا منَّا رجلا. قال: عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت سيفك، فإنما تُراد نفسي. قال أبو هريرة: فرميت سيفي، فلا أدري أين هو حتى الساعة.
وكتب عثمان إلى علي، وهو بماله بيَنْبُعْ حين اشتدَّ عليه المر: " أما بعد، فقد بلغ السيل الزُّبى، وجاوز الحزام الطِّبيين، وطمع فيَّ من كان يضعف عن نفسه. ولم يغلبك مثل مُغلَّب. فأقبل إليَّ عليَّ كنت أم لي، صديقا كنت أم عدوًّا:
فإن كنتُ مأكولًا فكن خيرَ آكل وإلا فأدركْني ولمَّا أُمزَّق
قال الواقديُّ: حاصروا عثمان تسعة وأربعين يوما. وقال الزبير: حاصروه شهرين وعشرين يوما. وكان أول من دخل عليه الدار محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، فقال له: دعها يا ابن أخي، فوالله لقد كان أبوك يكرمها. فاستحيا وخرج. وقيل: أنه دخل عليه بعد محمد ثلاثة من أهل مصر، فضربه أحدهم بسيفه فاتَّقاه بيده اليمنى، فقطعها، فقال: أما إنها لأول يد خطَّت القرآن. ثم
[ ٢ / ١٧٧ ]
ضربه آخر بمشقص في رأسه فخرَّ. وكان في حجره المصحف فقطرت قطرة أو قطرات من دمه على قوله تعالى:) فسيكفيكهُمُ الله (. ثم قال الثالث: والله لا رمتُ حتى أمثِّل بنعثل، يعني عثمان. فأكبَّت عليه امرأته نائلة بنت الفرافصة الكلبيَّة. فأدخل السيف من بين رجليها فوضعت يدها على بطنه فقطع السيف من يدها إصبعين، ومضى السيف في بطن عثمان فقتله فبعثت بإصبعيها وبقميص عثمان، فيه دمه، إلى معاوية في الشام، فكان ذلك مما حرَّض معاوية ومن معه، على الطلب بدم عثمان.
وقيل إنه دخل عليه رومان بن سرحان؛ رجل أزرق قصير، عِداده من مراد وهو أصبحيٌّ معه خنجر، فاستقبله به، وقال: على أيِّ دين أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لستُ بنعثل، ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملَّة إبراهيم حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين. فقال: كذبت، وضربه على صدغه الأيسر فقتله. وأدخلته امرأته نائلة بينها وبين ثيابها وكانت امرأة جسيمة. ودخل رجل من أهل مصر. ومعه السيف مصلتا، فقال: والله لأقطعنَّ أنفه. فعالج المرأة وكشف عن ذراعيها، وقبضت على السيف فقطع إبهامها، فقالت لغلام لعثمان، يقال له رباح، ومعه سيف عثمان: أعنِّي على هذا وأخرجه عنِّي. فضربه الغلام بالسيف فقتله. وأقام عثمان يومه ذلك مطروحا إلى الليل.
وقيل: أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزَّها وقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، وما أغنى عنك ابن عامر فقال له: يا ابن أخي أرسل لحيتي، فوالله إنَّك لتجبذ لحية كانت تعزُّ على أبيك، وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني. فيقال: أنه حينئذ تركه وخرج عنه. ويقال: إنه حينئذ أشار إلى من معه فطعنه أحدهم وقتلوه، والله أعلم.
وقال أسد بن موسى: حدثنا محمد بن طلحة: نا كنانة مولى صفية بنت حيي بن أخطب، قال: قال: شهدت مقتل عثمان فأُخرج من الدار أمامي أربعة من شباب قريش، مضرَّجين بالدم، محمولين، كانوا يدرؤون عن عثمان:
[ ٢ / ١٧٨ ]
الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن حاطب ومروان بن الحكم. قال محمد بن طلحة: فقلت له: فهل ندي محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ فقال: معاذ الله. دخل عليه فقال له عثمان: يا ابن أخي لست بصاحبي، وكلَّمه بكلام فخرج ولم يندِ بشيء من دمه. قال: فقلت لكنانة: من قتله؟ قال: قتله رجل من أهل مصرة يقال له جبلة بن الأيهم، ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول: أنا قاتل نعثل.
وحدَّث محمد بن حازم أبو معاوية الضرير عن سليمان بن مهران الأعمش عن ثابت بن عبيد عن أبي جعفر الأنصاريّ قال: دخلت مع المصريين على عثمان، فلما ضربوه خرجتُ أشتدُّ حتى ملأت فروجي عدوا، حتى دخلت المسجد، فإذا رجل في نحو عشرة، عليه عمامة سوداء فقال: ويحك ما وراءك؟ قلت: قد والله فرغ من الرجل. فقال: تبا لكم آخر الدهر فنظرت فإذا هو عليٌّ ﵀.
وقال ابن عمر: أذنب عثمان ذنبا عظيما بأحد فعفا الله عنه، وأذنب فيكم ذنبا صغيرا فقتلتموه؟ وذكر أسد بن موسى قال: نا سلام بن مسكين قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: قال امرأة عثمان حين أطافوا به يريدون قتله: إن تقتلوه أو تتركوه فإنه كان يحيي الليلة بركعة كان يجمع فيها القرآن. وقال عليٌّ ﵁: من تبرَّأ من دين عثمان فقد تبرَّأ من الإيمان. والله ما أعنت على قتله، ولا أمرت ولا رضيت. وقالت عائشة: لقد قتلوا عثمان، وإنه لمن أوصلهم للرَّحم، وأتقاهم لربِّه، وسُئل ابن عمر عن علي وعثمان، فقال للسائل: قبَّحك الله، تسألني عن رجلين كلاهما خير مني، تريد أن أغضَّ من أحدهما وأرفع من الآخر؟
وقال معبد الخُزاعيٌّ: لقيت عليا بعد الجمل، فقلت له: إني سائلك عن مسألة كانت منك ومن عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غد إن شاء الله. قال: سل عمَّا بد لك، قال: أخبرني أيُّ منزلة وسعتك إذ قُتل عثمان ولم تنصره؟ قال: إنَّ عثمان كان إماما، وإنه نهى عن القتال، وقال: من سلَّ سيفه فليس مني. فلو قاتلنا دونه عصيناه. قلتُ: فأيُّ منزلة وسعت عثمان إذ استسلم حتى
[ ٢ / ١٧٩ ]
قتل؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لأخيه:) لئن بسطتَ إليَّ يدكَ لتقتلَني ما أنا بباسطٍ إليك يدي لأقْتُلَك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين (. قال: فهلاَّ وسعتك هذه المنزلة يوم الجمل؟ قال: إنا قاتَلْنا يوم الجمل من ظَلَمَنَا. وقال الله ﷿:) ولَمَنِ انتَصَرَ بعد ظلمِهِ فأولئك ما عليهم من سبيل إنَّما السبيلُ على الذين يظلمونَ الناسَ ويبغونَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ أولئكَ لهم عذابُ أليم ولَمَن صَبَرَ وغَفر إنَّ ذلك لَمِن عزْم الأمور (. فقاتلنا نحن من ظَلَمَنَا، وصبر عثمان. وذلك من عزم الأمور.
وقال عليٌّ ﵁ لما رأى تثبُّط أهل العراق عن الجهاد وكثرة عصيانهم له: " إنَّما أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض ". عنى بالثور الأبيض عثمان بن عفان لأنه كان شيخا كبيرا. والثور: السيد العظيم من الرجال.
وقُتل ﵁ وهو ابن اثنين وثمانين سنة، قاله الواقديُّ، وقال: لا خلاف عندنا في ذلك، وقاله أيضا أبو اليقظان، وقال ابن إسحاق: قيل: وهو ابن ثمانين سنة. وقال غيره: قُتل وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: ابن تسعين سنة. وقال قتادة: قُتل وهو ابن ست وثمانين سنة. وكان قتله يوم الجمعة لثمان ليال خلت من ذي الحجَّة سنة خمس وثلاثين، يوم التَّروية، قاله الواقديُّ. وقال: هذا ما لا خلاف فيه. وقيل: قُتل يوم الأضحى لقول حسان بن ثابت يرثيه:
مَن سرَّهُ الموتُ صِرفاُ لا مِزاجَ له فليأتِ مأدُبةٌ في دارِ عثمانا
ضحَّوا بأشمطَ عنوانُ السجودِ به يُقطِّعُ الليلَ تسبيحًا وقُرآنا
وأكثر من رثاه من الشعراء يذككرون أنه قُتل يوم الأضحى. وقال أيمن بن خُزيم بن فاتك الأسديُّ:
[ ٢ / ١٨٠ ]
ضحَوا بعثمانَ في الشهرِ الحرامِ ضحى فأيُّ ذِبح وَيلهُمْ ذَبحوا
وأيُّ سُنَّةِ كفرٍ سنَّ أوّلهُم وبابَ شّرٍّ على سُلطانهمْ فَتَحوا؟
ماذا أرادوا أضلَّ اللهُ سَعيَهُمْ بسفكِ ذاكَ الدَّمِ الزاكي الذي سَفَحوا
إنَّ الذين توّلوا قتلَهُ سَفَهًا لَقَوا أَثامًا وخُسرانًا وما رَبحوا
وقال القاسم بن أُمية بن أبي الصَّلت من أبيات:
لعمري لبئس الذَّبحْ ضحَّيْتُمُ به وخنتُمْ رسولَ الله في قتلِ صاحبِهْ
وقال حسان بن ثابت:
إنْ تُمْسِ دارُ بني عفانَ مُوحشةً بابٌ صريعٌ وبابٌ مُحْرَقٌ خربُ
فقد يصادفُ باغي الخيرِ حاجَتَهُ فيها، ويأوى إليها الجودُ والحسَبُ
ولحسان أيضا:
قَتلتُمْ وليَّ اللهِ في جَوفِ داره وجئتم بأمر جائر غير مُهتَدِ
فلا ظَفِرتْ أيمانُ قومٍ تعاقدوا على قتل عثمان الرشيدِ المسدَّدِ
وقال كعب بن مالك:
يا لَلرِّجالِ لأمرٍ هاجَ لي حَزَنًا لقد عَجبتُ لِمن يَبكى على الدَّمَنِ
إني رأيتُ قتيلَ اللهِ مُضطهَدًا عثمانُ يُهدى إلى الأجداثِ في كفنِ
يا قَاتلَ اللهُ قومًا كان أمرُهُم قتلَ الإمام الزكيِّ الطيِّب الرُّدُنِ
لم يقتلوهُ على ذنبٍ ألمَّ بهِ إلا الذي نطقوا زُورًا ولم يكنِ
وقال حميد بن ثور الهلاليُّ:
إن الخلافةَ لمَّا أظْعنتْ ظَعنتْ عن أهلِ يثربَ إذ غير الهُدى سلكوا
[ ٢ / ١٨١ ]
طارتْ إلى أهلها منهمْ وأوْرثَها لمَّا رأى اللهُ في عثمانَ ما انتهكوا
وقالت زينب بنت العوَّام:
وعطَّشْتُمُ عثمانَ في جوفِ دارهِ شربتُم كشربِ الهِيمِ شربَ حميمِ
فكيفَ بنا أَمْ كيف بالنومِ بعدَما أصيبَ ابنُ أروَى وابنُ أمِّ حكيم؟
وقالت ليلى الأخْيليَّة:
قُتل أبنُ عفانَ الإمامُ وضاع أمرُ المسلمينا
وتشتَّتتْ سبُلُ الرشادِ لصادرينَ وواردينا
فانهضْ معاويَ نهضةً تَشفي بها الداءَ الدَّفينا
أنتَ الذي من بعدِهِ نَدعوا أميرَ المؤمنينا
وقال ليلى أيضا:
أبعدَ عثمانَ تَرجو الخير أمتُهُ وكان آمنَ من يمشي على ساقِ
خليفةُ اللهِ أعطاهُمُ وخوَّلهمْ ما كانَ من ذَهبٍ حومٍ وأوراقِ
فلا تُكذِّبْ بِوعدِ اللهِ وارضَ بِهِ ولا تُوكَّلْ على شيءٍ بإشفاقِ
ولا تقولَنْ لشيءٍ: سوف أفعلُهُ قدْ قدَّر اللهُ ما كلُّ امرئٍ لاقِ
وقال بعض بني نهشل أو لمجاشع:
لَعَمْرُ أبيكَ فلا تكذبَنْ لقد ذهبَ الخيرُ إلا قليلا
لقد فُتن الناسُ في دينهمْ وخلَّى ابنُ عفانَ شرًا طويلا
وقال الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط:
ألا أنَّ خيرَ الناسِ بعد ثلاثةٍ قتيلُ التَّجيبي الذي جاءَ من مصرِ
وماليَ لا أبكي وتبكي أقاربي وقَد حُجبتْ عنا فُضولُ أبي عَمرِ
[ ٢ / ١٨٢ ]
وقال الراعي النُّميريُّ واسمه عبيد بن حُصين:
قتلوا ابنَ عفانَ الخليفةَ مُحْرِمًا ودَعا فلم أرَ مثلَهُ مَخذولا
فتفرَّقتْ من بعدِ ذاكَ عصاهمُ شققًا وأصبَحَ سيفُهُمْ مَسلولًا
وقال بعض الشعراء العثمانيين، وأحسَنَ ﵀:
ألا قُل لقوم شاربي كأس عَلْقَمِ بقتلِ إمامٍ في المدينة مُحرِم
قَتلتُمْ أمينَ اللهِ في غَيرِ رِدَّةٍ ولا حَدِّ إحصان ولا قَتلِ مسلمِ
تَعالَوا ففاتونا فإن كانَ قتلُهُ لواحدة منها فحُلَّ لكمْ دمي
وإلاَّ فأعظمْ بالذي قد أتيتُمْ ولم يأتِ ما لم يرضَهُ الله يَظلمُ
وقال سعيد بن زيد: لو أنَّ أحدا انقضَّ لما فُعل بعثمان لكان حقيقا أن ينقضَّ. وقال ابن عباس: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لَرُموا بالحجارة كما رمي قوم لوط. وقال عبد الله بن سلاَّم: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا ينغلق عنهم إلى قيام الساعة.
ودُفن ﵁ بحشِّ كوكب، كذلك قيَّده أبو عُبيد عبد الله بن أبي المصعب عبد العزيز بن أبي زيد محمد بن أيوب بن عمرو بن أيوب البكريُّ في " معجم ما استعجم " والحشُّ: البستان. وجمعها الحِشَّان. بكسر الحاء. وكوكب: رجل من الأنصار. كان عثمان اشتراه وزاده في البقيع. وكان أوَّل من قُبر فيه.
وقال مالك بن أنس: كان عثمان يمرُّ بحشِّ كوكب فيقول: إنه سيُدفن هاهنا رجل صالح. وحُمِل على لوح سرا. وقيل: حملوه على باب، وأن رأسه على الباب ليقول: طَقْ، حتى ساروا به إلى حشِّ كوكب. فاحتفروا له. وكانت عائشة بنت عثمان معها مصباح في حُقّ. فلما أخرجوه ليدفنوه صاحت، فقال لها ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لأضربنَّ الذي فيه عيناك. فسكتت فدُفِن. وصلى عليه عمرو بن عثمان ابنه. وقيل حكيم بن حزام وأبي جهم ابن حُذيفة ونياز بن مُكرم الأسلميُّ.
[ ٢ / ١٨٣ ]
وذكر مالك بن أنس أن جدَّه مالك بن أبي عامر كان خامسهم. ونزل في قبره نياز وأبو جهم وجُبير. وكان حكيم وأمُّ البنين ونائلة زوجتاه يدلونه. فلما دفنوه غيَّبوا قبره، ﵁، ولا رضي عن قاتليه.
قال ابن إسحاق: وكانت ولايته اثنتي عشرة سنة اثنتي عشرة ليلة.
وكان عثمان ﵁ مُحبَّبا في قريش، يقول قائلهم: أحبَّ حبَّ قريش عثمان إذا دعا بالميزان. وكانت له هجرتان: هاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ فقال لهما رسول الله ﷺ: " إنهما أول من هاجر إلى الله بعد إبراهيم ولوط ". ثم هاجر إلى المدينة.
وحدَّث حماد بن سلمة قال: نا عليُّ بن زيد بن جدعان قال: قال لي سعيد ابن المسيَّب: انظر إلى وجه هذا الرجل. فنظرت فإذا هو مُسودُّ الوجه. فقال سله عن أمره. فقلت: حسبي أنت حدَّثني. قال: إن هذا كان يسبُّ عليا وعثمان، فكنت أنهاه ولا ينتهي. فقلت: اللهمَّ إن هذا يسبُّ رجلين. وقد سبق لهما ما تعلم. اللهمَّ إن كان يسخطك ما يقول فيهما فأرني آية. قال: فاسودَّ وجهه كما ترى.
وحدَّث المعتمر بن سليمان قال: سمعت حُميدا الطويل قال: قيل لأنس بن مالك: إنَّ حبَّ عليٍّ وعثمان لا يجتمعان في قلب أحد. فقال أنس: كذبوا. لقد اجتمع حبهما في قلوبنا.
قاضي عثمان: زيد بن ثابت الأنصاريُّ. وقد كتب له. وقيل: إنه قضى في أيامه بالمدينة السائب بن زيد. وقيل: إنه كان على شرطته، والأول أثبت.
كاتبه: ابن عمِّه مروان بن الحكم. حاجبه: حمران مولاه. حليته: قال الواقديُّ: كان عثمان رجلا ربعة، ليس بالقصير ولا بالطويل. حسن الوجه، رقيق البشرة، كبير اللحية، عظيمها، أسمر اللون، كثير شعر الرأس، وكان يشدُّ أسنانه بالذهب. وزاد غيره: كان أصلع أقنى، له جمَّة أسفل من أذنيه،
[ ٢ / ١٨٤ ]
ولكثرة شعر رأسه ولحيته كان أعداءه يسمونه نعثلا. نقش خاتمه: " آمنت بالله مخلصا " وقيل " آمنت بالله العظيم "، وقيل: " لَنصبرنَّ أو لنندمنَّ ".
وكان لعثمان ﵁ من الولد عشرة: عبد الله الأصغر من رقيَّة بنت رسول الله، وقد تقدَّم ذكره، وعبد الله الأكبر وأمه فاختة بنت غزوان. وعمرا. وأبانا. وخالدا. وعمر. وسعيدا. والوليد. والمغيرة. وعبد الملك. وأنبهُهُم ذكرا عمرو وأبان.
فأما عمرو: فكان أسنَّ ولد عثمان وأشرفهم عقبا. وروي عنه الحديث. وهو شقيق أبان. وهلك بمنىً. ومن ولده: عبد الله الأكبر وخالد.
فأما عبد الله الأكبر: فأمُّه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب وكان من أجمل الناس، ولقبه المطرِّف لجماله، وفيه يقول مُدرك بن حصين:
كأني إذا دخلتُ على ابن عَمروٍ حَخلتُ على مُخَبَّاةْ كعابِ
وأما خالد: فولد سعيدا، ويكنى أبا عثمان. وحمل الحديث، وحُمل عنه. سمع عروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب، روى عنه الزهريُّ.
ومن ولد عبد الله بن عمرو بن عثمان محمد الأصغر وعمرو. فأما محمد الأصغر: فأمه فاطمة بنت حسين بن عليٍّ بن أبي طالب. وكان من أجمل الناس. وكان يلقَّب بالدِّيباج لجماله. وقان له قَدْر ونُبْل. وكان يقال فيه: سمي النبي ومن ذريته، وزرع الخليفة المظلوم.
وكان لمحمد هذا بند ولدها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير. وكانت أمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير. وأمُّ عروةأسماء بنت أبي بكر الصدِّيق. وأمُّ محمد فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب. وأم الحسين فاطمة بنت رسول الله ﷺ. وأمُّ فاطمة بنت الحسين أمُّ إسحاق بن طلحة بن عبيد الله. وأمُّ عبيد الله والد محمد الأصغر زينب بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. وكان كثير التزويج، كثير الطلاق. فقالت امرأة من نسائه: إنما مَثَلُهُ مثلُ الدنيا
[ ٢ / ١٨٥ ]
لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجائعها. وأخذه أبو جعفر من الفاطميين وأمر به فضربت عنقه صبرا. وبعث برأسه إلى الهند، وظهر أنه رأس محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين.
وأما عمرو بن عبد الله أخو محمد الملقب بالديباج، فهو والد العرجيُّ الشاعر واسمه العرجيِّ عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. كذا نسبه ابن قتيبة في " المعارف ". وقال أبو الفرج الأصفهاني وأبو عليٍّ القاليّ: هو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. وقيل له العرجيُّ لأنه كان ينزل " العَرْجَ " وهو موضع قبل الطائف. وكان يهجو إبراهيم بن هشام المخزوميّ خال هشام بن عبد الملك. فأخذه فحبسه فهلك في السجن. وهو قائل " وهو محبوس ":
كأني لم أكنْ فيهمْ وسيطا ولم تكُ نِسبتي في آل عمرِو
أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ليوِ كريهةٍ وسِداد ثَغْرِ
ومن موالي عمرو بن عثمان داود بن الحصين: روي عن عكرمة مولى ابن عباس وغيره من التابعين. وروى عنه مالك ومحمد بن إسحاق وغيرهم.
وأما أبان بن عثمان فهو من فقهاء التابعين وأفاضلهم. وروى عن أبيه عثمان وغيره من الصحابة. وحضر الجمل مع عائشة، وكان الثاني من المنهزمين وكانت أُمُّه وأمُّ عمرو أخيه أمُّ جنيدب بنت عمرو بن خممة الدَّوسيُّ. وكانت حمقاء تجعل الخنفساء في فمها، وتقول: حاجيتك ما في فمي. وكان أبان أبرص وأحول. يلقَّب نفيعا. وأصابه الفالج، وكانت عنده أمُّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر. وخلف عليها بعد الحجاج. وكان له عقب كثير منهم: عبد الرحمن بن أبان: كان عابدا مجتهدا. روي عنه الحديث.
موالي عثمان حمران وكيسان وذكوان.
فأما حمران فكان يكنى أبا يزيد. وهو حمران بن أبان بن عبد عمرو من سبي عين التَّمر، سباه المسيَّب بن نَجَبَة الفزاريُّ زمن أبي بكر وأمير الجيش خالد بن الوليد، فوجده مختونا، وكان يهوديا اسمه طُوَيد. فأشتُريَ لعثمان ثم أعتقه،
[ ٢ / ١٨٦ ]
وصار يكتب بين يديه، وروى عن عثمان، عن النبي ﷺ: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنَّة ". ثم غضب عليه عثمان فأخرجه إلى البصرة، فكان عين له بها. ولما قُتل مصعب وثب حمران فأخذ البصرة، ولم يزل كذلك حتى قَدِمَ من عبد الملك من عزله. ولما قَدِم الحجاج البصرة آذاه، وأخذ منه مئة ألف درهم. فكتب إلى عبد الملك يشكوه. فكتب عبد الملك أن حمران أخو من مضى وعمُّ من بقي، فاحسن مجاورته ورُد عليه ماله.
وأما كيسان: فهو أبو فروة وابنه عبد الله بن أبي فروة. كان صاحب أمر مصعب بن الزبير. فلما قُتل مصعب حمل ما كان معه من المال عشرة آلاف درهم، فذهب به إلى المدينة. وعدد ولده بالمدينة كثير، وقدرُهُم عظيم.
وأما ذكوان: فهو أبو أبي الزناد المحدِّث ويقال: ذكوان أخو أبي لؤلؤة لعنه الله قاتل عمر ﵁، وكان مولى بنت شيبة بن ربيعة بنت عمِّ هند بنت عتبة بن ربيعة أمِّ معاوية. وكانت رملة تحت عثمان بن عفان، وهاجرت معه. وفي ذلك تقول له هند بنت عتبة:
لحى الرحمنُ صابئة بوجٍّ بمكة عند أطرافِ الحَجُونِ
تَدينُ لمعشرٍ قَتلوا أباها أقَتْلُ أبيكِ جاءكِ باليقينِ
ومن بنات عثمان عائشة وأمُّ أبان فأمَّا عائشة فحضرت دفن عثمان ومعها مصباح في حُقٍّ ليلا. وقد تقدَّم ذكر ذلك.
وأما أمُّ أبان: فقد وقع ذكرها في حديث كتاب الجنائز من صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي مُليكة قال: كنت جالسا إلى جنب عبد الله بن عمر، ونحن ننتظر جنازة أمّ أبان ابنة عثمان، وعنده عمرو بن عثمان. فجاء ابن عباس يقوده قائد مارّا. فأخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار. فقال ابن عمر، كأنه يعرض على عمرو أن يقوم: فبينما هم
[ ٢ / ١٨٧ ]
سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله ".
واسم أبي الزناد عبد الله، ويكنى أبا عبد الرحمن. وغلب عليه أبو الزناد، وكان يجد من الدعاء به، وكان من الثُقات الحفَّاظ. وهو من أشياخ مالك، وله عنه في الموطأ من حديث رسول الله ﷺ أربعة وخمسون حديثا مسندة كلُّها. وروى الأصمعيُّ عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد أنه قال: أصلنا من همدان. وقال أشعب بن أمِّ حُميدة الطامع: ونشأت أنا وأبو الزناد في حجر عائشة بنت عثمان بن عفان. فما زال يعلو وأسفل حتى بلغنا الغاية.
وقيل أن أبا الزناد وفد على هشام بن عبد الملك بحساب ديوان المدينة. فسأل هشام ابن شهاب: أيّ شهر كان يخرج العطاء لأهل المدينة؟ فقال: لا أدري. قال أبو الزناد: فسألني هشام فقلت: المحرَّم. فقال هشام لابن شهاب: يا أبا بكر، هذا علم أخذته اليوم. فقال ابن شهاب: مجلس أمير المؤمنين أهلٌ أن يُفاد منه العلم.
ومات أبو الزناد فجاءة في مغتسله في شهر رمضان سنة ثلاثين ومئة.
وابنه عبد الرحمن بن أبي الزناد: يُكنى أبا محمد، وولي خراج المدينة. وقدم بغداد، ومات بها سنة أربع وسبعين ومئة، وهو ابن أربع وسبعين سنة، وروي عنه الحديث.
وأخوه أبو القاسم بن أبي الزناد: قد روي عنه.
وابنه محمد بن عبد الرحمن: كان بينه وبين أخيه في السنِّ سبع عشرة سنة، وفي الوفاة إحدى وعشرون سنة. وكان لقي رجال أبيه، ولم يُحدِّث عنهم حتى مات أبوه ودُفن هو وأبوه ببغداد في مقابر باب التِّبن. وقال يحيى بن معين: عبد الرحمن بن أبي الزِّناد ضعيف في الحديث، وابنه محمد كذلك. وابن معين إمام هذا الشأن.
[ ٢ / ١٨٨ ]