اسمُ قصيٍّ زيدٌ، ويُكنى " أبا المُغبرة "، ويُدعى مُجمِّعًا. قال الشاعر لولد قصيٍّ:
أبوكم قصيٌّ كان يُدعى مُجمِّعًا به جَمعَ اللهُ القبائل من فِهْرِ
ويُروى:
قصيٌّ لَعَمري كان يُدعى مُجمِّعًا
ودُعي مُجمِّعًا لأنه جمع قبائل قريش إلى الحرم، وكانوا متفرقين في كنانة حين أخرج خُزاعة عن مكَّة، وكانوا وُلاتها بعد جُرْهُمٍ. وكان قصيٌّ صاهر مَلكهم حُليلَ بن حُبْشِيَّة بن سلول، كانت عنده حُبَّي بنتُ حُليل، وأعطى مفاتيح الكعبة لأبي غُبشانَ، فباعها من قُصيٍّ بزقِّ خمرٍ وحُلَّةٍ ودراهم. فلذلك تضربُ به العرب المثل فتقول: " أخسر صفقةً من أبي غُبشانَ ".
قال الشاعر:
أبو عُبشان أظلمُ من قصيٍّ وأظلمُ من بني فِهرٍ خُزاعَهْ
فلا تَلْحَوا قُصيًَّا في شِراهُ ولوموا شيخَكمْ إذْ كانَ باعَهْ
[ ١ / ٥٦ ]
وأُمُّ قُصيٍّ وزهرة ابني كلابٍ فاطمة بنتُ سعد بن سيلٍ؛ احد الجدرة من خثعمة الأسد من اليمن. وكانوا خلفاء في بني الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. قال ابن هشام: يقال خثعمة الأسد، وجِعثمةُ الأسد. وهو جِعثمة بن يشكر بن مُبشِّر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث ابن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأَزِد بن الغوث نبتِ بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
واسم سبأ عبدُ شمس. وإنما سُمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، ابن يشجُب بن يعرب بن قحطان.
والجَدَرَةُ: هم بنو عامر بن عمرو بن خزيمة بن جِعثِمة. وكان أبوهم عامرٌ بني جدارًا للكعبة ايام جُرْهم، لأنه كان صِهرهم فسمي " الجادِرَ "، وقيل لولدِهِ " الجَدَرة ".
ونُعمُ بنتُ كِلابٍ: وهي شقيقةُ قُصيٍّ وزُهرة؛ أمُّ سعدٍ وسُعيد، ابني سهم ابن عمرو بن هُصيص بن كعب. وأخوهم لأمهم رِزاحُ بنُ ربيعة بن حرام ابن عُذرة، من قُضاعة. وهو الذي نصر قُصيًا على خزاعة وبني بكر بن عبد مناة ابن كنانة حتى أخرجهم من مكة. وكان قُصيٌّ استنصرهُ، فأتاه فيمن تبعه من قُضاعة في حاجِّ العرب. وهو القائل في إجابته قصيًا:
لما أتى من قصيٍّ رسولٌ فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا إليه نقود الجياد ونطرح عنا الملول الثقيلا
وهذان البيتان من قصيدةٍ له. وقال قصي:
أنا ابنُ العاصمينَ بنِي لؤيٍّ بمكةَ منزلي وبِها رَبِيتُ
[ ١ / ٥٧ ]
إلى البطحاءِ قد علمتْ مَعدٌّ ومَرْوتِها رَضيتُ بِها رَضيتُ
فلستُ لغالبٍ إن لم تَأثَّلْ بها أولادُ قَيذَرَ والنَّبيتُ
رِزاحٌ ناصري وبهِ أُسامي فلستُ أخافُ ضَميًا ما حَييتُ
وكان ربيعة بن حرامٍ أبو رزاحٍ قدم مكة، وزُهرةُ بن كلابٍ يومئذٍ رجلٌ، وقصيٌّ فطيمٌ. فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل؛ أمَّهما. فاحتملها إلى بلاده، فحملت قُصيًا معها، وأقام بمكة زُهرة. فولدت لربيعة رزاحًا. فلما بلغ قُصيٌّ، وصار رجلًا أتى إلى مكة، فأقام بها حتى ملك أمرها، وبلغ شرفُه فيها ما لم يبلغه أحدٌ من آبائه. كانت له الحجابةُ والسِّقايةُ والرِّفادةُ والنَّدوة واللِّواء. فحاز شرف مكة كلَّه.
وكان أول بني كعب بن لؤي أصاب مُلكًا أطاع له به قومُه، واتَّخذ لنفسه دار الندوة، ففيها كانت قريشٍ تقضي أمورها، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة. وكان أمره في قريشٍ كالديِّن المتَّبع ومن بعد موته.
وولد قُصيٌّ عبد منافٍ، وقد تقدَّم ذكره، وعبد العُزَّى، وعبد الدار، وعبدًا. وأمُّهم حُبَّي بنت حُليل بن حُبْشيَّة بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعيِّ. وعمرو هو لُحيٌّ، وهو أبو خُزاعة. فمن بني أسد بن عبد العُزى: عبد الله ويزيد ووهب بنو زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. وهم من الصحابة، وأمهم قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة زوج النبي ﵇. وأبوهم زمعةُ من أصحاب القليب، وجدهم الأسود من المستهزئين الذين كُفيهُم النبيُّ ﵇. وروي أنَّ جبريل رمى في وجهه بورقة فعمي. وكان عبدُ الله من أشراف قريش، وكان يأذنُ على النبي ﵇ بعد في أهل المدينة. روى عنه أبو بكرٍ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام حديث: " مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ". وروى عنه عُروةُ بن الزُّبير حديث ضرب المرأة، والضحكة مع الضَّرطة.
[ ١ / ٥٨ ]
وكانت تحته زينب بنت أبي أم بنيه توفي بها سنة مئتين، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال عنه أبو الفتح محمد بن الحسين الأزديُّ الموصليُّ الحافظ: وكان قاضي الرقة، استقضاه الرشيد، وكان كذابًا متروك الحديث، لا تجاوز اللهُ عنه. ولما مات بلغ ابن مهدي موتهُ قال: الحمدُ لله الذي أراح الناس منه. وكان يطير الحمام للرشيد فقال له يومًا: أتحفظ في الحمام شيئًا؟ فقال حدثني عائشة أن النبي ﷺ كان يطيرها، فقال: اخرج عني لولا أنك من قريش لعزلتك.
وأما يزيد بن زمعة فهو الذي أهوى بالسيف لزينب، فألقت ذا بطنها. وقد ذكرنا قصتها معه قبلُ وأسلم هبارٌ بعد الفتح وحسن إسلامه.
ومن بني اسد: خديجةُ بنت خُويلد بن أسدٍ زوجُ النبي ﵇، والزُبير بنُ العوام بن خُويلد، وحكيمُ بنُ خُويلد، ويكنى أبا خالد.
وكان حكيمٌ من أشراف قريش، وُلد في الكعبة، وذلك أن أمَّه دخلت الكعبة في نسوة من قريش، وهي حاملٌ فضربها المخاضُ، فأتيتْ بنطع فولدت حكيمًا عليه. وكان من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وفرَّ يوم بدر. وكان إذا اجتهد في اليمن قال: " لا، والذي نجَّاني يوم بدر ". وقال حكيمٌ: " ولدتُ قبل الفيل بثلاث عشرة سنةً، وأنا أعقِلُ حين أراد عبدُ المطَّلب أن يذبح ابنه عبد الله، حين وقع نذره، وذلك قبل مولد رسول الله ﷺ بخمس سنين ".
وكان يفعل المعروف في الجاهلية، ويُعتق الرقاب تحنُّثًا. وسأل عن ذلك رسول الله ﷺ بعدما أسلم فقال: " أسلمت على ما أسلفتَ من خيرٍ ". وكان من خيار المؤلفة قلوبُهم. أسلم يوم الفتح هو وبنوه: هشامٌ وعبدُ الله وخالدٌ ويحيى: وله ولبنيه صحبةٌ ورواية. وعاش مئة وعشرين سنةً. وكان
[ ١ / ٥٩ ]
فاضلًا تقيًا سريًا جَوادًا. واعتق موت النبي ﵇ مئة مملوك في يوم واحد، وفي أعناقهم أطواق الفضة.
وشهد حكيم مع أبيه الفِجار الأول والثاني. وفي الفجار الثاني قُتل أبوه حِزامٌ. وباع حكيمٌ دارا له من معاوية بستين ألف دينار. فقيل له: " غبنك معاوية! " فقال: " والله ما أخذتُها في الجاهلية إلا بزق خمر، أُشهدكم أنها في سبيل الله. فانظروا أيُّنا المغبونُ؟ ". ومات حكيمٌ بالمدينة سنة أربع وخمسين.
وهشامٌ: من بنيه، كان من فضلاء الصحابة وخيارهم، ممَّن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان " يقول " إذا بلغه أمرٌ ينكره: " أما ما بقيتُ أنا وهشام بن حكيم فلا يكون ذلك ". قال ابن وهب: وسمعتُ مالكًا يقول: كان هشام بن حكيم كالسائح لم يتخذ أهلًا ولا ولدًا. وحديث عمر مع هشام بن حكيم حين سمعه عمر يقرأ سورة " الفرقان " ذكره مالكٌ في موطَّئه في كتاب الصلاة. ونصُّه: مالكٌ عن ابن شهابٍ عن عروة بن الزُّبير عن الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حِزامٍ يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه. ثم أمهلتُه حتى انصرف، ثم لبَّبتُه بردائه، فجئتُ به رسول الله فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله، إني سمعتُ هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله: " أرسله ". ثم قال: " اقرأ ". فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله ﷺ: " هكذا أُنزلت ". ثم قال لي::اقرأ ". فقرأتها فقال: " هكذا أُنزلت: إنَّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسَّر منه ".
ومن بني أسدٍ فاطمة بنتُ أبي حُبيش بن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى ابن قُصي، وكانت تُستحاضُ. روى عنها عروة بن الزبير، وسمع منها حديثها في الاستحاضة، وهو في الموطأ عن عُروة عن عائشة، ونصُّه: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﵇ أنها قالت: قالت فاطمةُ بنت أبي حُبيش: يا رسول الله، إني لا أطهر فأدعُ الصلاة! فقال لها رسول الله: " إنما ذلك عِرقٌ وليس بالحيضة. فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرُها فاغسلي الدم عنكِ وصلِّي ".
[ ١ / ٦٠ ]
وأخوها السائبُ بنُ أبي حُبيش: له صحبة. وهو معدود في أهل المدينة روى عنه سليمان بن يسار وغيره.
ومن بني أسد ورقةُ بن نَوفلِ بن أسد. وهو ابنُ عمِّ خديجةَ، وأدراكَ مبعثَ النبيِّ ﵇، وقد عُميَ. ولقيهُ ورقةُ، وهو يطوف بالبيت فسأله ورقةُ عن ما رأى ﷺ وما سمع. فقبَّل يأفوخَه، وبشَّرة بالنبِّوة. وخبرُ ورقةَ أشهرُ من أن يذكر.
وأخواه: عدي وصفوان ابنا نوفل. فأما عدي فهو من مُسلمة الفتح، وعملَ لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان على حضر موت. وأمُّه آمنةُ بنت جابر بن سفيان ذكر ذلك الزبير. وأما صفوان وكان من أشراف قريش، وهو الذي قال فيه عمر: " ذاك رجل لا أعلم فيه عيبا، وما أحدٌ بعد رسول الله ﷺ إلا وأنا أقدرُ أن أعيبه ". وقيل إنه قاله في ابنة عبد اللهِ بن السائب، وكان شريفًا أيضا، وسيطا في قومه.
" وكانت عند " المغيرة بن أبي العاصي عمِّ عثمان بن عفان. فولدت له معاوية بن المغيرة. وهي جدة عائشة بنت معاوية بن المغيرة، أم عبد الملك بن " مروان " وبسرة هذه من المبايعات. ورَوى عنها من الصحابة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط، وروى عنها مروان بن الحكم و) سعيد بن المسيَّب (.
ومنهم الحَولاء بنت تُوضيت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي. هاجرت إلى رسول الله ﷺ) وكانت كثيرة (العبادة. وفيها جاء الحديث أنها كانت لا تنام، فقال رسول الله ﷺ " إن الله لا يسأم " حتى تسأموا ".
[ ١ / ٦١ ]
وقُتل من كفار بني أسد يوم بدر: زمعة بن الأسود بن المطَّلب بن أسد. اشترك في قتلة حمزةُ وعلي بن أبي طالب وثابت بن الجذع الأنصاري السلمي.
واسمُ الجَذَع ثعلبةُ. وأخوهُ عقيل بن الأسود بن المطلب، قتله حمزة وعلي، اشتركا فيه. وأبُو البَخْتري العاصي بن هشام. ويقال: ابن هاشم بن الحارث ابن أسد قتله المجذَّر بن ذّياد البلويُّ. وكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة. وقال النبيُّ ﵇ يوم بدر: " مَن لقي أبا البختريِّ فلا يقتلْهُ " فجهد المجذَّرُ على أخذه أسيرًا، فلم يقدر عليه إلا يكون مع زميله. فأبى المجذر ذلك، وقال لم يأمر رسول الله بترك قتل أحدٍ إلا لكَ وحدك. فقاتل دون زميله فقتله المجذر.
وابنه الأسود بنُ أبي البختري: أسلم يوم الفتح، وصحب النبي ﵇. وكان من رجال قريش وفي ابنه سعيد بن الأسود قالت امرأة:
ألا ليتَني اَشْري وشاحي ودُملجى بنظرةِ عَينٍ من سعيد بن أسود