مسلم: حدَّثنا محمد بن المثنىَّ وابن بشَّار قالا: نا شُعبة عن الحكم، عن مُصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقَّاص قال: خلَّف رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تُخلِّفني في النساء والصبيان؟ فقال: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنَّه لا نبيَّ بعدي ".
الترمذيُّ حدَّثنا واصل بن عبد الأعلى، نا محمد بن فُضَيل عن عبد الله ابن عبد الرحمن أبي نصر، عن المُساور الحمْيَريِّ، عن أمه، قال دخلت على أمِّ سلمة فسمعتها تقول. كان رسول الله صلى الله عليه ةوسلم يقول " لا يُحب عليا مُنافق، ولا يُبغضه مؤمن ".
مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شَيبةَ قال: نا وَكيع وأبو معاوية عن الأعمش، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن زرِّ بن حُبيش قال: قال عليِّ ﵁ " والَذي فلق الحبةَ وبَرأ النَّسمةَ إنه لَعهدُ النبيَّ الأمِّيِّ إليَّ ألا يُحبَّني إلا مُؤمن، ولا يُبغضني إلا منافق ".
الترمذيُّ: حدثنا سفيان بن وكيع، نا عبيد الله بن موسى عن عيسى بن عمر، عن السدِّي، عن أنس بن مالك قال: كان عند النبي ﷺ طير فقال: " اللهمَّ ائتني بأحبِّ خَلقكَ إليك، يأكلْ معي هذا الطير ". فجاء عليٌّ، فأكل معه. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث السُّدِّي إلا من هذا الوجه. وقد رويَ من غير وجه عن أنس.
الترمذيًّ: حدَّثنا إسماعيل بن موسى الفزاريُّ ابن بنت السُّدِّي، نا شريك عن أبي ربيعة عن ابن بَريدَة عن أبيه، قال رسول الله ﷺ: " إن الله أمرني بحبِّ أربعة ". قيل يا رسول الله سِّمهم. قال: " عليٌّ
[ ٢ / ٢٣٢ ]
منهم "، يقول ذلك ثلاثًا: " وأبو ذَر والمقداد وسلمان أمرني بحبِّهم، وأخبرني أنه يحبهم ". قال هذا حديث حسن غريب.
الترمذيُّ: حدَّثنا إسماعيل بن موسى، نا شريك عن أبي إسحاق عن حُبْشيِّ بن جُنادة قال: قال رسول الله ﷺ: " عليٌّ مني وأنا من علي، ولا يؤدِّي عني إلا أنا أو علي ".
النَّسائي: أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوريُّ، وأحمد بن عثمان ابن حكيم قال: نا عمرو بن طَلحة قال: نا أسباط عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّ عليا كان يقول: " والله إني لأخو رسول الله ﷺ ووليُّه ". ولما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين بمكة ثم آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة قال: " في كل واحدة منهما لعلي، أنت أخي في الدنيا والآخرة ".
الترمذيُّ: حدَّثنا يوسف بن موسى القطَّان البغداديُّ، نا عليُّ بن قادم، نا عليُّ بن صالح بن حيَّ، عن حكيم، عن بُشير، عن جُميع بن عُمير التَّيمي، عن ابن عمر: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، فجاء عليٌّ تدمَع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك، ولم تُؤاخ بيني وبين أحد؟!. فقال رسول الله ﷺ: " أنت أخي في الدنيا والآخرة ".
وحدَّث أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا عبد الله بن نُمير عن حجّاج، عن الحكم، عن مِقسَم، عن ابن عباس. أنَّ النبيَّ ﷺ قال لعلي: " أنت أخي وصاحبي ". وقال: حدَّثنا عبد الله بن نُمير عن الحارث بن حصيرة قال: حدَّثني أبو سليمان الجُهنيُّ يعني: زيد بن وهب قال: سمعت عليا يقول على المنبر: " أنا عبد الله وأخو رسوله، لم يقلها أحد قبلي، ولا يقولها بعدي إلا كذاب مفترٍ ".
وروى أبو داود الطيالسيُّ قال: نا أبو عوانة، عن أبي بِلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " أنت وليّ كلِّ مؤمن بعدي ". وقال خُزيمة بن خازم قال: حدثني أبي عليٌّ بن عبد الله
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قال: حدثني أبي عبد الله بن عباس قال: كنت أنا وابن عباس بن عبد المطَّلب جالسين عند رسول الله ﷺ إذ دخل عليُّ بن أبي طالب فسلَّم، فردّض عليه رسول الله ﷺ وبشَّ به، وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وأجلسه عن يمينه فقال العباس: يا رسول الله أتحبُّ هذا؟ فقال النبي ﵇: " يا عمَّ رسول الله والله لَلَّهُ أشدُّ حبًّا له مني، إنَّ الله جعل ذريَّة كلِّ نبيٍّ في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا ".
وروى أبو نعيم الأصبهانيُّ في " رياضة المتعلمين " عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا عليُّ إن الله أمرني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأُعلِّمك ولا أجفوك ". وذكر البخاريُّ في قصة الحديبية أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " أنت مني وأنا منك ".
الترمذي: حدثنا قُتيبة نا محمد بن سُليمان الأصبهانيُّ عن يحيى بن عُبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سَلمة ربيب النبيِّ ﷺ قال: أُنزلت هذه الآية على النبيِّ ﷺ:) إنما يُريدُ اللهُ ليُذهب عنكم الرِّجسَ أهل البيت ويُطهِّرَكم تطهيرًا (في بيت أُم سلمة.
فدعا النبيُّ ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا، فجلَّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرِّجس وطهِّرهم تطهيرا ". قالت أُمُّ سَلمة: وأنا معهم يا نبيَّ الله؟ قال: " أنت على مكانك وأنت إلى خير ".
الطبري: حدثنا أبو كُريب محمد بن العلاء ومحمد بن عمر بن هيَّاج قالا: نا يحيى بن عبد الرحمن الأزديُّ قال: نا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فكنتُ فيمن سار معه، فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء. فبعث النبي ﷺ عليَّ ابن أبي طالب، وأمره أن يُقفل خالدا ومن اتبعه إلا من أراد البقاء مع علي
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فيتركه. قال البراء: فكنتُ فيمن عقب مع علي. فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فجمعوا له، فصلَّى علىُّ الفجر. فلما فرغ صفَّنا صفا واحدا ثم تقدَّم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ. فأسلمت همدان كلُّها في يوم واحد. وكتب بذلك عليٌّ إلى رسول الله. فلما قرأ كتابه خرَّ ساجدا، ثم جلس فقال: " السلام على همدان، السلام على همدان ".
وتتابع أهل اليمن على الإسلام. وقال له رسول الله ﷺ: " يا عليُّ ألا أعلِّمك كلمات إذا قُلتهنَّ غفر الله لك، مع أنَّك مغفور لك؟ " قلت بلى. قال: " قل: لا إله إلا الله الحليم العليم، لا إله إلا الله العليُّ العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات وربُّ العرش الكريم ". وقال ﷺ: " من أحبَّ عليًّا فقد أحبَّني، ومن أبغض عليًّا فقد بغضني، ومن آذى عليًّا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ". وقال له ﷺ: " يهلِكُ فيك رجلان: محبٌّ مُطْرٍ وكذاب مُفتر ". وقال له: " تفترق فيك أمَّتي كما افترقت بنو إسرائيل في عيسى ".
وروى بُريدة بن الحُصيب وأبو هُريرة والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وجابر بن عبد الله الأنصاريُّ، كلُّ واحد عن النبي ﷺ أنه قال يوم غدير خُم: " من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه وعادي من عاداه ". ورواية جابر لهذا الحديث بالسند أذكرها: حدَّث أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشجع قال: نا المطَّلب بن زياد عن عبيد الله بن محمد بن عقيل قال: كنا عند جابر بن عبد الله في بيته، وعليُّ بن الحسين ومحمد بن الحنفيَّة وأبو جعفر، فدخل رجل من أهل العراق فقال: أنشدك بالله إلا حدَّثتني ما رأيت وما سمعت من رسول الله ﷺ. فقال:
[ ٢ / ٢٣٥ ]
كنا بالجُحْفَة بغدير خم، وثَمَّ ناس كثير من جُهينة ومُزينة وغِفار، فخرج علينا رسول الله ﷺ من خِباء أو فُسطاط، وأشار بيده ثلاثا، فأخذ بيد عليٍّ فقال: " من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ". عبد الله بن محمد بن عقيل راوي هذا الحديث عن جابر. قُتل أخوه محمد مع الحسين، وجدَّه عقيل هو عقيل بن أبي طالب. وكان عبد الله بن محمد بن عقيل فقيها يُروى عنه. وكان أحول، وأمُّه وأمُّ أخويه: القاسم وعبد الرحمن، زينب الصغرى بنت عليّ بن أبي طالب.
وروى أبو العباس سهل بن سعد وبُريدة الأسلميُّ وأبو سعيد الخدريُّ وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين، كلُّهم بمعنى واحد عن النبيّ ﷺ أنه قال يوم خيبر: " لأعطينَّ الراية غدا رجلا يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله، ليس بفرَّار يفتح الله على يديه ". ثم دعا بعليٍّ وهو أرمد، فتفل في عينيه وأعطاه الراية، ففتح الله عليه.
وروى هذا الحديث أيضا أبو هريرة وسعد بن أبي وقاص وسَلَمَة بن الأكوع. مسلم: حدَّثنا قتيبة بن سعيد قال: نا يعقوب، يعني ابن عبد الرحمن القارئ عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر " لأعطينَّ هذه الراية رجلا يحبُّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه " قال عمر بن الخطاب: ما أحبب الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى لها. قال: فدعا رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب، فأعطاه إياها فقال: " امشِ ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك ". قال: فسار عليٌّ شيئا ولم يلتفت، فصرخ برسول الله: على ماذا أقاتل الناس؟! قال: " قاتلهُم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله ".
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الترمذي: حدثنا قُتيبة: نا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تَسُبَّ أبا تُراب! قال: أمّا ما ذكرت ثلاثا قاله رسول الله ﷺ فلن أسُبَّه، لأن تكون لي واحدة منهنَّ أحبَّ إليَّ من حُمر النَّعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي، وخَلفَهُ في بعض مغازيه، فقال له عليَّ: يا رسول الله تُخلِّفُني على النساء والصبيان؟! فقال له رسول الله ﷺ: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي ". وسمعته يقول يوم خيبر: " لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ". قال: فتطاولنا لها فقال: ادع لي عليا، فأتاه وبه رمد، فبصق في عينيه، فدفع الراية إليه، ففتح الله عليه. وأُنزلت هذه الآية:) تعالَوْا ندعُ أبناءنا وأبناءكم (الآية دعا رسول الله ﷺ وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهمَّ هؤلاء أهلي ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وقال ابن إسحاق: حدَّثني بُريدة بن سفيان بن فروة الأسلميُّ عن أبيه سفيان عن سَلمة بن عمرو بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر يقاتل ثمَّ رجع، ولم يكن فتح، وقد جُهد. فقال رسول الله ﷺ: " لأعطينَّ الراية غدا رجلا يحبُّ الله ورسوله، يفتح على يديه، ليس بفرَّار ". قال: يقول سلمة: فدعا رسول الله ﷺ عليا وهو أرمد فتَفَل في عينيه ثم قال: " خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك ". فمضى والله بها يأْنِح يُهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رَضْم من حجارة الحصن، فاطَّلع إليه يهوديٌّ من
[ ٢ / ٢٣٧ ]
رأس الحصن فقال: مَن أنت؟ قال: أنا عليُّ بن أبي طالب. قال: يقول اليهوديُّ: علَوتُم علينا وما أُنزل على موسى، أو كما قال. فما رجع حتى فتح الله على يديه.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع عليِّ بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ برايته يوم خيبر. فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطرح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن، فَتَرس به عن نفسه. فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ. فاقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا منهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه.
وبعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم فقال: يا رسول الله، إني لا أدري ما القضاء. فضرب رسول الله ﷺ بيده على صدره وقال: " اللهم اهد قلبه، وسدِّد لسانه ". قال علي: فوالله ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين. وقال رسول الله ﷺ: " أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه ". وقال رسول الله ﷺ: " إن توُلُّوا أبا بكر تجدوه ضعيفا في بدنه، قويا في دينه. وإن تولُّوا عمر تجدوه قويا في بدنه قويا في دينه. وإن تولُّوا عليا " ولن تفعلوا " تجدوه هاديا مهديَّا، فيسلك بكم المطيَّ لله وحرامه معه ". وقال ﷺ: " أقضاكم عليٌّ، وأفرضُكم زيد بن ثابت، وأعلمكم جَبل وما أظلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذَرٍّ. ولكلِّ أمة حكيم، وحكيم هذه الأمة أبو الدرداء ".
وروى ابن عباس عن عمر: أقضانا عليُّ، وأقرؤنا أُبي. وعن علقمةَ،
[ ٢ / ٢٣٨ ]
عن عبد الله قال: كنا نتحدث أنَّ أقضي أهل المدينة عليُّ بنُ أبي طالب. وعن سعيد بن وهب قال: قال عبد الله: أعلم أهل المدينة بالفرائض ابن أبي طالب. وحدَّث أحمد بن ُ زهير قال: نا عبيد الله بن عمر القواريريُّ: نا مؤمَّل بن إسماعيل: حدَّثنا سفيان الثَّوريُّ عن يحيى بن سعيد بن المسيَّب قال: كان عمر يتعوَّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن.
وقال في المجنونة التي أمر عمر برَجْمها، وفي التي وضعت لستَّة أشهر، فأراد عمر رجْمها فقال علي: إن الله يقول) وحملُه وفِصالُه ثلاثون شهرًا (، الحديث. وقال له: إنَّ اللهَ رفعَ الغَلمَ عن المجنون، الحديث. فكان عمرو يقول: " لولا عليُّ هلَك عمر ". وقالت عائشة: مَن أفتاكم بصَوم عاشورا؟ قالوا: عليٌ. قالت: أمَا إنَّه أعلمُ الناس بالسُّنَّة.
ورَوى سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس قال: كنا إذا أتانا الثِّبْت عن عليٍّ لم نعدل به. وروى جُوَيْبر عن الضحَّاك بن مُزاحم، عن عبد الله بن عباس قال: والله لقد أُعطي عليُّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شاركهم في العشر العاشر. وسأل شريح بن هانيء عائشة أمَّ المؤمنين عن المسح على الخُفَّين فقالت: إئتِ عليا فسله. وروى عبد الرحمن بن أُذَيْنَة عن أبيه أُذَيْنَة ابن مَسْلمة العبديِّ قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته: مِن أين أعتمر؟ قال: إئتِ عليا فسله. وذكر الحديث.
مالك: عن ثور بن زيد الدِّيليَّ أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل. فقال له عليُّ بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين.
البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهَّاب: نا خالد بن الحارث: نا سفيان: حدثنا أبو حُصين: سمعت عمر بن سعد النَّخعيَّ يقول: سمعت عليَّ بن أبي
[ ٢ / ٢٣٩ ]
طالب يقول: ما كنت لأقيم حدَّا على أحد فيموت، فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر. فإنه لو مات ودَيتُه وذلك أن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّه.
وروى مّعمر عن ابن طاووس عن أبيه، عن المطَّلب بن عبد الله بن حنطب قال: قال رسول الله ﷺ لوفد ثقيف حين جاؤوه: " لتُسلِمُنَّ أو لأبعثَنَّ رجلا مني "، أو كما قال: " مثل نفسي فليضربَنَّ أعناقكم أو ليَسْبيَنَّ ذَراريَّكم، وليأخذَنَّ أموالكم ". قال عمر: فوالله ما تمنَّيت الإمارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب صدري له رجاء أن يقول: هو هذا. قال فالتفت إلى علي، فأخذه بيده ثم قال: " هو هذا، هو هذا ".
وروى عمار الدُّهنيُّ عن أبي الزبير، عن جابر قال: ما كنَّا نعرف المنافقين إلا ببغض علي بن أبي طالب. وعن يزيد بن أبي زياد، عن إسحاق بن كعب ابن عُجْرَة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: " عليٌّ مخْشَوْشِنٌ في ذات الله ". وعن حُذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: " إنْ ولَّوا عليا فهاديا مهديّا ". وسأل رجل الحسن بن أبي حسن البصريِّ عن علي بن أبي طالب فقال: كان عليٌّ والله سهما صائبا من مرامي الله على عدوِّه، وربَّانيَّ هذه الأمة، وذا فضلها وذا سابقتِها، وذا قرابتها من رسول الله، لم يكن بالنَّؤومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله ولا بالسَّروقة لمال الله، وأعطى القرآن عزائمه، ففاز منه برياض مونقة ذلك عليُّ بن أبي طالب يا لُكع.
وكان معاوية ﵀ يكتب فيما ينزل به ليسأل عليَّ بن أبي طالب عن ذلك. فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب. فقال له عُتبة أخوه: لا يسمع هذا منك أهل الشام. قال: دعني عنك.
وروى معْمر بن وهب بن عبد الله بن أبي الطُّفيل قال: شهدت عليا يخطب، وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم. وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. وخطب يوما بالكوفة فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنَّ بين جنبيَّ علما
[ ٢ / ٢٤٠ ]
جما. فقام إليه عبد الله بن الكوَّاء فقال: يا أمير المؤمنين، ما) الذَارياتِ ذَرْوًا والحاملاتِ وقْرًا والجارياتِ يُسرًا فالمقسِّمات أمرًا (فقال: ويحك سَل تَفَقُّها ولا تسل تعنُّتا؛ الذاريات ذَرْوًا: الرياح. والحاملات وقْرًا: السحاب. والجاريات يُسرًا: السفن. والمقسِّمات أمرًا: الملائكة.
وقام إليه ابن الكوَّاء يوما آخر، وهو يخطب فقال: ما السواد الذي في القمر؟ فقال له: قاتلك الله، سَل تفققُها ولا تَسل تعنُّتا، ألا سألت عن شيء ينفعك في أمر دنياك وآخرتك؟ ثم قال: مَحْوُ الليل.
ودخل ضرار بن ضّمْرة الصُّدائيُّ، وكان من أصحاب ألوية عليٍّ بصفين على معاوية بعد وفاة علي: فقال له: يا ضِرار صف لي عليا فقال: اعفني يا أمير المؤمنين قال: لتَصفنَّه. قال: أما إذا لا بدَّ من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القُوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدُّنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته. وكان غزير العَبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفَّه، ويخاطب نفسه، يُعجبه من اللِّباس ما قَصُر، ومن الطعام ما خشُن. وكان فينا كأحدِنا؛ يُجيبُنا إذا سألناه، ويُنبئنا إذا استنبأناه ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، يُعظِّم فينا أهل الدين، ويُقرِّب المساكين. لا يطمع القويُّ في باطله، ولا ييأس الضَّعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضا على لحيته يَتَململُ تَمَلمُلَ السليم، ويبكي بُكاء الحزين، ويقول: يا دُنيا غُرِّي غيري إليَّ تعرَّضت أم إليَّ تشوَّفتِ. هيهات بتتك ثلاثا لا رجعة فيها؛ فعمرك قصير، وخطرك قليل حقير: آه من قلَّة الزاد وبعد السَّفر، ووحشة الطريق.
فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضِرار؟ قال: حُزن من ذُبح واحدُها، فهي لا تَرقى لها دمعة، ولا تنقضي لها حسرة.
[ ٢ / ٢٤١ ]
قال المبرِّد: وحدَّث ابن عائشة في إسناد ذكره أن عليا ﵀ انتهى إليه أن خيلا لمعاوية وردت الآبار فقتلت عاملا له يُقال له حسان بن حسان. فخرج مُغضبا يجرُّ ثوبه حتى أتى النُخيلة، واتَّبعه الناس، فرقيَ رباوة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد نبيَّه ﷺ ثم قال: أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذُّلَّ، وسِيما الخسف، ودُيِّث بالصغار. وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرّا وإعلانا. وقلت لكم: اغزوهم من قبل أن يغزوكم. فوالذي نفسي بيده ما غُزي قوم قطُّ في عُقر دارهم إلا ذَلُّوا. فتخاذلتم وتواكلتم، وثَقُل عليكم قولي، واتَّخذتموه وراءكم ظهريّا حتى شُنَّت عليكم الغارات.
هذا أخو غامد، قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان، ورجالا كثيرا منهم ونساء. والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة لمسلمة والمُعاهدة فتُنزَع أحجالُهما ورُعثُهما، ثم انصرفوا موفورين، ولم يُكلَم أحد منهم كَلما فلو أنَّ أمرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان فيه عندي ملوما. بل كان به جديرا. يا عجبا كلَّ العجب من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلِكم عن حقِّكم.
إذا قلت لكم: اغزوهم في الشتاء. قلتم: هذا أوان قُرٍّ وصِرٍّ. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة القيظ، أنظِرنا ينصرم الحرُّ عنا. فإذا كنتم من الحرِّ والبرد تفرُّون فأنتم والله من السيف أفرُّ. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا " طغام الأحلام "، ويا عقول ربّات الحجال. والله لقد أفسدتم
[ ٢ / ٢٤٢ ]
عليَّ رأيي بالعصيان ولقد ملأتم جوفي غيظا، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا رأي له في الحرب. لله درُّهم! ومّن ذا يكون أعلم بها مني، وأسدّض لها مِراسا! فوالله لقد نهضت فيها، وما بلغت العشرين. ولقد نيَّفت اليوم على الستين. ولكن لا رأي لمن لا يُطاع ". يقولها ثلاثا. فقام اليه رجل. ومعه أخوه فقال: يا أمير المؤمنين أنا وأخي هذا كما قال الله:) ربِّ إني لا أملِكُ إلا نفسي وأخي (، فمرنا بأمرك. فوالله لننتَهيَّن إليه. ولو حال بيننا وبينه جَمرُ الغضا وشوك القتاد. فدعا لهما بخير. ثم قال: وأين تقعان ممّ أريد؟ ثم نزل.
قوله: دُيِّثَ بالصِّغار؛ تأويله ذُلِّل. يقال: بعير مُديِّث أي مذلَّل. وقوله: في عقر دارهم؛ العُقر: الأصل. وقوله: شُنَّتْ عليكم الغارات؛ معناها صُبَّت. يقال: شننت الماء على رأسه أي صببته. وقوله: هذا أخو غامد؛ هو رجل مشهور من أصحاب معاوية من بني نصر بن غامد بن نصر بن الأزدِ بن الغَوث. وفي هذه القبيلة يقول القائل:
ألا هل أتاها على نَأْيها بما فَضَحتْ قومَها غامِدُ
تَمنَّيتُمُ مئتي فارسٍ فردَّكمُ فارسٌ واحدُ
والأحجال: الخلاخيل، واحدها، حجل. ويقال للصَّيد: حِجْل، لأنه يقع في ذلك الموضع. وقوله: ورُعُثُهما: الواحدة رَعْثَة، وجمعها رعاث وجمع الجمع رُعُث؛ وهي الشُّنوف.
قال المؤلف: غفر الله له: ابن عائشة الراوي لهذا الخبر هو عبد الله بن محمد
[ ٢ / ٢٤٣ ]
ابن حفص التَّيميُّ؛ تيم قريش. ويكنى أبا عبد الرحمن. ويقال لأبيه أيضا: ابن عائشة. وتوفي بالبصرة سنة ثمان وعشرين ومئتين. والرجل الغامديُّ الذي لم يُسمَّ اسمه " سفيان بن عوف " وكان من أصحاب الطوائف لمعاوية. وقال المبرد في غامد: هو غامد بن نصر بن الأزد بن الغَوث.
وقال القاضي أبو القاسم صاعد بن محمد بن صاعد الطُّليطليُّ، ﵀، في " مختصر النسب " له: غامد بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد.
ورُوي أن عليا، ﵁، خطب الناس، فحمد الله. وأثنى عليه، وصلى على النبي محمد ﷺ، ثم قال: " أما بعد، فإني أحذِّرُكم الدنيا، فإنها خَضِرة، حُفَّت بالشهوات، وحُسِّنت بالعاجلة، وعُمِّرت بالآمال، وزُينت بالغرور، لا يدوم خيرُها، ولا تؤمن فجائعُها. لا تعدو إذا تاهت أُمنيَّة أهل الرغبة فيها، والرضى عنها، أن تكون كما قال الله ﷿:) كماء أنزلناهُ من السماء فاختلطَ به نباتُ الأرضِ فأصبحَ هشيمًا تَذروهُ الرياحُ وكان اللهُ على كل شيء مُقتدرًا (، مع أنَّ أمرا لم يكن منها في حَبْرة إلا أعقبتْه بعدها عَبْرة، ولم يبق من سَرَّائها بطنا إلا مَنَحتْه من ضرَّائها ظهرا، ولم تَطُلَّه منها دِيمة رخاء إلا هَتنتْ عليه مُزْنة بلاء حري إذا هي أصبحت لك مُتَنضِّرة أن تسمي لك مُتَنكِّرة، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وزَفَراته وهول المطَّلَع، والوقوف بين يدي الملك العدل) ليجزيَ الذين أساؤوا بما عَمِلوا ويَجْزِيَ الذينَ أحسنوا بالحسنى (.
وخطب ﵁ فقال: " ألا إنَّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بالوداع، والآخرة قد أقبلت وآذنت باطَّلاع. ألا وإن المِضْمار اليوم، والسباق غدا. ألا وإنَّ السَّبقة الجنة، والغاية النار. ألا وأنكم في مَهَل من ورائه أجل، تحته عجل. فمن عمل في أيام مَهَله قبل حضور
[ ٢ / ٢٤٤ ]
أجله نفعه عمله ولم يضره أمله ومن لم يعمل في أيام مَهَله قبل حضور أجله ضَرَّه أمله وساءه عمله ".
وخطب ﵁ يوما فقال: " أيها الناس، اتقوا الله الذي إن قلتم سَمع، وإن أضمرتم علَم. وبادِروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقَمتُم أخذكم ".
وخطب ﵁، فقال: " إن التَّققوى يوم القيامة مطايا ذُلُل ركبها أهلها، وأعطَوها أزِمَّتها. فسارت حتى أتت ظلًا ظليلا، فنزلوا، فتحدَّثوا، ففُتح لهم أبواب الجنة، ففاح عليهم زهرتُها ونَعيمُها. وقيل: ادخُلوها بسلام آمنين. ألا وإنَّ الخطايا خَيلٌ شُمُس، حُمل عليها أهلُها، ونُزع لُجُمها، فحمحمت بهم، حتى ألقتهم في النار ".
وخطب، ﵁، فقال: " ألا وإن الأمل يُسَهِّي العقل، ويُورث الحسرة. ألا فاعزِفوا عن الأمل كأشدِّ ما أنتم عن شيء عازِفون غرر، وصاحبه مُعنَّى مغرور. فافزعوا إلى قوام دينكم بالجدِّ في أموركم، فإني لم أر كالجنة نام طالبُها، ولا كالنار نام هاربُها. فتزَوَّدوا في الدنيا ما تَحوزون به أنفسَكم في الآخرة، واعملوا خيرا تُجزوا به خيرا يوم يفوز بالخير مَن يقدِّمُه ".
وكتب ﵁ إلى عثمان بن حُنيف الأنصاريِّ الأوسيِّ حين استعمله على البصرة:
" أما بعد، فقد بلغني أنَّ بعض قُطَّان البصرة دعاك إلى مأدُبة، فأسرعت. وكرَّت عليكم الجفان، فكرعت، فأكلت أكل يتيم نهم، أو ضبع قرِم. وما خلتك تأكل طعام قوم عائلهم مجفوٌّ، وغنيُّهم مدعوٌّ. واعلموا أن إمامكم قد اكتفى بطِمرته، يسدُّ فورة جوعه بقُرصته، ولا يُطعم الفلذة إلا في سنة
[ ٢ / ٢٤٥ ]
أُضحيَّته. ولن تقدروا على ذلك، فأعينوني بورع واجتهاد. فمتاع الدنيا صائر إلى نفاد والله ما ادَّخرت من دنياكم تبرا، ولا أخذت من أقطارها شبرا. وإن قوتي فيها لبعض قوت أتان دبرة، ولهي عندي أهون من عصفة مَقِرة) تلك الدارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلوًّا في الأرضِ ولا فسادًا والعاقِبةُ للمُتَّقين (. ولو شئت لأهديت إلى هذا العَسل المصفَّى ولُباب البُرِّ المُربَّى حين يُنضجه وَقودُه. هيهات أن يَغُرَّني معقودُه. ولعلَّ يتيما في المدينة يتضوَّر من سغَبه، أأبيت مِبطانا، وحولي بطون غَرثى؟ إذا يَخصُمُني في القيمة دَهْم من ذكر وأُنثى، وكأن بِقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت أمير المؤمنين فقد قَعد به العجز عن مبارزة الشجعان ومنازعة الأقران، ألم تسمعوا الله يقول:) فما وهَنُوا لِما أصابهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكانُوا واللهُ يحبُّ الصابرين (.
والله ما اقتلعت باب خيبر بقوة جسدانيَّة ولا بحركة غذائية، لكنِّي أُيِّدت بقوة ملكوتيَّة. وأنا من أحمد كالضوء من الضَّوء. والله لو تظاهرت العرب على قتالي ما باليت، ولو أمكنتي من رقابها ما بغيت:) وسيعلمُ الذينَ ظلموا أيَّ مُنْقلب يَنقلبونَ (. إليك عني يا دنيا، حَبْلُكِ على غارِبكِ، بَثَثْتِ ليَ الحِبالةَ، فانسَللتُ من مخالبِك، ورأيتُ آثار مكائدِك، فاجْتَنبت العبور في مراحِضِك. أين القُرون التي أفنيْتَها بزَخارِفِك، وفي حبائلك أوقعتِها ومتالفِك. والله لو كنت شخصا مَرْئيا أو طَالا حِسِّيا لأقمت عليكِ حدود الله في عباد أسلمْتِهمْ إلى التلف، وأوردْتِهِم مَوارِد الهلكة والأسف هَيْهات هَيهات. مَن وَطِيء رَحضَكِ زلِق، ومَن شرب مِن مائك شرِق. والسالم منك قليل، وعزيزُك وإن عظُم حقير ذليل.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
فاغْربي عنِّي، فوالله لا ألينُ لكِ فتَخْدَعيني، ولا أنقادُ لكِ فتَذُلِّيني. أتَغرّيني بأنْ أنام على القَباطِّي من اليَمن، وأتمرَّغ في مَفْروش مِن منقوش الأرمِنِ، وأغذو نفْسًا حُلوَها ومُزَّها لِتسمَّن، إذَنْ أكونَ كإبلٍ ترْعى وتَبْعَرُ. والله لأُرُوضَنَّ، نفسي رياضة تهشُّ إلى قُوتها إذا عنه نفرت، وتقنع بمِلحها مأدوما إذا هي أفطرت، لعلَّها تنال نعيما، وملكا كبيرا جسيما والسلم ".
وعن أبي حمزة الثُماليِّ، عن عبد الرحمن بن جُندَب، عن كُميل بن زياد النَّخعيِّ قال: أخذ عليُّ بن أبي طالب بيدي، فأخرجني إلى ناحية الجبَّان، فلما أصحَر تنفَّس الصُّعداء ثم قال: " يا كُميل، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها. يا كُميل احفظ عني ما أقول: الناس ثلاثة؛ عالم ربَّاني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رَعاع، لكلِّ ناعق أتباع يميلون مع كلِّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى رُكن وثيق. يا كُميل، العلم خير من المال. العلم يحرُسُك، وأنت تحرس المال. والمال تنقصه النَّفقة، والعلم يزكو على الإنفاق. يا كميل محبة العلم دين يُدان به يكسبه الطاعة في حياته وجميل الأُحدوثة بعد وفاته، ومنفعة المال تزول بزواله. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. ياكُميل، مات خُزَّان المال والعلماء باقون ما بقي الدهر. أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ثم قال: ها إنَّ هاهُنا علما " وأشار إلى صدره " لو أصبت لها حملة، بلى أصبته لَقِنا غير مأمون. يستعمل آلة الدِّين في طلب الدُّنيا، ويَستظهر بحُجج الله على أوليائه، وبنِعَم الله على معاصيه، أو مُنقادا لِحمَلَة العلم، لا بصيرة له في أنحائه. يقدح الشك في قلبه بأول ناعق من شُبهة، ألا لا ذا ولا ذاك. فمن هو منهوم باللذات، سَلِس القيادة إلى الشهوات، ومغرم بالجمع والادِّخار. وليس من دعاة الدين أقرب شبها به الأنعام، كذلك يموت العلم بموت حامليه ".
ثم قال: " اللهمَّ لا تخلو الأرض من قائم بحجَّة إمَّا ظاهرا مستورا، وإمَّا خافيا مغمورا، لئلا تَبطُل حجج الله وميثاقه. وكم وأين أولئك الأقلَّون عددا،
[ ٢ / ٢٤٧ ]
والأعظمون قدرا، بهم يحفظ الله حججه التي يودعها في أشباههم، هجم بهم العلم على حقائق الأمور، فباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعر المترَفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلَّقة بالمحلِّ الأعلى. يا كميل، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدُّعاة إلى دينه. هاه هاه شوقا إليهم وإلى رؤيتهم، وأستغفر الله لنا ولهم ".
وعن شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن سعيد بن المسيَّب، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: " إنَّ من حقِّ العالِم أن لا تُكثر عليه السؤال، ولا تُعَنِّته في الجواب، ولا تلحّض عليه إذا كَسَل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تُشير إليه بيدك، ولا تُفشي له سِرّا، ولا تَغتابَنَّ عنده أحدا، ولا تَطلُبَنَّ عَثرتَه، فإن زلَّ انتظرتَ أوبَتَه، وقبلتَ معذِرته، وأن تُوقِّره، وتُعظِّمه لله، ولا تمشي أمامه، وإن كانت له حاجة سَبَقْتَ القوم إلى خدمته. ولا تَتَبَرَّمنَّ من طول صُحبته. فإنما هو بمنزلة النَّخلَة، تنتظر ما سقط عليك منها منفعة. وإذا جئت فسلِّم على القوم، وخصه بالتحية، واحفظه شاهدا وغائبا. وليكن ذلك كله لله، فإن العالِم أعظم أجرا من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله تعالى. وإذا مات العالِم انثلمت في الإسلام ثلمة إلى يوم القيامة، لا يسدُّها إلا خَلَفٌ مثله. وطالب العلم تُشيِّعه الملائكة من السماء ".
وقال ﵁: " رحِم الله عبدا سمِع فوَعَى، ودُعي إلى الرشد فدنا، وأخذ بحُجزة هُدى فنجا، وراقب ربَّه، وخاف ذنبه، وقدَّم خالصا، وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محضورا، وكابر هواه، وكذب مُناه، وحذِر أجلا، ودأب عَمَلا. وجعل الصبر رغبة حياته، والتُّقى جنَّة وفاته ".
وقال لرجال من أصحابه: " كيف أنتم؟ قالوا: نرجو ونخاف. قال علي: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه. وما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يتركها لما يخاف، وما أدرى ما رجلٍ نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو ".
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وقال، ﵁: " يأتي على الناس زمان لا يقرِّب فيه، إلا الملاح، ولا يظرف فيه إلا الفاجر، ولا يضعَّف فيه إلا المنصف. يتَّخذون الفيء مغنما، والصدقة مغرما، وصلة الرَّحم منًّا والعباد استطالة على الناس. فعند ذلك يكون سلطان النساء، ومشاورة الإماء، وإمارة الصبيان ".
وقال له، ﵁ قائل: " أين كان ربُّك قبل أن يخلق السماء والأرض؟ قال: يا أعرابيُّ، أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان ".
وقال: " سيأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خرائب من الهدى علما، وهم شرُّ من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود ".
وقال، ﵁: " لا يزال الدين والدنيا قائمان ما دام العلماء يستعملون ما علموا، والجهّالُ يستكثرون ما لم يعلموا، والأغنياء لا يبخلون بما خُوِّلوا، والفقراء لا يبيعون آخرتهم بدنياهم ".
وقال، ﵁: " قطيعة العاقل تعدل صلة الجاهل ". وقال: " من سعادة المرء خمس أشياء: أن تكون زوجته موافقه، وأولاده، أبرارا، وإخوانه أتقياء، وجيرانه صالحين، ورزقه في بلده ".
ويروى أن عليا، ﵁، لما رجع من صفِّين، فدخل أوائل الكوفة، إذا هو بقبر. قال: " قبر من هذا؟ " قالوا: " قبر خبَّاب بن الأرتِّ. فوقف عليه وقال: " رحم الله خبابا، أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا،
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وأبتلي في جسمه أحوالا. ولم يضيع الله أجر من أحسن عملا ".
ثم مضى فإذا أقبر، فجاء حتى وقف عليها، فقال: " السلام عليكم أهل الدِّيار الموحشة، والمحالِّ المقفرة. أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم عمَّا قليل لاحقون. اللهمَّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم طوبي لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله تعالى ".
ثم قال: " يا أهل القبور، أما الأزواج فقد نكحت، وأما الدار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت. فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ".
ثم التفتَّ إلى أصحابه فقال: " أما انهم، تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التَّقوى ".
وقال الزبير بن بكار: أوصى عليٌّ ﵁، أبنه الحسن فقال: " يا بُنيَّ أوصيك بتقوى الله تعالى في الغيب والشهادة وكلمه الحق في الرِّضى والغضب، والقصد في الغني والفقر والعدل على الصديق والعدوِّ، والعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله ﷿ في شدَّة والرَّخاء. يا بنيَّ مباشر بعدة الجنة بشرٍّ، ولا خير بعده النار بخير. وكلُّ نعيم دون الجنة حقير. وكلُّ بلاء دون الله عافية. اعلم يا بُنيَّ إنَّ من ابصر عيب نفسه شُغل عن عيب غيره. ومن رضي بقسم الله تعالى لم يحزن على ما فاته. ومن سلَّ سيف بغي قُتل به. ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها. ومن هتك حجاب أخيه انكشفت عورات بيته. ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره. ومن أعجب برأيه ضلَّ. ومن استغنى بعقله زلَّ. ومن تكبَّر على الناس ذلُّ. ومن خالط الأنذال احتقر. ومن دخل مداخل السوء أتهمُّ. ومن جالس العلماء وقِّر. ومن مزح استخفَّ به. ومن أكثر شيئا عرف به. ومن كثر كلامه كثر خطؤه، وقل حياؤه ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه ومن قلَّ ورعه مات قلبه. ومن مات قلبه دخل النار. يا بُنيَّ العافية عشرة أجزاء؛ تسع منها في الصَّمت، إلا عن ذكر الله ﷿، وواحدة في ترك مجالسة السُّفهاء. يا بُنيَّ زينة الفقر الصَّبر، وزينة الغنى الشكر. يا بُنيَّ لا شرف أعلى من الإسلام، ولا كرم اعزُّ من التقوى، ولا أنجح من التَّوبة. ولا لباس أجمل من العافية. والحرص مفتاح المقت، ومطيَّة للنَّصب. التدبُّر قبل
[ ٢ / ٢٥٠ ]
العمل يؤمنك الندم. بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد. طوبي لمن أخلص لله ﷿ علمه وحبَّه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وقوله وفعله ".
وعن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده قال: أتى رجل عليَّ بن أبي طالب ﵁، فقال: أخبرني عن القدر. قال: " طريق مظلم فلا تسلكه ". قال: أخبرني عن القدر. قال: " بحر عميق فلا تلجه ". قال: أخبرني عن القدر. قال: " سر الله فلا تكَلَّفْهُ ". قال: ثمَّ ولَّى الرجل غير بعيد ثم رجع، فقال لعلي: في المشيئة الأولى أقوام وأقعد وأقبظ وأبسط. فقال له عليٌّ ﵁: " إني سائلك عن ثلاث خصال، ولم يجعل الله ﷿ لك ولا لمن ذكر المشيئة مخرجا أخبرني: أخلفك الله لما شاء أو لما شئت؟ " قال: بل لما شاء. قال: " أخبرني أفتجيء يوم القيامة كما شاء أو كما شئت؟ ". قال: بل كما شاء. قال: " فليس لك من المشيئة شيء ".
وكان عليٌّ ﵁، يسير في الفيء، بسير أبي بكر الصديق في القسم. وإذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمَّه في يومه ذلك. ويقول: " يا دنيا عُرِّى غيري ". ولم يكنت يستأثر بشيء من الفيء، ولا يخصُّ به حميما ولا قريبا. ولا يخصُّ بالولايات أهل الدِّيانات والأمانات. وإذا بلغه هن أحدهم جناية كتب إليه: " قد جاءتكم موعظة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين. وما أنا عليكم بحفيظ. إذا أتاك كتابي هذا فتحفظ بما في بين يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك ".
ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول " اللهمَّ إنك تعلم إني لم أمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك ".
وعن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن أبي المغيرة بن أبي الهذيل. قال: رأيت عليا خرج وعليه قميص غليظ رازي، إذا مدَّكم قميصه بلغ إلى الظفر، وإذا أرسل صار إلى نصف الساعد.
وحدَّث الحرَّ بن جرْموز عن أبيه قال: رأيت عليا ابن أبي طالب يخرج من
[ ٢ / ٢٥١ ]
مسجد الكوفة وعليه قطريتان، مجزر بالواحدة، مرتد بالأخرى، وإزاره إلى نصف الساق وهو يطوف في الأسواق، ومعه درَّة، يأمرهم بتقوى الله الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان.
وعن مجمع التميمي أبي حمزة أن عليا قسم ما في بيت المال بين المسلمين، ثم أمر به. فكنس، ثم صلَّى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة.
وحدَّث سفيانُ بن عُيينةَ قال: نا عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم عليٍّ مال من أصبهان، فقسمه سبعة أسباع، ووجد فيه رغيفا فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة. ثم أقرع بينهم أيهم يعطى أولا.
وذكر عبد الرزاق عن الثَّوري عن أبي حيَّا التيميِّ قال: رأيت عليَّ بن أبي طالب على المنبر يقول: " من يشتري مني سيفي هذا؟ فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته ". فقام إليه رجل فقال: أنا أسلِّفُك ثمن إزار.
وروى وكيع بن عليِّ بن صالح، عن عطاء قال: رأيت على قميص عليَّ قميص كرابيس غير غسيل.
وقال أبو نيزر: جاء عليٌّ، وأنا أقوم بضيعة عين نيزر والبغيبة فقال لي: " هل عندك من طعام؟. فقلت: طعام لا أرضاه لأمير المؤمنين؛ من قرع الضيعة بهالة نسخة. فقال: " عليٍّ به ". فقام إلى الربيع، وهو جدول، فغسل يده، ثم أصاب من ذلك شيئا، ثم رجع إلى الربيع فغسل يده بالرمل حتى أنقهما، ثم ضمَّ " يديه " كل واحدة منها إلى أختها،
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وشرب بها حسا من الربيع ثم قال: " يأبا نيزر إنَّ الأكفَّ أنظف الآنية ".
ثم مسح ندى ذلك الماء على بطنه، وقال: " من أدخل بطنهُ النار فأبعده ". ثم أخذ المعول وأنحدر في العين فجعل يضرب، وأبطأ عليه الماء، وقد تفضَّج جبينه عرقا. فانتكف العرق على جبينه، ثم أخذ المعول وعاد إلى العين، فأقبل يضرب، فيها وجعل يهمهم، فانثالت كأنَّها عنق جزور، فخرج مسرعا. فقال: " أشهد الله " أنها صدقة. عليَّ بداوات وصحيفة ". قال: فجعلتُ بهما، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدَّق بالضَّيعتين المعروفتين بعين أبي نَيزَر والبُغَيبَغَة على فقراء أهل المدينة وابن السبيل، ليقي الله بهما وجهه حرَّ النار يوم القيامة، لا تُباعا ولا تُوهبا حتى يرثها الله، وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين، فهما طِلْق لهما، وليس لأحد غيرهم ".
قال: فركب الحسين دينٌ، فحمل إليه معاوية بعين أبي نَيْزَر مئتي ألف دينار، فبى أن يبيع. وقال: إنَّما تصدَّق بها أبي ليَقِيَ الله به وجهه حرَّ النار. ولست بائعهما بشيء.
كان أبو نَيزَر من أبناء ملوك الأعاجم. وقيل أنه من ولد النَّجاشيُّ، وهو الصحيح. فرغب في الإسلام صغيرا. فأتى رسول الله ﷺ، وكان معه في بيوته. فلما توفي رسول الله ﷺ صار مع فاطمة وولدها ﵈.
[ ٢ / ٢٥٣ ]