ﷺ مالك: عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنَس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالأدَم، ولا بالجعد القَطَط ولا بالسَّبِط. بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين. وتوفاه الله ﷺ على رأس ستين سنة، وليس في رأسه لحيته عشرون شعرة بيضاء ﷺ.
مسلم: حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن مثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شُعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سَمُرَة، قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العين، منهوش العَقِبين، قال: قلتُ لسِمَاك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. قلت؛ وما أشكل العين؟ قال: طويل شقِّ العين. قال: قلت: ما منهوش العَقِب؟ قال: قليل لحم العَقِب. وخرَّج هذا الحديث التَّرمذيُّ عن أبي موسى بن محمد بن المثنى وحده بإسناده ولفظه.
مالك: عن ابن شهاب، عن محمد بن جُبير بن مُطعم أن النبيَّ ﷺ، قال: " لي خمسة أسماء، أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب ". هكذا روى مالك هذا الحديث عن محمد بن جُبير، ولم يقل فيه عن أبيه. وأكثر رواة الموطأ وصلُوهُ. وأخرجه التِّرمذيُّ عن سعيد بن عبد الرحمن المخزوميُّ، وغير واحد عن سفيان، عن الزُّهريُّ، عن محمد بن جبير بن مُطعم عن أبيه. وقد تقدم سياق هذا الحديث، والكلام عليه في أول الكتاب عند ذكر محمد بن جبير بن مطعم النَّوفلي من بني نوفل بن عبد مناف بن قُصَي.
مسلم: حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما خُيِّرَ رسول الله ﷺ بين أمرين أحدهما
[ ٢ / ٨٩ ]
أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ؛ أُعطيتُ جوامع الكلم، ونُصِرت بالرُّعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلَت لي الأرض مسجدا وظهورا، وأُرسِلتُ إلى الأرض كافة، وخُتِمَ بي النَّبيُّون ".
مسلم: حدثنا أحمد بن حنبل، وزهير بن حرب جميعا، واللفظ لأحمد، قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا عبد العزيز، عن أنس، قال: لمَّا قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيِّس فليخدمك قال: فخدمته في السَّفر والحضر، والله ما قال لي شيء صنعته: لِمَ صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا؟. مسلم: عن أَنَس قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللَّون، كأنَّ عرفهُ اللؤلؤ، وإذا مشى تكفَّأ وما مَسِستُ ديباجة ولا حرير ألين من كفّ رسول الله ﷺ، ولا شَممتُ مِسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ. مسلم: عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقا. مالك: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ، وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس وضوءا فلم يجدوه، فأُتِيَ رسول الله ﷺ بوضوء في إناء فوضع رسول الله في ذلك الإناء يده ثم أَمَرَ الناس يتوضَّؤون منه. قال أنس: فرأيت الناس ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضَّؤوا من عند آخرهم. وخرَّج هذا الحديث مسلم عن أبي الطاهر أحمد بن وهب، عن مالك.
مسلم: عن أنس بن مالك أنَّ نبي الله ﷺ وأصحابَهُ بالزَّوراء. قال: والزَّوْرَاء بالمدينة عند السُوقِ، والمسجد فيما ثَمَّة، دَعَا بقدح فيه ماء فوضع كفَّة فيه، فجعل ينبعُ بين أصابعهِ فتوضأ جميع أصحابه. قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة. وقال رسول الله ﷺ: أنا سيدُ ولدِ آدم يوم القيامةَ، وأولُ مَنْ ينشقُ عنْهُ القبرُ، وأول شافع، وأول مُشَفَّعٍ (. خَرَّج هذا الحديث مُسلم عن أبي هريرةَ.
[ ٢ / ٩٠ ]
مسلم: حدثنا عمرو بن مُحَمِّدٍ الناقد. قال: نا سُفيان بن عُيَيْنة، عَنْ أبي الزِّناد، عن الأعرج، عَن الأعرج، عَن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ، قال: " مثلى ومَثلُ الأنبياء كمثل رجلٍ بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، فجعل الناس يُطيفون به يقولون: ما رأينا بنيانا أحسن من هذه اللبنة! فكنتُ أنا تلك اللبنَةَ ". مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " مَثَلي ومثل الأنبياء مِنْ قبلي كَمَثل رجل بني بنيانا فأحسنهُ وأجملهُ إلا موضع لَبِنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضِعت هذه اللَّبِنة؟ قال: فأنا اللَّبِنة، وأنا خاتم النَّبيين ". مسلم: عن جابر بن سَمُرة، قال: قال رسول الله ﷺ: " إني لأعرف حجرا بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن ".
الترمذي: حدثنا هناد بن السِّرِّي: حدثنا عَبثرُ بن القاسم بن أشعث يعني ابن سوَّار، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سَمُرة، قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحِيَان، وعليه حُلة حمراء. فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن عندي من القمر. مسلم: حدثنا محمد بن مثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجُّمَّة إلى شحمة أُذنيه، عليه حُلة حمراء ما رأيت شيئا قطٌّ أحسن منه.
مسلم عن عائشة، قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قطٌّ بيده، ولا امرأة، ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطٌّ فينتقم من صاحبه إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. وكان كلامه كخرزات النَّظم، وربما كرَّر الكلمة ثلاث مرات حتى يحفظها السامع. الترمذي: عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنِيَّتين، إذا تكلَّم رُئي كأن النور يخرج من بين ثناياه. وكان أجود الناس، وأشجع الناس. وكان أجود ما يكون في رمضان. وما سُئل شيئا قطٌّ فقال: لا.
[ ٢ / ٩١ ]
مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: كان بالمدينة فزع فاستعار النبيُّ ﷺ فرسا لأبي طلحة، يقال له: مندوب فركبه فقال: ما رأينا من فَزَع وإن وجدناه لبحرا. وقال أبو عبيد في غريب الحديث له: حدَّثنا أبو النصر عن أبي إسحاق، عن حارثة ابن مُضرب، عن عليٍّ ﵁ أنه قال: كنا إذا احمرَّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدوِّ منه. والدَّليل الواضح على ما قاله عليُّ ﵁ ثبوته ﵇ في يَومَي أُحُد وحُنَين مع نفر يسير من أهل الحفاظ. مسلم: حدثنا أحمد بن جناب المُصِّيصيُّ، قال: نا عيسى بن يونس، عن زكرياء، عن أبي إسحاق، قال: جاء رجل إلى البراء فقال: كنتُم وُلِّيتُم يوم حُنين يا أبا عُمارة قال: أشهد على نبيِّ الله ﷺ ما ولِّي، ولكنه انطلق أخِفَّاء من الناس، وحُسَّرٌ إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشيق من نبل، كأنَّها رِجلٌ من جراد فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنز واستنصر، وهو يقول: " أنا النبيُّ لا كذِبْ أنا ابن عبد المطَّلب اللهم أنزل نصرَك ". قال البراء: كنا والله إذا احمرِّ البأسُ نَتَّقي به. وإنَّ الشجاع منَّا للذي يُحاذى به، يعني النبيِّ ﷺ.
وأدركه ﷺ أُبيٌّ بن خلف الجمحيُّ بالشِّعب من أُحد بعد الهزيمة، وقد استند فيه ﷺ مع رهط من المسلمين، وهو يقول: أين يا محمد؟ لا نجوتُ إن نجوتَ. فأحدق به من كان معه من أصحابه وقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه بعضنا؟ فقال رسول الله ﷺ: " دعوه ". فلما دنا تناول ﵇ الحربة من الحارث بن الصِّمَّة. قال ابن إسحاق: يقول بعض الصحابة فيما ذُكر لي: فلما أخذها رسول الله ﷺ انتفض بنا انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشَّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها. ثم استقبله
[ ٢ / ٩٢ ]
فطعنه في عُنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. قال ابن هشام الشَّعراء ذباب له لدغ. فلما رجع عدوَّ الله آب إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد،. قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إنَّ بك بأس. قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني. فمات عدوَّ الله بِسَرِف، وهم قافلون به إلى مكة.
وروي عن عائشة ﵂ أنها وصفت رسول الله ﷺ فقالت: كان والله كما وصفه شاعره حسان بن ثابت:
متى يَبدُ في الدَّاجي البَهيم جبينُهُ يَلُحْ مثلَ مصباحِ الدُّجى المتوقِّدِ
فمن كانَ أو مَن قد يكونُ كأحمدٍ نظام لحقٍّ أم نَكالُ لِمُلحِدِ
وسُئلت عائشة ﵂ عن خُلُق رسول الله ﷺ فقالت: كان خُلُقُهُ القرآن، من قوله تعالى) خذِ العفوَ وأَمُرْ بالعُرف وأعرِض عن الجاهلين (. وأثنى عليه في آية أخرى، فقال تعالى) وإنك لَعَلى خلقٍ عظيم (. وكان ﷺ رحيم القلب، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، محزونا من غير عبوس، متواضعا من غير مذلة، بسَّاما من غير ضحك، ولم يغضب قطُّ إلا لله.
وكان ﷺ كثير الحياء. مسلم: حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن مثنى وأحمد بن سنان. قال زهير: نا عبد الرحمن بن مهديَّ عن شعبة، عن قتادة قال: سمعت عبد الله بن أبي عُتبة يقول: سمعت أبا سعيد الخُدريَّ يقول: كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياء من العذراء في خدرها،
[ ٢ / ٩٣ ]
وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. وقال ابن عباس ﵁: ما خلق الله نفسا هي أكرم عليه من نفس محمد ﷺ، وما أقسم بحياة أحد غيره. قال الله تعالى:) لعَمرُك إنهم لفي سَكرتهم يَعمهون (. وكان مجلسه مع أصحابه مجلس سكون ووقار، لا تُؤبن فيه الحُرَم، يُفيض معهم فيما أفاضوا فيه من أمر الدنيا ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم. يخصف النَّعل ويُرقِّع الثوب، ويركب الحمار، ويُردف العبد، ويطحن مع الخادم إذا أعيت. وكان يقبل الهدية، ويثيب عليها، ويجيب دعوة المملوك. وكان يقول " لو دُعيتُ إلى ذراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ كُراع لقبلت ". لا يذمُّ طعاما؛ إن أحبّه أكله، وإن كرهه تركه. إذا رضي تهلَّل وجهه وتبسَّم، وإذا غضب أعرض وأشاح. وإذا أشار أشار بكفِّه كلِّها، وإذا تعجَّب قلبها. يركب مرة فرسا، ومرة بغلة، ومرة حمارا، ومرة يمشي حافيا راجلا، بلا رداء، بلا عمامة، بلا قَلُنسوة. يقول ناعِته: لم أرَ قبله مثله ﷺ، نفعنا الله بمحبته، وحشرنا في زمرته، ولا خالف بنا عن ملَّته آمين آمين، والحمد لله رب العالمين.