وخرج إليهم ﵁ بمن معه، ورام رجعتهم، فأبوا إلا القتال. وكان
[ ٢ / ٢٦٣ ]
عليٌّ أرسل إليهم عبد الله بن عباس، فاجتمع معهم واحتجَّ عليهم بحُجج من كتاب الله ﷿، ومن فعل النبي ﷺ وفعل أبي بكر وعمر حتى قطعهم: ولم يجدوا جوابا لما قال. فقال بعضهم لبعض: دعوه عنكم ولا تجيبوه، فلن تُطيقوا مخاصمة ابن عباس، فإنه من القوم الذين قال الله تعالى فيهم:) بل هم خصِمون (وقال جلَّ ثناؤه:) وتُنْذِرُ به قومًا لُدًّا (.
وكان فيهم مَن تبيَّن له الحقُّ. فرجع معه منهم من " حَروراء " ألفان إلى الحقِّ. وصدَّقوا ابن عباس فيما قال، ولزموا عليَّا. وأما الباقون فمكثوا على ضلالهم وعنادهم، وهم أهل النهروان، وكانوا ستة آلاف. فقتل منهم علي في النهروان ألفين وثماني مئة في أصحِّ الأقاويل. وقُتل معهم رئيسهم عبد الله بن وهبذو التَّفنات الراسبيُّ الأزديُّ من بني راسب بن مالك بن مَيْدَعَان بن مالك بن نضر ابن الأزد بن الغوث.
ثم جمعوا لعلي بعد ذلك بالنُّخَيلة، فقتلهم أجمعين، ولم يُفلت منهم إلا ثمانيو، ولم يُقتل من عسكر علي غير تسعة. وكان رسول الله ﷺ أخبر عليا خبرهم، وأنه يقتلهم. وآية ذلك أنَّ أحدهم إحدى عَضديه مثل ثدي المرأة. فلما قتلهم عليٌّ أمر بتفتيش المُخْدَج اليد. فلم يوجد، فتغيَّر وجه علي، وقال: " والله ما كَذِبتُ ولا كُذِّبْت، فتشوه ". ففتشوه فوجدوه في وهدة من الأرض بين القتلى. فلما رآه علي كبَّر وحمد الله تعالى.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: بينما نحن عند النبيِّ ﷺ، وهو يقسم قَسما أتاه ذو الخُوَيصِرة؛ رجل من بني
[ ٢ / ٢٦٤ ]
نعيم فقال لرسول الله ﷺ: أعْدِل. قال: " ويلك، ومَن يعدل إذا لم أعدِل! قد خِبتُ وخسِرتُ إن لم أعدِل ". فقال عمر: يا رسول الله، إئذن لي فيه أضرب عنقه. فقال له: " دعه، فإن له أصحابا يحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم. يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يمرَق السَّهم من الرميَّة، ينظر إلى نَصله فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى قُذَذِه، فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظَر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى نَضِّه " وهو قِدْحُه " فلا يوجد فيه شيء. قد سَبَقَ الفَرثَ الدَّمَ. آيتهم رجل أسود، إحدى عضُدَيه مثل ثدي المرأة، أو مثل البَضْعَة، تَدَرْدَرُ، يخرجون على حين فُرقة من الناس ".
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه. فأمر بذلك الرجل فالتُمس في القتلى، فأُتي به، حتى نظرتُ إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته.
وعن يزيد بن أبي زياد قال: سألت سعيد بن جُبير عن أصحاب النهر فقال: حدَّثني مسروق قال: سألتني عائشة، ﵂ وعنهم، فقالت: هل أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ذو الثَّديَة؟ قال: فقلتُ لم أره. ولكن شهد عندي من قد رآه. قالت: فإذا قَدِمتَ الأرض فاكتب إليَّ بشهادة نفر قد رأوه. قال: فجئتُ، والناس أسباع. قال: فكلَّمت من كلِّ سُبع عشرة ممَّن قد رآه. قال: فقلت: كلُّ هؤلاء عدل رضا. فقالت: قاتل الله فلانا، فإنه كتب إليَّ أنه أصابه بمصر.
قال يزيد: وحدَّثني من سمع عائشة، رحمها الله، تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه من شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي ".
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وحدَّث قَطَن بن عبد الله الحُدَّايني قال: حدثني أبي قال: نا أبو غالب قال: كنتُ في مسجد دمشق فجاءوا بسبعين رأسا من رؤوس الخوارج، فنُصب على درج المسجد. فجاء أبو أُمامة، فنظر إليها فقال: كلاب جهنم شرُّ قتلى قُتلوا تحت ظلِّ السماء، وبكى ونظر إلي. قال: فقال: يا أبا غالب، إنك ببلد هؤلاء به كثير. قال: قلت: نعم. قال: أعاذك الله منهم. ثم قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال:) هو الذي أنزل عليكَ الكتابَ مِنهُ آياتٌ مُحكماتٌ هُنَّ أمُّ الكتاب وأُخَرُ مُتشابهاتٌ (إلى قوله:) والراسخون في العلم يقولونَ آمَنَّا به (. قال: قلتُ: يا أبا أُمامة إني رأيتك تغرغرت لهم عيناك. قال: رحمة لهم إنهم كانوا من أهل الإسلام، فخرجوا من الإسلام. فقال له رجل: يا أبا أُمامة، أمِن رأيك تقوله أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: إني إذا لجريء، لقد سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع حتى عدَّ سبع مرات.
أبو غالب روى هذا الحديث عن أبو أُمامة اسمه حَزَوَّر: روى عنه أزهر ابن صالح وابن عيِّنة، وحماد بن زيد. ذكره مسلم صاحب الصحيح في كتاب " الكُنى ". وأبو أُمامة: هو حُدَيُّ بن عجلان الباهليُّ صاحب النبيِّ ﵇.
وروى الأعمش عن ابن أبي أوفى عن النبي ﷺ قال: " الخوارج كلاب النار ". وقال ﵇ فيهم: " طوبى لمن قتلهم أو قتلوه ".