فمن عبس بن بغيض ثم من بني قُطيعة بن عبس حُذيفةُ بن اليَمان: واليمانُ لقبه، واسمه حُسَيل. ويقال: حِسلُ بن جابر عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحرث بن مازن بن قُطيعة بن عبس القُطعيُّ العبسيُّ. وحذيفة صاحب بن صاحب. ولم يشهد أبوه بدرا.
مسلم: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا أبو أسامة عن الوليد بن جميع قال: نا أبو الطفيل قال: نا حُذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أنِّي خرجت أنا وأبي حُسَيْل قال: فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدا. فقلنا: ما نريده، مانريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر. فقال: انصرفا نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم. وقتل اليمان يوم أحد شهيدا هو وثابت بن وَقَش الأشهليُّ الأوسيُّ، وكانا شيخين كبيرين. أما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ، وهم يظنون من المشركين. فرآهم حذيفة فقال: أبي أبي. فأراد رسول الله ﷺ أن يَديَةُ، فتصدَّق حذيفة بديته على المسلمين. وكان حذيفة صاحب رسول الله ﷺ في المنافقين، وتوفي في آخر خلافة عثمان ﵄.
ومن بني قُطيعة بن عبس الحطيئة الشاعر: والحطيئة القصير، واسمه جَرْوُلُ ابن أُوَيْس بن جُوَيَّة بن مخزوم بن مالك بن قُطيعة بن عبس، وكنيته أبو مُليكة. وهو القائل في الزبرقان بن بدر حين انصرف من جواره إلى شَمّاس بن لأي من بني أنف الناقة، من قصيدة:
مَن يفعل الخيرَ لا يعدمْ جَوازيَهُ لايذهبُ العُرفُ بين اللهِ والناسِ
[ ١ / ٣٦٦ ]
دعِ المكارمِ لا ترحلْ لبغْيتِها واقعدْ، فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي
فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب فرفعه إليه، فاستنشده. فقال عمر لحسَّان بن ثابت: أتُراهُ هجاهُ؟ قال: نعم، وسلح عليه. فحبسه عمر، فقال الحطيئة، وهو في السجن:
ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مَرَخٍ حمرِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ؟
ألقيتَ كاسبِهم في قَعر مُظلمةٍ فاغفرْ عليك سلامُ الله يا عمرُ
أنتَ الإمامُ الذي مِن بعدِ صاحبهِ ألقتْ إليكَ مَقاليدَ النُّهي البَشَرُ
ما آثروكَ بها إذ قدَّموك لها لكنْ لأنفسهم كانتْ بها الأُثرُ
فأطلقه عمر، وأخذ عليه عهدا ألا يهجو أحد. وقيل: أنه اشترى منه أغراض المسلمين بأربعين ألفا. وذكر أبو عُبيدة أن الطيئة نقه من مرض له فقال:
لكلِّ جديدٍ لذةٌ غير أنني وجدْتُ جديد الموتِ غيرَ لذيذِ
وذُكر أنه خرج يوما وهو ناقه ضجر، وهو يقول:
أبتْ شَفَتايَ اليومَ إلا تكلمًا بسوءٍ فما أَدري لمن أنا قائلُهْ
[ ١ / ٣٦٧ ]
فمشى قليلا، ثم اطَّلع في ماء فقال:
أرى ثَمَّ وجهًا شَوَّهَ اللهُ خَلقَهُ فقُبِّح من وجهٍ وقُبِّحَ حاملُهْ
وقال لأمِّه:
تَنَحَّيْ فاجلسي مني بعيدًا أراحَ اللهُ منكِ العالمينا
أَغِربالًا إذا استُودِعتِ سِرًّا وكانونًا على المتحدِّثينا
حياتُك ما عَلمتُ حياةَ سَوءٍ ومَوْتُكِ قد يَسرُّ الصالحينا
وقال لها أيضا:
جزاكِ اللهُ خيرًا من عجوزٍ ولقّاكِ العُقوقَ من البنينِ
لقد مُلِّكتِ أمرَ بنيك حتى تركتِهم أدقَّ من الطحينِ
فإن تُخْليْ وأمرَكِ لا تَصولي بمُشتدٍّ قُواهُ ولا مَتينِ
لساني مِبردٌ لا عيبَ فيهِ ودَرُّكِ دَرُّ جاذبةٍ دَهينِ
[ ١ / ٣٦٨ ]
ومنهم عنترة الفوارس: وهو عنترة بن شداد بن معاوية. ويقال: عنترة بن معاوية بن شدَّاد بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن قُطيعة بن عبس، وكان شاعر مُجيدا، وفارسا مِحْربا، مقداما شريف الهمَّة، عفيف الإزار. ويقال: إن النبيَّ ﷺ أنشد قولهُ:
ولقد أبِيتُ على الطَّوى وأَظلُّهُ حتى أنالَبه كريمَ المأكلِ
فاستحسنه.
ومن بني قُطيعة بن عبس زُهيرُ بن جَذيمة، وولدُه قيس بن زهير، وورقاءُ، وغيرهما. وقيس بن زهير صاحب حرب داحس.
ومن ولد قيس المُساورُ بن أبي هند بن قيس بن زهير الشاعر.
ومن عبس عُروةُ بن الوَرد: وهو عروة الصعاليك، وكان فارسا شاعرا.
ومنهم الربيعُ بن زياد: وهو ربيع الحِفَاظ. وأخوه عُمارة الوهَّاب، وأنس الفوارس. وكان يقال لَّهم " الكَمَلةُ ". وكان الربيع بن زياد سريعا. كان يؤاكل النعمان بن المنذر. ودخل لبيد بن ربيعة يوما على النعمان، والربيع يتغدَّى معه فحسده فقال لبيد للنعمان:
يا واهبَ الخيرِ الكثيرِ من سَعَهْ إليك جاوزْنا بلادًا مُسْبِعَهْ
نحن بنو أمِّ البنين الأربعَهْ ونحن خييرُ عامرِ بن صَعْصعَهْ
[ ١ / ٣٦٩ ]
الضاربونَ الهامَ تحت الخَيضَعَهْ مَهلاٍ أبيتَ اللعنَ لا تأكلْ معَهْ
إن اسْتَهُ مِن بَرَصٍ مُلمَّعهْ وإنه يولِجُ فيها إصبعَهْ
يُدْخلُها حتى يُوارِي أَشْجعَهْ كأنه يطلبُ شيئًا ضَيَّعَهْ
وكانت العرب تَطيَّرُ من الأرض الأبرص. وقال الربيع: أبيت اللعن إنه كاذب فقال النعمان:
شَرِّدْ بِرَحلكَ عني حيثُ شئتَ ولا
ومن بني عبس صِلةُ بن زُفَر أبو العلاء، قاله مسلم. وقال خليفة: يكنى صلة أبا بكر. روى عن عمَّار وحذيفة وعبد الله. روى عنه شقيق أبو وائل. قاله البخاريُّ. وروى عنه أيضا أبو اسحاق السَّبيعيُّ وغيره من التابعين. وتوفي صلة سنة اثنين وسبعين، قاله خليفةُ وغيره.
وعبسٌ أخوال الوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان. أمُّهما ولاَّدةُ بنت الحرث بن جَزْءِ بن الحرث العبسيُّ.
ومنهم عبد الرحمن بن هلال العبسيُّ: روى عنه جرير بن عبد الله
ومن مَوالي عبس الإمام أبو بكر عبد الله وأخواه أبو الحسن عثمان وقاسم بنو محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان. ولأبي بكر الإمام منهم: مُصنَّفٌ ومُسنَّد. وأخوه عثمان ثقة إلا أنه روى أحاديث، لا يتابع عليها عن الثقات، فكُلِّم فيه من أجل هذا.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وكان لعثمان ابن اسمه محمد، روي عنه الحديث. روى عن أبيه وعمِّه وعن مِنْجاب بن الحرث، وعَون بن سلاّم، وهاشم بن محمد، ومحمد بن اسحاق السَّمُري من ولد سًمُرةَ بن جُندب، وغيرهم من الثقات. وخرَّج مسلم عن أبي بكر وعثمان أبني شيبة في صحيحه كثيرا. وأما أخواهما قاسم فكان ضعيفا في الحديث، عنده مناكيرُ، قاله الموصليُّ الحافظ.
وجدُّهم أبو شيبة إبراهيم: سكن واسط، وكان قاضيها. قال البخاريُّ: هو مُتروك، سكتوا عنه. وقال ابن معين: هو ضعيف.
ومن أنمار بن بغيض أخي ذبيان وعبس فاطمة بنت الخَرشَب الأنماريَّة: هي أمُّ الربيع وعُمارة وأنس بني زياد.
وأما خَصفة بن قيس بن غَيلان فولد عكرمة ومحاربا. ومن بني محارب الخُضْر، وهم بنو مالك بن طريف بن خلف بن مُحارب بن خصفة، منهم عامر الرامي أخو الخُضر. ويقال: عامر الرام، وهو من الصحابة، وكان شاعرا.
ومنهم الحكَمُ بن مَنيع الشاعر، ونُقَيعُ بن صفار الشاعر: الذي كان يُهاجي الأخطلَ.
وولد عِكرمةُ منصورا، فولد منصور سُليم بن منصور وهَوازن بن منصور ومازن بن منصور.
ومن بطون سُليم بَهْزُ بن امرىء القيس بن بُهْثة بن سُليم، وذكوان بن ثعلبة بن بُهثة، والشريد بن رياح بن يَقَظةَ بن عُصيَّة بن خفاف بن امرىء القيس بن بُهثة.
ومن بَهز الحجاج بن عِلاطٍ: وهو من الصحابة، وهو الذي خَدع قريشا حين افتتح لاسول الله ﷺ بكَتْم إسلامه منهم حتى أخذ ماله من تجار مكة، وأخذ ما كان له من مال عند امرأته أمِّ شيبة بنت أبي طلحة بن عبد العُزَّي بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وكان له منها مِعْرضُ بن الحجَّاج، وحديثه مشهور. وابنه نصر بن حجاج: كان جميل الصورة، وهو الذي سمع عمر بن الخطاب المرأة ليلا تقول فيه:
[ ١ / ٣٧١ ]
ألا سبيلَ إلى خمرٍ فأشربُها أم هل سبيلٌ إلى نصرِ بن حجَّاجِ؟
فقال: أمَّا ما كان عمر حيا فلا. فلما أصبح عمر غرَّبه عن المدينة فكتب نصر إلى عمر:
لَعَمري لئن سَيَّرْتَني وحَرَمْتَني ولم آتِ ذَنبًا إنَّ ذاكَ حَرَامُ
وما ليَ ذنبٌ غير ظنٍّ ظَنَنتَهُ وفي بعضِ تصديق الظُّنونِ أَثامُ
أأنْ غنَّتِ الذَّلفاءُ صوتًا بخفْيةٍ وبعضُ أَمانيِّ النِّساءِ حَرامُ
ظّننتَ بيَ الظنَّ الذي لو أَتَيتُهُ لما كانَ لي في الصالحْينَ مَقامُ
ويَمنعُني ممَّا تَمنَّتْ حَفِيظتي وآباءُ صِدقٍ سالفونَ كِرامُ
ويمنعُها ممَّا تَمنَّتْ صلاتُها وبيتٌ لها في قَومِها وصِيامُ
فهاتانِ حالانا فهل أنتَ راجِعي؟ فقد جَبَّ منَّا غاربٌ وسَنامُ
ومن بني بُهثة بن سليم عباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد ابن عباس بن رفاعة بن الحرث بن بُهثة بن سُليم، يكنى أبا الفضل، وقيل أبا الهيثم. وكان أبوه مرداس شريكا ومُصافيا لحرب بن أمية، وقتلتهما جميعا
[ ١ / ٣٧٢ ]
الجنُّ. وكان عباس بن مرداس من الؤلَّفة قلوبهم، وممَّن حسُن إسلامه منهم. ولما أعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم من سًبْي حنين مئة من الإبل، ونَقصَ طائفة من المئة، منهم عباس بن مرداس جعل عباس يقول، إذ لم يُبلِّغ بالأقرع بن حابس وعيينة بن حصن:
أتجعلُ نهبي ونهب العُبيْ دِييْنِ: عُيينةَ والأَقرعِ؟
فما كان حصنٌ ولا حابسٌ يفوقانِ مرداسَ في المجْمعِ
وما كنتُ دونَ امرىءٍ منهما ومَن تَضعِ اليومَ لا يرفَعِ
فقال رسول الله ﷺ: " اذهبوا فاقطعوا عني لسانه ". فأعطوه حتى رضي. وكان شاعرا محسنا مشهورا بذلك. وروي أنَّ عبد الملك بن مروان قال يوما، وقد ذكر الشعراء في الشجاعة، فقال: أشجع الناس في الشعر عباس بن مرداس حيث يقول:
أقاتلُ في الكتيبةِ لا أبالي أحتفي كان فيها أم سِواها
وله في يوم حنين أشعار حسان ذكر كثيرا منها ابن اسحاق. فمنها قوله:
يا خاتمَ النُّبآءِ إنك مُرسَلٌ بالحقِّ كلُّ هدى السبيل هُداكا
إنَّ الإلهَ بني عليكَ محبةً في خَلقهِ ومحمّدًا سَمَّاكا
[ ١ / ٣٧٣ ]
ثمَّ الذينَ وفَوا بما عاهَدتَهُمْ [لقد] بَعثتَ عليهمُ الضَّحَّاكا
رجلٌ به ذَربُ السلاح كأنهُ لمَّا تكنَّفَهُ العدوُّ يَراكا
يَغْشى ذَوي النسبِ الغريب وإنما يَبغى رضى الرحمنِ ثم رِضاكا
أُنبيكَ أني قد رأيتُ مَكرَّهُ تحتَ العجاجةِ يَدْمَغُ الإشراكا
طَورًا يُعانقُ باليدينِ وتارةً يَفرِى الجماجِمَ صارِمًا بتَّاكا
وبَنو سُليمٍ مُعْنِقونَ أَمامَهُ ضَربًا وطعنًا في العدوِّ دِراكا
يمشُون تحت لوائهِ وكأنَّهمْ أُسدُ العَرينِ أَردْنَ ثَمَّ عِراكا
لا يرتجونَ منَ الغريب قَرابةً إلا لطاعةِ ربِّهم وهَواكا
هذى مشاهدُنا التي كانت لنا مَعروفةً ووليُّنا مَوْلاكا
ومنها بعض كلمة حسنة قالها يُخوِّفُ هَوازن:
أَبلِغْ هَوازنَ أَعلاها وأَسفلَها منِّي رسالةَ نصحٍ فيهِ تِبْيانُ:
[ ١ / ٣٧٤ ]
إني أظنُّ رسولَ الله صابِحكُمْ جيشًا له في فضاء الأرضِ أركانُ
مِنهُم سُليمٌ أخوكمْ غيرُ تارِككُمْ والمسلمون عبادُ اللهِ غَسَّانُ
وفي عصابتهِ اليُمنى بنو أسدٍ والأَجْرَبانِ بنو عبسٍ وذِبيانُ
وقيل: إنه كان لأبيه مرداس وثن يعبدُه، وهو حَجر يقال له " ضِمار " فلما احتُضِرَ مرداس قال للعباس: أي بُني، اعبُدْ ضِمارًا فإنه ينفعُك ويضرُّك. فبينا عباس يوما عند ضمار إذ سمع من جَوف ضمار مناديا يقول:
قُل للقبائل من سُليمٍ كلِّها: أَودَي ضِمارُ وعاشَ أهلُ المسجدِ
إنَّ الذي ورِثَ النبوءةَ والهُدى بعدَ ابنِ مَريمَ من قريشٍ مُهْتَدِ
أَودَى ضِمارُ وكان يُعبَدُ مرةً قبلَ الكِتابِ إلى النَّبيِّ محمَّدِ
فحرَّق عباس ضمارا ولحق بالنبيِّ ﷺ. وكان عباس ممَّن حرَّم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان ينزل البادية بناحية البصرة. روى عنه ابنه كنانة بن عبَّاس.
ومن بني امرىء القيس بن بُهثة بن سُليم عمرو بن عَبسة بن عامر بن خالد ابن غاضرة بن عتاب بن القيس بن بهثة، يكنى أبا فجيح. ويقال: أبا شعيب أسلم قديما في أول الإسلام. وروي عنه من وجوه أنه قال: ألقي في روعي أن عبادة الأوثان باطل، فسمعني رجل وأنا أتكلَّم بذلك. فقال: ياعمرو بذلك. فقال: ياعمرو
[ ١ / ٣٧٥ ]
إنَّ بمكة رجلا يقول كما تقول. قال: فأقبلت إلى مكة أوَّل ما بُعث النبيُّ ﵇، وهو مُستخف. فقيل لي: إنك لا تقدر عليه إلا بالليل حين يطوف. فقمت بين يدي الكعبة، فما شعرت إلا بصوته يُهلِّل. فخرجتُ إليه فقلت: من أنت؟ قال: " أنا نبيُّ الله ". فقلت: وما نبيُّ الله؟ فقال: " رسول الله ". قلت: وبماذا أرسلك؟ قال: " بأن يُعبد الله، لا يُشرك به شيء، وتُكسر الأوثان، وتُحقنُ الدماء ". قلت: ومن معك على هذا؟ قال: " حُرٌّ وعبد "، يعني أبا بكر وبلالا. فقلت: ابسط يدك أبايعك. فبايعته على الإسلام. قال: فلقد رأيتني وأنا ربع الإسلام. ثم أمره رسول الله ﷺ أن يلحق بقومه. فلما هاجر النبيُّ ﵇ إلى المدينة ارتحل إليه وأتاه. فقال: أتعرفني؟ قال: " نعم، أنت الرجل الذي أتيتنا بمكة فقلت لي كذا وقلت لي كذا ".
يُعدُّ عمرو بن عَبَسة في الشاميين. روى عنه من الصحابة أبو أمامة الباهليُّ، وروى عنه من كبار التابعين بالشام شرحبيل بن السِّمْط، وسليم بن عامر، وضَمْرة بن حبيب وغيرهم.
ومن بني الحرث بن بهثة بن سليم عُتبة بن فرقد: له صحبة ورواية. وكان أمير لعمر بن الخطاب على بعض فتوحات العراق. وروى سليمان التَّيميُّ عن أبي عثمان النَّهدي قال: جاءنا كتاب عمر ونحن مع عتية بن فرقد، وينسبونه: عتبة بن يربوع بن حبيب بن مالك بن فرقد نب أسعد بن رفاعة ابن الحرث بن بهثة بن سليم. وروى شعبة عن حصين، عن امرأة عتبة بن فرقد أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوتين. وأمُّ عتبة آمنة بنت عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف.
ومن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة صفوان بن المعطَّل بن ربيضة بن خزاعي ابن محارب نب مُرَّة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة، يكنى أبا عمرو. قيل إنه أسلم قبل المُرَيْسيع وشهد المريسيع. وقال الواقديُّ: شهد صفوان بن
[ ١ / ٣٧٦ ]
المعطَّل مع رسول الله ﷺ الخندق والمشاهد كلَّها بعدها. وكان مع كُرْز بن جابر الفِهْريِّ في طلب العُرَنيِّين الذي أغاروا على لقاح رسول الله ﷺ. وقال غيره: كان يكون على ساقة النبي ﷺ. قال سلمة عن ابن اسحاق: قُتل صفوان بن المعطَّل في غزاة أرمينية شهيدا، وأميرهم يومئذ عثمان بن أبي العاصي سنة تسع عشرة في خلافة عمر. ويقال: إنه غزا الروم في خلافة معاوية فاندقَّت ساقه. فلم يزل يُطاعن حتى مات، وذلك سنة ثمان وخمسين، وهو ابن بضع وستِّين. وقيل: مات سنة تسع وخمسين في خلافة معاوية. وله دار بالبصرة في سكَّة المِرْبد.
وذكر أبو اسماعيل محمد بن عبد الله الأزدي البصريُّ مؤلف " فتوح الشام " أن صفوان بن المعطَّل شهد فتوح الشام، وأبلى فيها. وكان ﵁ جيِّرا فاضلا تقيا شجاعا بطلا. وهو الذي قال فيه أهل الإفك ما قالوا مع عائشة، فبوّأهما الله ممَّا قالوا.
ومن ذكوان أبو الأعور السُّلميُّ: واسمه عمرو بن سفيان بن قانف بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان، يُعدُّ في الصحابة. وقال أبو حاتم الرازي: لا تَصحُّ له صحبة ولا رواية. شهد حُنَينا كافرا، ثم أسلم بعدُ هو ومالك بن عوف النَّصريُّ. وحدَّث بقصة هزيمة هوازن بحنين، ثم كان هو وعمرو بن العاصي مع معاوية بصفين، وكانا أشدَّ من عنده على عليٍّ ﵁. وكان علي ﵀ يذكره في القنوت في صلاة الغداة، يقول: " اللهمَّ عليك به " مع قوم يدعو عليهم في قُنوته.
ومن بني الشَّريد بن رياح بن ثعلبة بن عصيَّة بن خفاف بن امرىء القيس ابن بهثة بن سليم خُفاف بن نَدْبةَ الشاعر: وندبة أمُّه، وكانت سوداء. وهو خفاف بن عُمير بن الشَّريد، وهو ابن عمِّ خنساء. وكان خفاف أسود حالكا. قال أبو عبيدة: هو أحد أغربة العرب. وقال الأصمعيُّ: شهد خفاف
[ ١ / ٣٧٧ ]
حُنينا. وقال غيره: شهد فتح مكة ومعه لواء بني سليم مع النبيِّ ﵇، وكان فارسا شجاعا.
ولما قتلت غطفان ابن عمِّه معاوية بن عمرو بن الشَّريد قال خُفاف: قتلني الله إن رمت حتى أثأر به. فحمل على مالك بن حمار، وهو سيد بني شِمْخ بن فزارة فطعنه فقتله، وقال:
إنْ تكُ خَيلي قد أصيبَ صَميمُها فعمدًا على عيني تَيمَّمتُ مالكا
وقفتُ له عَلْوَى وقد خامَ صحبتي لأبنيَ مجدًا أو لأثأرَ هالكا
أقولُ، والرمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ: تَأمَّل خُفافًا إنني أنا ذلكا
ومنهم الخنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة. وأبلغت في رثاء أخَوَيها: صخر ومعاوية، وأتت بالسِّحر. وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قطُّ قبلها ولا بعدها أشعر منها. وكانت تُنشِد رسول الله ﷺ شعرها فيعجبُهُ ويقول: " هِيهِ ياخُناسُ "، ويوميء بيده ﷺ. فمن قولها في صخر أخيها:
أَعينيَّ جُودا ولا تَجمُدا ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى؟
ألا تَبكيانِ الجرىءَ الجميلَ ألا تبكيانِ الفتى السَّيِّدا؟
طويلُ النجادِ عظيمُ الرَّمادِ سَادَ عشيرتَهُ أَمْردا
[ ١ / ٣٧٨ ]
ومن قولها فيه:
ألا ياصخرُ إن أبكيتَ عيني لقد أَضْحكتني دهرًا طويلا
بكيتُكَ في نساءٍ مُعْموِلاتٍ وكنتُ أحقَّ مَن أَبدى العَوِيلا
دفعتُ بك الجليلَ وأنت حيٌّ فَمَن ذا يدفعُ الخَطْبَ الجليلا؟
إذا قَبُحَ البكاءُ على قتيلٍ رأيتُ بكاءكَ الحسنَ الجميلا
ومن قولها فيه من أبيات:
أشمّث أبلجُ تَأتمُّ الهُداةُ به كأنه علمٌ في رأسهِ نارُ
وكان لها بنون أربعة، حضورا حرب القادسية، وهي معهم، واستُشهدوا في ذلك اليوم وحديثُها معهم في ذلك اليوم مشهور، تَبيَّنَ فيه فضلُها وفضلُهم، ﵏.
ومن ولد الخنساء أبو شجرة السلميُّ
ومن سليم عُتبة بن النُّدَر: وهو عتبة بن عبد السلمي، له صحبة. وكان اسمه عَتَلة، فغيَّر رسول الله ﷺ اسمه، وسمَّاهُ عتبة. روى محمد ابن القاسم الطاهري عن يحيى بن عُتبة بن عبد، عن أبيه، قال: قال النبيُّ ﷺ: " ماسْمُك؟ " قلت: عتلة. قال: " أنت عتبة " وقال أحمد
[ ١ / ٣٧٩ ]
ابن حنبل وأحمد بن أبي خَيثمة بأسناد عن صفوان بن عمرو قال: كان اسم عتبة بن عبد نُشْبةَ فسمَّاه رسول الله ﵇ عتبة، ويكنى أبا الوليد. وتوفي سنة سبع وثمانين في أيام الوليد بن عبد الملك، وهو ابن أربع وتسعين سنة. يُعدُّ في الشاميين. روى عنه جماعة من تابعي أهل الشام منهم خالد ابن مَعدان وكثير بن مرة وراشد بن سعد وعلي بن رباح المصري وغيرهم. وقال الواقدي: عتبة بن عبد السلمي آخر من مات من أصحاب النبي ﷺ.
ومن بني سليم من أنفسهم أبو جميلة سُنَيِّن: أدرك النبيَّ ﷺ، وخرج معه عام الفتح. يُعدُّ في أهل الحجاز. روى عنه ابن شهاب.
ومنهم نُبَيشة بن حبيب: قاتل ربيعة بن مكدَّم وعبد الله بن خازم صاحب خراسان.