وكان كعب مؤمنًا بالله ﷿، وهو أول من قال: أما بعدُ، وأول مَن
[ ١ / ٩٢ ]
أشعر البُدن، وأول من سمَّى العروبة الجمعة. وكان خطيبًا فصيحًا. وولد كعب مُرَّة، وقد تقدم ذكره وذكر ولده، وهو المقدم حقيقا. وكذلك أقدم كل أب من آباء رسول الله ﷺ في عمود نسبه على إخوته، وعَديِّا وهُصيصًا. فأُّ مرة وعديٍّ وهُصيص وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر.
فمن بني عدي: عمر بن الخطاب، وسعيد بن زيد، ونُعيم بن عبد الله بن أسد بن عوف بن عبيد بن عَويج بن عدي بن كعب. ونُعيم: هو النحَّام، لأن النبي ﵇ قال: " دخلتُ الجنةَ فسمعتُ نَحِمةً من نُعيم فيها ". والنَّحمة: السَّعلة. وقيل: النَّحمة والنحنحة الممدود آخرها، فسمي بذلك " النَّحام ". وكان نُعيم قديم الإسلام. يقال: إنه أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر بن الخطاب ﵁. وكان يكتم إسلامه. ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة، لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي ويمونهم. فقالوا: أقم عندنا على أيُّ دين شئت، وأقم في ربعك واكفنا ما أنت كافٍ من أراملنا. فوالله لا يتعرض لك أحدٌ إلا ذهبت أنفسنا جميعًا دونك. وكانت هجرة نُعيم عام خيبر. وقيل: بل هاجر أيام الحديبية. وقال الواقديُّ ذلك وزاد: وشهد مع النبي ﵇ ما بعد ذلك من المشاهد. وقُتل يوم اليرموك شهيدًا في رجب سنة خمس عشرة.
ومنهم مُطيع بن الأسود بن حارقة بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج بن عديِّ بن عديِّ بن كعب. مات مطيع بالمدينة في خلافة عثمان ﵁. ورَوى عن النبي ﷺ ما ذكره مسلم. فقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا عليٌّ بن مُسهر ووكيع عن زكرياء عن الشعبيِّ قال: لأخبرني عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول يوم فتح مكة: " لا يقتلُ قرشيٌّ صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ". وقال: نا أبن نُمير قال: نا أبي قال: نا زكرياءُ بهذا الإسناد وزاد، قال: ولم يكن أسلم أحدٌ من عُصاة قريش غير مُطيع، كان اسمه العاصي، فسماه رسول الله ﷺ مُطيعًا.
[ ١ / ٩٣ ]
وابنه عبد الله بن مطيع: من جلَّة قريش شجاعة وجلدًا وقُتل مع ابن الزبير. وكان على قريش أميرًا يوم الحَرَّة. ذكر ذلك الواقديُّ: فلما هُزم أهل الحرة هرب ولحق بمكة. فلما حصر الحجاج ابن الزبير جعل عبد الله بن مطيع يقاتل ويقول:
أنا الذي فَررتُ يوم الحَرَّة والحرُّ لا يفرُّ إلا مَرَّه
لأجْزِينَّ كرَّةً بِفرَّه
وأمر عبد اله بن مطيع في الحرة مشهورٌ. وورد في صحيح مسلم منه ما نصُّه: مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبريُّ قال: نا عاصم، وهو ابن محمد بن زيد عن زيد بن محمد، عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مُطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادةً. فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من خلع يدًا من طاعةٍ لقِيَ الله ﷿ يوم القيامة لا حُجَّة له. ومن مات وليس في عنقهِ بيعة مات مِيتة جاهلية ". وكان على الأنصار يوم الحرَّة أميرًا عبد الله بن حنظلة الغسيل بن أبي عامر عبد عمرو الراهب بل الفاسق بن صَفيَِ بن نعمان بن مالك بن أمة بن ضُبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس أخي الخزرج. وحنظلةُ أبوه: هو " غسيل الملائكة "، استشهد يوم أُحد. وتُوفي رسول الله ﷺ وعبد الله بن حنظلة ابن سبع سنين، وروى عنه.
وقال أبو عمر بن البرِّ: أحاديثه عندي مُرسلة. وقُتل يوم الحرَّة سنة ثلاث وستين. وكانت الأنصار قد بايعته يومئذ، وكان مقدمًا فيهم، خيِّرًا فاضلًا. ومما يحقق بيعة الأنصار له يوم الحرَّة ما ذكره مُسلم فقال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنا المخزومي قال: وهيب قال: نا عمرو بن يحيى عن عبَّاد بن تميم،
[ ١ / ٩٤ ]
عن عبد الله بن زيد، قال: أتاه آت فقال: هذاك ابن حنظلة، يبايع الناس. فقال: على ماذا؟ قال: على الموت. قال: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله ﷺ.
قال المؤلف غفر الله له ورحمه: عبد الله بن زيد الذي أتاه الآتي عن ابن حنظلة من أصحاب رسول الله ﷺ، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مَبذول بن عمرو بن غَنم بن مازن بن النَّجار.
واسم النَّجار تيم الله بن ثَعلبة بن عمرو بن الخزرج، أخي الأوس من بني مازن بن النجار: شهد أحدًا ولم يشهد بدرًا. وهو المشترك في قتل مُسيلمة. وعَبَّاد بن تميم الراوي عن عبد الله بن: هو ابن أخيه تميم بن زيد بن عاصم. وعمرو بن يحيى الراوي عن عبّادٍ: هو عمرو بن يحيى المازنيُّ شيخ مالك، روى عنه مالك في الموطأ أربعة أحاديث، أحدها مُرسل. وعبد اله بن زيد جدُّ عمرو بن يحيى لأمِّه، وهو روى عنه حديث صفة وضوء رسول الله ﷺ في الموطأ وغيره.
وهو عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن. ولجدِّه عُمارة صحبة ورواية. وأبو جدِّه عمارة أبو حسن كان عَقبيًَّا بدريا. واسم أبي حسن تميم بن عمرو من مازن بن النجار. وقيل: اسمُه كُنيتُه ولا اسم له غير ذلك. وقُتل عبد الله ابن زيد يوم الحرَّة ﵁ ولا رَحَم قاتله.
وولد هُصيص عَمرًا. فولد عمرو سهما وجمح. فمن سهم خُنيس بن حُذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم. وكانت تحته حفصة بنت عمر قبل النبي ﵇. وأخواه عبد الله وقيس. وكانت في عبد الله دُعابة. وكلهم من المهاجرين الأولين. وشهد خُنيس وعبد الله بدرًا. ولم يذكر ابن إسحاق عبد
[ ١ / ٩٥ ]
الله في البدريين، وذكر خُنيسًا، وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم بن ثوبان أنَّ أبا سعيد الخُدري قال: كان عبد الله بن حذافة بت قيس السَّهميُّ من أصحاب بدرٍ، وكانت فيه دُعابة. وكان عبد الله رسولَ رسولِ الله ﷺ إلى كسرى بكتابه، يدعوه إلى الإسلام. فمزَّق كسرى الكتاب فقال رسولُ الله ﷺ: " مزَّق الله ملكه ". وقال: " إذا مات كسرى فلا كسرى بعده ".
قال الواقدي: فسُلط على كسرى ابنه سِيرَويْه، فقتله ليلة الثلاثاء لعشرٍ مضين من جمادي سنة سبعٍ. وعبد الله بن حُذافة هذا هو القائل لرسول الله ﷺ حين قال: " سَلُوني عمَّا شِئتم ": من أبي يا رسول الله؟ قال: " أبوك حُذافةُ بن قيس ". فقالت أمُّه: ما سمعت بابن أعقَّ منك! أأَمنت أن تكون أمُّك فارقت ما يفارق نساء الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به.
ومن دُعابة أبي حُذافة عبد الله بن حذافة أنَّ رسول الله ﷺ أمَّره على سرية، فامرهم أن يجمعوا حطبًا ويُقدوا نارًا. فلما أوقدوها أمرهم بالتَّقحم فيها، فأبوا. فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله ﷺ بطاعتي؟ وقال: " من أطاع أميري فقد أطاعني ". فقالوا: ما آمنَّا بالله واتَّبعنا رسوله إلا لننجو من النار. فصوَّب رسول الله ﷺ فعلهم، وقال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال الله: لا تُقتلوا أنفسكم " وهو حديث صحيح الإسناد مشهور.
روى عنه من المدنيين مسعود بن الحكم وأبو سلمة وسليمان بن يسار. وروى عنه من الكوفيين أبو وائل. ومن حديثه ما رواه الزُّهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنَّ عبد الله بن حذافة صلى فجهر بصلاته. فقال له رسول الله ﷺ: " ناج ربِّك بقراءتك يابن حذافة، ولا تُسمعني، وأَسمِع ربك ". ومات في خلافة عثمان. قال ابن لهيعة: توفي عبد الله بن حذافة السَّهمي بمصر، ودُفن في مقبرتها ﵁.
[ ١ / ٩٦ ]
ومن بني سَهم هشام بن العاصي بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم وهو أخو عمرو بن العاصي لأبيه. وكان هشام قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مكة حين بلغهُ مُهاجرُ النبيِّ ﵇ إلى المدينة، فحبسه أبوه وقومه بمكة حتى قدم بعد الخندق على النبيِّ ﵇ المدينة، وكان أصغر سنًا من أخيه عمرو. وكان خيِّرا فاضلا. وسُئل عمرو بن العاصي: من أفضل أنت أ، أخوك هشام؟ فقال: أحدِّثكم عني وعنه: أمُّه بنت هشام بن المغيرة، وأمي سبيَّة. وكان أحبَّ إلى أبيه مني، وتعرفون فراسة الوالد في ولده. واستبقنا إلى الله فسبقني، أمسك عليَّ السِّترة حتى تطهَّرت وتحنَّطت، ثم أمسكت عليه حتى فعل مثل ذلك. ثم عرضنا أنفسنا على الله فَقبله وتركني.
واستشهد هشام بن العاصي بالشام يوم أجنادين في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة. وروى ابن المبارك عن أهل الشام أنه استشهد يوم اليرموك. وقال الواقديُّ: حدثنا عبد الملك بن وهب عن جعفر بن يَعيش، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: حدثني من حضر هشام بن العاصي ضرب رجلًا من بني غسان فأبدى سحرهُ. فكرَّت غسان على هشام فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه، فلقد وطئته الخيل حتى كرَّ عليه عمرو، فجمع لحمه فدفنه.
وأخوه عمرو بن العاصي: أسلم في هدنة الحُديبية هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، كما تقدم قبل. والصحيح أنه قدم على رسول الله ﷺ مسلمًا في صفر سنة ثمانٍ قبل الفتح بستة أشهر، ومعه خالد وعثمان المذكوران، ذكر ذلك الواقديُّ وغيره. وأمَّره رسول الله ﷺ على سريَّة بعثها إلى ذات السلاسل من بلاد قُضاعة، فكتب إلى النبي ﵇ من تلك الغزاة يستمدُّهّ، فأَمدَّه بجيش من مئتي فارس من المهاجرين والأنصار أهل الشرف فيهم أبو بكر وعمر، وأمَّر عليهم أبا عبيدة، وعهد إليه النبي ﵇: " إذا قدمت على عمرو فتطاوعا ولا تختلفا ". فلما بلغ أبو عبيدة عمرًا
[ ١ / ٩٧ ]
سلَّم إليه الإمرة حين خالفه عمرو، وصلَّى خلفه في الجيش كلِّه، وكانوا خمسمئة.
وولَّى رسول اللهُ ﷺ عمرو بن العاصي على عُمان فلم يزل عليها حتى قُبض رسول الله ﷺ. وكان أحد أُمراء الأجناد بالشام. وعمل لعمر وعثمان. ولما قُت عثمان سار إلى معاوية باستجلاب معاوية له، وشهد صفين معه. وكان منه بصفِّين في التحكيم ما هو عند أهل العلم بأيام الناس معلوم. ثم ولاه مصر، فلم يزل عليها إلى أن مات بها أميرًا عليها سنة ثلاث وأربعين. وكان له يوم مات تسعون سنةً، ودُفن بالمُقطَّم من ناحية الفج. وصلى عليه ابنه عبد الله، ثم رجع فصلى بالناس صلاة العيد.
وأمُّه النابغة بنت حرملة: سبيَّة من جلاَّن بن عنزة بن أسد بن ربيعة ابن نزار وكان من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، مذكورا بذلك فيهم. وكان شاعرًا حسن الشعر. حُفظ عنه منه الكثير في مشاهد شتَّى. ومن شعره في أبيات له يخاطب بها عُمارة بن الوليد بن المغيرة عند النجاشي:
إذا المرء لم يترك طعامًا يحبُّهُ ولم يَنه قلبًا غويًا حيثُ يمَّما
قضى وطرًا منه وغادر سُبَّةً إذا ذُكرت أمثالها تملأُ الفما
وخبره مع عُمارة بأرض الحبشة مشهور؛ إذ سعى عمرو بعُمارة إلى النجَّاشيِّ أنه يخلفه إلى أهله، فأَمر به النجاشيُّ فسُحر، فهام مع الوحش وكان عمرو
[ ١ / ٩٨ ]
بن العاصي أحد الدُّهاة في أمور الدنيا المقدَّمين في الرأي والميز والدَّهاء. وكان عمر إذا استضعف رجلًا في رأيه وعقله قال: أشهد أنَّ خالقك وخالق عمرو واحد؛ يريد خالق الأضداد.
ولما حضرته الوفاة قال: اللهمَّ إنك أمرتني فلم أَأتَمر، وزجرتني فلم أنزجر. ووضع يده في موضع الغُلِّ فقال: اللهمِّ لا قويَّ فأنتصر، ولا بريَْ فأعتذر، ولا مُستكبر، لا إله إلا أنت. فلم يزل يردِّدُها حتى مات.
وحدَّث أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطَّحاويُّ عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني صاحب الشافعي قال: سمعت الشافعيَّ يقول: دخل ابنُ عباس على عمرو بن العاصي في مرضه، فسلم عليه وقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت وقد أصلحت من دنياي كثيرًا، وأفسدت من ديني كثيرًا. فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت، والذي أفسدت هو الذي أصلحتُ لفزتُ. ولو كان ينفعني أنْ اطلب طلبتُ. والذي يُنجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمنخنق بين السماء والأرض لا أرقى بيدين، ولا أهبط برجلين. فعِظْني بعظة ٍ أنتفعُ بها يا بْن أخي. فقال له ابنُ عباس: هَيهات يا أبا عبد الله، صار ابنُ أخيك أخاك، ولا تشاء أن تبكي إلا بكيت، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم؟ فقال عمرو على حينها: من حين ابن بضع وثمانين تُقنِّطني من رحمة ربي. اللهمَّ إنَّ ابن عباس يُقنِّطني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى. فقال ابنُ عباس: هيهات يا أبا عبد الله، أخذت جديدًا وتُعطى خَلَقًا. فقال عمرو: مالي ولك يا بن عباسٍ!، ما أُرسل كلمةً إلا أرسلت نقيضتها؟.
وابنه عبد الله بن عمرو بن العاصي: كان يُكنى أبا محمد، وهو الأشهرُ. أمُّه رَيطةُ بنت مُنبِّه بن الحجاج السَّهميَّة. ولم يَعلُهُ أبوه في السنِّ إلا باثنتَي عشرة سنةً. وُلد لعمرو عبد الله وهو ابن اثنتي عشرة سنةً. أسلم قبل أبيه، وكان فاضلًا، حافظًا، عالمًا، قرأ الكتب. واستأذن النبيَّ ﷺ في أن يكتب حديثه، فأذِنَ له. قال: يا رسول الله، أأكتبُ كلَّ ما أسمع منك في الرضى والغضب؟ قال: " نعم، فإني لا أقول إلا حقًا ".
[ ١ / ٩٩ ]
وقال أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ في كتاب " رياضة المتعلمين " ووَلد عبد الله محمدًا، فولد محمد شُعيبًا، وولد شُعيب عمرو بن شعيب، وكان سريًا ربما قسم في المجلس الواحد من صدقة جدِّه خمسين ألفًا، وحُمل عنه الحديث. وفي الموطأ: مالك عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم اسق عبادَك وبهيمتَك، وانشر رحمتَك، وأَحْي بلدَك الميِّت. ولعمرو بن شعيب في صحيح مسلم عن أنس بن مالك حديث: " ما رأيتُ أحدًا كان أرحمَ بالعباد من رسول الله ﷺ ".
وقال مسلم في كتاب الكُنى: أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، روى عن أبيه وطاووس وابن المسيَّب. وروى عنه الزُّهريُّ وداود بن أبي هندٍ. وقال أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين الأزديُّ المَوصلُّي الحافظ في كتاب الضعفاء والمتروكين له: عمرو بن شُعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال أيوب السجستانيُّ: كنت إذا أتيتُ مجلس عمرو بن شُعيب غَطيتُ رأسي حياءً من الناس. قال أبو الفتح: وسمعت عدةً من أهل العلم بالحديث يذكرون أن عمرو بن شعيب، فيما رواه عن سعيد بن المسيَّب وغيره، فهو صدوق. وما رواه عن أبيه عن جدِّه فهي صحيفة يتوارثها آلُ عمرو بن العصي. فما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيجب التوقف فيه.
وكان لعمرو بن العصي ابنٌ اسمه محمد. والعاصي بن وائل أبو هشام وعمرو من المستهزئين الذين كُفيهم النبي ﵇. وفيه أنزل الله تعالى:) إنَّ شانِئَك هو الأبترُ (.
[ ١ / ١٠٠ ]
ومنهم أبو وداعةَ: واسمه الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، وابنه المطلب بن أبي وداعة. وهما من مسلمة الفتح. أُسر أبوه وداعة يوم بدر فافتداه ابنه المطلب.
ومن بني سهم عبد الله بن الزِّبعري بن قيس بن سعد بن سهم الشاعر أمُّه عاتكة بنت عبد الله بن عمرو بن وهب بن حذافة بن جُمح. وكان من أشدِّ الناس على رسول الله ﷺ وعلى أصحاب بلسانه ونفسه. وكان من أشعر الناس وأطبعهم. ويقولون: إنه أشعر قريش قاطبة. قال محمد بن سلام: كان بمكة شعراء، فأبرعهم شعرًا عبد الله بن الزِّبعري ثم أسلم عبد الله عام الفتح بعد أن هرب يوم الفتح إلى نجران، ثم قدم على رسول الله ﷺ، فأسلم، وحُسن إسلامُه. واعتذر إلى النبي ﵇، فقبل عذره. ثم شهد ما بعد الفتح من المشاهد. ومن قوله بعد إسلامه للنبي ﷺ معتذرًا:
يا رسول المليك إنَّ لساني راتق ما فتقتُ إذ أنا بُورُ
إذ أجاري الشيطانَ في سَننِ الغيْ يِ ومَن مال ميلَةُ مَثبورُ
يشهدُ السمع والفؤاد بما قُل ت، ونفْسي الشَّهيد وهي الخبير
أنَّ ما جئتنا به حقُّ صدقٍ ساطعٌ نورُهُ مُضيءٌ مُنيرُ
[ ١ / ١٠١ ]
جئتنا باليقين والصدق والبر رِ وفي الصِّدق واليقين السُّرور
أذهبَ الله ضلَّةَ الجهل عنَّا وأتانا الرخاء والميسُورُ
وقال أيضا يمدح النبيِّ ﵇، ويعتذر إليه:
منع الرقاد بلابل وهموم والليل مُعتلج الرِّواق بَهيم
ممَّا أتاني أنَّ أحمد لامني فيه فبتُّ كأنَّني مَحموم
يا خير من حَملت على أوصالها عَيرانةٌ سُرُحُ اليدين غَشوم
إني لمعتذر إليك من الذي أَسديتُ إذ أنل في الضَّلال أَهيم
أيام تأمُرني بأغوى خُطَّةٍ سَهمٌ وتأمُرني بها مَخْزومُ
وأمدُّ أسباب الرَّدى ويقودني أمر الغواة وأمرُهم مشؤومُ
فاليوم آمنَ بالنبيِّ محمدٍ قلبي، ومُخطيءُ هذه محرومُ
[ ١ / ١٠٢ ]
مضتِ العداوةُ وانقضتْ أسبابُها وأتتْ أواصرُ بيننا وحُلومُ
فاغفر فدَّى لك والديَ كلاهُما وارحم فإنك راحم مَرحومُ
وعليكَ من سِمةِ المليك علامةٌ نورُ أَغرُّ وخاتمٌ مختومُ
أعطاك بعد محبةٍ برهانَه شَرفًا وبرهانُ الإله عظيمُ
وقُتل من المشركين من بني سَهم يوم بدرٍ مُنبِّه بن الحجاج بن عامر بن حُذيفة بن سعد بن سَهم قتله أبو اليَسَر كعبُ بن عمرو أخو بني سَلمة. وابنه العاصي بن مُنبِّه بن الحجاج، قتله عليُّ بن أبي طالب، فيما قال ابن هشام. ونُبيه بن الحجاج أخو مُنبِّه قتله حمزة بن عبد المطلب وسعد بن أبي وقاص اشتركا فيه فيما قال ابن هشام. ومنبِّه نُبيه ابنا الحجاج من المُطعمين.
ومن بني جُمح عثمان بن مَظعون وإخوته: قُدامةُ وعبد الله والسائب شَقائقه. والسائب بن عثمان بن مظعون وهم من خيار الصحابة. إسلامهم قديم، وهاجروا الهجرتين، وشهدوا بدرًا، وهم أخوال أم المؤمنين حفصةَ وأخيها عبد الله ابني عمر بن الخطاب، ﵃.
فأما عثمان بن مظعونٍ فيُكنى أبا السائب بابنه السائب. وأمُّه وأمُّ إخوته قدامة وعبد الله والسائب سُخليةُ بنت العَنْبَس بن أُهبان بن حذافة بن جُمح. قال ابن إسحاق: أسلم عثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاج الهجرتين وشهد بدرًا. وقال ابن إسحاق وسالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله بن مَعمر: كان عثمان بن مظعون أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين، بعدما رجع من بدر. وقيل: إنه مات على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة بعد شُهوده
[ ١ / ١٠٣ ]
بدرًا. فلما غُسل وكفِّن قبَّل رسول الله ﷺ بين عينيه. فلما دُفن قال: " نعمَ السَّلف هوَ لنا عثمانُ بن مظعون ". ولما توفيِّ إبراهيم بن النبي ﵇ قال رسول الله ﷺ: " إلحق بالسلف الصالح عثمان بن مظعون ". ورُوي عنه ﵇ أنه قال ذلك حين تُوفيت زينب ابنته، قال: " إلحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون ". وأعلم رسول الله ﷺ قبره بحجر، وكان يزوره.
وذكر الواقديُّ عن ابن أبي سَبرة عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: كان أول من دُفن ببقيع الغرقد عثمان بن مظعون، فوضع رسول الله ﷺ حجرًا عند رأيه وقال: " هذا قبرُ فَرَطِنا ". وكان عابدًا مجتهدًا من فضلاء الصحابة، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب وأبو ذرٍّ همُّوا أن يختصُوا ويتبتَّلوا فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك وقالسعد بن أبي وقاص: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتُّل، ولو أَذن له، لاختَصينا. وروت عنه عائشة بنت قدامة بن مظعون عن أبيها، عن أخيه عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله، إنه تشُقُّ علينا الغُربة في المغازي، أفتأذن لي يا رسول الله في الخصاء فأَختصي؟ فقال رسول الله ﷺ: " لا، ولكن عليك يا بن مظعون بالصِّيام فإنه مُجفرٌ ".
وكانت تحت عثمان بن مظعون خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مُرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم بن منصور السُّلميَّة ثم الذَّكوانية. وهي أمُّ شريك التي وهبت نفيها للنبي ﵇ في قول بعضهم. وكانت امرأة فاضلةً صالحةً. ويقال فيها: " خُويلةُ " بالتصغير. روى عنها سعد بن أبي وقاص في التعوُّذ بكلمات الله عند النزول في السفر.
[ ١ / ١٠٤ ]
مسلم: حدثنا هارون بن معروف وأبو الطاهر كلاهما عن أبي وهب، واللفظ لهارون قالا: نا عبد الله بن وهب قال: أنا عمرو، وهو ابن الحارث أنَّ يزيد بن أبي حبيب والحارث بن يعقوب حدّثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشجِّ، عن بُسر بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم السُّليمة أنَّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا نزلَ أحدُكم منزلا فليقل: أعوذُ بكلمات اله التامَّات من شرِّ ما خَلق، فإنه لا يضرُّه شيء حتى يرتحل منه ". قال يعقوب وقال القعقاع بن حكيم عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هُريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: " أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات اله التامّات من شرِّ ما خلق لم تَضِرْكَ ".
وروى عن خولة هذه جماعة من التابعين مشاهير. منهم: سعيد بن المسيَّب وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن يحيى بن حبان المازنيُّ الأنصاري من بني مازن بن النجَّار. وهي التي قال لها رسول الله ﷺ، وهو مُحاصر أهل الطائف إذ سألته إن فتح الله عليه الطائف حَلْيَ بادية بنت غيلان أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف: " وإن كان لم يُؤذن لي في ثقيف يا خولة ". فذكرت ذلك لعمر الحديث، وهو مشهور.
وأمَّا قُدامةُ بن مظعونٍ: فكانت تحته صفية بنت الخطاب أخت عمر. وشهد، بعدما شهد بدرًا، سائر المشاهد. واستعمله عمر بن الخطاب على البحرين، ثم عزله، وولى عثمان بن أبي العاصي. وكان سبب عزله أنه شرب الخمر بالبحرين، فسكر، وشهد عليه بذلك الجارود سيِّد عبد القيس وأبو هريرة. فأمر عمر بقُدامة فجُلد، فغاضب عمر قدامة وهجره. ثم اصطلحا بعد في قُفول عمر من حجَّةٍ حجَّها، وقدامة معه، لرؤيا رآها عمر حين نزل بالسُّقيا في تلك الحجَّة، ﵄. وقال عبد الرزاق بن همَّام: نا ابن جُريج قال: سمعت أيوب ين أبي تميمة قال: لم يحدَّ في الخمر أحد من أهل بدرٍ إلا قدامة بن مظعون. وتُوفي قدامة سنة ستٍّ وثلاثين، وهو ابن ثمان وستين.
ومن ولد قدامة بن مظعون عبد الملك بن قدامة: روى عن عبد اله بن دينار، وروى عنه ابن أبي أُويْس قال البخاريُّ في حديثه: تعرف وتنكر.
[ ١ / ١٠٥ ]
وأمَّا عبد الله بن مظعون، فقال الواقديُّ: توفي سنة ثلاثين، وهو ابن ستين سنة. ولاتُحفظ لأحد من بني مظعون رواية إلا لقدامة.
وأمّا السائب بن مظعون: فلم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبيُّ وغيره في المهاجرين البدريين.
وأمَّا السائب بن عثمان بن مظعون: فشهد بدرًا والمشاهد كلَّها. وقُتل، ﵁، وهو ابن بضع وثلاثين سنة يوم اليمامة شهيدًا.
ومن بني جُمح أيضا صفوان بن أُمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جُمح: يكنى أبا وهب. وقيل: يُكنى أبا أمية، وهما كُنيتان له مشهورتان. وفي الموطأ لمالك عن " ابن " شهاب أن رسول الله ﷺ قال لصفوان بن أمية: " انزل أبا وهب ". وذكر ابن إسحاق " عن أبي " جعفر محمد بن علي أن النبيَّ ﷺ قال لصفوان بن أمية: " يا أبا أمية ". وقُتل أبو أمية بن خلف ببدرٍ وهو من المطعمين. قال ابن إسحاق وحدثني عبد الواحد بن أبي عونٍ " عن " سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال لي أمية بن خلف: وأنا بينه وبين قال المؤلف وفقه الله: يعني يوم بدر، بعدما استَلبَ عبد الرحمن أدراعًا وهو يحملها، ومرَّ بأمية وابنه علي. ودعاه أمية بما اتفقا عليه بمكة من الاسم، وأمرَهُ بطرح الأدراع، وأن يأخذه أسيرا مع ابنه، فهو خير له منها: يا عبد الإله، من الرجل منكم المًعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يعذِّب بلالًا بمكة على ترك الإسلام، فيُخرجه إلى رمضاء مكة إذا حَميتِ الشمسُ، فيُضجعهُ على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتُوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا أو تُفارق دين محمد فيقول بلال: أحدٌ أحدٌ. قال: قلتُ: أي بلال، بأسيريَّ! قال: لا نجوت إن نجا. قال: قلت: أتسمع يا بن السوداء؟ قال: لا نجوتُ إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت
[ ١ / ١٠٦ ]
إن نجا. فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المَسَكة، وأنا أذب عنه. قال: فأجلف رجل السيف فضرب " رجل " ابنه، فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط. قال: فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء به، فوالله " مارُعْتَنى " عنك شيئا. قال: فهَبَرُوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: يرحمُ الله بلالًا، هبت أدراعي وفجعني بأسيريَّ.
قال ابن هشام: قتل أميةَ بن خلف معاذ بن عَفراء وخارجةُ بن زيد وخُبيب بن إسافٍ، اشتركوا فيه. وقال ابنُ إسحاق: قَتل ابنهُ عليَّ بن أمية عمَّار بن ياسرٍ. وهرب صفوان بن أمية يوم الفتح، وفي ذلك يقول خَناس بن قيس البلويُّ يخاطب امرأته فيما ذكر ابن إسحاق وغيره.
إنك لو شهدت يوم الخَندمه
إذ فرَّ صفوانٌ وفرَّ عكرمه
واستقبلتْنا بالسيوف المُسلمه
يَقطعن كلَّ ساعدٍ وجُمجمَه
ضربًا فلا تَسمع إلا غَمغمه
لهم نبيبٌ خَلفنا وهمهمه
لم تَنطقي في اللمِ أدنى كَلمَه
ثم رجع صفوان إلى رسول الله ﷺ، فشهد معه حُنينًا والطائف، وهو كافرٌ وامرأته مسلمة، وهي فاختةُ بنت الوليد بن المغيرة أخت خالد بن الوليد. أسلمت يوم الفتح قبل صفوان بشهرٍ قاله داود بن الحُصين شيخ مالك، وأقرَّا على نكاحهما. وكان عُمير بن وهب قد اسْتأمن لصفوان رسول
[ ١ / ١٠٧ ]
الله ﷺ حين هرب يوم الفتح وذهب إليه، وهو يريد أن يركب البحر برداء رسول الله ﷺ أو ببرده، فانصرف معه، فوقف على رسول الله ﷺ وناداه في جماعة الناس: يا محمد، إنَّ هذا وهب بن عُمير يزعم أنك أمَّنتني على أسير شهرين. فقال له رسول الله ﷺ: " أَنزِلْ أبا وهب ". فقال: لا، حتى تُبين لي. فقال رسول الله ﷺ: " أَنزِل، فلك تسييرُ أربعة أشهر ".
وخرج معه إلى حُنين، فاستعاره رسول الله ﷺ سلاحًا، فقال: طوعًا أو كرها؟ فقال: " بل طوعا عاريَّةً مضمونةً "، فأَعاره. وأعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين فأكثر. فقال صفوان: أَشهد بالله ما طابت بهذا نفس إلا نفس نبيٍّ فأَسلم وأقام بمكة. ثم إنه قيل له: من لم يهاجر هلك، ولا إسلام لمن لا هجرة له. فقدم المدينة مُهاجرًا، فنزل على العباس بن عبد المطلب، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: " لا هجرة بعد الفتح ". ثم أمره رسول الله ﷺ أن ينصرف إلى مكة، فانصرف إليها، فأقام بها حتى مات. وفي الموطأ في كتاب الحدود: مالك عن ابن شهاب، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان أنَّ صفوان بن أمية قيل له: إنه من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام في المسجد، وتوسَّد رداءه. فجاء سارق فأخذ رداءه. فأَخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول الله ﷺ، فأمر رسول الله ﷺ أن تُقطع يده. فقال صفوان: إني لم أُرِدْ هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة. فقال رسول الله ﷺ: " فهل لا قبل أن تأتيني به؟ ". وكان صفوان بن أمية أحد أشراف قريش في الجاهلية. وكان جوادًا مُطعمًا. وكان يقال له: " سدادُ البطحاء ". وهو أحد المؤلفة قلوبهم، وممَّن حسُن إسلامه منهم. وكان أفصح قريش لسانًا. ويقال إنه لم يجتمع لقومٍ أن يكون مهم مُطعمون خمسة إلا لعمرو بن عبد الله بن صفوان
[ ١ / ١٠٨ ]
بن امية بن خلف. أطعم خلف وأمية وصفوان وعبد الله وعمرو. ولم يكن في العرب غيرهم إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دُليم في الأنصار، فإن هؤلاء الأربعة مُطعمون. وقال معاوية يومًا: من يُطعم بمكة من قريش؟ فقالوا: عمرو بن عبد الله عن صفوان. فقال: بخ، تلك نار لا تطفأ! وقُتل ابنه عبد الله بن صفوان مع ابن الزبير، وذلك أنه كان عدوًّا لبني أمية، وكان أعرج. وتوفي صفوان بن أمية بمكة سنة اثنتين وأربعين في خلافة معاوية. روى عنه ابنه عبد اله بن صفوان وطاووس وغيرهم.
ومن بنات أمية بن خلف التَّوءمة: ولدت مع أختها التوءمة في بطن. فسميت تلك باسمٍ، وسميت هذه " التوءمة ". وهي مولاةُ صالح بن أبي صالح مولى التوءمة، وهي أعتقت أبا صالح. واسم أبي صالح يسار. روى صالح عن أبي هريرة. وبقى حتى توفي سنة خمس وعشرين ومئة. والورقاء
ومنهم عُمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمح، وهو ابنُ عم صفوان بن أمية لحًَّا. ويُكنى أبا أمية. وكان له قدر وشرف في قريش. وشهد بدرًا كافرًا. وهو القائل لقريش يومئذ في الأنصار: إني لأرى وجوهًا كوجوه الحيَّات، لا يموتُنَّ ظماءً أو يَقتلون أعدادهم. فلا تَعرضوا لهم بهذه الوجوه التي كأنها المصابيح. فقالوا له: دع هذا عنك. ثم حرَّش بين القوم. وكان أول من رمى بنفسه على فرسه بين أصحاب رسول الله ﷺ، وأنشأ الحرب. وكان من أبطال قريش، وشيطانًا من شياطينها. وهو اذي مشى حول عسكر النبي ﷺ ليحزُر عدده يوم بدر. وأُسر ابنه وهب بن عُمير يومئذ. ثم قدم عُمير المدينة، يريد افتك برسول الله ﷺ. فأخبره رسول الله ﷺ بما جرى بينه وبين صفوان بن أمية في شأنه، فأسلم وحسُن إسلامه، وأطلق له ابنه عُميرا بغير فداء، والخبر بذلك مسطور في السِّير. وهو أحد الأربعة الذين أمدَّ بهم عمر بن الخطاب عمرو بن العاصي بمصر، وهم: الزبير بن العوام، وعُمير ابن وهب الجُمحي، وخارجة بن حُذافة، وبُسر بن أرطأة. وقيل: المقداد موضع بُسر وهو والد وهب بن عُمير، وإسلامه
[ ١ / ١٠٩ ]
كان قبله بيسير. وكلاهما أسلم عقب بدر. وعُمير هو الذي أطلق له رسول الله ﷺ رداءَه إذ جاء يطلب الأمان لصفوان بن أمية، ومات ابنه وهب بالشام مُجاهدًا ﵀.
ومنهم أبو مَحذُورة: واختُلف في اسمه على أن اسم أبي مَحذُورة أوس. وهؤلاء أعلم بطريق أنساب قريش. وهو أوس بن مِعير بن لَوذان بن سعد بن جُمح. هكذا نسبه ابن مَعين.
وقال غيره: أوس بن مِعير بن لَودان بن ربيعة بن عُريج بن سعد بن جُمح. وقال الطبريُّ وغيره: كان لأبي محذورة أخٌ لأبيه اسمه أنيس قُتل يوم بدرًا كافرًا. وأمُّهما امرأة من خُزاعة ولا عَقب لهما. وأسلم مُنصرف رسول الله ﷺ من حنين. وكان أبو محذورة مؤذَِن رسول الله ﷺ بمكة أمره بالأذان، فَأعجبه صوته، فأمر أن يوتى به. فأسلم يومئذٍ، وأمره بالأذان بها. فلم يزل يؤذِّن بها هو وولدُهُ، ثم عبد الله بن مُحيريز ابن عمِّه وولده، فلما انقطع ولد ابن مُحريز صار الذان بها إلى ولد ربيعة بن سعد بن جُميح.
وأبو محذورة وابن مُحيريز من ولد لَوذان بن سعد بن جُمح. قال الزبير: أبو محذورة أحسن الناس أذانًا وأنداهم صوتًا. وقال له عمر يومًا، وسمعه يؤذن: كدت أن تنشق مُر يطاؤك. قال: وأنشدني عمي مصعب لبعض شعراء قريش في أذان أبي محذورة:
أما وربِّ الكعبة المستره
وما تلا محمد من سوره
والنَّغمات من أب محذوره
لأفعلنَّ فِعلةً مَذكوره
[ ١ / ١١٠ ]
المُريطاءُ: ما بين الصدر إلى العانة من البطن قال أبو عمرو: والمريطاءُ تمدُّ وتُقصر. وقال خلف الأحمر: حظُّه القصر. وكان خلف الأحمر عالمًا بالغريب، شاعرًا جيد الشعر كثيره، لم يكن في نُظرائه أحد يقول مثل شعره. وقال الأصمعي: كان خلف الأحمر مولى أبي بُردة بن أبي موسى الأشعري، وأعتقه وأعتق أبويه، وكانا فَرغانيَّين.
وقال ابن مُحيريز: رأيت أبا محذورة صاحب رسول الله ﷺ، وله شَعرةٌ، فقلت: ياعمِّ، ألا تأخذ من شعرك؟ قال: ما كنت لآخذ شعرًا مسح رسول الله عليه، ودعا بالبركة. وتوفي أبو محذورة بمكة سنة تسعٍ وخمسين.
وعبد الله بن مُحيريز ابن عم أبي محذورة، ومن كبار التابعين، مشهور شريف من أشراف قريش من بني جُمح، سكن الشام. وكانت له ثمَّ جلالةٌ في الدين والعلم، يروي عن عُبادة بن الصامت وأبي سعيد الخُدري وأبي محذور ومعاوية. روى عنه الزُّهريُّ، ومكحول، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان. وذكر ضَمرةُ بن ربيعة الفلسطيني أبو عبد الله عن رجاء بن أبي سلمة أبي المقدام، عن رجاء بن حياة الكنديِّ قال: كنا في مجلس ابن مُحيريز إذ أتانا ابن عمر، فلما خرج قال ابن محيريز: إني لأعُدُّ بقاءه أمانًا لأهل الأرض. قال رجاءٌ: وأنا والله كنت أعدُّ بقاء ابن مُحيريز أمانًا لأهل الأرض.
ومات ابن مُحيريز وابن المسيَّب في ولاية يزيد بن عبد الملك، وكانت ولاية الوليد من سنة ستٍ وثمانين إلى سنة ست وتسعين. وقال بان قُتيبة: كنية رجاء بن حياة أبو المقدام، ويقال أبو نصر. وقال جرير بن حازم الجهضميُّ الأزديُّ مولى حمَّاد بن زيد: رأيت رجاء بن حياة ورأسه أحمرُ، ولحيته بيضاء. ومات سنة اثنتي عشرة ومئة.
وحَّث أبو بكر أحمد بن زُهير أبي خَيثمة عن الهيثم بن خارجة البغدادي أبي أحمد عن محمد بن حِمير، عن أبي إسماعيل إبراهيم بن أبي عَبلة الشامي،
[ ١ / ١١١ ]
عن رجاء بن حياة قال: كان أهلُ المدينة يرون عبد الله بن عمر فيهم إمامًا، وإنا نرى ابن محيريز فينا إمامًا.
ومن بني جُمح أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن وأُهيب بن حذافة بن جُمح: كان من أُسارى بدر، وكان شاعرًا، وكان محتاجًا ذا بناتٍ. فكلَّم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد عرفت مالي من مالٍ، وإني لذو حاجةٍ وذو عيال فامنُن عليَّ. فمنَّ عليه رسول الله ﷺ، وأخذ عليه ألا يُظاهر عليه أحدًا. فقال أبو عزة في ذلك يمتدح رسول الله ﷺ، ويذكر فضله في قومه:
مَن مبلغ عني الرسول محمدًا بأنك حق والمليكُ حميدُ؟
وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى عليك من الله العظيم شهيداُ
وأنت امرؤ قد بُؤتَ فينا مَباءةً لها درجات سَهلة وصعودُ
فإنك من حاربته لمحاربٌ شقيٌّ، ومن سالمته، لسعيدُ