ووَلد لؤيُّ بن غالب كعبًا، وقد مضى ذكره، وعامرًا، وسامَةَ، وعوفًا. فأمُّ كعب وعامر وسامة بني لؤيٍّ ماويَّة بنت كعب بن القين بن جَسر بن شَيع الله. ويقال: جسر بن سُبع الله من قُضاعة. وقيل: امُّ عامرٍ مخشيَّةُ بنت شيبان ابن محارب بن فهر. وقيل: ليلى بنت شيبان. ولم يذكر ابن إسحاق اسم أمِّ عوف بن لؤي. وهؤلاء المشاهير من ولد لؤي في ابن إسحاق. وقال ابن
[ ١ / ١١٢ ]
هشام: ومن بنيه الحرث بن لؤي، وهم جُشم بن الحرث في هِزَّان من ربيعة. قال جرير:
بني جُشم لستُم لهِزَّان فانتموا لأعلى الرَّوابي من لؤيِّ بن غالب
ولا تنكحوا في آل ضَورٍ نساءكم ولا في شكَيسٍ بئس مثوى الغرائب
وسعدُ بن لؤي: وانتسب والده في شيبان بن ثعلبة بن عُكابة بن مصعب بن علي بن بكر بن وائل، من ربيعة. وقيل: إن سعد بن لؤي هو أبو ولد بُنانة رهط أبي محمد ثابت بن أسلم البُناني، ونُسب ولده إليها وسمع ثابت البُناني ابن عمر وأنس بن مالك وابن الزبير. وروى عنه شُعبةث وحمَّاد بن زيد وحماد بن سلمة. وخثزيمة بن لؤي، وخزيمة وبنوه وهم عائذة في سيبان بن ثعلبة أيضا. وعائذة امرأة من اليمن، وهي أمُّ بني عُبيد بن خزيمة بن لؤي.
فأما عامر بن لؤي فمن بنيه السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ ابن نضر بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤي: ومات مهاجرًا بأرض الحبشة. وكانت تحته سودة بنت زَمعة، فَخلف عليها رسول الله ﷺ بعده.
وسَليط وأبو خاطب وسهيل بنو عمرو وإخوته. فأما سليط فكان من المهاجرين الأولين، ممَّن شهد الهجرتين. وذكره موسى بن عُقبة فيمن شهد بدرًا، ولم يذكره غيره في البدريين. وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى هَوذة بن علي الحنفي، وإلى ثُمامة بن أُثال الحنفيِّ، وهما ربييا اليمامة،
[ ١ / ١١٣ ]
وذلك في سنة ستٍّ أو سبع. وأما خاطب فذكره أبن إسحاق في المهاجرين إلى أرض الحبشة. وأما سُهيل بن عمرو فكان من أسرى بدرٍ، وعلى يديه كان صلح الحُديبية. وأسلم يوم الفتح، فحسن إسلامه. وقُتل يوم اليرموك شهيدًا. وقيل: مات في طاعون عَمَواس، والأول أشهر. وكان خطيبًا فصيحًا عاقلًا شريفًا، من خيار مُسلمة الفتح، ﵁.
وابنه عبد الله بن سهيل بن عمرو: أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية في قول ابن إسحاق ومحمد بن عمر. ثم رجع إلى مكة فأخذه أبوه فأوثقه عنده، وفَتنه في دينه. ثم خرج مع أبيه سُهيل بن عمرو إلى بدرٍ. وكان يكتمُ أباه إسلامهُ. فلما نزل رسول الله ﷺ بدرًا انحاز من المشركين، وهرب إلى رسول الله ﷺ مُسلمًا، وشهد معه بدرًا والمشاهد كلَّها. وكان من فضلاء الصحابة. وكان أحد الشهود في صلح الحديبية. وهو أسنُّ من أخيه أبي جندل. وعبد الله أخذ الأمان لأبيه سهيل يوم الفتح. واستشهد عبد الله يوم اليمام، وهو ابن ثمان وثلاثين سنةً، ويكنى أبا سُهيل.
وأخوه أبو جندل بن سهيل: أسلم بمكة، فطرحه أبوه في حَديده. فلما كان يوم الحديبية جاء يوسف في الحديد إلى رسول الله ﷺ. وكان أبوه سهيل قد كتب في كتاب الصلح: أن من جاءك منا تردُّه علينا. فخلاَّه رسول الله ﷺ، لذلك أفلت بعد ذلك أبو جندل، فلحق بأبي بصير عُتبة بن أسد الثقفيِّ. وكان معه في سبعين رجلًا من المسلمين بالعيص من ناحية " ذي المروة " يقطعون على من مرَّ بهم من عِير قريش وتجارتهم، وكانت طريق قريش إلى رسول الله ﷺ تسأله بأرحامها إلا آواهم، فلا حاجة لهم بهم. فضمَّهم إليه ﷺ.
[ ١ / ١١٤ ]
وقال أبو جندلٍ، وهو مع أبي بصير:
أبلغ قريشًا عن أبي جندل أنَّا بذي المروة بالسَّاحل
في معشر تخفقُ أيمانهم بالبيض فيها والقنا الذَّابل
ولم يشهد أبو جندل شيئًا من المشاهد قبل الفتح. قال موسى بن عقبة: لم يزل أبو جندل بن سهيل وأبوه مجاهدين بالشام حتى ماتا، يعني في خلافة عمر.
ومن بني عامر بن لؤي عبد الله بن مَخرمة بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عبد ودِّ بن نصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي، يكنى أبا محمد في قول الواقدي. أمه نَهيك بنت صفوان من بني مالك بن كنانة آخى رسول الله ﷺ بينه وبين فَروة بن عمرو بن وَدفة بن عبيد ابن عامر بن بياضة البياضيِّ الأنصاريِّ الخزرجي. وشهد فروة هذا بيعة العَقبة مع السبعين، ثم شهد بدرًا وسائر المشاهد. وحديثه عن النبي ﷺ: " لا يَجْهرْ بعضُكمْ على بعض القرآن " رواه مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التَّيميِّ، عم أبي حازم التَّمَّار، عن البياضيِّ، ولم يسمِّه في الموطأ في هذا الحديث. وكان محمد بن وضاح وإبراهيم بن مُزَين يقولان: إنما سكت مالك عن اسمه لأنه كان ممَّن أعان على قتل عثمان، ولا وجه لما ذكراه من ذلك، ولم يكن لقائل هذا علم بما كان من الأنصار يوم الدار.
ولم يُختلف في اسم البياضي: وبياضةُ في الأنصار هو بياضة بن عامر بن زُريق بن عبد حارثة بن مالك بن عَضب بن جُشم بن الخزرج أخى الأوس. واسم أبي حازم التَّمَّار: دينار، وهو مولى الأنصار. وقيل: اسمُه يسار، مولى قيس بن سعد بن عُبادة. وقيل: هو مولى أبي رُهم كلثوم بن حُصين الغِفاريِّ.
[ ١ / ١١٥ ]
وكان عبد الله بن مخرمة العامري من المهاجرين الأولين، وشهد بدرًا وسائر امشاهد. وقال الواقديُّ: هاجر عبد الله بن مخرمة العامريُّ الهجرتين جميعًا. واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة، وهو ابن احدى وأربعين سنة. رُوى عنه أنه دعا الله ﷿ ألا يُميته حتى يرى في كلِّ مفصل منه ضربةً في سبيل الله. فضُرب يوم اليمامة في مفاصله، واستشهد. وكان فاضلًا عابدًا. وقال عبد الله بن عمر: أتيتُ على عبد الله بن مخرمة صريعا يوم اليمامة، فوقفت عليه فقال: يا عبد الله بن عمر، هل أفطر الصائم؟ قلت: نعم. قال: فاجعل في هذا المجنِّ ماءً لعلِّي أُفطر عليه. قال: فأَتيت الحوض وهو مملوء دمًا، فضربته بحجفةٍ معي، ثم اغترفت فيه، فأتيتهُ به، فوجدتهُ قد قضى.
ومن ولدهِ أبو نَوفل عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة. قال مُسلم في الكُنى له: روى عن عبد الملك بن نوفل سُفيان بن عُيينةَ قال: وروى أبوه نوفل بن مُساحق عن سعيد بن زيد، وروى عن نوفل عمر بن عبد العزيز ﵁.
قال المؤلف أصلحه الله: سعيد بن زيد الراوي عنه نوفل بن مُساحق أحد العشرة الكرام ﵃. وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل ابن عم عمر بن الخطاب بن نُفيل ﵄.
وعبد الملك بن نوفل: يُعرف بالمُساحقي، نُسب إلى جدِّه مُساحق بن عبد الله. ويروى عن أبيه، عن سعيد بن زيد وعن كَيسان أبي سعيد المقْبُريِّ، عن هاشم بن عتبة المرقال الزهريِّ.
ومن بني عامر حُويطب بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وهو من مُسلمة الفتح. وعاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام. وكان من صُلحاء المؤلفة قلوبُهم. وهو عمُّ عبد الله بن مخرمة: وعمُّ حُويطب عمرو بن عبد ودٍّ قتيل علي يوم الخندق. وقال له مروان بن الحكم يومًا تأخَّر إسلامُك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث؟؟! فقال
[ ١ / ١١٦ ]
له حُويطب: والله لقد أردت الإسلام مرارًا، فكان أبوك يُثبِّطني، ويسفِّه رَأيي، ويقول لي: تترك دينك ودين آبائك لدين محدثٍ؟ فكأنما ألقم مروان حجرًا. ثم قال له: أما بلغك ما لقي عثمان من أبيك حين أسلم من المكروه والأذى؟. فازداد مروان غمًا ولم يُحر جوابًا.
وتوفي حُويطب سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية. وابنه أبو سفيان بن حُويطب: أسلم أيضا يوم الفتح، وقُتل يوم الجمل.
ومنهم عبد الله بن أم كلثوم الأعمى: وأمُّه، أمُّ مكتوم، اسمُها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثةَ بن عامر بن مخزوم، وقيل: اسمه عمرو. وقال محمد بن سعد كاتب الواقديِّ: أما أهل المدينة فيقولون: اسمه عبد الله، وأما أهل العراق فيقولون: اسمه عمرو. ثم جمعوا على أنه ابن قيس بن زائدة بن الأصمِّ. والأصمُّ: هو جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر ابن لؤي. وهو ابن خال خديجة بنت خويلد، أخي أمِّها، وهو قديم الإسلام. وقدم المدينة مع مُعصب بن عُمير قبل النبيِّ ﵇. وقال الواقديُّ: قدمها بعد بدرس بيسير. وكان يؤذِّن للنبيِّ ﵇ مع بلال.
مالك عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إنَّ بلالًا ينادي بليل: فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمِّ مكتوم ". وشهد فتح القادسية. وكان معه اللواء يومئذ. قال أنس بن مالك: رأيت يوم القادسية عبد الله بن أمَّ مكتوم الأعمى، وعليه درع يجُرُّ أطرافها، وبيده راية سوداء. فقيل له: أليس قد أَنزل اللهُ عُذرك؟ قال: بلى، ولكني أُكثِّرُ المسلمين بنفسي. ورُويَ أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل الله؟.
وقُتل شهيدًا بالقادسية. وقال الواقديُّ: رجع ابن أمِّ مكتوم من القادسية إلى المدينة فمات، ولم يُسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب. واستخلفه رسول الله ﷺ ثلاث عشرةَ مرةً في غزواته. وفي شأنه نزلت:) عبس وتولَّى (.
الترمذي: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويُّ: حدَّثني أبي قال: هذا ما عَرضنا على هشام بن عُروة عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلَ) عبس وتولى (في ابن أمِّ مكتومٍ الأعمى، أتى رسول الله ﷺ، فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني. وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يُعرض عنه ويُقبل على الآخر، ويقول: " أترى بما أقول بأسًا؟ ". فيقول: لا. ففي هذا أُنزل. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وروى بعضهم هذا الحديث عن هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: أُنزل) عبس وتولى (
[ ١ / ١١٧ ]
في ابن أمِّ مكتوم، ولم يذكر فيه شيئًا عن عائشة.
قال المؤلف، وفَّقه الله لطاعته: وكذلك وقع في الموطَّأ عن عروة، ولم يذكرهُ عن عائشة. مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أُنزلت) عبس وتولى (في عبد الله بن أمِّ مكتوم، جاء إلى رسول الله، فجعل يقول: يا محمد، استَدْنِني. وعند النبيِّ ﷺ رجل من عظماء المسلمين. فجعل النبيُّ ﷺ يُعرض عنه، ويُقبل على الآخر، ويقول: " يا أبا فلان، هل ترى فيما أقولُ بأسًا؟ "، فيقول: لا لا أرى بما تقول بأسًا. فنزلت) عبس وتولى أن جاءه الأعمى (.
ومنهم أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذيب: واسم أبي ذيب هشام بن شُعبة. وكان أبو ذيب أتى قيصر فسُعى به، فحبسه حتى مات في حبسه. ومحمد بن عبد الرحمن من الفقهاء المُفتين. روى عن الزهريِّ ونافعز وروى عنه الثوريُّ ويحيى بن سعيد القَطَّان. وسأل أبو جعفر المنصور مالكًا: من بقي في المدينة من المَشيخة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ابن أبي ذيبٍ وابن سلمة وابن أبي سبرة.
وابن أبي سلمة الذي ذكر مالك هو عبد اله عبد العزيز بن عبيد الله ابن أبي سلمة الماجَشون، ومات ببغداد سنة ستين ومئة، ودُفن في مقابر قريش. هكذا ذكر الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازيُّ في " طبقات الفقهاء ". ومات ابن أبي ذيب بالكوفة. قال أحمد بن حنبل: مات سنة تسع
[ ١ / ١١٨ ]
وخمسين ومئة. وهو ابن سبعٍ وسبعين سنةً. وقال ابن أبي فُديك: مات سنة ثمان وخمسين ومئة.
ومنهم أبو سَبرة بن أبي رُهم بن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عبد وُدَّ بن نصر بن مَلد بن حسل بن عامر بن لؤي: هاجر الهجرتين جميعًا، وكانت معه في الهجرة الثانية في قول ابن إسحاق والواقديِّ امرأته أمُّ كلثوم بنت سُهيل بن عمرو. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سَلمة بن سلامة بن وقش بن زُغبة بن زعُوراء بن عبد الأشهل بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس أخى الخزرج.
وشهد سلمة العقبة مع السبعين، ثم شهد بدرًا. وهو القائل للأعرابي الذي لقي النبيَّ ﷺ، وهو بِعرق الظُّبية سائرًا إلى بدر، وقال له: إن كنت رسول الله فأخبرني عمَّا في بطن ناقتي هذه. لا تسأل رسول الله، وأقبل عليَّ فأنا أُخبرك بذلك..نزوت عليها، ففي بطنك منها نغلة. فقال رسول الله ﷺ: " مَه فَحَشتَ على الرجل ". ثم أعرض عن سلمة.
ورضي اله عن سلمة فإنه من البدريين الذين قال رسول الله ﷺ فيهم لعمر بن الخطاب لمَّا قال في شأن حاطب بن أبي بلتعة اللخميِّ ما قال: " وما يُدريك يا عمر؟ لعلَّ الله اطَّلع على أصحاب بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم ".
وشهد أبو سبرة بن أبي رُهم بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع النبي ﵇. وامُّه بَرَّة بنت عبد المطلب، فهو أخو أبي سلمة بن عبد الأسد لأمِّه. وتثفي ابو سبرة في خلافة عثمان ﵄.
ومن ولده الفقيه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة. وكان يُفتى بالمدينة مع مالك. وولى القضاء لأبي جعفر. وولي قضاء موسى الهادي بن المهدي، وهو وليُّ عهد فلما مات استُقضيَ أبو يوسف مكانه. وقال أبو بكر: قال
[ ١ / ١١٩ ]
لي ابن جُريج: اكتب لي أحاديث من أحاديثك جيادًا. فكتبتُ له ألف حديث، ودفعتها إليه، ما قراها عليَّ، ولا قرأتُها عليه. ومات أبو بكر سنة اثنتين وستين ومئة، وهو ابن ستين سنةً.
ومن بني عامر بن لؤي عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحرث بن حبيب بن جِزيمة بن حسل بن عامر بن لؤي، يُكنى أبا يحيى. قال ابن الكلبي في نسبه: حبيب بن جَزيمة بالتخفيف. وقال محمد بن حبيب: وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ، ثم ارتدَّ مشركًا، وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أَصرف محمدًا حيث أريد، كان يُملي عليَّ: عزيز حكيم، فأقول: أو عليم حكيم؟ فيقول: " نعم، كلٌّ صواب ".
وأمر النبيُّ ﵇ بقتله يوم الفتح ففرَّ إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فَغَيَّبه عنده، واستأمن له عثمان رسول الله ﷺ بعدما اطمأنَّ أهل مكة، فصمت رسول الله ﷺ طويلًا، ثم قال: " نعم ". فلما انصرف عثمان قال رسول الله ﷺ: " ما صمتُّ إلا ليقوم إليه أحدٌ فيضرب عنقه ". فقال رجل من الأنصار: فهلاَّ أومأت إليَّ يا رسول الله؟ فقال: " إن النبيَّ لا ينبغي أن تكون له خائنةُ الأعين ".
وحسُن إسلامُه بعد ذلك، ولم يُر منه شيء يُنكر عليه. وهو أحد النُّجباء العقلاء الكرماء من قريش. ثم ولاَّه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين. وافتتح إفريقيَّة سنة سبع وعشرين. وكان فارس بني عامر بن لؤي. ولم يبايع لعليٍّ ولا لمعاوية. وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية، فارًّا من الفتنة بعسقلان سنة ستٍ وثلاثين، دعا ربَّه فقال: اللهمَ اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح. فقبض الله روحه حين سلَّم من صلاة الصبح. ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب وغيره.
وولدُهّ عِياض بن عبد الله خرَّج عنه مالك ومسلم وغيرهما. وكان من جلّة التابعين. ونصُّ ما عنه في الموطأ: مالك عن يزيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله ابن أبي سرح العامريِّ أنه سمع أبا سعيد الخُدريَّ يقول: كنا نُخرجُ زكاة
[ ١ / ١٢٠ ]
الفطر صاعًا من طعامٍ أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقِطٍ أو صاعًا من زبيب، وذلك بصاع النبي ﷺ. وأخرج هذا الحديث مسلم عن يحيى بن يحيى التَّميمي، عن مالك بلفظه، ولم يَذكر فيه: وذلك بصاع النبي ﷺ.
وابنه زيدُ بن عِياض: روى عن أبي سعيد الخُدريِّ قال للنبي ﷺ: أليس شهادةُ المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قال: " بلى ". قال: " فذلك من نقصان عقلها ". خرَّج هذا الحديث البخاريُّ، ورواه عن زيد بن عياض محمد بن جعفر..
ومنهم بُسرُ بن أَرطأة بن أبي أرطأة عُويمر بن عمران بن الحُليس بن يسار بن نزار بن مَعيص بن عامر بن لؤي، يكنى أبا عبد الرحمن. قُبض النبيُّ ﷺ وهو صغير. واستعمله معاوية على اليمن أيام صفِّين، وكان عليها عُبيد الله بن العباس لعلي. فهرب عُبيد اله حين أحسَّ ببُسر، ونزلها بسر فقضى فيها القضية الشَّنعاء، بذبحه صَبيِّين صغيرين لعبيد الله بن عباس، ويأتي ذكرهما بعد عند ذكر آل أبي طالب، وهناك أذكر من خبر بسر ما يجب.
ومنهم عمرو بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وكان من أبطال مشركي قريش. قتله عليُّ بن أبي طالب يوم الخندق مُبارزة. وقال لمَّا قتله:
نصر الحجارةَ من سَفاهةِ رأيهِ ونَصرتُ دين محمدٍ بضرابِ
وصَددْتُ حين تركتهُ متجدِّلًا كالجِذع بين دَكادِكٍ وروابِ
[ ١ / ١٢١ ]
وعففت عن أثوابه ولو انَّني كنت المقطَّر بذَّني أثوابي
ولا تحسبنَّ الله خاذل دينه ونبيِّه يا معشر الأَحزاب
وأمَّا أسامة بن لؤي: فخرج إلى عُمان، وكان بها. ويزعمون أنَّ عامر بن لؤي أخرجه، وذلك أنه كان بينهما شيءٌ. ففقأ سامة عين عامر، فأخافه عامر، فخرج إلى عُمان. فيزعمون أن سامة بن لؤي بينا هو يسير على ناقته إذ وضعت رأسها ترتع. فأخذت حيةً بمشرفها فهصرتها حتى وقعت الناقة لِششقِّها، ثم نهشت سامة فقتلته، فقال سامة حين أحسَّ بالموت، فيما يزعمون، من قصيدةٍ:
بلِّغا عامرًا وكعبًا رسولًا أنَّ نفسي إليهما مُشتاقه
إن تكن في عُمان داري فإني غالبيٌّ خرجت من غير فاقه
ربَّ كأس هرقت يا بن لؤيٍّ حذر الموت، لم تكن مُهراقه
رُمت دفع الحتوف يا بن لؤيٍّ ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه
قال ابن هشام: وبلغني أن بعض ولده أتى رسول الله ﷺ فانتسب إلى سامة بن لؤي، فقال رسول الله ﷺ: " آلشاعر؟ ". فقال له بعض أصحابه: كانَّك يا رسول الله أردت قوله:
ربَّ كأسٍ هَرقت يا بن لؤيٍّ حذرَ الموت، لم تكن مُهراقَه
قال: " أجل ".
[ ١ / ١٢٢ ]
ومن موالي بني عامر بن لؤي هلال بن علي بن سامة بن أبي ميمونة. ومن قال فيه: هلال بن " سامة " نسبه إلى جده. وكذلك من قال فيه: هلال بن أبي ميمونة نسبه إلى جدّه. لمالكٍ عته في الموطأ حديث واحد اختصره من حديثه الطويل عن عطاء بن عن عُمر بن الحكم في الجارية.
يعرفون أيضًا بأمهم ناجيةً بنت جُرم بن ربَّان من قضاعة. ويقال للرجل منهم: " ناجي ". منهم أبو المتوكل عليُّ بن داود الناجي وأبو الصديق بكر بن عمر الناجي: وكلاهما من التابعين. روى أبو المتوكل عن ابن عباس وأبي سعيد الخُدري، وروى عنه الوليد بن محمد الموقَّريُّ. وكانت ناجية بنت جُرم بن ربَّان تحت سامة بن لؤي. فولدت له غالب بن سامة. ثم هلك عنها فخلف عليها الحارث بن سامة ابنه. ومن بني سامة بن لؤي أبو أحمد عَريرة البرند.
وأمَّا عوف بن لؤي: فشاع نسبه في ذُبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان بن مُضر إذ آخاه ثَعلبة بن سعد بد ذبيان حين أُبطيء به بأرض غطفان وهو في ركب قريش. فانطلق من كان معه من قومه. فأتاه ثعلبة بن سعد، وهو أخوه في نسب بني ذبيان، ثعلبة بن سعد ابن ذبيان، وعوف بن سعد بن ذبيان، فزوَّجه والتاطه وآخاه.
فولد عوف بن لؤي حقًا، وبالإِخاء عوف بن سعد مُرَّة بن عوف: وإليه ينتسب المُرِّبون من غطفان.
منهم الحارث بن عوف بن سنانٍ، أبو أسماء. وهو صاحب الحمالة في حرب داحس. وكان الحارث أحد رؤساء المشركين يوم الأحزاب، ثم أسلم بعد ذلك، فحسُن إسلامُه.
[ ١ / ١٢٣ ]
ومنهم الحُصين بن الحمام. وهو القائل حين انتمى إلى قريش، وأكذب نفسه في انتمائه إلى غطفان:
ندمت على قول مضى كنت قلته تبيَّنت فيه أنه قول كاذب
فليت لساني كان نصفين منهما بكيم ونصف عند مجرى الكواكب
أبونا كنانيٌّ بمكة قبره بمعتلج البطحاء بين الأَخاشب
لنا الرُّبع من بيت الحرام وراثةً وربع البطحاء عند دار ابن حاطب
يعني أن بني لؤي كانوا أربعةً: كعب، وعامر، وسامة، وعوف.
قال أبو حاتم الرازيُّ: ومن ولد الحصين بن الحمام أبو ثفال ثُمامة بن وائل بن حصين بن حمام الشاعر. وقال مسلم: روى عن رباح بن عبد الرحمن، وروى عنه عبدُ العزيز بن محمد وعبدُ الله بن جعفر. ونسبه مسلم إلى جدِّه فقال: أبو ثفال المرِّيُّ ثمامة بن الحُصين الشاعر.
ومنهم هرم بن سنان بن أبي حارثة: الجواد الذي كان يمدحه زهير بن أبي سُلمى. وفيه يقول من كلمة له:
إنَّ البخيل ملوم حيث كان ولا كِنَّ الجواد على علاَّته هرم
[ ١ / ١٢٤ ]
وأخوه خارجة بن سنان: بقير غطفان، استُخرج من بطن أمه بعدما هلكت. وهاشم بن حَرملة: وهو الذي يقول فيه عامر الخصفيُّ بن قيس بن عيلان:
أحيا أباه هاشم بن حرمله
يومَ الهباءات ويوم اليعمله
ترى الملوك عندهُ مُغربله
يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له
وقال الكُميت بن زيد فيه من قصيدةٍ له كبيرةٍ شهيرةٍ:
وهاشمُ مُرَّة المُفنى ملوكً بلا ذنبٍ إليه ومُذنِبينا
ومنهم الحارث بن ظالم الذي يقال فيه: أمنع من الحارث. وهو القائل حين هرب النعمان بن المنذر، ولحق بقريشٍ:
فما قومي بثعلبة بن سعدٍ ولا بفزارةَ الشُّعُر الرِّقابا
وقومي، إن سألت، بنو لؤيٍّ بمكة علَّموا مُضر الضِّرابا
[ ١ / ١٢٥ ]
سَفِهنا باتِّباع بني بغيض وترك الأقربين لنا انتسبابا
سفاهة مُخلف لمَّا تروَّى هراق الماء واتَّبع السَّرابا
ومنهم أرطأة بن سُهيَّة، وشبيب بن البرصاء، وابن ميَّادة الشاعر وعثمان بن حَيَّان، وكان خاصًَّا ببني أمية، وولى المدينة في أيام أبي جعفر. وله يقول بن ميَّادة:
أمرتك يا رياحُ بأمر حَزمٍ فقلت: هشيمةٌ من آل نَجدِ
نهيتُك عن رجالٍ من قريشٍ على محبوكة الأصلاب جُردِ
وقصة أبيه عثمان بن حيَّان مع ابن أبي عتيق وسَلامة الزرقاء حين وَلي المدينة وحرَّم الغناء بها مشهور.
ومنهم مُسلم بن عُقبة: صاحب الحرَّة، أبعده الله. وعقيل بن عُلَّفة: وكان عقيل من الغيرة والأنفة على ما ليس عليه أخذ علم من أشراف العرب. وخطب إليه عبدُ الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه. وكانت لعقيل إليه حاجات فقال له: أمَّا إذا كنت فاعلًا فجنِّبني هُجناءك. وخطب إليه ابنتهُ
[ ١ / ١٢٦ ]
إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميُّ، وهو خال هشام بن عبد الملك، وكان والي المدينة، وكان أبيض شديد البياض، وهو الذي هجاه العَرجيُّ، فردَّه عقيل وقال:
رددت صحيفة القرشيِّ لمَّا أبت أعراقهُ إلا احمرارا
وعقيل هو القائل من غَيرته:
إني وإنْ سِيق إليَّ المَهرُ
أَلفٌ وعُبدانٌ وذودٌ عَشرُ
أَحبُّ أصهاري إليَّ القبرُ
وبنو مُرَّة بن عوف كان لهم صيت وذكر في غطفان وقيس كلِّها، فأقاموا على نسبهم في غطفان. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو كنت مُدَّعيًا حيًا من العرب، أو ملحِقَهم بنا لادَّعيت بني مُرَّة بن عوف. إنا لنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيثُ وقع. وبنو مرة يقولون: إذا ذُكر لهم هذا النسب لا نُنكرُهُ ولا نَجحده، وإنه لأحب النسب إلينا.
وفي بني مُرَّة بن عوف كان البَسل قاله ابن إسحاق. والبسلُ فيما يزعمون: ثمانية أشهر حُرم لهم في كل سنة من بين العرب. قد عَرفت ذلك لهم العربُ، لا يُنكرونه ولا يدفعونه، يسيرون به إلى أيَّ بلاد العرب شاؤوا، ولا يخافون منهم شيئًا. قال زهير بن أبي سُلمى يعني بني مُرَّة:
تأمَّل فإنْ تُقو المروراةُ منهم وداراتُها لا يُقو منهم إذًا نخلُ
[ ١ / ١٢٧ ]
بلاد بها نادمتُهُمْ وألِفْتهم فإنْ تُقويا منهم فإنَّهمُ بَسْلُ
غالب بن فهر: وولد غالب لؤيًا، وقد مضى ذكره، وتيمًا. ويقال لولده: بنو الأَدْرم، وهم أعراب قريش ليس بمكة منهم أحدٌ. وفيهم يقول الشاعر:
إنَّ بني الأدرم ليسوا من أحد
ولا توفَّاهم قريش في العَدَدْ
وأمُّ لؤي وتيم ابني غالب سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعيِّ.
فمن بني تيم بن غالب عبد الله بن خطل: وهو الذي أمر بقتل النبيُّ ﷺ يوم فتح مكة، وهو متعلق بأستار الكعبة. وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلمًا. فبعثه رسول الله ﷺ مُصدِّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولَّى له يخدمه، وكان مسلمًا. فنزل منزلًا، وأمر المولى أن يذبح له تيسًا، فيصنع له طعامًا، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدَّ مشركًا. وكانت له قَينتان: فَرْتَنى وصاحبتها، وكانتا تُغنِّيان بهجاء رسول الله ﷺ. فأمر بقتلهما معه. فقُتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ بعدُ، فأَمَّنها. ثم بقيت حتى أوطأها رجلُ من الناس فرسًا في في زمن عمر بن الخطاب، فقتلها.
وفي كتاب الحج من الموطأ في شأن ابن خطل ما نصُّه: مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المِغْفَر فلما نزعه جاء رجلُ فقال له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال رسول الله ﷺ: " اقتلوه ". قال مالك: قال ابن شهاب: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذٍ مُحرمًا. وقتل عبد الله بن خطلٍ سعيد بن حُريث المخزومي وأبو برزة الأسلميُّ، اشتركا في دمهِ.
[ ١ / ١٢٨ ]
فهر بن مالك: قال مصعب بن عبد الله الزبيريُّ: كلُّ من لم ينتسب إلى فهر فليس بقرشيٍّ. وقال عليٌّ بن كيسان: فهر هو أبو قريش. ومن لم يكن من ولد فهر فليس بقُرشي. وهذا أصحُّ الأقاويل في النسبة لا في المعنى الذي من أجله سُميت قريش قريشًا. والدليل على صحة هذا القول أنَّا لا نعلم اليوم قرشيًا في شيءٍ من كتب أهل النسب ينتسب إلى أبٍ فوق فهرٍ، فهو دون لقاء فهرٍ. ولذلك قال مصعب وابن كيسان والزبير بن بكارٍ، وهم أعلم الناس بهذا الشأن، وأوثقُ من ينسبُ علم ذلك إليه: إنَّ فهر بن مالك جِماعُ قريش كلِّها بأَسرها.
وقال آخرون: أهل قريش النَّضر بن كنانة. وحجَّتهم في ذلك حديث الأشعث بن قيس الكِنديِّ: قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة، فقلتُ: ألستم منا يا رسول الله؟ فقال: " لا، نحنُ بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أُمَّنا ولا ننتفي من أبينا ". ذكر هذا أبو عمر بن عبد البرِّ في الإنباه.
وذكر أبو نعيم الحافظ في الرياضة عن الأشعث بن قيس قال: أتيتُ رسول الله ﷺ في نفرٍ من كندة لا يَروني أفضلهم. قال فقلت: يا رسول الله إنا نَزعم أنك منا. فقال النبيُّ ﷺ: " نحن بنو النَّضر ابن كنانة، لا نقفو أمَّنا ولا ننتفي من أبينا ". قال أشعث: والله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النَّضر بن كنانة إلا جَلدته. وكلُّهم مجتهد مصيب إن شاء اللهُ.
ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: " الأئمة من قريش ". وقال ﷺ: " قَدَِموا قريشًا ولا تَقَدَّمُوها ". وقال ﵇، لما قَتل الحارث بن كَلَدة: " لا يُقتل قُرشيُّ صبرًا بعد هذا اليوم ". يريد أنه لا يكفر قرشيٌّ بعد هذا اليوم فيُقتل صبرًا.
وعن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: " قريش الجُؤجؤ والعرب الجَناحان. والجؤجؤ لا ينهض إلا بالجناحين ". وروى الحسن عن
[ ١ / ١٢٩ ]
الأحنف بن قيس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قريش رؤوس الناس، ليس أحدٌ منهم يدخل من باب إلا دخل منه طائفة من الناس.
وقريشٌ: قوم رسول الله ﷺ، وهم الذين سبق لهم الفضل من الله. قال الله ﷿:) وإنه لَذِكرٌ لك ولقومِكَ (. ويقال: قريش عمارة رسول الله ﷺ، وكنانةُ قبيلته، وعبدُ مناف بطنه. وكانت قريش تدْعي النضر بن كنانة. وكانوا متفرقين في بني كنانة، فجمعهم قصي بن كلاب بن مُرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر من كل أوب إلى البيت، فسُمُّوا قريشًا، والتقرُّش: التجمُّع. قال أبو عبد الله أحمد بن محمد العدويُّ القشيُّ: التجمُّع: أصح ما فيه عندنا. وقال غيره: الدليل على ذلك قولُ أبي جلدة اليَشْكُريَّ:
إخوة قرَّشُوا الذُّنوب علبنا في حديثٍ من عهدِنا وقديم
ولذلك سُمي قصيُّ بن كلاب مُجمِّعًا. قال حبيبُ بن أوسٍ الطائي يرثى بعض الأشراف:
غَدوا في زوايا نَعشهِ وكأنما قريشٌ قريشٌ يوم مات مُجمِّع
يريد بمجمِّع قصيًا، وهو بني المشعر الحرام. وكان يُسرجُ عليه أيام الحج، فسماه الله ﷿ مشعرًا، وأمر بالوقوف عنده. قال الله تعالى:) فاذكروا الله عند المشعر الحرام (. وإنما جَمعَ قصيٌّ إلى مكة بني فهر بن مالك. فجدُّ قريشٍ كلِّها فهرُ بن مالك. فما دونهُ قريش، وما فوقه عرب مثلُ كنانةَ وأسدٍ
[ ١ / ١٣٠ ]
وغيرها من قبائل مُضر. وأما قبائل قريش فإنما تنتهي إلى فهر بن مالك، لا تجاوزه. وكانت قريش تسمى " آل الله " و" جيران الله " و" سكان حرم الله ". وفي ذلك يقول المطلب بن هاشم:
نحنُ آلُ في ذمَّته لم يزل ذاك على عهدٍ قِدم
إنَّ للبيت لَرَبًا مانعًا من يُرِدْهُ بآثامٍ يُخْتَرَم
لم تَزل لله فينا حُرمةٌ يدفعُ اللهُ بها عنا النِّقم
واستعمل عمر بن الخطاب ﵁ نافع بن عبد الحرث الخزاعيَّ عل مكة، وفيهم سادة قريش. فخرج نافع إلى عمر بن الخطاب ﵁، واستخلف مولاه عبد الرحمن بن أبزي. فقال له عمر: استخلف على آل الله مولاك. فعزلهُ، وولى خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي. وكان نافع بن عبد الحرث من فضلاء الصحابة. قيل: إنه أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة ولم يهاجر. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرُه. ومولاه عبدُ الرحمن بن أَبْزَي أدرك النبيَّ ﵇، وصلى خلفه. وأكثرُ روايته عن عمر وأُبَيِّ بن كعب. وقال فيه عمر بن الخطاب: عبدُ الرحمن بن أَبزَي ممن رفعه الله بالقرآن. روى عنه ابناه: سعيد وعبد الله ومحمد بن أبي المُجالد.
قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبيُّ: تسميةُ من انتهى إليه الشرف من قريش في الجاهلية، فوصلهُ بالإسلام عشرةُ رهطٍ من عشرة أَبطُنٍ، وهم: هاشم، وأمية، ونوفل، وعبد الدار، وأسد، وتيم، ومخزوم، وعديٌّ، وجُمح، وسهم. فكان من هاشم العباسُ بن عبد المطلب يسقي الحجاج في الجاهلية. وبقي ذلك له في الإسلام.
ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب كانت عنده " العُقاب "؛ راية قريش. وإذا كانت عند رجل أخرجَها إذا حَميت الحربُ. فإن اجتمعت قريش على أحدٍ أعطوهُ العُقاب، وإن لم يجتمعوا على أحدٍ رأسوا صاحبها وقدَّموه.
[ ١ / ١٣١ ]
ومن بني نوفل الحارث بن عامر: وكانت إليه الرِّفادة، وهي ما كانت تُخرجُه من أموالها، وتُرفدُ به مُنقطعي الحاجِّ.
ومن بني عبد الدار عثمان بن طلحة: كان إليه اللواء والسِّدانة مع الحجابة. ويقال: والندوةُ أيضًا في بني عبد الدار.
ومن بني يزيد بن زمعة بن الأسود: وكانت إليه المشورة، وذلك أن رؤساء قريش لم يكونوا يُجمعون على أمرٍ حتى يعرضوه عليه، فإن وافقه ومالأهم عليه، وإلا تَخَيَّروا، وكانوا له أعوانًا. واستشهد مع رسول الله بالطائف.
ومن بني تيم أبو بكر الصديق: وكانت إليه الأشناقُ في الجاهلية، وهي الدِّيات والمضغْرمُ. فكان إذا احتمل شيئًا يسأل فيه قُريشًا صدَّقوه وأمضوا حمالة من نهض معهن وإن حملها غيره خذلوه.
ومن بني مخزوم خالد بن الوليد: وكانت إليه القُبَّةُ والأَعنَّةُ. فأما القبةُ فإنهم كانوا يضربونها، ثم يجمعون إليها ما يُجهِّزون به الجيش. وأما الأعنَّة فإنه كان يكون على خيل قريش في الحرب.
ومن بني عديٍّ عمر بن الخطاب: وكانت إليه السِّفارةُ في الجاهلية، وكانت إذا وقعت بين قريش وغيرهم مُنازعةٌ بعثوه سفيرًا، وإن نافَرهم حيٌّ لمفاخرةٍ بعثوهُ مُنافرًا ورَضُوا بهِ.
ومن بني جُمح صفوان بن أمية: وكانت إليه الأيسار، وهي الأزلام. كان لا يُسبق بأمرٍ عامٍ حتى يكون هو الذي يجري تيسيره على يديه.
ومن بني سهم الحارث بن قيس: وكانت إليه الحكومةُ والأموالُ المُحجَّرة، التي سمَّوها لآلتهم.
فهذه مكارم قريش التي كانت في الجاهلية، وهي: السِّقاية، والعمارة، والعُقاب، والرِّفادة، والسِّدانة، والحجابة، والنَّدوة، واللواء، والمشُورة، والأشناق،
[ ١ / ١٣٢ ]
والقُبَّة، والسِّفارة، والأيسار، والحكومة، والأموال المحجَّرة.
إلى هؤلاء العشرة من هذه البطون العشرة على حال ما كانت في أوَّليَّتهم يتوارثون ذلك كابرًا عن كابر، فقام الإسلام فوصل ذلك لهم، وكذلك كل شرف من شرف الجاهلية، أدركه الإسلام. وكانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحُلوانُ النفر في بني هاشم. فأما السقاية فمعروفةٌ. وأما العمارة فهو ألا يتكلم أحد في المسجد الحرام بهُجر ولا رَفث، ولا يُرفع فيه صوت، كان العباس ينهاهم عن ذلك. وأما حُلوان النَّفر فإن العرب لم تكن تملِّكُ عليها في الجاهلية أحدًا، فإذا كانت حرب أقرعوا بين أهل الرياسة. فمن خرجت عليه القرعةُ أحضروه صغيرًا كان أو كبيرًا. فلما الفِجَار أقرعوأ بين بني هاشمٍ " فخرج سهمُ العباس وهو صغير فأجلسوه على التُّرس.
قال المؤلف، وفَّقه الله لإِرشاد، وتولاَّه بما تولَّى به الصالحين من عباده. المسلمون من العَشرة الذين ذكرهم ابنُ الكلبي هشام، وانتهى إليهم الشرف في قريش ثمانية: العباسُ بن عبد المطلب الهاشميُّ، وأبو سفيان بن حرب الأُمويُّ، وعثمان بن طلحة العبدريُّ، ويزيد بن زمعة الأسدي، وأبو بكر الصدِّيق التَّيميُّ، وخالد بن الوليد المخزوميُّ، وعمر بن الخطاب العَدَويُّ، وصفوان بن أمية الجمحيُّ. والاثنان الباقيان ماتا مشركين، وهما: الحرثُ بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النَّوفليُّ. والثاني الحرث بن قيس بن عديِّ بن سهمٍ السَّهميُّ.
فأما الحرث بن عامر النَّوفليُّ فهو من أهل قليب بدر، قتله خُبيب بن إساف الخزرجيُّ. وأما الحرثُ بن قيس بن عدي السهميُّ فكان أحد المستهزئين الذين جعلوا القرآن عِضين، وهو الذي يقال له ابن الغيلطة، وهي أمُّه وإليها يُنسب ولدُها. فيقال لهم الغياطل، وهي من بني كنانة. وأبوه قيس بن عدي، وهو جدُّ عبد الله بن الزِّبعري الأقرب. كان في زمانه من أجلِّ قريش رجلًا، وهو الذي جمع الأحلاف على بني عبد مناف. والأحلف: عدي ومخروم وسهم وجُمح.
[ ١ / ١٣٣ ]
وبنو الحرث بن قيس تسعةٌ، منهم ثمانية مسلمون، وهم: تميمٌ وبشرٌ وسعيدٌ وعبد الله ومَعمر وأبو قيس والسائب والحارث. والتاسع الحجاج بن الحرث، أُسر يوم بدر ومات كافرًا. وهاجر الثمانية كلُّهم إلى أرض الحبشةِ. ولم يذكر ابن إسحاق أحدًا منهم في من شهد بدرًا. واستشهد تميم يوم أجنادين، وقُتل عبد الله منهم يوم الطائف شهيدًا. والسائب جُرح يوم الطائف، واستشهد يوم فحل بالشام. وقيل إنَّ السائب استُشهد مع أخيه عبد الله بالطائف، كذا قال الزبير بن بكار وطائفةُ. وقد قيل: إن عبد الله قُتل باليمامة شهيدًا مع أخيه أبى قيس بن الحرث، فالله أعلمُ. ويقال لعبد الله بن الحارث هذا " المُبْرِق "، لبيت قاله في قصيدة، هو:
إذا أنا لم أُبرِق فلا يَسَعنَّني من الأرض برٌّ ذو فضاءِ ولا بحر
وفيها يقول:
وتلكم قريشٌ تجحدُ الله ربَّها كما جحدت عادٌ ومَدينُ والحِجْرُ
وقال أبو إسماعيل محمد بن عبد الله الأزديُّ البصريُّ في كتاب فتوح الشام له: استُشهد سعيد بن الحرث والحارث بن الحرث يوم فَحلٍ.
ومن مناقب قريش ما ذكر مسلم في الصحيح فقال: حدَّثنا محمد بن رافع قال: نا عبد الرزاق قال: نا معمر عن همَّام بن مُنبِّه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هُريرة عن رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها. وقال: قال رسول الله ﷺ: " الناسُ تَبعٌ لقريش في هذا الشأن؛ مُسلمُهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم ". قال مسلم: وحدثني يحيى بن حبيب الحارثيُّ قال: نا روح، قال: نا ابن جُريج، قال حدثني أبو الزُّبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال النبيُّ ﷺ: " الناس تبَعٌ لقريش في الخير والشر ". وقال أيضًا: حدَّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: نا عاصم بن محمدٍ عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: " لا
[ ١ / ١٣٤ ]
يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان ". وخرَّج البخاريُّ هذا الحديث بسنده ولفظه. وقال البخاري: حدّثنا أبو اليمان: نا شُعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جُبير بن مُطعم يُحدِّث أنه بلغ معاوية - وهو عنده في وفدٍ من قريش - أن عبد الله بن عمر يحدّث أنه سيكون ملك من قحطان. فغضب، فقام، فأثني على الله بما هو أهلُه ثم قال: أما بعدُ، فإنه بلغني أن رجالًا منكم يحدِّثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثر عن رسول الله ﷺ يقول: " إن هذا الأمر في قريش لا يُعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين ".
وولد فهر غالبًا وقد مضى ذِكره، والحارث، ومُحاربًا وأمُّهم ليلى بنت سعد بن هُذيل بن مُدركة. قال ابن هشام: وجَندلةُ بنت فهر: وهي امُّ يربوع ابن حنظلة، وأمُّها أمُّ الحارث ومحارب. وفيها يقول جرير بن عطية الخطفيُّ الكُليبيُّ اليربوعيُّ من آخر قصيدة طويلة، يفخر فيها ويناقض الفرزدق:
إني إلى جبلي تَميم مَعقلي ومَحلُّ بيتي في اليفاع الأطولِ
أحلامنا تزن الجبال رزانة ويفوق جاهلنا فَعال الجُهَّل
وإذا غَضبتُ رمى ورائي بالحصى أبناء جَندلةٍ كخيرِ الجندلِ
وأمُّ فهر جندلةُ بنت الحارث بن مِضاضٍ الجُرْهُميِّ، وليس بابن مِضاضٍ الأكبر.
[ ١ / ١٣٥ ]
فمن بني الحارث بن فهر: أبو عبيدة بن الجراح الأمين ﵁، وسهل، وسهيل، وصفوان، بنو بيضاء: وهي أمُّهم غَلبت على اسمهم فنُسبوا إليها. واسمها دعد بنت جدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر. وأبوهم وهب بن ربيعة بن هلال بن أُهيب بن ضبَّة بن الحرث بن فهر.
وشهد سُهيل وصفوان بدرًا. واستشهد صفوان يومئذ، قتله طُعيمة بن عدي النَّوفليُّ أخو المُطعم وعمُّ جُبير. فأما سهل فماتا بالمدينة، وصلى عليهما النبيُّ ﷺ في المسجد.
مسلم: حدثني هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، واللفظ لابن رافع قالا: نا ابن أبي فديك: أرنا الضحاك يعني ابن عثمان عن أبي النَّضر، عن أبي سَلمة بن عبد الرحمن أن عائشة لما توفِّي سعد بن أبي وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أُصلي عليه. فأُنكر ذلك عليها. فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابنَيْ بيضاء في المسجد: سُهيل وأخيه.
وقالت عائشة في الحديث الذي قبل هذا، ورواية عنها عَبَّادُ بن عبد الله بن الزُّبير: ما أسرع الناس أن يعيبوا مالا علم لهم به! عابوا علينا أن يُمرَّ بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سُهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد، واخرج الحديث مالك في الموطأ عن عائشة وذكرت سُهيلًا وحده.
وابنا عمِّهما لحَّا عمرو بن أبي سرح بن ربيعة ووهب بن أبي سرح: كانا من مُهاجرة الحبشة. وشهدا جميعًا بدرًا. هكذا قال موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق: عمرو بن أبي سرح. وكذلك قال هشام بن محمد الكلبي. وقال الطبريُّ عن الواقديُّ وأبي مَعشر: هو مَعمر بن أبي سرح. وقالا شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ، ومات بالمدينة سنة ثلاثين في خلافة عثمان.
[ ١ / ١٣٦ ]
ومنهم عياض بن زهير بن أبي شدَّاد بن ربيعة بن هلال بن وهيب بن ضبَّة بن الحرث بن فهر: يكنى أبا سعد، وكان من مهاجرة الحبشة، وشهد بدرًا. ذكره إبراهيم بن سعد ابن إسحاق في البدريين، وذكره ابن عقبة وخليفة والواقديُّ في البدريين. وتوفي بالشام سنة ثلاثين. وهو معروف في الفتوحات بالشام.
وابن أخيه عياض بن غنم بن زهير: أسلم قبل الحديبية، وشهدها فيما ذكر الواقديُّ. وكان ربيب أبي عبيدة بن الجراح؛ ابن امرأته. ولما مات أبو عبيدة استخلف عياض بن غنم على الشام، فأقره عمر. وقال: ما أنا بمبدِّل أميرًا أمره أبو عبيدة. ثم توفي عياض، فأمر عمر مكانه سعيد بن عامر بن حِذيم الجُمحيَّ.
وعياض بن غنم افتتح عامة بلاد الجزيرة والرَّقَّة وصالحه وجوه أهلها، وهو أول من أجاز الدرب إلى الروم، فيما ذكر الزُّبير. وكان شريفًا في قومه. وقد ذكره ابن الرُّقَيَّات فيمن ذكر من أشراف قريش، فقال:
وعياض وما عياض بن غنمٍ كان من خير من أَجَنَّ النساءُ
ومات عياض بن غنم بالشام سنة عشرين، وهو ابن ستين سنةً. وقال ابن المدينيِّ: عياض بن غنم كان أحد الولاة باليرموك.
ومن بني مُحارب بن فهر ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر: كان أبوه الخطَّاب بن مرداس رئيس بني فهر في زمانه. وكان يأخذ المِرباع لقومه. وكان ضرار بن الخطاب يوم الفجار على بني محارب بن فهر. وكان من فرسان قريش وشجعانهم وشعرائهم المطبوعين
[ ١ / ١٣٧ ]
المجوِّدين. وهو أحد الذين وثبوا الخندق. قال الزُّبير بن بكار: وكانت قريش تقدِّمه على ابن الزِّبعري، لأنه أقلُّ سقطًا منه، وأحسن صنعةً. وهو القائل يستعطف النبيَّ ﵇ يوم الفتح حين قال سعد بن عبادة: اليوم يوم المَلحمَة:
يانبيَّ الهُدى إليك لَجا حي يُ قريش، ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأر ض وعاداهمُ إله السماء
والتقت حَلقتا البِطان على القو مِ ونُودوا بالصَّيلم الصَّلعاء
إنَّ سعدًا يريد قاصمة الظَّه ر بأهل الحُجون والبطحاءِ
خَزرجيٌّ لو يستطيع من الغي ظِ رَمانا بالنَّسر والعوَّاءِ
وغرُ الصَّدر لا يَهمُّ بشيءٍ غير سفك الدِّما وسبي النساءِ
قد تَلظَّى على البطاحِ وجاءت عنه هند بالسَّوءةِ السَّوآءِ
إذ ينادي بذلِّ حيِّ قريشٍ وابنُ حربٍ بذا من الشُّهداءِ
[ ١ / ١٣٨ ]
فأخذ النبيُّ ﷺ الراية من يد سعد بن عبادة، وجعلها في يد ابنه قيس بن سعد لئلاَّ يجد في نفسه سعد شيئًا. وقيل: إنه أعطى الزُّبير الراية إذ نزعها من سعدٍ. وقيل: إنه أمر عليًا فأخذ الراية، فذهب بها حتى دخل مكة، فغرزها عند الركن. وقال ضرارُ بن الخطاب يومًا لأبي بكرٍ الصديق: نحن كنا لقريش خيرًا منكم، أدخلناهمُ الجنة، وأوردتُموهمُ النارَ.
واختلف الأوس والخزرج فيمن كان أشجع يوم أحدٍ، فمرَّ بهم ضرار بن الخطاب، فقالوا: هذا شَهدها، وهو عالمٌ بها. فبعثوا إليه فتىً منهم، فسأله عن ذلك فقال: لا أدري ما أوسُكم من خزرجكم، ولكني زوَّجت يوم أحدٍ منكم أحد عشر رجلًا من الحر العين.
ومنهم عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري: وُلد على عهد رسول الله ﷺ، ولا تصحُّ له صحبة. وكان أبن خالة عمرو بن العاصي. ولاَّه عمرو بن العاصي إفريقية، وهو على مصر. وهو اختطَّ القيروان، وافتتح عامَّة بلاد البربر. وقُتل عقبة بن نافع سنة ثلاث وستين، بعد أن غزا السوس الأقصى. قتله كَسيلة بن لمزم الأورنبي. وكان كسيلة نصرانيًا، ثم قُتل كسيلة في ذلك العام أو في العام الذي يليه. قتله زُهير بن قيس البَلويُّ. ويقال: إن عقبة بن نافع كان مستجاب الدعوة.
ومنهم الضحاك بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن واثِلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر: يكنى أبا أُنيس. وقيل: أبو عبد الرحمن، قاله خليفة بن خياط. والأولُ قولُ الواقديِّ، ولا يصحُّ سماعه من النبي ﵇. قيل: إنه وُلد قبل وفاة رسول الله ﵇ بسبع سنين أو نحوها.
[ ١ / ١٣٩ ]
وكان على شُرطة معاوية، ثم صار عاملًا له على الكوفة بعد زياد، وولاه عليها معاوية سنة ثلاثٍ وخمسين، وعزله سنة سبع وخمسين. وولى مكانه عبد الرحمن بن أمُّ الحكم، وضمَّه إلى الشام. فكان معه حتى مات معاوية، فصلى عليه، وقام بخلافته حتى قدم يزيد بن معاوية. فكان معه إلى أن مات يزيدُ، ومات بعده ابنه معاوية بن يزيد.
ووثب مروان بن الحكم على بعض الشام، فبُويع له. وبايع الضحاك بن قيس أكثر أهل الشام لابن الزُّبير، ودعا له فاقتتلوا، فقُتل الضحاك بن قيس، وذلك بمرج راهط. وكان يوم المرج للنصف من ذي الحجة سنة أربع وستين. روى عنه الحسن البصري، وتميم بن طرفة، وميمون بن مهران، وسماك بن حرب. فحديث الحسن عنه في الفتن، وحديث تميم عنه في ذمِّ الرياء وإخلاص العمل لله.
وأخته فاطمة بنت قيس: يقال إنها كانت أكبر منه بعشر سنين، وهي من المهاجرات الأوَل. وكانت ذات جمال وعقل وكمال. وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب، وخطبوا خطبتهم المأثور. وقال الزُّبير: وكانت امرأةً نجودًا. والنَّجود: النبيلة. وكانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. وقيل: أبو عمرو بن حفص بن عمرو بن المغيرة، فطلقها باليمن، وكان في البعث الذي سار فيه عليٌّ أميرًا علىاليمن. وقال مالك: إنه طَلَّقها البتَّة، وهو غائب بالشام. ذكر ذلك عنها أبو سلمة بن عبد الرحمن والحديث مشهور، ونصُّه في الموطأ: مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طَلَّقها البتَّة، وهو غائب بالشام. فأرسل إليها وكيلُه بشعير فسخطتْهُ. فقال: والله ملك علينا من شيء. فجاءت إلى رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له: فقال: " ليس لك عليه نفَقةٌ ". وأمرها أن تعتدَّ في بيت أمِّ شريكٍ. ثم
[ ١ / ١٤٠ ]
قال: " تلك امراة يغشاها أصحابي، اعتدى عند عبد الله ابن أمِّ مكتوم، فأنه رجلٌ أعمى، تَضعين ثيابك. فإذا حللتِ فآذنيني ". فلما حَللت ذكرتُ له: إن معوية بن أبي سفيان وأبا جَهم بن هشام خطباني. فقال رسول الله صلى عليه وسلم: " أما أبو جهمٍ فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصُعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد ". قالت: فكرهتُهُ. ثم قال: " انكحي أسامة بن زيد ". فنكحتُهُ، فجعل الله في ذلك خيرًا، واغتبطتُ به.
وأبو عمرو بن حفص المخزوميُّ زوج فاطمة بنت قيس هذه، المطلِّقُ لها، هو الذي كلَّم عمر بن الخطاب، وواجهه في عزله خالد بن الوليد عن حروب الشام. ذكر النَّسائيُّ قال: نا إبراهيم بن يعقوب الجَوْزَجانيُّ: نا وهب بن زمعة قال: نا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن يزيد قال: سمعتُ الحارث بن يزيد يحدِّث عن عليِّ بن رَباح، عن ناشرة بن سُميٍّ اليَزَنَيِّ قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول يوم الجابية في حديث ذكره: وأعتذِرُ إليكم من خالد بن الوليد، فإني أمرته أن يحبس هذا المال علىضعَفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس واليسار وذا الشَّرف. فنزعته وأثبتُّ أبا عبيدة بن الجَّراح. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: والله لقد نزعت غلامًا أو عاملًا استعمله رسول الله ﷺ، وغَمدت سيفًا سلَّهُ الله ووضعت لواء نصبَه رسول الله ﷺ. ولقد قطعت الرحِم، وحسدت ابن العمِّ. فقال عمر: أما إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضبٌ لابن عمِّك. قال إبراهيم بن يعقوب: سألت أبا هشامٍ المخزوميَّ، وكان علاَّمةً بأسمائهم عن اسم أبي عمرو هذا. فقال: اسمه أحمد. وذكر البخاريُّ هذا الخبر في التاريخ عن عبدان عن ابن المبارك باسنادٍ نحوه. وأخرجه فيمن لا يعرف اسمه من الكنى المجرَّدة عن الأسماء.
قال المؤلف، غفر الله لهُ، وبلَّغه من رضاه أملهُ: وهب بن زَمعة الذي روى عنه إبراهيم بن يعقوب الجَوْزَجَانيُّ شيخ النسائي. قال مسلم عنه في الكنى: هو أبو عبد الله وهب بن زمعة التميمي المروزيُّ، سمع عبد الله بن المبارك. وقال في سعيد بن يزيد أبي شجاع الذي روى عنه ابن المبارك إنه روى عن خالد بن
[ ١ / ١٤١ ]
أبي عمران والحارث بن يزيد. وهو الراوي عن عليَّ بن رباح. وقال مسلم: أبو موسى عليُّ بن رباح اللخميُّ سمع أبا هُريرة وعمرو بن العاصي وعقبة بن عامر روى عنه ابنُه موسى.
قال القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكنانيُّ الوَقشيُّ ﵀: أدخل البخاريُّ عليَّ بن رَباح هذا في باب عَليّ " مُكبَّرًا ".. ويقال عُليٌّ، والصحيح على. والأشهرُ في اسمه عُلي " مُصغرًا ".وقيل: كان يغضب منه ويقول: لا أجعلُ من قال عُليٌّ في حِلٍّ. وهكذا ذكرهُ الدارقطني مصغرًا وكان يُلقَّب به، ويخرج على من سماه عُليًا بالتصغير. وكان اسمه عليًا.
وابنه موسى بن علي: وكان أيضًا يجدُ إذا قيل له: ابن عُليٍّ، بالتصغير. قال الليث بن سعدٍ: سمعت موسى بن علي يقول: من قال لي موسى بن عُلي لم أجعله في حلٍّ. وروى موسى عن أبيه عن عقبة بن عامر وأبي هُريرة. وروى عن موسى ابن مهدي ووكيع وأبو نُعيم.
ومن قريش أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيُّ: المصريُّ الفقيه. تفقَّه بمالك والليث بن سعد وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار والمغيرة. وصنَّف الموطَّأ الكبير والموطَّأ الصغير. قال ابن وهب: ولدتُ سنة خمس وعشرين ومئة، وطلبتُ العلم، وأنا ابن سبع عشرة سنةً، وأدركت من أصحاب ابن شهاب أكثر من عشرين رجلًا، ورحلتُ إلى مالك سنة ثمان وأربعين ومئة. قال أبو الطاهر بن السرح: سمع ابن وهب من مالك قبل عبد الرحمن بن القاسم ببضع عشرة سنةً، لم يزل يسمعُ منه من سنةِ ثمان وأربعين ومئة إلى سنة تسع وسبعين ومئة. وقال أبو الطاهر: وكان مالك إليه في المسائل إلى عبد الله بن وهب المعنيِّ، ولم يكن يفعل هذا بغيره. وتوفي ابنُ وهب يوم
مالك بن النَّضر: وولد مالك بن النَّضر فهرًا، وقد مضى ذكرُه. ولم يذكر ابن إسحاق لمالك بن النَّضر غير فهرٍ وحده ولدًا.
النّضر بن كنانة: وولد النضر مالكًا أبا فهرٍ كما ذكرتُ، والصَّلت بن النضر
[ ١ / ١٤٢ ]
فيما قال أبو عمرو المدنيُّ. وأمُّهما بنت سعد بن ظرب العَدوانيِّ. قيل: اسمها هند. وقال ابن إسحاق: أمُّ مالك بن النضر عاتكةُ بنت عَدوان بن عمرو بن قيس بن غَيلان. وفي الصلت يقولُ كُثيرِّ بن عبد الرحمن. وهو كثيِّرُ عزَّة، من قصيدة:
أليس أبي بالصَّلت أم ليس إخوتي بكلِّ هجان من بني النَّضر أزهرا؟
رأيتُ ثياب العصب مُختلط السَّدى بنا وبهم والحضرميَّ المخصَّرا
فإن لم تكونوا من بني النَّضر فاترُكوا أراكًا بأذناب الفوائج أخضرا
إذا ما قطعنا من قريش قرابةً فأيُّ قسيٍّ تحفِزُ النَّيل ميسرا
وإنَّ التي قد سُمتني فأبيتُها إذا سُمتَها يومًا قبيضةَ أنكرا
والذين يُعزونَ إلى الصَّلت بن النضر منخُزاعة: بنو مُليح بن عمرو، ورهط كثيرِّ وميسرةُ المذكور هو ابن أمِّ حيدرةَ من خُزاعة. يقول: إذا قطعنا قرابتنا من قريش فبمن نستعين على عدوِّنا؟. وضرب القسيِّ مثلًا لأنها تحفزُ النَّبل، وتُعينها على الذَّهاب. وقبيضة بن ذُؤيب الخزاعيُّ.
وأمُّ النَّضر: برَّة بنت مُرَّ أخت تميم بن مُرِّ. قال جرير بن عطية الكُليبيُّ
[ ١ / ١٤٣ ]
اليربوعيُّ يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان، ويذكر أمَّ النَّضر، لأنها ولدت قريشًا. وهذه الأبيات مُتحيزة من كلمةٍ له:
وأنت إذا نظرت إلى هشامٍ عرفت نجار مُنتخبٍ كريم
إذا بعض السنين تعرَّقتنا كفى الأيتام فقد أبىاليتيم
أمير المؤمنين على صراطٍ إذا اعوجَّ الموارد مُستقيم
لك المُتخيِّران أبا وخلًا فأكرم بالخُؤولة والعموم
فيا بن المُطعمين إذا شتونا ويا بن الذائدين عن الحريم
سمابك خالد وبنو هشامٍ إلى العلياء في الحسب الجسيم
وتنزل من أُمية حيث تُلقى شُؤون الرأس مجتمع الصَّميم
فما الأمُّ التي ولدت قريشًا بمُقرفة النِّجار ولا عقيم
[ ١ / ١٤٤ ]
وما فحل بأنجب من أبيكم ولا خالٌ بأكرم من تميم
يَعني برَّة بنت مُرٍّ أخت تميم بن مُرٍّ أمَّ النَّضر.
كنانة بن خُزيمة: فولد كنانةُ النَّضر المذكور آنفًا، ومالكًا، وعبدَ مناة، ومِلكان. ويقال لبني كنانة، وقريش فيهم، بنو عليٍّ، لأن عليٍّ بن مسعود الأزديَّ تزوج أمَّ كنانة، فنسبتهم العرب إلى علي، وذلك موجود في أشعارها. قال أمية بن أبي الصلت في القصيدة التي يرثي بها من أُصيب من قريش يوم بدر:
لله درُّ بني عل يٍّ؛ أيِّم منهم وناكح
إن لم يُغيروا غارةً شعواء تُحجِر كلَّ نابح
وأما بنو ملكان بن كنانة: فلهم بقية. وليس لهم شرفٌ بارعٌ.
وأما مالك بن كنانة: فمن بنيه فُقيم وفراس. وبنو فقيم هم نسأةُ الشهور، وهم أشراف كنانة. وفقُيم: هو ابن عديِّ بن عامر بن ثعلبة بن الحرث بن مالك بن كنانة.
ومن بني فُقيم القَلَمَّسُ: وهو حذيفة بن عبد بن فُقيم. وكان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحلَّت منها ما أحلَّ، وحرَّمت منها ما حرَّم. وكانت العرب إذا فرغت من حجِّها اجتمعت إليه أعني القلمَّس، فحرَّم الأشهر الأربعة، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم. فإذا أراد أن يُحلَّ منها شيئًا أحل المحرَّم
[ ١ / ١٤٥ ]
فأحلوه، وحرَّم مكانه صفرًا فحرَّموه، لِيُواطيء عدَّة الأشهر الحُرُم. فإذا أرادوا الصدر قام فيهم، فقال: اللهمَّ إني قد أحللت لهم أحد الصفرين؛ الصَّفر الأول، ونسأت الآخر للعام المُقبل. فقال في ذلك عُمير بن قيس جذل الطِّعان، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة يفخر بالنَّساة على العرب:
لقد علمتْ مَعدٌّ أنَّ قومي كرام الناس إن لهم كِراما
فأيَّ الناس فاتونا بوترٍ وأيُّ الناس لم نُعلك لِجاما
ألسنا الناسئين على مَعّدٍّ شهور الحِلِّ نَجعلها حَراما
ثم قام بعد القَلمَّس، وهو حُذيفة على ذلك ابنه عبَّادُ بن حُذيفة: حتى كان آخر بنيه، وعليه قام الإسلامُ، أبو ثُمامة جُنادة بن عوف بن أميَّة بن قَلع بن عباد بن حذيفة.
ومن بني فراس جذل الطَّعان المذكور وربيعة بن مُكدم: وهما من فرسان العرب، جاهليان. وبنو فراسٍ أشجع أهل بيت في العرب. وفيهم قال عليُّ بن أبي طالب لأهل الكوفة: وددتُ والله أن لي بمئة ألف منكم ثلاثمئة من بني فراس بن غنم بن ثعلبة.
ومنهم الفراسيُّ: ويقال: فراس، وهو من بني فراس بن مالك بن كنانة. حديثه عند أهل مصر: أن رسول الله ﷺ قال له: " إن كنت لابدَّ سائلًا فسل الصالحين ". وله حديث آخر مثل حديث أبي هُريرة في البحر: " هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ ميتتُهُ ".كلاهما يرويه الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مَخشي، عن ابن الفراسيِّ، عن أبيه، عن النبي ﷺ يُعدُّ في أهل مصر، ومَخرج حديثه عنهم.
وأمَّا عبد مناة بن كنانة: فولد بكرًا، عامرًا، ومُرَّة. فولد بكر ليثًا، والدُّئل، وضمرة. فمن بني سعد بن ليث: خالد، وغافل، وعامر، وإياس؛ بنو البُكير بن عبد ياليل بن قاشب بن غيرة بن سعد بن ليث. وهم بدريَّون أسلموا قديمًا، وهاجروا وهم حُلفاء بني عديِّ بن كعب.
[ ١ / ١٤٦ ]
ومنهم أبو الطُّفيل عامر بن واثلة بن عبد الله بن عُمير بن حُميس بن جُديِّ بن سعد بن ليث، ولد عام أحدٍ، وأدرك من حياة النبيِّ ﷺ ثماني سنين. نزل الكوفة، وصحب عليًا ﵁ في مشاهد كلَّها، فلما قُتل علي انصرف إلى مكة، فاقام بها حتى سنة مئة، وهو آخر من مات ممَّن رأى النبيَّ ﵇.
روى حماد بن زيد عن سعيدٍ الجُريريِّ، عن أبى الطُّفيل قال: ما على وجه الأرض اليوم رجل رأى النبيَّ ﵇ غيري. وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي عن عليِّ بن المدينيِّ عن سُليم بن أخضر، عن الجُريريِّ سمعه يقول: كنت أطوف بالبيت مع أبى الطُّفيل، فيحدِّثني وأحدِّثُه. فقال لي: ما بَقي على وجهِ الأرض عين تطرف رأى النبيَّ ﵇ غيري. قال علي: ومات بمكة. وكان أبو الطُّفيل شاعرًا مُحسنًا. وهو القائلُ:
أيدعونني شيخًا وقد عشتُ حِقْبةً وهنَّ من الأَزواج نحوي نوازعُ
وما شاب رأسي من سنين تتابعت عليَّ، ولكن شَيَّبتْني الوقائع
وهذا من جيد الشعر. وذكره ابن أبي خيثمة في شعراء الصحابة. وكان فاضلًا، عاقلًا، حاضر الجواب. وكان يتشيَّع في علي ﵁، ويُفضله ويثني على الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، ويترحَّم على عثمان ﵁. ودخل أبو الطُّفيل يومًا على معاوية. فقال له: كيف وجدُك علي خليلك أبى الحسن؟ قال: كوجْدِ أمِّ موسى على موسى، وأشكو إلى الله التَّقصير.
وقال معاويةُ يومًا: كنت فيمن حضر قتل عثمان؟ قال: لا، ولكني كنت فيمن حضره. قال فما منعك من تصرهِ؟ قال: وأنت ما منعك من نصره إذ
[ ١ / ١٤٧ ]
تربصت به ريب المنون، وكنت في أهل الشام، وكلُّهم تابع لك فيما تريد؟ فقال معاوية: أو ما ترى طلبي بدمه نُصرةً له؟ قال: بلى، ولكنك كما قال القائل:
لأُلقينَّك بعد الموت تندُبني وفي حياتي ما زوَّدتني زادي
ومنهم أبو الأسقع واثلة بن الأسقع بن عبد العُزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غِيرة بن سعد بن ليثٍ. أسلم، والنبيُّ ﵇، يتجهز إلى تبوك. ويقال: إنه خدم النبيَّ ﵇ ثلاث سنين. وكان من أهل الصُّفَّة، نزل البصرة، وله دار بها، ثم سكن الشام. وكان منزله على ثلاث فراسخ من دمشق بقريةٍ يقال لها " البلاط ". وشهد المغازي بدمشق وحمص. ثم تحوَّل إلى بيت المقدس، ومات بها، وهو الن مئة سنة. وقيل توفي في دمشق في آخر خلافة عبد الملك سنة خمس أو ست وثمانين، وهو أبن ثمانٍ وتسعين سنة.
روى عنه الشاميون: مكحول وعبد الله بن عامر اليحصبيُّ، أحد القراء السبعة. وشَدَّاد أبو عمار: وهو شدّاد بن عبد اله، ويروى شداد أيضًا عن أبي أُمامة الباهليُّ: وروى عنه الأوزاعيُّ وعكرمةُ بن عمار.
ومن بني عتوارة بن عامر بن ليث شَدَّادُ بن الهادي. قال مسلم بن الحجاج: يقال: اسم الهادي أسامةُ بن عمرو بن عبد الله بن بشر بن عتوارة بن عامر بن ليث. وقيل لأسامة أبيه الهادي، لأنه كان يوقد النار ليلًا لمن سلك الطريق. وكانت عند شدادٍ سلمى بنتُ عُميس، أخت أسماء بنت عُميس. فولدت له عبد الله بن شداد. وكان فقيهًا محدِّثًا. وهو ابن خالة عبد بن عباس وخالد بن الوليد وعبد الله بن جعفر الطيار ومحمد بن أبي بكر الصديق ويحيى بن علي بن أبي طالب.
[ ١ / ١٤٨ ]
وكان شدّاد سلفًا لرسول الله ﷺ ولأبي بكر الصديق وللعباس بن عبد المطلب. وسكن المدينة، وتحوَّل إلى الكوفة، وداره بالمدينة معروفة. من حديثه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صَلاتي العشاء. وهو حاملٌ أحدَ ابني ابنته: الحسن أو الحسين، الحديث.
روى عنه ابنُه عبد الله بن شداد وابن أبي عمار. وهو أبو عمر عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم. وسمع عمارُ بن أبي عمار أيضًا أبا قتادة الحرث بن ربعي السَّلميَّ الأنصاريَّ، وأبا هُريرة وابن عباس، روى عنه عوف الأعرابيُّ وشعبة ويونس.
ومن بني جُندع بن ليث عُمير بن قَتادة بن سعد بن عامر بن جُندع: سكن مكة. له صحبةٌ ورواية؛ روى عنه أبو داود في كتابه السُّنن. فقال: حدثنا إبراهيم بم يعقوب الجَوْزَجانيُّ قال: نا معاذ بن هانيء قال " نا جندب بن سوادٍ قال: نا يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان، عن عُبيد بن عُمير عن أبيه أنه حَدثه، وكانت له صحبةٌ، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن الكبائر فقال: " هنَّ تسع: الشركُ بالله، والِّحرُ، وقتلُ النفس التي حرَّم الله، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مال اليتيم، والتَّواني يوم الزحف، وقذف المحصنات، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلالُ البيت الحرام قِبلتِكم أحياءً وأمواتًا ".
ولم يرو عنه غيرُ ابنه عُبيد بن عُمير من كبار التابعين. وكان قاضي أهل مكة، ويُكنى أبا عاصم. وهو أولُ من قصَّ بمكة ومات بها سنة ثمانٍ وستين. وسمع عُبيدٌ أيضًا عمر بن الخطاب وعائشة وعبد الله بن عمرو بن العاصي. وروى عنه عطاء بن أبي رباح ومُجاهد. وقال البخاريُّ: إنه رأى النبيَّ ﷺ، وذكره مسلم بن الحجاج فيمن وُلد على عهد رسول الله ﷺ.
[ ١ / ١٤٩ ]
وابنه أبو هاشم عبد الله بن عُبيد بن عُمير: روى عن ابن عُمر وأبيه. ومات سنة ثلاث عشرة ومئة. وروى عنه الزهريُّ والضحاك بن عثمان.
وولد عبد الله بن عُبيد بن عُمير محمدًا: وكان ضعيفًا في الحديث. مسلم: حدثني عبد الرحمن بن بشر العبدي قال: سمعت يحيى ين سعيد القطان ذُكر عنده محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمير الليثي، فضعَّفه جدًا. فقيل ليحيى: أضعف من يعقوب بن عطاء؟ قال: نعم. ثم قال: ما كنت أرى أحدًا يروي عن محمد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمير.
ومنهم أمية بن الأسكر الجُندعي: حجازيٌّ أدرك الإسلام، وهو شيخ كبير، وكان شريفًا في قومه، وكان له ابنان ففرَّا منه. وكان أحدهما يسمى كلابًا، فبكاهما بأشعارٍ له، وكان شاعرًا، فردَّهما عليه عمر بن الخطاب، وحلف عليهما ألا بفارقاه أبدًا حتى يموت. خبره مشهور صحيح، رواه الزهريُّ وهشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزُّبير.
ومن بني جُندع بن ليث عطاء بن يزيد الليثيُّ: يُعدُّ من كبار التابعين. سمع أبا أيوب وأبا سعيد الخُدريَّ وأبا هُريرة. روى عنه الزهريُّ وسُهيل بن أبي صالح. وخرَّج عنه مالك والبخاريُّ ومسلم وغيرهم. روى عنه مالك في الموطأ جملة أحاديث، منها في كتاب الصلاة حديثين، وفي كتاب الجامع حديثين، كلُّها عن ابن شهاب عنه. فأما الحديثان اللذان في كتاب الصلاة فأحدهما حديث: " إذا سمعتُم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن " عن أبي سعيد الخُدريِّ. والثاني حديثُ الرجل الذي سارَّ رسول اله ﷺ في قتل رجلٍ من المنافقين عن عبيد الله بن عديِّ بن الخيار النَّوفليِّ القرشيِّ.
وأما الحديثان اللذان في كتاب الجامع، فأحدهما في المهاجرة عن أبي أيوب الأنصاريِّ، والثاني في التعفُّف عن المسألة عن أبي سعيد الخُدريِّ. وأما روايته عن أبي هُريرة فذكر مسلم: حدثني عبد الحميد بن بَيان الواسطيُّ قال: نا خالدُ بن عبد الله عن سُهيل، عن أبي عُبيد المَدحجيِّ قال مسلم: أبو عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هُريرة، عن رسول الله ﷺ: " من سَبَّح الله في دُبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين،
[ ١ / ١٥٠ ]
وحمِدَ الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر اللهَ فتلك تسعة وتسعون - قال: - تمام المئة: لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياهُ، وإن كانت مثل زبد البحر. وروى مالك هذا الحديث موقوفًا على أبي هُريرة في آخر كتاب الصلاة من الموطأ، عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عطاءٍ، عن أبي هُريرة. ويُكنى عطاءً أبا محمد. وتوفي سنة سبع ومئة، وهو ابنُ اثنتين وثمانين سنة.
ومن مولى بني جُندع بن ليث سعيد بن أبي سعيد المقبرُي: واسم أبي سعيد كيسان. وكان كاتبًا لرجل من بني جُندع بن ليث. فأدَّى كتابته، فعتق. وكان منزله عند المقابر، فقيل له المقبُري لذلك. وأكثر رواية أبي سعيد عن أبي هُريرة، وروى أيضًا عن عمر، وتوفي سنة مئة في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقيل: تُوفي بالمدينة في خلافة سليمان بن عبد الملك. وكان سعيد من سكان المدينة، وبها كانت وفاته في خلافة هشام سنة ثلاث وعشرين ومئة. وأكثر روايته عن أبيه ولمالك عن سعيد في الموطأ خمسة أحاديث، أحدها موقوف
ومن بني عامر بن ليث أبو واقد الليثي: واسمه الحرث بن عوف، وقيل: عوف بن الحرث، وقيل: الحرث بن مالك. قيل إنه شهد بدرًا، وكان قديم الإسلام. وقيل: إنه كان معه لواء بني ليثٍ وضمرة ابني بكر بن عبد مناة بن كِنانةَ يوم الفتح. وقيل: إنه من مُسلمة الفتح، والأول أصح وأكثر. وكان يُعدُّ في أهل المدينة. وروى عن النبي ﷺ، ورُوي عنه.
مالك عن ضمرة بن سعيد المازنيِّ عن عبد الله بن عُتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقدٍ الليثيَّ ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفِطر. فقال: كان يقرأ بقاف والقرآن المجيد، واقتربت الساعةُ، وانشق القمر.
وأخرج مُسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى التَّميميَّ عن مالك مثل ما نصَّه في الموطأ. وجاورَ أبو واقدٍ بمكة، ومات بها، ودفن في مقبرة المهاجرين سنة ثمانٍ وستين. وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة، وقيل: ابن خمسٍ وثمانين.
[ ١ / ١٥١ ]
ومن بني عامر بن الليث الصَّعب بن جَثامة بن قيس: وكان ينزل ودَّان من أرض الحجاز. روى عنه عبد الله بن عباس حديث الحمار الوحشي. مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصَّعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشياَ، وهو بالأيواء أبو بودان، فردَّه عليه رسول الله ﷺ. فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي قال: " إنا لم نَرْدُدْهُ عليك إلا أنَّا حُرُم ".
وروى عنه أيضًا شُريحُ بن عُبيد الحضرميُّ. ومات الصعب بن جثامة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁.
وأخوه مُحلِّم بن جَثامة: قاتل عامر بن الأضبط الأشجعي، وخبرهما مشهور في صحيح مسلم وغيره.
ومن بني يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث فَضالةُ بن عُمير بن الملوَّح. وهو الذي أراد قتل النبيِّ ﷺ، وهو يطوف بالبيت عام الفتح. فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ: " فضالةُ؟ " قال: نعم، فضالةُ يا رسول الله. قال: " ماذا كنت تحدِّث نفسك؟ " قال: لا شيءَ، كنت أذكر الله. قال: فضحك النبيُّ ﷺ ثم قال: " استغفر الله "، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبُه. فكان فضالةُ يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبُ إليَّ منه. قال فضالةُ: فرجعت إلى أهلي، فمررتُ بامرأة، كنت أتحدَّث إليها فقالت: هلمَّ إلي الحديث. فقلت: لا وانبعث فضالةُ يقول:
قالت: هلمَّ إلي الحديث. فقلت: لا يأبى عليكِ الله والإسلامُ
[ ١ / ١٥٢ ]
لو ما رأيت محمدًا وقبيله بالفتح يوم تكسَّرُ الأصنامُ
لرأيت دين الله أصبح بيِّنًا والشِّرك غشَّى وجَههُ الإظلامُ
ويعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث: هو الشَّدَّاخ. وقيل له الشدّاخ لأنه كان الذي أصلح بين قصيٍّ وخُزاعة وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة، إذ كانوا فوَّضوا إليه الحكم بينهم، ورضُوا به حكمًا. فحكم بأن قصيًا أولى بالكعبة ومكة منهم، وأنَّ كلَّ دمٍ أصابه قصي من خزاعة وبني بكر يشدخُه تحت قدميه، وأنَّ ما أصابت خُزاعة من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدِّيةٌ مُؤدَّاة. فسمِّي يعمر بن عوف يومئذ الشدّاخ لما شدخ من الدماء، ووضع منها.
ومن بني يعمر بن ليث مَعدان بن أبي طلحة اليعمريُّ: من التابعين وروى عن ثوبان مولى النبي ﵇. مسلم: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد: حدثنا شعبةُ: حدثني قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعدان بن أبي طلحة اليَعمريِّ، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: " من صلى على جنازةٍ فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيرطان، القيراطُ مثلُ أحدٍ ". مسلم: حدثنا أبو غسَّان المسمَعُّي ومحمد بن مُثنَّى وابن بشار، وألفاظُهم متقاربة قالوا: نا معاد بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعد، عن مَعدان بن أبي طلحة اليعمريِّ، عن ثوبان أن نبَّي الله ﷺ قال: " إني لبعُقر حَوضي أذودُ الناس لأهل اليمن، أضربُ بعصاي حتى يَرفضَّ عليهم "، فسئل عن عَرضه فقال: " من مَقامي إلى عُمان "، وسُئل عن شرابه فقال: " أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يُبعث فيه ميزابان يُمِدَّانه من الجنة؛ أحدهما من الذهب والآخر من وَرِقٍ ".
ومن بني الشدّاخ ابن دَأب: وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن دَأبٍ،
[ ١ / ١٥٣ ]
ويكنى أبا الوليد. وله عقب بالبصرة. وأخوه يحيى بن يزيد. وكان أبوهما أيضًا عالمًا بأخبار العرب وأشعارها. وكان شاعرًا أيضًا. والأغلبُ على آل دأب الأخبار.
ومن بني ليثٍ علقمةُ بن وقّاص: وُلد على عهد النبي ﵇، فيما ذكر الواقدي. ويدل على ذلك روايته عن عمر بن الخطاب: وهو من كبار التابعين. وتوفي في خلافة عبد الملك بن مروان بالمدينةز وله دار بها في بني ليث، وخرّضج عنه الأئمة.
وابنُ ابنه أبو عبد الله محمد بن عمرو بن علقمة: من شيوخ مالكٍ له عنه حديث واحدٌ مُسند في كتاب الجامع. مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه، عن بلال بن الحرث المزني أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظنُّه أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له رضوانهُ إلى يوم يلقاهُ، وان الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله ما كان يظُنُّ أن تبلُغ ما بلغت، يكتب الله له بها سَخطه إلى يوم يلقاهُ. وتوفي محمد بن عمرو بالمدينة، وكان من ساكنيها سنة أربع وأربعين ومئة في خلافة أبي جعفر المنصور، وكان كثير الحديث.
ومن بني يعمر ليث قباث بن أشيم بن عامر بن الملوَّح الكنانيُّ: سكن دمشق. وذكر البخاريُّ قال: حدثنا عبد الله بن يوسف: نا الوليد بن مسلم: نا ثور، عن يونس بن سيف، عن عبد الرحمن بن زياد، عن قباث بن أشيم الليثيِّ قال ك قال رسول الله ﷺ: " صلاةُ رجلين يَؤُمُّهما أحدهما أزكى عند الله من صلاة ثمانية، وصلاة ثمانية يؤمُّهم أحدُهم، أزكى عند الله من صلاة مئة تَترى ". ذكره البخاري في التاريخ. وفي جامع التِّرمذيِّ في باب ميلاد النبيِّ ﵇: وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم أخا بني يعمر ابن ليثٍ: أأنتَ أكبرُ أم رسولُ الله ﷺ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبرُ مني، وأنا أقدمُ منه في الميلاد. وُلد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على الموضع. قال: ورأيت خذق الطير
[ ١ / ١٥٤ ]
أخضر مُحيلا. وعن غير الترمذي: ووقفت بي أمي على روث الفيل وأنا أعقلُه. ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب " الصحابة ". وقال: إنَّ السائل لقباثٍ عبدُ الملك بن مروان.
ومن بني ليثٍ هشام بن صُبابة: أخو مقيس بن صُبابة، قُتل في غزوة ذي قرد مسلما. وذلك في سنة ستٍ من الهجرة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يُرى أنه من العدوِّ فقتله خطأ. وأمر رسولُ الله ﷺ بقتل أخيه مقيس يوم الفتح.
قال أبن إسحاق: وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لقتل الأنصاريِّ الذي كان قتل أخاه خطأ، ورُجوعه إلى مكة مشركًا. قتله نُميلةُ بن عبد الله من عامر بن ليث، رجل من قومه، فقالت أخت مِقيس في مقتله:
لَعمري لقد أخزى نُميلةُ رهطهُ وفجَّع أضْيافَ الشتاء بمقيس
ومن بني ليث عُروةُ بن أُذَينة: روى عنه مالك في الموطأ ما أسرُدهُ هنا. مالك عن عروة بن أذينة الليثيِّ أنه قال: خرجتُ مع جدَّة لي عليها مشيٌ إلي بيت الله. حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لأهلها يسأل عبد الله بن عمر، فخرجت معه. فسأل عبد الله بن عمر فقال له عبدُ الله بن عمر: مُرها فلتركب، ثم لتمش من حيثُ عجزت. وكان عروةُ شاعرًا مجيدًا في الغزل، مُبرِّزًا فيهز وهو القائل:
يا ديارَ الحيِّ بالأجمه لم تُبيِّن أيُّها كَلِمَه
[ ١ / ١٥٥ ]
الشعرُ له، وهو وضع لحنه. وهو القائل:
قالت، وأبثثتها وَجدي فَبُحتُ به: قد كنت عندي تحبُّ السِّتر، فاستتر
ألست تُبصر حولي؟ فقلتُ لها: غطَّي هواك وما ألقي على بصري
ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذي يقال فيه الرجل الصالحُ، وأنت تقول:
إذا وجدتُ أُوار الحبِّ في كبدي عَمدتُ نحو سقاء القوم أبتَردُ
هذا بَردتُ ببرد الماء ظاهرهُ فمن لنارٍ على الأحشاء تتَّقدُ؟
والله ما قال هذا صالح
ومنهم أنس بن عياض. الليثُّي المدنُّي: سمع أبا حازم وربيعة الرأي وجعفر بن محمدٍ. وكان يُكنى أبا ضمرة. خَرَّج عنه البُخاريُّ ومسلم وغيرهما كثيرًا.
ومنهم أبو النصر هاشم بن القاسم الليثي: سمع شعبة وجريرًا وأبا جعفر الرازي. ومن موالي بني ليث أبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم القارئ المديني مولى جعونَة بن شعوب الليثي: حليف حمزة بن عبد المطلب. أصله من أصبهان. وتوفي بالمدينة سنة تسع وستين ومئة. وقال نافع: قرأت على سبعين من التابعين.
ومن موالي بني ليث أبو حازم سلمةُ بن دينار: القاصُّ الحكيم الزاهدُ. وكان يقصُ في مسجد المدينة.. عن سُهيل بن سعد الساعدي. وتوفى في
[ ١ / ١٥٦ ]
خلافة أبي جعفر المنصور سنة أربعين ومئة. وهو أحد أشياخ مالك.
وابنه عبد العزيز بن أبي حازم: يكنى أبا تمام. ومات وأصل أبي حازم من فارس، وحضر عند سليمان عند سليمان بن عبد الملك مجلسا
ومن الدئل بن بكر، أخى ليث بن بكر نوفل بن معاوية بن عمرو، وأحد بني نفاثة بن عديِّ بن الدُّئل. وكان أبوه معاوية على الدُّئل في الفجار الأول. وعُمِّر نوفل في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة. أسلم بعد الخندق، وحجَّ مع أبي بكر الصديق سنة تسع. وحجَّ مع النبي ﵇ سنة عشر حجَّة الوداع. وسكن المدينة، ولم ينزل بها حتى توفي زمن زيد بن معاوية.
روي عن النبي صلى الله عيه وسلم أحاديث وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن وهشام عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود وعراك بن مالك.
ومنهم أبو أناس: وهو ابن زنيم الدُّؤلي، وزنيم جده. وهو من أشراف كنانه. وكان أبو أناس شاعرا. وهو القائل يتعذر إلى صلى الله عيه وسلم ﷺ، ممَّا قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعيُّ حين صبَّحُوهم بالوتير، وأنه هاجا النبيَّ ﵇، من قصيدة:
أنت الذي تُهدّى مَعَدٌّ بأمرهِ بلِ اللهُ يَهْديهمْ وقالَ لكَ: اشْهد
وما حَملتَ من ناقةٍ فوقَ رحِلها أَبَرَّ وأَوفى ذمَّةً من محمدِ
أَحَثَّ على خيرٍ وأَوسعَ نائلًا إذ راحَ كالسَّيف الصَّقيل المهنَّدِ
[ ١ / ١٥٧ ]
وأكسى لبُرْدِ الخال قبلَ اجتدائهِ وأعطى لرأسِ السابقِ المُتجرِّد
تَعلَّمْ رسول الله أنِّك مُدرِكي وأنَّ وعيدًا منكَ كَالأَخذِ باليدِ
ونَبَّئوا رسولَ الله أنِّي هَجوتُهُ فلا حَملتْ سَوطي إليَّ إذًا يدِي
وقال أبن إسحاق في السيرة: إنَّ قائل هذه القصيد هو أنس بن زنيم، وعمُّ أبي أناس سارية بن زنيم هو الذي قال فيه عمر بن الخطاب: يا سارية الجبل. وهو يخطب، والخبر مشهور.
وابنه أنس بن أبي أناس: كان شاعرا: وهو القائل لأخيه أُسيد، وكان أيضا شاعرا، حين تزوج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة، فأعطاها ألف ألف درهم أبياتا يبلغها عبد الله بن الزبير بمكة:
أَبلغَ أميرَ المؤمنينَ رسالةً من ناصحٍ لكَ لا يُريدُ وَداعا
بُضْعُ الفتاةِ بألفِ ألفٍ كاملٍ وتَبيتُ ساداتُ الجنودِ جٍياعا
لو لأبي حفصٍ أقولُ مقالتي وأقُصُّ شأنَ حديثهِمْ لارتْاعا
ومن بني الدُّئل ربيعة بن عباد الدُّؤلي: روي عن ابن المنكدر وأبو الزِّناد وزيد بن أسلم وغيرهم. يُعدُّ في أهل المدينة، وعُمِّر عمرا طويلا. ويقال: ربيعة بن عباد، والصواب عندهم بالكسر. من حديث أبي الزناد عن ربيعة بن عباد أنه رأى النبيِّ صلى الله عيه وسلم بذي المجاز، وهو يقول:) يا أيها
[ ١ / ١٥٨ ]
الناسُ لا إله إلا الله تُفلحوا (. ووراءه رجل أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ، إنه صائب كذاَّب. فسألت عنه فقالوا: هذا عمّه أبو لهب. قال ربيعة: وأنا يومئذ أزفر القرب لأهلي.
ومنهم أبو الأسود الدَّولي: وأسمه ظالم بن عمرو. وكان عاقلًا، حازمأً، بخيلا. وهو أول من وضع العربية. وكان شاعرًا مجيدًا. وشهد صفين مع علي، وولي البصرة لأبن العباس. وفلج بالبصرة، ومات بها وقد أسن.
وابنه أبو حرب: يروى عنه حديث. وكان أبو الأسود، ﵀، مَّمن صحب عليًا ﵁. وكان من المتخفَّفين بمحبته ومحبه والده. وفي ذلك يقول:
يقولٍ الأرذلونَ بنو قُشيرٍ: طَوالَ الدهرِ ما تَنسى عليا
ً أحبُّ محمدًا حبًا شديدًا وعباسًا وَحمزةَ والوَصيَّا
بنو عمِّ النبي وأقربوهُ أحَبٌّ الناسِ كلِّهِمُ إليَّا
أحبَّهمُ بحبَّ الله حتى أجىء إذا بٌعثْتُ على هَوَيَّا
هوى أعْطيتُهُ منذ استدارت رحى الإسلاِم لم يَعدِلْ سويًَّا
فأن يكُ حبٌّهمْ رُشدًا أُصبْهُ ولست بمخطىء إن كانَ غَيَّا
[ ١ / ١٥٩ ]
وكان نازلًا في بني قشير بالبصرة، وكانوا عثمانية. فكانوا يرجمونه بالليل لمحبته لعلىَّ وولده. فإذا أصبح وذكر رجمهم قالوا: الله يرجمك. فيقول لهم: تكذبون. لو رجمني الله لأصابني، وأنتم ترجمون ولا تصيبون.
وفي الكامل أنه كان يقول لهم: كذبتم والله، لو كان الله يرميني ما أخطأني. وكان تقش خاتمه
يا غالبي حسبُكَ من غالب إرحمْ علي بن أبي طالب
يلوموني أنْ بعتُ بالرُّخص منزلي ولم يعلموا جاَرًا هناكَ بنغِّصُ
فقلت لهم: بعضَ الملام فإنَّما بجيرتها تَعلو الديارُ وتَرخُصُ
ودخل أبو الأسود على عبيد اله بن زياد، وقد أسنَّ. فقال له عبيد الله يهزأ به يا أبا الأسود:
أخنى الشباب الذي أفنيتُ جدَّته كرُّ الجديدين من آتٍ ومُنطلق
ومن بني ضَمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة عمرو بن أُمية بن خُويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب الضَّمريُّ: وهو وأبوه من الصحابة، وصحبةُ عمرو، أشهر. وكان من رجال العرب نجدة وجرأة. وشهد بدرًا وأُحدًا مع المشركين، ثم أسلم حين انصرف المشركون من أُحد، وشهد بئر معونة، وهي أول مشهدٍ له مع المسلمين. فأسرهُ عامر بن الطُّفيل يومئذ، وقال له: انه كان على أميِّ نسمة، فاذهب فأنت حرٌّ عنها. وجزَّ ناصيته.
[ ١ / ١٦٠ ]
وكان رسول الله ﷺ يبعثه في أموره. بعثه ﵇ إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة. وقال الواقديَّ: بعثه رسول الله ﷺ في سنة الست النَّجاشيِّ بكتاب يدعوه إلى الإسلام. فأسلم النجاشي، وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله.
وهو معدود في أهل الحجاز. روى عنه أبناه: جعفر بن عمرو بن أمية وعبد الله بن عمرو بن أمية وابن أخيه الزِّبرقان بن عبد الله بن أمية.
ومنهم جعيل بن سراقة: وهو من خيار الصحابة. وقال فيه قائل من أصحاب رسول الله ﷺ للنبي ﵇: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مئةً مئةً الإبل، وتركت جعيل بن سراقة الضَّمريَّ! فقال رسول الله ﷺ: " أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض، كلهم مثل عيينة والأقرع، ولكنَّي تأَّلفتهما ليسلما، ووكل تجعيل بن سراقة إلى إسلامه ".
ومن بني غفار بن مليلٍ بن ضمرة أبو ذر جندب بن جنادة: واختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا. والصحيح جندب، وهو قديم الإسلام، أربعةً، فكان خامسهم. وله في إسلامه خبر حسن. وروي من حديث ابن العباس عنه، ومن حديث عبد الله بن الصَّامت عنه. فأما حديث ابن عباس فهو صحيح مسلم وفي سُنن أبي داود. وأما حديث عبد الله بن الصامت، وهو ابنُ أخي أبي ذرٍّ، ويُكنى أبا نصر، فذكره مسلم في صحيحه.
وحدَّث الليث بن سعدٍ عن يزيد بن أبي حُبيب قال: قدم أبو ذرَّ على النبي ﷺ، وهو بمكة، فأسلم ثم رجع إلى قومه، فكان يسخر بآلتهم. ثم إنه قدم على رسول الله ﷺ. فلما رآه وَهم في اسمه فقال: " أَأنت أبونملة؟ ". فقال: أنا أبو ذر. قال: " نعم، أبو ذر ". وكان ﵁ من الزهَّاد. وقال النبيُّ ﷺ فيه: " ما أظلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء من ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذَرٍّ ". الخضراء: السماء. والغبراء:
[ ١ / ١٦١ ]
الأرض. وقال رسول الله ﵇: " أبو ذر في أمتي على زُهد عيسى ابن مريم ".
وقال علي ﵁: وعى أبو عِلمًا عَجَز الناس عنه، ثم أوكى عليه فلم يُخرج شيئًا منه. وتوفي ﵁ بالرَّبذة مُسيرًا إليها بأمر عثمان سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين، وليس له عقب. وصلى عليه عبدُ الله بن مسعود، وجد جنازتهُ على قارعة الطريق، وهو سائر في ركب من العراق إلى المدينة. وقال ابن قُتيبة في " المعارف ": حدثني أبو الخطاب قال: حدثنا أبو عتَّاب سهل بن حمَّادٍ قال: حدثنا عمرو بن ثابت عن أبي 'سحاق عن حنش بن المُعتمر قال: جئت وأبو ذرٍّ آخذ بحلقه باب الكعبة، وهو يقول: أنا أبو ذرٍّ الغِفاريُّ من لم يعرفني فأنا جُندب صاحب رسول الله ﷺ. سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " مثل أهل بيتي مثل: سفينة نوح؛ من ركبها نجا ".
وفي غِفار قال النبيُّ ﷺ ما ذكره مسلم في مسنده الصحيح وغيرُهُ.
مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقُتيبة وابنُ حُجر قال يحيى بن يحيى: نا، وقال الآخرون: نا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار أنه سمع بن عُمر قال: قال رسول الله ﷺ: غِفار غفر اللهُ له، أسلم سالمَها الله، وعُصيَّةُ عصت الله ورسوله ".
مُسلم عن عبد الله بن الصَّامت عن أبي ذرٍّ قال: لي رسول الله ﵇: " إئتِ قومك فقل: 'نّض رسول الله ﷺ قال: أسلمُ سلمَها اللهُ، وغِفار غفر اللهُ لها ".
مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " أسلمُ سالمها اللهُ، وغفارُ غفر اللهُ لها، أما إني لم أقلها بل قالها الله ﷿ ". مسلم عن
[ ١ / ١٦٢ ]
خُفاف بن أيماء الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ في صلاة: " اللهمَّ العنْ لِحْيانَ ورِعلًا وذَكوان وعُصيَّةَ عصوا الله ورسوله، غفار غفر الله لها، وأسلم سالمَها الله ".
ولم يشهد أبو ذر بدرًا ولا الخندق، لأنه حين أسلم بمكة رجع إلى قومه، فأقام حتى مضت هذه المشاهُ، ثم قدم المدينة على رسول الله ﷺ.
وأخوه أُنيسُ بن جُنادة: أسلم معه قديمًا. وأسلمت أمُّهما وصدَّقت. واسمها رملة بنت الوقيعة من بني غفار. " وكان " أُنيس شاعرًا..
ومن بني غفارٍ خُفاف بن إيماء بن رَخَضَةَ بن خُربَّة الغفاري: أسلم إيماء أبوه قريبًا من الحديبية، وشهد خُفاف الحديبية. وكان إمام بني غفار وخطيبهم. وتُوفي في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة، يُعدُّ في المدنيين. روى عنه عبد الله بن الحرث وحنظلة بن علي الأسهميُّ. ويقال: إن لخفاف هذا ولأبيه إيماء ولجدِّه رحضَة صُحبة. كلُّهم صحب النبيَّ ﷺ. وكانوا ينزلقون عيقة من بلاد غفارٍ، ويأتون المدينة كثيرًا.
ومنهم أبو بصرة حُميل بن بصرة بن وقاص بن حبيب بن غفار: له ولابنه بصرة صحبة. وهما معدودان فيمن نزل مصر من أصحاب رسول الله ﷺ. وحديثُ مالك في الموطأ عن يزيد ين الهادي، عن محمد بن إبراهيم التَّيمي، عن أبي هُريرة قال: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاريَّ فقال: من أين أقبلت؟: فقلت: من الطُّور. فقال: لو أدركتُك قبل إن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تعملُ المطيُّ إلا إلى ثلاثة مساجد.. الحديث. لا يوجد هكذا إلا في الموطأ لبصرة بن أبي بصرة. وإنما الحديث لأبي هُريرة. فلقيت أبا بصرة، يعني أباه، هكذا رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي هُريرة. وكذلك رواهُ سعيد بن المسيَّب وسعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هُريرة، كلُّهم بقول فيه: فلقيت أبا بصرة وأظنُّ الوهم جاء فيه من قبل يزيد ين الهادي، والله أعلمُ.
[ ١ / ١٦٣ ]
ومنهم أبو مسلم أُهبان بن صيفي الغفاريُّ: له صحبة. وقال البخاري: وُهبان بالواو. وهو من ولد حرام بن غفار. نزل البصرة، واتَّخذ بها دارًا، وسمع من النبي ﷺ: " إذا كانتِ الفتنةُ فاتَّخذ سيفًا من خشبٍ ". ولم يقاتل مع علي لهذا الحديث. ولما حضره الموتُ قال: كفِّنوني في ثوبين. قالت ابنته عُديسةُ: فزدنا ثالثًا قميصًا، ودفناه. فأصبح ذلك القميصُ على المشجب موضوعًا ". روى خَبره هذا ثقات، منهم: محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، ومُعتمر بن سليمان عن المعلَّى بن جابر قال: حدثني عديسةُ بنةُ وُهبان الغفاري بذلك كله.
ومنهم جهْجاةُ بن سعيد الغفاري: وكان من فقراء المهاجرين، أجيرًا لعمر بم الخطاب. وهو الذي تنازع مع سنان بن وَبرة الجهني في غزوة بني المصطلق على الماء، فازدحما حتى اقتتلا، فصاح جهجاة: يا للمهاجرين. وصاح سنان: يا للأنصار. والخبر المشهور.
ومنهم أبو رُهم كلثوم بن الحُصين بن عتبة بن خلف: وكان من أصحاب رسول الله ﷺ الذين بايعوا تحت الشجرة. قال أبو اليقظان: وفي غفار رهط يقال لهم بنو النار، رجل ليست ماء بدرٍ إليه.
ومن بني ضمرة البرّاض بن قيس: وهو الذي يقال فيه: أَفتك من البرّاض، وهو الذي فتك بعُروة الرحَّال بن عُتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. وكان ذلك الذي هيَّج حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عَيلان. وقتل البرّاض عروة الرحَّال في أحد الأشهر الحرم. وقال البرّاض في ذلك:
وداهيةٍ تهمُّ الناس قَبلي شَدَدتُ لها بني بكر ضلوعي
هدمتُ بها بيوتَ بني كلابٍ وأرضعتُ المواليَ بالضَّروعِ
[ ١ / ١٦٤ ]
رفعتُ له بذي طَلاَّل كفِّي فخرَّ يميدُ كالجِذع الصَّريع ومنهم مَخشيُّ بن عمرو: وهو الذي عاقد النبيَّ ﵇ على بني ضمرة في غزوة ودَّان. وهي أول غزوة غزاها بنفسه ﷺ في صفر على رأسِ اثني عشر شهرًا من مقدمة المدينة. وكان مَخشيُّ سيد بني ضمرة في زمانه.
وأما عامر بن عبد مناة بن كنانة: فولد جذيمة بن عامر، والنسبُ إليه جَذميّ. وبنو جذيمة هم الذين قتلهم خالد بن الوليد بالغُميصاء إثر فتح مكة، وكانوا أسلموا. ولم يقبل خالد قولهم وإقرارهم بالإسلام. فبعث إليهم رسول ﷺ عليَّ بن أبي طالب فودى لهم جميع قتلاهم، وردَّ إليهم ما أخذ لهم. وقال علي: انظروا إن فقدتم عقالًا أدَّيته إليكم، فبهذا أمرني رسول الله. ورفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: " اللهمَّ إني أبرأُ إليك من صُنع خالد ".
وأما مُرةُ بن عبد مناة بن كنانة، فولد مُدلج بن مرة. فمن بني مُدلج، وهم القافةُ: سُراقة بن مالك بن جُشعم بن مالك بن عمرو بن مالك بن تيم بن مُدلج: يُكنى أبا سفيان. وهو الذي اتبع النبيَّ ﷺ حين هاجر إلى المدينة، ليَردَّه على قريش. وكانت قريش جعلت لمن ردَّه عليهم مئة ناقة. فلما أدرك سراقةُ رسول الله ﷺ، وقرُبَ منه غاصت قوائم فرسه في الأرض، وسقط عنه. ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دُخان كالإعصار. فقال: أنظروني أكلمكم، فوا لله لا أريبكم ولا أدل عليكم ولئن لقيتُ أحدًا يطلبُك يا محمد لأردَّنَّه عنك. فقد علمتُ أنك مَمنوع ممَّن أرادك. وإن شئت فخذ سهمًا من كنانتي، فإذا مررت ببني فلان فادفعهُ إليهم، وخذُ من غنمي ما شئت. فقال النبي ﷺ: " لا حاجة لنا في غنمك ". وقيل: إنه قال للنبي ﵇.. فخُذ سهمًا، فإنك ستمرُّ على إبلي بمكان كذا وكذا،
[ ١ / ١٦٥ ]
فخذ منها حاجتك ﵇: " لا حاجة لنا في إبلك ".
فقال: يا محمد، اكتب لي كتابًا يكون علامةً بيني وبينك. فقال النبي ﷺ لعامر بن فُهيرة: " اكتب ". قال: فكتب له عامر كتابًا في قطعة أدمٍ أو في عَظم أو في رقعةٍ. فأخذ الكتاب ورجع إلى قريش، ولم يذكر شيئًا ممَّا كان. ذكر البخاريُّ أن كاتب الكتاب لسراقة عامر بن فُهيرة. وقال ابن إسحاق: كتبه أبو بكر الصديقُ ﵁. قال سراقة: حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ، وفَرغ من حُنين والطائف خرجتُ ومعي الكتاب لألقاه. فلقيته بالجِعرانةِ قال: فدخلتُ في كتيبة الأنصار. قال فجعلوا يقرعُونني بالرماح، ويقولون: إليكَ إليك، ماذا تريد؟ قال: فدنوتُ من رسول الله ﷺ، وهو على ناقته، والله لكأني أنظرُ إلى ساقه في غرزه كأنها جُمارة. قال فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك، أنا سُراقة بن جُعشم. قال: فقال رسول الله ﷺ: " يومُ وفاءٍ وبرِ، أدْنُهْ ". فدنوت منه، وأسلمتُ. ثم تذكرتُ شيئًا أسألُ رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله الضالَّة من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتُها لإبلي، هل من أجرٍ في أن أسقيها؟ قال: " نعم، في كلِّ ذات كبدٍ حرَّي أجر ". قال: ثم رجعتُ إلى قومي، فسُقت إلى رسول الله ﷺ صدقني.
وفي صحيح مسلم عن البَراءِ بن عازب وأبيه حديثُ الهجرة " مع " أبي بكر الصديق، قصةُ سُراقةَ حين اتبع رسول الله ﷺ، يقول أبو بكر: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، واتَّبعنا سراقة بن مالك. قال: ونحن في جَدَدٍ من الأرض. فقلت: يا رسول الله أُتينا. فقال: " لا تحزن إن الله معنا ". فدعا عليه رسول الله ﷺ، فارْتَطمت فرسه إلى بطنها فقال: إني قد علمتُ أنكما قد دَعوتما عليَّ، فادعوا لي، فاللهُ لكما أن أردَّ عنكما الطَّلب.
[ ١ / ١٦٦ ]
فدعا الله، فنجا، فرجع، لا يلقى أحدًا إلا قال: قد كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدًا إلا ردَّه. قال: ووفى لنا.
وسراقةُ هو القائل لأبي جهل بن هشام حين رَجَعَ من اتِّباع رسول الله ﷺ في الهجرة، وكان شاعرًا مجيدًا
أبا حكمٍ والله لو كنت شاهدًا لأمر جوادي إذ تَسوخُ قوائمُه
علمت ولم تَشْكَك بأنَّ محمدًا رسول ببُرهانٍ فَمَن ذا يُقاومُه؟
عليك بكفِّ القوم عنه فإنني أرى أمره يومًا سَتبدو مَعالمه
بأمر يودُّ الناسُ فيه بأسرهم بأن جميع الناس طُرأً يُسالمُه
وسراقةُ هو الذي تبدَّى إبليس على صورته لما أجمعت قريش المسير إلى بدر.
وذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة. فكان ذلك يَثنيهم. فقال لهم إبليس، وهم يظنونه سُراقة: أنا لكم حارٌ من أنْ تأتيكم كنانةُ بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعًا فلما التقى الجمعان ببدرٍ، ورأى إبليس جنود الله من الملائكة قد نزلت للنصر والإمداد نكص على عقبيه، وقال للمشركين: " إني بريء منكم، إني أرى مالا ترون ". قال أبن إسحاق: وعُمير بن وهب الجُمحيُّ والحرث بن هشام المخزوميُّ: قد ذُكر لي أحدهما هو الذي رأى إبليس يوم بدر، قد نكص على عقبيه: فقال: أين أي سُراق؟ ومثل عدوِّ الله، فذهب. فأنزل اللهُ ﵎:) وإذ زينَّ لهُم الشيطانُ أعمالهم وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جارٌ لكم (فذكر استدراج إبليس إياهم، يستشهدُ بسراقة من مالك بن جُعشُم لهم، لأنهم كانوا يرونه في كل
[ ١ / ١٦٧ ]
منزلٍ في صورة سُراقة، لا يُنكرونه. حتى إذا كان يوم بدرٍ، والتقى الجمعان نكص على عقبيه فأوردهم ثم أسلمهم.
قال ابن هشام: نكص: رجع. قال أوسُ بن حجر أحدُ بني أُسيد بن عمرو بن تميم:
نكَصتُم على أعقابكم يوم جئتم تُرجُّون إقفال الخميس العرمرم
وروى الحسن البصريُّ أن رسول الله ﷺ قال لسراقةَ بن مالك: " كيف بكَ إذا لبستَ سِواري كسرى؟ فلما أُتي عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه إياهما. وكان سُراقة رجلًا أزبَّ؛ كثير شعر الساعدين. وقال له: ارفع يديك فقل: اللهُ أكبرُ، الحمدُ لله الذي سلبهما كسرى بن هُرمز الذي كان يقول: أنا ربُّ الناس، وألبسهما سراقةَ بن مالك بن جُعشم أعرابيٌّ من بني مُدلج، ورفع بها عُمر صوته.
وكان سراقةُ من أشراف مُدلج، يعدُّ في أهل المدينة. وكان قُدَيدًا. ويقال: إنه سكن مكة. روى عنه من الصحابة ابن عباس وجابر. وروى عنه من التابعين سعيدُ بن المسيَّب وابنه محمد بن سراقة. ذكر عبدُ الرزاق عن ابن عُيينة، عن وائل بن داود، عن الزهري، عن محمد بن سراقة، عن أبيه سراقة بن مالك أنه جاء إلى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، أرأيت الضالَّةَ تردُ على حوض إبلي، ألي أجرٌ إن سقيتُها؟ فقال: في الكبد الحرَّي أجر.
مات سراقةُ سنة أربع وعشرين في صدر خلافة عثمان. وقيل إنه مات بعد عثمان.
ومن بني مُدلج وقاص بن مُحرِّز: استشهد يوم ذي قَردٍ حين أغار عيينةُ ابن حصنٍ على لقاح النبي ﵇.
[ ١ / ١٦٨ ]
ومن كنانة أبو ليث بن العلاء الكناني: سمع روح بن عُبادة. ومنهم حيَّان بن هلال الكناني أبو حبيب: سمع شعبة وحماد بن سلمة.
ومن موالي كنانةَ أبو معبد عبدُ الله بن كثير الكناني الداريُّ الفطَّار: وهو قارئ أهل مكة، من أبناء فارس. وكان من الطبقة الثانية من التابعين. ألقى من الصحابة عبد الله بن السائب المخزومي، وقرأ عليه وعلى مجاهد بن جبر وقرأ على دِرباس مولى ابن عباس، وتوفي بمكة سنة عشرين ومئة.
خُزيمة بن مُدركة: وولد خُزيمة كنانة، وقد تقدَّم ذكره، وأسدًا، والهَون وهو أبو القارة، والقارةُ هم رماةُ الحدقِ. وفيهم قيل: " قد أنصف القارة من راماها ". وقال شاعر هم:
دعونا قارةً لا تُنفِرونا فنُجفِل مثل إجفال الظَّليم
والظليمُ: ذكر النعام.
وفي القارة من الصحابة: مسعود بن ربيعة بن عمرو بن عبد العُزَّى ابن حمالة بن غالب بن مُحلِّم بن عايذة بن سُبيع بن الهَون بن خُزيمة: شهد بدرًا، واستُشهد يوم خيبر، قال ابن ماكولاء: هو أَيثعُ بن الهَون؟. وقال ابن دريد: ييثعُ، وهو مأخوذ من ثاع - يثيعُ إذا اتَّسع.
ومن القارة عبد الرحمن بن عبد القارئ: وُلد على عهد رسول الله ﷺ، وليس له منه سَماع، ولا لهُ عنه روايةٌ. وقال الواقدي: هو صحابي
فلما دخل عليه قال له: بلغني أنك ذو بديهةٍ، فقل في هذه الجارية؛ لجارية
[ ١ / ١٦٩ ]
قائمة على رأسه. فقال جرير: مالي أن أقول فيها حتى أتأملها، ومالي أن أتأمل جارية الأمير. قال: بلى، فتأمَّلها واسألها. فقال لها: مل اسمك يا جاريةُ؟ فأمسكت. فقال لها الحجاجُ: خبرَّيه يا لخناء. فقالت: أمامةُ. فقال جرير:
ودِّع أمامةَ حان منك رحيلُ إنَّ الوَداع لمن تحبُّ قليلُ
مثلُ الكثيب تمايلت أعطافُهُ فالريحُ تَجبُرُ متنَهُ وتَهيلُ
هذي القلوبُ صواديًا تَيَّمتِها وارى الشفاء وما إليه سَبيلُ
فقال الحجاجُ: قد جعل اللهُ لكَ السبيل إليها، خذْها هي لم. فضرب بيدهِ إلى يدها، فتمنَّعت عنه. فقال:
إنْ كان طِبَّكُم الدَّلالُ فإنهُ حسنٌ دلالُكِ يا أُمامُ جَميلُ
فاستُضحك الحجاجُ، وأمرَ بتجهيزها معه إلى اليمامة. وخُبِّرت أنها كانت أهل الرَّيَّ، وكان إخوتُها أحرارًا، فاتبعوهُ فأعطوهُ حتى بلَّغوه عشرين ألفًا. فلم بفعل. وفي ذلك يقول:
إذا عَرضوا عشرين ألفًا تعرَّضت لأمِّ حكيمٍ حاجةٌ هي ماهيا
لقد زدت أهل الريِّ عندي محبةً وحبَّبتِ أضعافًا إليَّ المواليا
[ ١ / ١٧٠ ]
فأولدها بلالًا وحكيمًا ونوحًا. ويقال إنَّ الحِمَّانيَّ قاولَ بلالًا ذات يوم، فيما كان بينهما من الشرِّ. فقال يا بن أمِّ حكيم. فقال له بلال: ما تذكر من ابنه دهقان، أخيذةِ أماحٍ، وعطيةُ مالك ليست كأمك التي بالمُّروت تغدو على إثر ضانها، كأنما عَقِباها حوافر حمار فقال له الحِمُّانيُّ. أنا أعلم بأمِّك، إنما عتب عليها الحجاجُ في أمرٍ اللهُ أعلمُ به. فحلف أن يدفعها إلى ألأم العرب، فلما رأى أباك لم يَشْكُكْ.
قال أبو عبيدة: حجَّ الفرزدق، فعاهد الله بين الباب والمقام أن لا يهجوَ أحدًا، وأنْ يقيِّد نفسه، حتى يجمع القرآن قالت رَيداء بنتُ جرير: فمرَّ بنا الفرزدق حاجًا، وهو مُعادل النَّوار بنت أعين بن ضُبيعة امرأته، حتى نزل بلُقاط، ونحن بها، فأندى له جرير، ثم أتاه فاعتذر إليه من هجائه البعيث، وقال: فعل وفعل. ثم أنشده جرير، والنوار خلفه في فُسيطيط صغير. فقالت: قاتلهُ الله، ما أرقَّ منسبته وأشدَّ هجاءه! فقال لها الفرزدق: أترين هذا؟ أما إني لن أموت حتى أُبتلى بمهاجاته. فلما قدِمَ الفرزدق البصرة قيَّد نفسه، وقال توبةً من الشعر:
ألم تَرَني عاهدتُ ربي وإنني لَبينَ رِتاجٍ قائمًا ومقام
على قسمٍ لا أَشْتِمُ الدهرَ مُسلمًا ولا خارجًا من فيَّ سوء كلامِ
" وأمضى " كذلك مدةً، ثم بلغه فحشُ جريرٍ بنساء مجا شع، فأحفظه ذلك ففضَّ قيده، وقال - وهو مُتخيَّرٌ من قصيدة:
[ ١ / ١٧١ ]
ألا استَهزَأتْ مني هُنيدةُ أن رأتْ أسيرًا يُداني خَطوَهُ حَلَقُ الحجْلِ
لَعَمري لَئِن قيَّدتُ نفسي لطالما سَعَيتُ وأوضعتُ المطيَّةَ في الجهلِ
فإن يكُ قَيدي كان نَذرًا نَذرته فما بيَ عن أحسابِ قوميَ من شُغلِ
أنا الضامنُ الراعي عليهم وإنما يُدافعُ عن أحسابهم أنا أو مِثلي
ولو ضاعَ ما قالوا: ارْعَ منَّا، وجدتَهُمْ شِدادًا على العالي من الحَسيِ الجزلِ
فمهما أعِشْ لا يُضْمنوني ولا أَضَعْ لهمْ حَسَبًا ما حرَّكت قَدمي نَعلي
ولستُ إذا ثارَ الغبارُ على امرئ غداةَ الرِّهانِ بالبطيءِ ولا الوَغْلِ
ولكنْ تُرى لي غايةُ المجد سابقًا إذا الخيلُ قادتها الجيادُ مع الفَحْلِ
وإني لَمِن قومٍ يكونُ غسول هم قِرَي فأرةِ الداريِّ تُضْرَب في الغَسلِ
فَما وجدَ الشافونَ مثلَ دِمائنا شِفاءٌ ولا الساقونَ من عسلِ النَّحلِ
[ ١ / ١٧٢ ]
ولجرير في الفرزدق من قصيدة طويلة:
يُوصِّل حَبليه إذا جنَّ ليلُهُ ليرقى إلى جاراتهِ بالسلالم
أتيتَ حدودَ اللهِ مُذ أنت يافعٌ وشِبتَ فما نهاكَ شيبُ اللهازمِ
تَتَبَّعُ في الماخور كلَّ مُريبةٍ ولستَ بأهلِ المُحْصَناتِ الكرائمِ
تَدَلَّيتَ تزنى من ثمانين قامةً وقصَّرت عن باعِ العُلا والمكارمِ
عيَّره بقوله:
هُما دلَّتاني من ثمانين قامةً كما انقضَّ بازٍ أقثَمُ الريشِ كاسِرُه
ثم قال جرير:
فإنكَ لا مُوفٍ بجارٍ أجرتَهُ ولا مُستَعفٌّ عن خَبيث المطاعِمِ
هو الرِّجسُ يا أهل المدينة فاحذروا مَداخلَ رِجسٍ بالخبائث عالمِ
لقد كان إخراجُ الفرزدقِ عنكمُ طَهورًا لما بين المصلَّى وواقمِ
[ ١ / ١٧٣ ]
وقال جرير، وكان اشترى مولىً من بني حنيفةَ من أهل اليمامة، يقال له: زيدُ بن النَّجار، جاريةً فأبغضته، وجعلت دمعتها لا ترقأُ على زيد:
تُكلِّفني معيشةُ آل زيدٍ ومن لي بالمراقَّق والصِّنابُ
وقالت: لا تضمَّ كضمِّ زيدٍ وما ضَمِّي وليس معي شبابي
فأجابه الفرزدق
فإن تَفرُكْكَ عِلجةُ آل زيدٍ ويُعْوزُكَ المُرقَّقُ والصِّنابُ
فقِدْ مًا كان عيشُ أبيك مرًا يعيشُ بما تعيشُ بهِ الكلابُ
ولجرير في الغزل، وأحسنَ:
إن العيون التي في طرفها مَرضٌ قَتَلْننا ثم لم يُحيينَ قَتْلانا
يصرعْنَ ذا اللبِّ حتى لا حراكَ به وهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانا
ومن بني غُدافة بن يربوع بن حَنظلة وكيعُ بن حسان بن قيس بن أبي سودٍ: قاتل قتيبةَ بن مسلم الباهليِّ في خرسان في خلافة سليمان بن عبد
[ ١ / ١٧٤ ]
الملك. ولجدِّه أبي سودٍ بن وكيع صحبةٌ ورواية. روى عن النبي ﷺ في اليمين الفاجرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اليمينُ التي يقطع الرجلُ بها مالَ أخيه تُعقم الرحم ". رواه عبد الرزاق عن معمرٍ عن رجلٍ من بني تميم، عن أبي سودٍ. وكان وكيعٌ من سادات تميم وأبطالها، وكانت فيه أعرابيةٌ وغفلةٌ يُخدع بها.
خاصم إلى إياس رجلٌ رجلًا في دين، وهو قاضي بالبصرة، وطلب منه البيِّنة، فلم يأته بمَقنع. فقيل للمُطالب: استجر وكيع بن أبي سُود حتى يشهدَ لكَ، فإن إياسًا لا يجتريءُ على ردِّ شهادتك. فقال وكيعٌ: واللهِ لأَشْهدنَّ لك، فإن ردَّ شهادتي لأعمِّمنَّه السيف. فلما طَلع وكيعٌ فهم إياس فأقعده إلى جانبهِ، ثم سأله عن حاجته، فقال: جئتُ شاهدًا. فقال له: يا أبا المطرف، أتشهدُ كما تفعل الموالي والعجمُ وأنت تجلُّ عن هذا؟ فقال: إذًا والله لا أشهدُ. فقيل لوكيع بعدُ: إنما خَدعك. فقال: أولى لابن اللَّخناء.
ومنهم حارثةُ بن بدرٍ الغُدافيُّ: وكان رجل بني تميم في وقته، فارسًا شاعرًا، وكان غَلب على زيادٍ، وكان الشراب قد غلب عليه. فقيل لزياد: إن هذا قد غَلب عليك، وهو مستهترٌ بالشراب. فقال زياد: كيف باطِّراح رجل هو يُسايرني منذ دخلتُ العراق، ولم يصكُك ركابي ركاباهُ، ولا تَقدَّمني. فنظرتُ إلى قفاه، ولا تأخَّر عنَّي. فَلَويتُ عنقي إليه، ولا أخذَ عليَّ الشمس في شتاء قطُّ، ولا الرَّوح في صيفٍ قطُّ، ولا سألته عن علمٍ إلا ظننتُه لم يُحسن غيره.
فلما مات زياد جفاهُ عُبيد الله، فقال له حارثةُ: أيها الأميرُ، ما هذا الجفاءُ مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد الله: إنَّ أبا المغيرة قد كان برعَ برُوعا لا يَلحقهُ معه عيبٌ وأنا حَدَث، وإنما أنسب إلى من يَغلبُ عليَّ، وأنت رجل تُديم الشراب فمتى قرَّبتُك فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يُظنَّ بي، فدعِ الشراب، وكُن أول داخل عليَّ، وآخر خارج عني. فقال له حارثةُ: أنا لا أدعهُ لمن يملك ضَرِّي ونفعي، أفأدعُه للحال عندك؟ قال: فاختر من
[ ١ / ١٧٥ ]
عملي ما شئت. قال: تولِّيني " رام هُرمز " فإنها أرض عذاةٌ و" سُرَّق "، فإنَّ فيها شرابًا وُصف لي، إياها. فلما خرج شيَّعة الناس. فقال أنسُ بن أُنيس الدُّؤلي:
أحارِ بنَ بدرٍ قد وَلِيتَ إمارة فكن جُرَذًا فيها تَخونُ وتَسرقُ
ولا تَحقِرَنْ يا حارِ شيئًا وجدتهُ فحظُّكَ من مُلك العراقين سُرَّقُ
وباه تميمًا بالغنى إنَّ للغنّى لسانًا به المرءُ الهيوبةُ ينطقُ
فإنَّ جميع الناس إمَّا مكذِّبٌ يقولُ بما يهوى، وإما مُصدِّقُ
يقولونَ أقوالًا ولا يعلمونَها ولو قيل: هاتُوا حقِّقوا، لم يُحَقِّقُوا
ومن بني يربوع أبو قُرَّة عِسلُ بن سُفيان اليربوعيُّ: روى عن عطاءٍ، وروى عنه شُعبةُ وحمَّاد بن زيد.
ومن بني رياح بن يربوع عَتَّابُ بن وَرقاء: وهو أحدُ أجواد العرب، ويكنى أبا ورقاء. ووَليَ إصبهان في فتنة الزُّبير. ووجَّهه الحجاجُ على جيش أهل الكوفة في قتال الأزارقة، فَبيَّتهُ شبيب الخارجيَّ، فتفرَّق عنه جيشه، فقُتل.
[ ١ / ١٧٦ ]
ومنهم مَطُر بن ناجية: الذي غَلب على الكوفة أيام ابن الأشعث. والحرثُ ابن يزيد: صاحب الحسين بن علي. ومَعقِلُ بن قَيسٍ: صاحبُ علي بن أبي طالب، وهو الذي يقول فيه جرير:
ومنَّا فتى الفتيان والبأس معقل ومنا الذي لاقى بدجلةَ مَعقلا
وسحيم بن وثيل الشاعر. وقَعنَب بن أمِّ صاحبٍ الشاعر، وهو القائلُ:
صُمٌّ إذا سَمعوا خيرًا ذُكرت به وإنْ ذُكرتُ بسوءٍ عندهُم أَذنوا
وابو الهندي الشاعر: وهو عبد المؤمن بن عبد القُدُّس بن شَبَثِ بن ربعيٍّ الرياحيُّ. وشَهدَ جدُّهُ شبث مع عليٍّ ﵁ الجمل وصفِّينَ ثم فارقه حين التَّحكيم، وصار مع المحكمةِ، قال هذا المبِّردُ. وقال مسلم: أبو عبد القدوس شبثُ بن ربعي الحنظلُّي عن عليٍّ روى عنه محمدُ بن كعب. وقال الأزهريُّ الموصليُّ الحافظ: شبث بن ربعي فيه نظر، هو أوَّلُ من حرَّر الحرورية.
وكان أبو الهندي قد غَلب عليه الشراب على كرم منصبه وشرف أسرته، حتى كادَ يُبطلهُ. وكان عجيب الجواب، فجلس غليه رجلٌ مرةً، وكان أبوه صُلب في خِرابةٍ. والخِرابةُ: سَرَقُ الإبل خاصَّةً. فاقبل يُعرِّض لأبي الهنديِّ بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى القَذاةَ في عين أخيه، ولا يرى الجِذع في إست أبيه.
[ ١ / ١٧٧ ]
ومرَّ نصرُ بن سيار الليثيُّ بأبي الهندي، وهو يميل سُكرًا. فقال: أفسدت شرفك. فقال أبو الهندي: لو لم أُفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان. وحجَّ به نصرُ بن سيار مرةً، فلما وردَ الحَرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله، ومحلَّ حَرمهِ، فدعْ ليَ الشراب. فوضعه بين يديه، وأقبل يشرب ويبكي ويقول:
رضيعُ مُدامٍ فارق الرَّوح روحه فظلَّ عليها مُستهلَّ المدامع
أَديرا عليَّ الكأس إنِّي فقدتُها كما فقد المفطومُ درَّ المراضع
وكان يشربُ مع قيس بن أبي الوليد الكنانيِّ. وكان أبو الوليد ناسكًا، فاستعدي عليه وعلى ابنه فهربا منه. وقال أبو الهنديِّ
قُل للسَّريِّ أبي قَيسٍ: أتُوعد ودارنا أصبحت من داركم صَدَدا؟
أبا الوليد أَمَا والله لو عَملت فيك الشَّمولُ لمَا حَرَّمتَها أبدا
ولا نسيتَ حُميَّاها ولذتَها ولاعدلت بها مالًا ولا وَلدا
ومن موالي رياح أبو العالية رُفيع بن مهران الرِّياحيُّ البصري: مولى امرأةٍ من بني رياح، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ﷺ، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر. وتُوفي سنة ثلاث وتسعين. وذُكر الحسنُ لأبي العالية فقال: رجلٌ مسلمٌ يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، وأدركنا الخير، وتعلَّمنا قبل أن يولد الحسنُ.
ومن بني العَنبر بن يربوع سَجاحِ بنت أوس: كذا قال أبو عبيد في كتاب النَّسب له، وقال ابن قُتيبة في " المعارف "، والمبرد في " الكامل ": هي من بني
[ ١ / ١٧٨ ]
حرام بن يربوع. ولم يَذكر أبو عبيد في بني يربوع بن حنظلة حَرَامًا. وسَجاجِ هي التي تنبأت، وهي صاحبةُ مُسليمة الكذاب. وتُكنى أمَّ صادر. وأسلمت بعد قتله. وقال ابنُ الكلبي: قُتلت مع مُسيلمة، ولم تُسلم. وفيها يقول عُطاردُ بن حاجب بن زُرارة:
أَضحتْ نبيَّيُنا أُنثى تُطيفُ بها وأصبحت أنبياءُ الناس ذُكرانا
وكان مُؤذنها زهير بن عمرو من بني سليط بن يربوع. ويقال: إن شَبَثَ ابن ربعيٍّ الرياحيَّ أذَّن لها أيضًا ومن بني سَليط بن يربوع المُساور بن رِئاب: وكان أحد الأجواد. وفيه يقول أعشى بني أبي ربيعة:
لا تُجاوز إلى فتىً تَعتفيه حين تَلقى المساور بن رِئابِ
ومن بني سَليط الزُّبير بن علي وعُبيد الله بن بشير بن الماخور: وكانا من رؤوس الخوارج. وقُتل ابن الماخُور يوم " سُلَّى وسُلِّبرَي ". وفي قتله يقول بعض أصحاب المهلَّب:
ويوم سُلِّى وسُلَّبرى أحاط بهم منا صواعقُ لا تُبقي ولا تَذَرُ
حتى تركنا عبيد الله مُنجدلًا كما تجدَّلَ مالَ مُنقعرُ
ومن بني الفُضيل بن عياض بن مسعودٍ أبو علي: سمع منصورًا
[ ١ / ١٧٩ ]
والأعمش وغيرهما. ووُلد بأبيورد من خراسان، وقدم الكوفة، وهو كبيرٌ، فسمع بها الحديث ممن ذُكر. ثم تعبد وانتقل إلى مكة، فنزلها إلى أن ماتبها سنة سبعٍ وثمانين ومئة.
ومن بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تَميم البراجم: وهم خمسُ قبائل: عمرو، والظَّليم، وكُلفَة، وقيس، وغالب.. بنو حنظلة لصُلبه. والبراجم: أصابع اليد سُمُّوا بها.
وفي البُراجم من الصحابة خارجةُ بن الصَّليت البُرْجُميُّ: يعدُّ في الكوفيين. روى عنه الشَّعبيُّ. ومنهم عُمير بن ضابيء البرجميُّ: وهو الذي دخل على الحجاج بن يوسف حين ولى العراق، وحشَرَ الناس إلى المهلب بن أبي صفرة لحرب ألأزارقة. وهو شيخ يرعش كِبرًا. فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى. ولي ابنٌ هو أقوى على الأسفار مني، فتقبَّله بدلًا مني. فقال الحجاج: نفعل أيها الشيخ. فلما ولَّى قال له قائلٌ: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا. قال: هذا عُمير بن ضابىء البرجميُّ الذي يقول أبوه:
هَممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتني تركتُ على عثمان تَبكى حلانلُهْ
ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولًا، فوطىء بطنه، فكسَر ضلعين من أضلاعه. فقال: ردُّوهُ. فلما رُدَّ قال له الحجاجُ: أيها الشيخُ، هلا بعثتَ إلى أمير المؤمنين عثمان بدلًا يوم الدار؟ إن في قتلك أيها الشيخُ لصلاحًا للمسلمين، يا حارسيَّ اضربا عنقه. فجعل الرجلُ يَضيقُ عليه أمرُهُ، فيرحل ويأمرُ وليَّه أن يَلحَقهُ بزاده. ففي ذلك يقول عبد الله بن الزُّبير الأسَديُّ؛ أسدُ خُزيمة:
تجبَّرْ فإمَّا أن تزور ابن ضابيءٍ عُميرًا، وإما أن تَزور المُهلَّبا
[ ١ / ١٨٠ ]
هُما خطَّتا خَسفٍ نجاؤك منهما ركوبُك حولياُ من الثلج أَشهبا
فما إن أرى الحجاجَ يرفع سيفهُ عن القتل، حتى يترك الطفل أشهبا
وكان من قصة عُمير بن ضابيءِ بن الحرث البُرْجُميِّ، أن أباهُ ضابيءَ بن الحرث وجب عليه حبسٌ عند عثمان وأدب. وذلك أنه كان استعار من قومٍ كلبًا، فأعاروه إياه، ثم طلبوه منه. وكان فحَّاشًا، فرمى أمَّهم به، فقال في بعض كلامه:
وأمَّكُمُ لا تتركوها وكلبَكُمْ فإن عقوق الوالداتِ كبيرُ
فاضطغن على عثمان ما فعل به. فلما دُعي ليؤدَّب شَكَّ سكِّينًا في ساقه ليقتل بها عثمان، فعثر عليه، فأَحسنَ أدبه. ففي ذلك يقول:
وقائلةٍ إن مات في السجن ضابيءٌ لَنعم الفتى تَخلو به وتُواصلُه
وقائلةٍ لا يَبْعدنْ ذلك الفتى ولا تَبعدنْ أخلاقُه وشمائلُه
وقائلةٍ لا يُبعِدِ الله ضابئًا إذا الخصمُ لم يوجَدْ له من يُقاولُه
هممتُ ولم أفعلْ وكديُ وليتي تكتُ على عثمانَ تبكي حلائلُه
ولضابيء:
وما عاجلاتُ الطير تُدنى من الفتى نجاحًا ولا عَن رَيثهِنَّ يَخيبُ
[ ١ / ١٨١ ]
وربَّ أمورٍ لا تَضيرُك ضيرةً وللقلبِ من مَخْشاتهنَّ وجيبُ
ولا خيرَ فيمَن لا يوطِّنُ نفسهُ على نائباتِ الدهر حين تَنوبُ
ومن بني ربيعة بن حنظلة بن مالك، وهو أخو البَراجِمِ عُروة بن أُديَّة، ومِرداس بن أُديَّة: وأُديَّة جدة لهما من محارب نُسِبا. إليها. ويقال: بل كانت ظئرًا لهما. وهما ابنا حُدَير أحدُ بني ربيعة بن حنظلة. وسيفُ عروةَ أول سيف سُلَّ من سيوف الخوارج، وذلك أنه أقبل على الأشعث، فقال: ما هذه الدَّنية يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ أشرطٌ أوثقُ من شرطِ الله؟ ثم شهر عليه السيف والأشعث موَلٍّ، فضرب به عجزُ البغلة. فشبَّت البغلةُ، فنفرت اليمانيةُ، وكانوا جلَّ أصحاب علي ﵀. فلما رأى ذلك الأحنفُ قصد هو وجارية بن قُدامة ومسعود بن فَدَكيِّ بن أعبُد وشبت بن ربعيٍّ الرياحيِّ إلى الأشعث. فسألوه الصفح ففعل.
وكان عروة بن أُديَّة نجا من حرب النّهروان، فلم يزل باقيًا مدةً من خلافة معاوية، ثم أي به زيادٌ ومعه مولىً له، فسأله عن أبي بكر وعمر فقال: خيرًا. ثم سأله فقال: ما تقول في أمير المؤمنين عثمان ﵀ وأبي التراب؟ فتولى عثمان ستَ سنين من خلافتهِ، ثم شهد عليه بالكفر. وفَعل في أمر عليٍّ ﵇ مثل ذلك، إلى أن حكَّم، ثم شهد عليه بالكفر. ثم سأله عن معاويةَ فسبَّهُ سبًّا قبيحًا، ثم سأله عن نفسهِ، فقال: أوَّلُك لزنيةٍ وآخرُك لِدعوة، وأنت بعدُ عاص لربك. فأمر به فضُربت عنقُه. ثم دعا مَولاهُ فقال: صفْ لي أموره، فقال: أُطْنِبُ أم أَختصر؟ قال: بل اختصر. قال: ما أتيتُهُ بطعامٍ بنهارٍ قطُّ، ولا فرشتُ له فراشًا بليلٍ قطُّ.
قال المؤلف، وفقه الله: وهذا الشقيُّ البائس، وإن كان صائمَ النهار قائم اليل فقد أَحبط اللهُ عملهُ بتكفير الخليفتين الراشدَين المهْدِيَّين، ﵄، وخروجه عن الجماعة، وسلِّه السيف " في الطر " يق الخاسرِ. وهو حقًا ممن قال فيهم رسول الله ﷺ: " سيأتي قومٌ يقرؤون القرآن، لا يُجاوزُ تَراقيَهُم،
[ ١ / ١٨٢ ]
أو يعدو تراقيهم، يَمرقون من الإسلام، كما يَمرُقُ السهمُ من الرميَّة لا يعودون في الإسلام، حتى يعود السهمُ على فُوقهِ، طوبى لمن قَتَلهم أو قتلوهُ " روى هذا الحديث أبو أُمامةَ صُديُّ بن عجلان الباهليُّ صاحبُ النبيِّ ﷺ. ورواهُ عن أبي أُمامة أبو غالب حَزَوَّرُ. وروى عن أبي غالب سفيان بن عُيينةَ وحماد بن زيد، كذا قال مُسلم في الكنى، وقال غيرُه: وروى عن غالب أزهرُ بن صالح هذا الحديث في كتاب الشريعة للآجُريِّ. وروى سفيانُ بن عُيينة عن معمر ابن طاووس، عن أبيه قال: ذُكر لابن عباس الخوارج، وما يُصيبهم عند قراءة القرآن، فقال: يؤمنون بمُحكمه، ويَضلُّون عند مُتشابههِ وقرأ:) وما يعلم تأويلهُ إلا الهُ والراسخون في العلم يقولون: آمنَّا بهِ، كلٌّ من عند ربِّنا (. وروى سفيان أيضًا عن عبد اله بن أبي يزيد قال: سمعتُ ابن عباس، وذُكر الخوارجُ، فقال: حيارى سُكارى ليسُوا بيهود ولا نصارى.
وروى أن عليًا ﵁ تُليَ بحضرته، " قُل: نُنبِّئكُم بالأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يَحسبون أنهم يُحسنون صُنعًا ". فقال علي: أهلُ حَروراءَ منهم. وروى بُكيرُ بن عبد الله بن الأشجِّ عن بسر بن سعيدٍ عن عُبيد الله بن أبي رافع مولى أم سلمة أن الحرورية لما خرجوا، وهم مع علي بن أبي طالب ﵁، قالوا: لا حكم إلا لله. فقال عليٌّ: أجلْ كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل. وكان أبو بلال مرداس بن حُدير أخو عروة مجتهدًا كثير الصواب في لفظه، وكان قد شَهد صفِّين مع علي بن أبي طالب ﵇، وأنكر التحكيم، كما أنكرهُ أخوه عروةُ، وشهد النهر، ونجا. وكان ابن زياد حبَسهُ. فلما خَرج من حبسهِ خَرج عليه في أربعين رجلًا، فوجَّه إليهم ابنُ زياد أسلم بن
[ ١ / ١٨٣ ]
زُرعة الكلابيَّ في ألفين، فهزموهُ فلما وردَ علي ابن زيادٍ غضب عليه غضبًا شديدًا، وقال: ويلك، أتمضي في ألفين فتهزم لحملةٍ من أربعين؟ وكان أسلم يقول: لأنْ يذُمَّني ابن زياد حيًا، أحبُّ إليَّ من أن يمدحني ميِّتًا. وكان إذا خرج إلى السوق أو مرَّ بصبيانٍ صاحوا به: أبو بلال وراءك. حتى شكا ذلك إلى ابن زيادٍ لهم الناس، فاختار عباد بن أخضر، ولس بابن أخضر هو عبادة بن علقمة المازنيُّ التميميُّ. وكان أخضر زوج أمَّه، فغلب عليه، فوجَّهه في أربعة آلاف فنهد لهم فقاتلهم عباد يوم الجمعة حتى حان وقت صلاة الجمعة، فنادهم أبو بلال: ياقوم، هذا وقت الصلاة فوادعونا حتى نصلي وتصلوا. قال: ذلك لك. فرمى القوم أجمعون بأسلحتهم، وعمدوا للصلاة. وأسرع عباد، ومن معه، والحرورية مبطئون، فهم بين الراكع ساجد وقائم في للصلاة وقاعد حتى مال عليهم عباد ومن معه. فقتلوهم جميعًا، وأتى برأس أبي بلال، فلما فرغ من أولئك الجماعة أقبل بهم فصلبت رؤوسهم وفيهم داود بن شبث وكان ناسكًا. وفي قتل أبي بلال يقول عمران بن حطَّان السَّدوسي، وكان من قعد الخوارج شاعرا ًمجيدًا:
لقد زادَ الحياةَ إلىَّ بُغْضهًا وحبًا للخروجِ أبو بلال
أُحاذِرُ أن أموتَ على فراشي وأرجو الموت تحت ذُرا العوالي
فمن يك همُّه الدنيا فإني لها واللهِ ربِّ البَيتِ قال
وفيه يقولُ من أبياتٍ:
أنكرتُ بعدكَ ما قد كنتُ أَعرفُه ما الناسُ بعدكَ يا مرداسُ بالناسَ
[ ١ / ١٨٤ ]
ومن بني ربيعة بن مالك بن حنظلة الحَنتفُ بن السجف بن سعد بن عوف بن زهير بن مالك: كان يُكنى أبا عبد الله، وكان دَيِّنًا شريفًا. وكانت له منزلةٌ من عُبيد الله بن زياد. ولما وقعت فتنةُ ابن الزبير سار حُبيشُ بن دَلجةَ القَينيُّ من قُضاعة إلى المدينة يريد قتال ابن الزُّبير، فعقد الحرثُ بن عبد الله المخزوميُّ القُباع، وهو أمير البصرة، للحنتف لواءً، فسار في سبعمئةٍ، وخرج إليهم حُبيش من المدينة، فلقيهُم بالرَّبذة. فقتل الحنتف حُبيشًا وعبيد الله بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وانهزم الحجاجُ بن يُوسف، وأبوه يومئذٍ. وقال توسعةُ في ذلك:
ونجَّى يوسف الثقفيَّ ركضٌ دراك بعدما سقطَ اللواءُ
ولو أدركتهُ لقضينَ نَحبًا به ولكلِّ مُخطئةٍ وِقاءُ
ثم سار الحنتف نحو الشام، حتى إذا كان بوادي القُرى سُمَّ في طعامه، فمات هناك.
وبنو ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مُر لصلبه حُبيش ورزام وكعبٌ: يقال لهم الخِشاب. وفيهم يقول جرير من قصيدةٍ طويلة:
أثعلبةَ الفوارِس أم رِياحًا عَدلتَ بهم طُهيَّةَ والخشابا
وأمُّ حبيش بن ربيعة أخي رزامٍ وكعبٍ حُطَّى على مثال حُبلى، وبها يُعرف بنوه.
[ ١ / ١٨٥ ]
ومن موالي بني يربوع بن مالك بن حنظلة أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب البصريُّ: رأس المعتزلة. اعتزل الحسن وأصحاب له، فسُموا المعتزلة. وكان مجتهدًا في العبادة. ومات عمرو في طريق مكة، ودُفن بِمَران على ليلتين من مكة، على طريق البصرة، وصلى عليه سليمانُ بنُ عبد الله بن عباسٍ، ورثاهُ أبو جعفرٍ المنصورُ، فقال:
صلى الإلهُ عليك من مُتوسِّدٍ قبرًا مررتُ بهِ على مَرَّان
قبرًا تَضمَّنَ مؤمنًا مُتحنِّفًا صدق الإله ودانَ بالعِرفانِ
فلو أنَّ هذا الدهرَ أَبقى صالحًا أبقى لنا حيًا أبا عُثمانِ
ومن بني حنظلة بن مالكٍ أبو القاسم الأصبَغُ بن نُباتَةَ الحنظليُّ
ومن بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة أخي حنظلة بن مالك عَلقمة بن عَبدةَ الفحلُ الشاعر، وأخوهُ شأسٌ.
والرَّبايعُ ثلاثةٌ: ربيعة الكبرى ابنُ مالك بن زيد مناة المذكور: وهو ربيعة الجوع، وهو عمُّ ربيعة الأوسطُ. والأوسطُ هو ربيعةُ بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة. والأصغرُ هو ربيعة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة. وكلُّ واحدٍ منهم عمُّ صاحبهِ.
ومن مالي ربيعة الجوع حَمَّادُ بن سَلَمةَ بن دينارٍ: وهو ابنُ أختِ حُميد
[ ١ / ١٨٦ ]
الطويل، وأمُّه مولاةُ خُزاعة. مات بالبصرة سنةَ سبع وستين ومئة. وحمادٌ من جِلَّة المحدّثين.
وأمَّا عمرو بن تَميم فولَد أسيِّدًا، بطنٌ، والعنبر، بطن وهو خُضَّم. والهجيمَ، بطن. والحرث الحَبط، بطن، وابن ابنه مارزن بن مالك بن عمرو بن تميم، بطنٌ. وقليبًا، بطن، والنسب إليه معروف.
فمن بني أُسيِّد، والنسب إليه أُسديٌّ بالتخفيف، وإذا سُمَّيت شدَّدت. حنظلةُ بن الربيع بن صيفيٍّ: الكاتب من الصحابة. وهو ابن أخي أكثم بن صيفي، حكيم العرب. وأدرك أكثمُ بن صيفي مُبعث النبي ﷺ، وهو ابنُ مئةٍ وتسعين سنةً. وكان يوصي قومه بإتيان النبي ﵇، ولم يُسلم. وكان قد كتب إلى النبي ﷺ فجاوبه رسول الله ﷺ، فسُرَّ بجوابه. ويُكنى حنظلةُ أبا ربعي، وهو من بطن بني أسيِّد، يقال لهم بنو شُريف، وبنو أسيِّد من أشراف بني تميم. قال أبو نافع بن الأسود التميميُّ يفخر بقومه:
قومي أسيِّدُ إن سألتَ ومَنصبي ولقد علمتَ مَعادنَ الأحسابِ
وحنظلةُ أحد الذين كتبوا لرسول الله ﷺ، ويُعرف بالكاتب. شهد القادسية، وهو ممَّن تخلَّف عن علي في قتال أهل البصرة يوم الجمل. جلُّ حديثه عند أهل الكوفة. ولما تُوفي ﵀ جزِعت عليه امرأته فنَهيْنَها جاراتها، وقُلن: إنَّ هذا يُحبط أجركِ. فقالت:
تعجبت دعدُ لمحزونةٍ تبكي على ذي شَيبةٍ شاحبِ
إن تسأليني اليوم ما شفَّني أُخبركِ قولًا ليس بالكاذبِ
[ ١ / ١٨٧ ]
إن سوادَ العينِ أَودي به حزنٌ على حَنظلةَ الكاتبِ
ومات حنظلة في إمارة معاوية بن أبي سفيان، ولا عقبَ له.
ومن بني أسيِّد هند وهالة: ابنا أبي هالة، وكانا رَبيبي رسول الله ﷺ. وأدركا الإسلام فأسلما. وأبو هالة اسمه زُرارةُ بن النَّباش بن وَقدان بن حبيب بن صُرَدِ بن سلامة بن جِروةَ بن أسيِّد بن عمرو بن تميم. وقُتل هندُ بن أبي هالة يومَ الجمل مع علي ﵁. وقُتل ابنُه هندُ بن هندٍ مع مصعب بن الزُّبير أيام المختار. وقيل: مات بالبصرة في الطاعون الجارف، فازدحم الناس على جنازته، وتركوا جَنائزهم، وقالوا: ابنُ ربيب رسول الله ﷺ. ونادت امرأة: واهنداهُ بن هنداهُ. فمال الناسُ إليه. وكان هند بن أبي هالة وصَّافًا فصيحًا. وصف رسول الله ﷺ فأحسن وأتقن.
وقد شرح أبو عبيد القاسم بن سلاَّمٍ وابنُ قتيبةَ وصفه ذلك لما فيه من الفصاحة وفوائد اللغة. وروى عنه أهلُ البصرة حديثًا واحدًا، ذكره أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب الصحابة. فقال: حدَّثنا خلفُ بن قاسم أبو القاسم الحافظ قال: نا سعيد بنُ السَّكن قال: حدثني محمد بن جُبير بن عيسى الواسطيُّ بمصر قال: نا السَّريُّ بن يحيى عن مالك بن دينارٍ قال: حدثني هندُ بن خَديج زوجُ النبي ﷺ قال: مرَّ النبي ﵇ بالحكم أبي مروان بن الحكم قال: فجعل يَغمزُهُ. فالتفتَ إليه النبيُّ ﵇ فقال: اللهمَّ اجعل به وزعًا. فرجف مكانه. والوزعُ الارتعاش.
ومن بني أُسَيِّد حُرَيثُ بن السَّائِب الأسيديُّ: سمع الحسن. روى عنه ابن المبارك والنَّضرُ بن شُميل ومسلم بن إبراهيم.
ومن بني العنبر بن عمرو بن تميم عامرُ بن عبد الله العنبريُّ: العابد، ويُكنى أبا عبد الله. وهو عامرُ بن عبد قيس من ولشد كعب بن جُندب. كان على عهد رسول الله ﷺ رجلًا، ولم يره. وهو من كبار التابعين،
[ ١ / ١٨٨ ]
وكان خيِّرًا فاضلًا. ورآه عثمانُ يومًا في دِهليزه، فرأى شيخًا ثطًَّا أَشغى في عباءة. فأَنكر مكانه، ولم يعرفْهُ. فقال: يا أعرابيُّ، أين ربُّك؟ قال: بالمرصاد. وسيَّره عبد الله بن عامرٍ إلى الشام بأمر عثمان. فمات هناك، ولا عقبَ له.
ومنهم أبو بشرٍ الوليد بن مسلم العنبريُّ: " روى " عن خُبيب بن عبد الله وعن أبان مولى عثمان بن " عفان، وروى " عنه خالدٌ الحذّاء ومنصور.
ومنهم أبو عبد الله سَوَّارُ بن عبد الله العنبريُّ: قاضي البصرة لأبي جعفر المنصور، وأقام قاضيًا بها سبع عشرة سنةً، ووَلى صلاة البصرة مرتين. ومات وهو أميرها سنة ستٍّ وخمسين ومئة. وأبوهُ أبو السوَّار عبد الله بن قُدامة بن عَثرة من ولد كعب بن العنبر. روى عن أبي بَرزةَ الأسلميِّ. وروى عنه تَوبةُ العنبريُّ. ووَلى أيضًا قضاء البصرة مثل ابنهِ سوَّار. وابو السوَّار معدود في الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، قاله مسلم.
وولى عبدُ الله بن سَوَّار القضاء بعد أبيه. ووليَ القضاء ابنُ ابنه أيضًا وهو سوَّار بن عبد الله. فَوَلوا القضاء أربعةً في نَسقٍ. وخرَّج عن سوار الأخير التِّرمذسُّ. وكان سوار أبو عبد الله فقيهًا، عدلًا، صالحًا. رُوي أن رجلًا من الأعراب تقدَّم إلى سوارٍ في أمر فلم يصادف عنده ما يجبُ، فاجتهد، فلم يظفر بحاجته، قال: فقال الأعرابيُّ، وكانت في يده عصًا:
رأيتُ رؤيا ثم عبَّرتُها وكنت للأحلام عبَّارا
بأنَّني أخبطُ في ليلتي كلبًا، فكان الكلبُ سوَّارا
ثم أنحى على سوَّار بالعصا، قال: فما عاتبهُ سوَّار بشيءٍ. ومات رجلٌ بالبصرة، كان لأبي جعفر المنصور عليه مال. وكانت عليه ديون للناس
[ ١ / ١٨٩ ]
فكتب المنصور إلى سوَّار: بلغني أن فلانًا تُوفي، فانظر في تَركته، فاستوف منها مالنا قِبَلَهُ، واقسم ما بقي من الغرماء. فكتب إليه سوَّار: وصلني كتابُ أمير المؤمنين، وعلمتُ ما تضمَّنه، وإني قدَّمت كتاب الله على كتابه. وإنما أميرُ المؤمنين غريم من الغرماء، يَسعُهُ ما يسعُهُم. فكتب إليه المنصورُ: ملأتُ بك الأرض عدلًا يا سوَّارُ.
ومنهم عبيد الله بن الحسن بن الحُصين القاضي: وهو ابن عمِّ سوَّار. وكان عبيد الله أحد الأدباء الفقهاء الصُّلحاء. وذكر ابن عائشة أن عبيد الله بن الحسن شهد عندَه رجلٌ من بني نَهشَلٍ على أمرٍ أحسبه دَينًا. فقال له: أتروي قول الأسود بن يَعفُر:
نام الخليُّ فما أُحسُّ رُقادي؟
فقال له الرجل: لا. فردَّ شهادته، وقال: لو كان في هذا خيرٌ لروي شرف أهله. ومات عبيد الله بن الحسن سنة ثمانٍ وستين ومئة.
ومنهم طلحة العنبريُّ أبو خلف: سمع الشعبيَّ، روى عنه موسى بن إسماعيل.
ومنهم أبو هبيرة عبد الوارث بن سعيد العنبري، ويُعرف بالتنُّوري. سمع أيوب وإسحاق بن سُويد، روى عنه الثوريُّ وابنه عبد الصمد. وروى مسلم عن ابن ابنه عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث. ولم يكن عبدُ الوارث بن سعيد من أَنفس بني العنبر، وإنما كان مَولى لهم، ومَولى القوم منهم. وتُوفي بالبصرة في المحرَّم سنةَ ثمانين ومئة.
ومنهم أبو عبد الله مَندَل بن علي العنبريُّ: الكوفي المحدِّث. روى عن ابن جريج عن إبراهيم بن مَيسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: أبصر النبيُّ ﷺ رجلًا وقد جلسن فاتكأ على يدهِ اليسرى. فقال: هذه جِلسةُ المغضوب عليهم. وماتَ مندل سنة ستٍ وسبعين ومئة.
وأخوهُ حِبَّانُ بن علي: من حَملةِ الحديث. وروى مَندل وحِبَّان ابنا علي
[ ١ / ١٩٠ ]
عن يونس بن يزيد، عن عُقيل، عن أبن شِهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ قال: خيرُ الأصحاب الأربعة.
ومنهم مُعاذ بن معاذٍ أبو المثنَّى العنبريُّ: وكان من جِلَّة المحدِّثين.. وتُوفي سنة ستٍ وتسعين..
وبنو العنبر الصَّميمُ من ولد إسماعيل شهد لهم بذلك النبيُّ ﵇. يُروى أن رسول الله ﷺ قال لعائشةَ ﵂، وقد كانت نذَرت أن تُعتق قومًا من ولد إسماعيل فسُبيَ قومٌ من بني العنبر: " إنْ سرَّكِ أن تُعتق الصميم من ولد إسماعيل فأَعتقي هؤلاء ". وبنو العنبر يقال لهم خُضَّم. وفيهم يقول طريف بن تميم العنبريُّ في الجاهلية:
حَولي أُسيِّدُ والهُجَيمُ ومازنٌ وإذا حللتُ فَحولَ بَيتي خُضَّمُ
وقال أبو عبيدة مَعمر بن المثنى: والعنبرُ يسمَّى خُضَّم. وأولُ قصيدة طريف:
أوَ كُلَّما وَردتْ عكاظَ قبيلةٌ بعثوا إليَّ عَريفَهم يَتوسَّمُ
فتوَسَّمُوني إنَّني أناذاكمُ شاكٍ سِلاحي في الحوادثِ مُعْلَمُ
تَحتي الأَغرَّ وفوقَ جِلدي نَثْرةٌ زَغْفٌ تَردُّ السيفَ وهْوَ مُثَلَّمُ
نثرة: درع. والزغف: الواسعةُ، وقيل: اللينةُ.
ومن العنبر بنو دُغَةَ بنت مغنج التي يقال فيها: " أحمقُ من دُغَةَ "؛ ودُغةُ: أبوها، هو ربيعةُ بن عِجْل بن لُجَيم، تزوَّجها عمرو بن جُندب بن العنبر فَوَلدت
[ ١ / ١٩١ ]
له. فبنوهُ يقال لهم: بنو دُغةَ. ولها أخبارٌ طربفة مُضحكة في الحمق. منها أنها لما أخذها الطَّلْقُ لم تدرِ ما في بطنها، فخرجت إلى البراز للتبرُّز، فوضعتْ ذا بطنها، ثم انصرفتْ إلى حاضنتِها، فقالت: يا هنتاهُ، هل يفتح الجَعْرُ " فاهُ "؟ قالت: نعم، ويَدعو أباهُ. وانصرفت الحاضنة فأتت بالمولود. وقال ابنُ عبد ربه في العقد: إنَّ دُغةَ من إياد بن نزار.
وأمُّ العنبر والهُجيم وأسيِّد بني عمرو بن تميم أمُّ خارجة بنت سعد بن قُرادٍ من " بَجيلةَ ".
ومنهم أبو الهُذيل زُفَرُ بن الهُذيل: صاحبُ الرأي. وكان قد سمع الحديث وغلبَهُ الرأيُ، ومات بالبصرة. وكان أبوهُ الهُذيل على إصبهانَ.
ومنهم عبد الرحمن من كبار حَمَلة الحديث. روى عن مالك وغيره من الجلَّة الثقات. ومات سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئة، وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً، ويُكنى أبا سعيد.
ومنهم عباس بن عبد العظيم العنبريُّ: صاحب ابن معين.
ومنهم بني الهُجيم بن عَمرو بن تميم، ويقال لبني الهُجيم " الحِبالُ " أبو تميمة الهُجَيميُّ: واسمه طريفُ بن مُجالدٍ، ذكره العُقيليُّ في الصحابة، وروى عنه حديثًا لا يصحُّ إسنادُهُ. ولا يُعرف في الصحابة أبو تميمةَ، والصحيحُ أنه تابعيٌّ بصْريٌّ، يروى عن أبي هُريرةَ وأبي موسى. وروى عنه قتادةُ وبكر بن عبد الله المُزَينُّي. قال: نا أبو حاتمٍ قال: قال أبو تميمة، وأَسرتْه الترك:
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً وِسادي كفٌّ في السِّوارِ خضيبُ
وبينَ بني سَلَّى وهَمدانَ مَجلسٌ على نأيهِ منِّى إليَّ حَبيبُ
كرامُ المساعي يأمنُ الجارُ فيهمُ الخطابِ مُصيبُ
[ ١ / ١٩٢ ]
وقال عمرو بن علي: كان أبو تميمةَ رجلًا من العرب، فباعه عمُّه، فأغلظتْ له مولاتُهُ. فقال لها: وَيحكِ إني رجلٌ من العرب. فلما جاء زوجها قالت له: ألا ترى ما يقول طريف؟ فسأله، فأخبره، فقال خذه هذه الناقةالنفقة، فالحق بقومكَ. فقال: واللهِ لا ألحقُ بقومٍ باعوني أبدًا. فكان ولاؤُهُ لبني الهُجيم حتى ماتَ.
ومنهم أبو جُدَي الهُجَيميُّ: واسمُه سُليم بن جابر، وقيل: جابر بن سُليم، وهو الأصحُّ. له صحبةٌ وسماعٌ من النبي ﷺ. روى عنه أبو رَجاءٍ العُطارديُّ وأبو تميمة الهُجَيميُّ وعَقيل بن طلحة وغيرهم. وعِدادُهُ في أهلِ البصرة، وحديثه عندهم.
ومن بني الحرث بن عمرو بن تميم، والحرثُ هو الحَبِطُ. وقيل له الحبطُ، لأنه أكل طعامًا فَحَبِط به. والنسبُ إليه حَبَطَي، بفتح الباء. ويقال لوَلدِه الحَبشطاتُ عبَّاد بن الحُصين الحَبَطُّي: وكان من فرسان العرب، مقدَّمًا في تميم. ووَلى شُرطةَ البصرة أيام ابن الزُّبير. وكان مع مُصعب أيام المختار. وأبلى يوم أبي فُدَيكٍ الخارجيّ ما لم يُبلِهِ أحدًا يُعدَلُ بألف فارس حتى رأيت عبادًا. وكان ابنه جَهْضمُ، وبه كان يُكنى، مع ابن الأشعث، فقتله الحجاجُ.
ومن بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم أبو عمرو بن العلاء بن عمَّار بن عبد الله بن الحُصين بن الحرث بن جُلهم بن خُزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم: وجدُّه عمار يَروي عن علي ﵁. فممَّا روى عنه ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة عند ذكر عليٍّ وسياق فضائله. قال أبو عمر: حدثنا سعيد بن نصر قال: نا قاسمُ بن أَصبغ قال: نا محمد بن عبد السلام الخشني قال: نا أبو الفضل العباسُ بن محمد الرياشيُّ قال: نا أبو عاصمٍ الضحاكُ بن مَخْلدٍ عن مُعاذِ بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء عن أبيه، عن جدِّه قال: سمعت عليَّ بن أبي طالب يقول: ما أصَبْتُ من فِيكم إلا
[ ١ / ١٩٣ ]
هذه القارة أهداها لي الدِّهقانُ. ثم نزلَ إلى بيت المال ففرَّقَ كلَّ ما فيه، ثم جعل يقول:
أفلح مَن كانتْ لهُ قَوْصَرَّهْ
يأكلُ منها كلَّ يومٍ مرَّهْ
وأمُّ أبي عمرو عائشة بنت عبد الرحمن بن ربيعة بن بكر من بني حنيفة. ولحق من الصحابة أنسَ بن مالك وغيره ممَّن تأخَّر موتُه من شباب الصحابة، لكن لا تحفظُ له عن أحدٍ منهم رواية. وهو من القُرَّاء السَّبعة، قرأَ على جماعةٍ من التابعين، منهم مُجاهد وَسعيد بن جُبير وعِكرمةُ بن خالد وعبد الله بن كثير وعطاءُ بن رَباح وحُميدُ بن قيس الأعرجُ وأبو جعفر يزيدُ بن القعقاع وشيبةُ بن نِصاح ويزيدُ بن رومان والحسن بن أبي الحسن البَصري ويحيى بن يعمر. وأخذ قراءتهُ عنه أبو محمدٍ يحيى بن المبارك العَدَويُّ المعروف باليزيديِّ. وقيل له اليزيديُّ لصحبته يزيد بن منصور الحمْيريَّ خال المهديِّ.
وروى عن اليزيديِّ قراءة أبي عمرو: أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صُهْبانَ الدُّوريُّ الأزديُّ. والدُّور موضع ببغداد. وأبو سُعيب صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل الرُّسْتُبيُّ السُّوسيُّ. وكان أبو عمرو ابن العلاء عالمًا باللغة والنحو والشعر وأيام العرب إمامًا في ذلك من أهل السُّنة، ﵀. واسمُه زُبانُ، وقيل: العُريانُ، وقيل: اسمُه كنيته. ونوفي بالكوفةِ سنة أربع وخمسين ومئة.
واخوهُ أبو سفيان بن العلاء، واسمُه كنيته أيضًا. ولهمت أخٌ ثالث اسمُه مُعاذ. وفي أبي عمرو يقول الفرزدق:
ما زلتُ أفتحُ أبوابًا وأُغلقها حتى أتيتُ أبا عمرو بن عمَّار
[ ١ / ١٩٤ ]
ومنهم عَبَّاد بن أَخضر المازِنيُّ: وأخضر زوجُ أمِّه. وهو عبَّاد أمِّهز وهو عبَّادُ بن علقمةَ، قاتلُ أبي بلال مِرداس الخارجيِّ وأصحابه، وقد مضى ذكرُ ذلك وجيزًا مُختصرًا مُفيدًا.
ومنهم مالك بن الرَّيب: الشاعرُ، وكان منَ الفُتَّاكِ، وأهدرَ عثمانُ دَمه. وهو القائل في قصيدة رثى بها نفسه حين نهشتْهُ الحيةُ وهو طريدٌ:
يقولون: لا تَبعَدْ وهمْ يدفُنونني وأينَ مكانُ البعدِ إلا مكانيا؟
ومنهم قطريُّ بن الفُجاءة: صاحبُ الأزراقة، وهو من كابية بن حُرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. وكان يُكنى أبا نعامة. وخرج زمنَ مُصعب بن الزُّبير، فبقيَ " أبعده اللهَ " عشرين سنةً يقاتل، ويُسلَّم عليه بالخلافة. كذا قال ابنُ قُتيبة في " المعارف ".
وللمهلَّب بن أبي صُفرةَ معه وقائع كثيرةٌ، حتى اختلف كلمةُ الخوارج على قَطريٍّ، وصار مع عَبْدِ ربِّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبةَ بن عُكابةَ بن صَعب بن علي بن بكر بن وائل من الخوارج
وهلال بن أَحْوز: " له " :
لو يستطعْنَ إذا ضافتكَ مُجحِفَةُ وقَّيْنَكَ الموت بالآباء والوَلدِ
[ ١ / ١٩٥ ]
ومن بني الجِرْماز بن عمرو بن تميمٍ أبو منصور المثنى بن عوف الجِرْمازي
ووَلد الحرثُ بن تميم شَقِرة: واسمُه معاويةُ بنُ الحرث بن تميم. وقيل: إنَّ الحرث نفسَه هو شَقرة ببيتٍ قالهُ، هو:
وقد اجملُ الرمح الأصمَّ كُعوبَهُ به من دماء القوم كالشَّقِراتِ
والشَّقراتُ: شقائقُ النعمان، واحدتُها شَقِرة.
فمن بني شقرة أسامة بن أَخدري السَّقَريُّ: له صحبةٌ، ونزل البصرة. وهو عمُّ بشير بن ميمون، وروى عنه.
ومنهم المسيَّب بن شريكٍ: الفقيهُ. هكذا قال فيه أبو عمر احمد بن محمد ابن عبد ربه في كتاب " العقد " وقال مسلم في " الكنى " له: أبو سعيد المسيَّب بن شريك التميميُّ الكوفيُّ، متروكُ الحديث.
ومن بني تميم صبيغُ بن عسل: الذي كان يُسأل عن متشابه القرآن. رُوي عن سليمان بن يَسار أن رجلًا من بني تميم يقال له صبيغ. فقال عمر: وأنا عبد الله عمر. ثم أهوى إليه، فجعل يضربه بتلك العراجين. فما زال يضربهُ حتى شجَّه، فجعل الدمُ يسيل على وجهه. فقال: حسبُك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي.
وعن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: أتى ناسُ عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلًا يُسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهمَّ أمكنِّي منه. قال: فبينا عمر ذات يوم يغدِّي الناس إذ جاءه وعليه ثيابُ " و" عمامة فتغدَّى، حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين،)
[ ١ / ١٩٦ ]
والذارياتِ ذَرواْ، فالحاملات وقرًا (. فقال عمرُ: أأنتَ هو؟ فقام إليه فحسَرَ عن ذراعيه، فلم يزل يجلِدُه بالدرَّة حتى سقطت عِمامته. فقال: والذي نفسُ عمرَ بيدهِ لو وجدتُك محلوقًا لضربتُ رأسك. أَلبسوهُ ثيابه، واحملوهُ على تقدَّموا به بلادَه، وليقم خطيبًا، ثم ليقل: إنَّ صَبيغًا طلب العلمَ فأخطأهُ، فلم يزل وضيعًا في قدره
وأمَّا الغوث بن مُرٍّ: فكان يلي الإجازة للناس بالحج من عَرفة، وولدهُ من بعدهِ. وكان يقال له ولولدهِ " صُوفة ". وإنما وَلي ذلك الغَوث بن مُر أن أمَّه كانت امرأةً من جُرهم، وكانت لا تلد. فنذرت لله إن هي وَلدت رجلًا أن تصدَّق به على الكعبة عبدًا لها، يخدمُها، ويقوم عليها، فولدت الغوث. وكان يقومُ على الكعبة في الدهر الأول مع أخواله من جُرهم، فوَليَ الإجازة بالناس من عرفةَ لمكانه الذي كان به من الكعبة، وولده من بعدِه، حتى انقرضوا. فقال مُرُّ بن أُودٍّ لوفاءِ نذْرِ امرأتهِ أمِّ الغوث:
إني جَعلتُ ربِّ مِن بَنيَّه رَبِيطةً بمكةَ العليَّه
فبارِكَنَّ لي بها أليَّه واجعلْهُ لي من صالحِ البَرِيَّه
وورث الإجازة بعد صوفةَ آلُ صفوان بن الحرثِ بن شحنة بن عُطارد بن عَوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مُرّ. وقد تقدَّم ذكرُ ذلك مُستوعَبًا وجيزًا. وقال ابن قُتيبةَ في " المعارف ": صارت صوفةُ في اليمن.
فمن الغوث بن مُر شُرحبيل بن حسنةَ: قال ابن هشام: هو شُرحبيل بن عبد الله أحدُ بني الغوث بن مُر أخي تميم بن مُر. وقال غيرُه شُرحبيلُ بن عبد الله بن المطاع بن عمرو، من كندةَ، حليف لبني زهرةَ، يُكنى أبا عبد الله، ونُسب إلى أمه حَسنة. وقال ابن إسحاق: أمُّه حسنة، امرأةٌ عُدوليَّة وولاؤها
[ ١ / ١٩٧ ]
لمعمر بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جمح. وقال الزُّبير بن بكار: حسنةُ التي يُنسبُ إليها شُرحبيلُ بن عبد الله بن المطاع، تَبنَّته، وليس بابن لها. وكانت مَولاةً لمعمر بن حبيب. وقال أبو عمر بن عبد البرِّ كان شُرحبيل بن حسنة من مُهاجرة الحبشة، معدودًا في وجوه قريش، وكان أميرًا على ربُع من أرباع الشام لعمر بن الخطاب. وتوفي في طاعون عَمَواس سنة ثمانَ عشرةن وهو ابنُ سبعٍ وستين سنة.
وأخوه عبد الرحمن بن حسنة: له صحبةٌ. ولم يرو عن عبد الرحمن غيرُ زيد بن وهب الجهَني. وكان لشرحبيل ابنان: عبدُ الرحمن وربيعة، وهما المذكوران في حديث أبي ذر في مصر وأهلها. مسلم عن أبي بَصرة عن أبي ذَر قال: قال رسول الله ﷺ: " إنكم ستفتحون مصر، وهي أرضٌ يُسمى فيها القيراط. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمَّةً ورحمًا " أو قال: " ذمة وصهرًا ".
ومن وَلده بكر بن مُضر: المحدِّث، وهو من الثقات. قال فيه أحمد بن إبراهيم بن أبي خالدٍ الطبيب في كتاب " التعريف بصحيح التاريخ " من تاليفه: هو أبو عبد الملك بكر بن مضَرَ المصريُّ من ولد شُرحبيل بن حسنة المَذْحجيُّ. ومات سنة أربع وسبعين ومئة. وقال فيه مسلم في الكنى: أبو محمدٍ، ويقال: أبو عبد الملك بكرُ بن مضَرَ بن محمد بن حكيم بن سلمان. سمع جعفر بن ربيعة، روى عنه ابنُ أبي مريم وقتيبةُ.
قال المؤلف، غفر الله له: فممَّا روى قتيبةُ عن بكر بن مضر، هو قتيبة بن سعيد الثقفيُّ ما ذكره التِّرمذيُّ في جامعه. فقال: نا قتيبة، نا بكر بن مضر عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خبَّاب، عن أبي سعد الخدريَّ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ويسلم يقول: " إذا رأى الرؤيا يحبُّها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدِّث بما رأى. وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنه لا تضُّرة ".
قال: وفي باب عن أبي قتادة قال: وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وابن الهاد: أسمه يزيد بن عبد الله بن أسامه بن هاد المدني، وهو ثقة. وروى عنه مالك والناس.
[ ١ / ١٩٨ ]
عمرو بن الحاف بنت قضاعة. وخندفُ جِذم رسول الله ﷺ. وهم أشراف مضر. وحديث إلياس وبنيه وامرأته مشهور في كتب التَّواريخ. ذكر ابنُ إسحاق أن مدركة وطابخة كانا في إبلٍ لهما يرعيانها، فاقتنصا صيدًا، فقعدا عليه يطبخانه. وعدت عاديةٌ على إبلهما. فقال عامر، وهو مدركةُ، لعمرو، وهو طابخةُ: أتدرك الإبل أم تطبخُ هذا الصَّيد؟ فلحق عامرٌ بالإبل، فجاء بها. فلما راحا على أبيهما، وحدَّثاهُ قال لعامر: أنت مُدركة، وقال لعمرو: وأنت طابخةُ. والخبزُ عند أهل العلم بالنَّسب في هذه القصة أطولُ من هذا، وأحسن سياقةً. واتى به ابن إسحاق مُختصرًا. قال ابن إسحاق ومصعب الزُّبيريُّ: خُزاعةُ في مضر، وهم من ولد قمعة بن الياس بن مضر. وقال ابنُ إسحاق: خزاعة هو كعب بن عمرو بن لُحي بن قَمعةَ بن خندف. وقد ذكر أن ولد الياس بن مضر ينتسبون إلى أمِّهم خندف. ورُوي عن أبي حَصينٍ الوادعيِّ عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: عَمرو بن لُحَيِّ بن قَمعةَ بن خِندفَ هو أبو خُزاعةَ. هذا قولُ نُسَّاب مضر وخُزاعةُ تأبى هذا، وتقول: نحن بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث، وخندفُ أمُّنا. ذكر هذا أبو عبيدة معمر بن المثنى وابن الكلبي. فعلى قول ابن إسحاق ومُصعب: خزاعة مُضريَّةٌ في عدنان، وعلى قول أبي عبيدة وابن الكلبيِّ: خزاعةُ قحطانيَّة في اليمن. وإنما سُميت خُزاعة، لأنهم تخزَّعوا من ولدِ عمرو بن عامرٍ، أي فارقوهم حين أقبلُوا من اليمن، يريدون الشام. فنزلوا بمرِّ الظَّهران بجنبات الحَرم، ووَلوُا حجابةَ البيت دَهرًا.
وخزاعةُ عَيبة رسول الله ﷺ، وهم حُلفاؤه، لأنهم حُلفاءُ بنس هاشم، ولنزول خزاعة في الحرم ومُجاورَتِهمْ قريشًا. قال ابن عباس: نزل القرآنُ بلغة الكَعَبيْنِ؛ كعب بن لؤي وكعب بن عمرو بن لُحَي. وقد أَدخلهم رسول الله ﷺ معه في كتاب القضيَّة عامَ الحُديبية. وأَدخلت قريش بني بكر بن مناة معهم، فوقعت حرب بين خزاعة وبين بني بكر. فأعان مشركو
[ ١ / ٢٠٠ ]
قريش حلفاءهم بني بكر، ونقضوا بذلك العهد، فكان ذلك سبب فتح مكة لنصر رسول الله ﷺ حافءَه. وقال ﵇، حين قدم عليه عَمرو بن سالم مُستنصرًا، وقد عرض له عنانٌ من السماء: " أنَّ هذه السحابة لتستهلُّ بنصر بني كعب ". وأعطاهم رسول الله ﷺ منزلةً لم يُعطها أحدًا من الناس؛ أَن جعلهم مهاجرين بأرضهم، وكتب لهم بذلك كتابًا. فقال يفخرُ بذلك نُجَيدُ بن عمران في أبيات له يوم فتح مكة، وحُقَّ له أن يَفخر:
وقد أنشأ اللهُ السحابَ بنصرنا رُكامَ سحاب الهَيدَبِ المتراكبِ
وهجرتُنا في أرضنا عندنا بها أَنني من مُمْلٍ وكاتبِ
ومن أَجانا حَلَّتْ بمكةَ حُرمةٌ لِندرِكَ ثأرًا بالسيوف القواضبِ
وهذه بطونُ خزاعة: كعب ومُليْحٌ وعديٌّ وسَعدٌ بنو عمرو بن ربيعةَ بن حارثةَ بن عمرو بن عامر، وربيعةُ بنُ حارثة هو لُحَي. وأَفصى بتُ حارثة أخو لُحيٍّ، يقال لولده أيضًا: خزاعةُ. وهم أسلمُ ومَلْكان ومالك بنو أَفصى لأنهم تخزَّعوا من بني مازن بن الأزد في إقبالهم معَهم من اليمن، ثم تفرقوا في البلاد. والاْنخراعُ: التقاعسُ والتخلُّفُ.
قال محمدُ بن عبدة بن سليمان النسابة: افترقَت خُزاعةُ على أربعة شعوب؛ فالشعب الأول: ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، إلا بيتين من ربيعةَ بن حارثة، وهم بنو جفنةَ الذين بالشام في غسَّان. والشعبُ الثاني: أَسلمُ بن أَفصى. والشعب الثالث: مَلكان بن أفصى. والشعب الرابع: مالك بن أفصى.
[ ١ / ٢٠١ ]
فمن بني كعب بن عمرو بن ربيعة: غاضِرةُ بن حُبْشيَّة بن سلول بن كعب، وهو بطن، وكُليب بن حبشيَّةَ بطن، وقُمير بن حبشيَّة بطن، وحِزام بن عَمرو بن حبشيَّة بطن، وحُليلُ بن حبشيَّة بطن.
فمن بني غاضرة عِمران بن حُصين بن عبيد بن خلف بن عبد نَهْم بن سالم بن غاضرة بن حُبشيَّة بن سلول بن كعب الخزاعيُّ الكعبيُّ: يكنى أبا نُجيدٍ بابنهِ نُجيد بن عمران. أسلم أبو هُريرةَ وعمرانُ بن حُصين عامَ خيبر. وقال خليفة بن خَياطٍ: استقضى عبدُ الله بن عامر عمران بن حُصين على البصرة، ثم استعفاهُ فأَعفاهُ. وكان عمران بن حُصين من فُضلاء الصحابة وفُقهائهم. يقول أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظَة، وكانت تُكلِّمهُ، حتى اكتوى. وقال محمد بن سيرين: أفضلُ من نزل البصرةَ من أصحاب رسول الله ﷺ عمران بن حصين وأبو بكرةَ. سكن عمرانُ البصرة ومات بها سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية. رَوى عنه جماعةٌ من تابعي أهل البصرة والكوفة.
ومنهم سعيدُ بن سارية: ولى شرطة علي بن أبي طالب. ومنهم أبو جُمعة: جدُّ كُثيرِّ عزة لأبيه.
ومن بني كليب بن حُبشيَّة مُعتِّب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كُليب بن حُبشيَّة: شهد بدرًا. وهو من خلفاء بني مخزوم، وهو الذي يقال له مُعتِّب بن حمراءَ، وكان يُدعى عَيْهامة. ويقال للناقة، إذا طال عنقُها، عَيْهامة.
ومنهم خِراشُ بن أُميَّة: وهو الذي بعثه رسولُ الله ﷺ إلى قريش بمكة حين صدُّوهُ عن البيت في عُمرة الحديبية، وحمله على بعيرٍ له، يقال له الثعلب، ليُبلِّغَ أشرافهم عنه ما جاء له فَعَقروا به جملَ رسول الله ﷺ، وأرادوا قتله، فمنعتْهُ الأحابيشُ، فخلَّوا سبيلهُ، حتى أتى رسول الله ﷺ.
وخراش هو قاتل أبن الأثْوغِ الهُذْلي في الغد من يوم فتح مكة. وقال سعيد
[ ١ / ٢٠٢ ]
بن المسيَّب: لما بلغ رسول الله ﷺ ما صنَعَ خِراشُ بن أمية بابن الأثوغ قال: " إن خراشًا لقتَّال " يعيبُه بذلك.
ومن بني قُمير بن حُبشيَّة ذُؤيبُ بن حَلحَلة: ويقال: ذؤيبُ بن حبيب بن حلحلة بن عمرو بن كُليب بن أَصرم بن عبد الله بن قُمير بن حُبشيَّة. كان ذؤيب هذا صاحب بُدن النبيِّ ﷺ، وكان يبعث معه الهَدْيَ، ويأمره إن عَطب منه شيءٌ قبل محلِّه أن يَنْحره، ويخلي بين الناس وبينه.
روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس أن ذُؤيبًا أبا قُبيصةَ حدَّثه أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن، ثم يقول: " إن عطب منها شيء قبل مَحلِّه فخشيتَ عليهِ مَوتًا، فانْحرْها، ثم اغمس نعلها في دمِها، ثم اضرب به صفحتها، ول تَطعَمْها أنت، ولا أحد من أهل رُفقتك ". شهد ذؤيب الفتح مع رسول الله ﷺ، وكان يسكن قُديدًا، وله دارٌ بالمدينة، وعاش إلى زمن معاوية.
وابنه قبيصةُ بن ذؤيب: ولد في أول سنةٍ من الهجرة. وقيل: ولد عام الفتح. يكنى أبا إسحاقَ، قيل: أبا سعيدٍ. روى عن أبى الدَّرداء وأبى هُريرة وزيد بن ثابتٍ وجماعةٍ من الصحابة. روى عنه الزهريُّ ورجاءُ بن حيوةَ ومكحول. وكان ابنُ شهاب إذا ذكر قبيص بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه الأمة. توفي سنةَ ستٍ وثمانين، وله ست وثمانون وذكرهُ في الطبقات، وقال: كان مع عبد الله بن الأرقم على بيت المال زمن عمر بن الخطاب. وهو من جلَّة تابعي أهل المدينة وعلمائها، ويُكنى أبا محمد. روى عن عُمر وغيره من كبار الصحابة. وروى عنه عُروةُ بن الزُّبير وحُميدُ بن عبد الرحمن. وتوفي سنة إحدى وثمانين، وهو ابن ثمان وسبعين سنةً بالمدينة.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وأخوه عبد الله بن عبد: من ولده عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ، من شيوخ مالكٍ. روى عنه في كتاب " الأَقضية " ما نصُّه: مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القارسِّ، عن أبيه أنه قال: قَدم على عُمر بن الخطاب رجلٌ من قبل أبي موسى الأَشعري، فسأله عن الناس فأَخبرهُ، فقال له عمر بن الخطاب: هل مِن مُغرِّبةِ خبرٍ؟ فقال: نعم، رجلٌ كفر بعد إسلامه. قال: فما فعلتُم به؟ قال: قرَّبناه فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا حَبستموه ثلاثًا وأطعمتموهُ كلَّ يوم رغيفًا واسْتَتَبْتُموهُ، لعلَّه يتوبُ ويراجع أمرَ الله؟ ثم قال عمر: اللهمَّ إني لم أَحضُر، ولم آمُرْ، ولم أرض إذ بَلغَني.
وابنه يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله: خرَّجَ مسلم عن واحدٍ عنه في صحيحه كثيرًا.
وأما أسدُ بن خُزيمة: فولد دُودانَ وكاهلًا وحُلمة وغيرهم. وأمُّهم أَودةُ بنت زيد أختُ نهدٍ وجُهينة ابنا زيد بن ليث بن سودِ بن أسلم بن الحافِ بن قُضاعةَ.
فمن بني غَنم بن دُودانَ زينبُ بنتُ جحشٍ: زوجُ النبي ﷺ، وهي بنتُ عمَّته أُميمة. وإخوتُها عبدُ الله، وهو المجدَّعُ في الله. وأبو أحمدَ، وكان أعمى، وعُبيد الله، وأختاها: " حَمْنةُ " وحبيبةُ.
فأما أبو أحمد الأعمى: واسمُه عبدٌ فكان هو وأخوهُ عبدُ الله من المهاجرين الأولين. وكان يمشي مكة أسفلها وأعلاها بلا قائدٍ. وكان شاعرًا مُجيدًا، وهو القائل، يذكر هجرة بني أَسدِ بن خُزيمةَ من قومهِ إلى ﵎، وإلى الرسول ﷺ، و، ويعابَهم في ذلك حين دُعوا إلى الهجرة:
لو حَلفتْ بين الصَّفا أمُّ أحمدٍ ومَروتِها باللهِ برَّت يَمينُها
لنحنُ الأُلى كنَّا بها ثم لم نزلْ بمكةَ حتَّى عادَ غَثًَا سَمنُها
[ ١ / ٢٠٤ ]
بِها خَيَّمتْ غَنمُ بنُ دُودانَ وابْتَنتْ وما إنْ غدتْ غَنمٌ وخفَّ قَطينُها
إلى اللهِ تَغدو بينَ مَثْنى وواحدٍ ودْنُ رسولِ اللهِ بالحقِّ دِينُها
وله وفي ذلك مُتَخيَّرٌ من قصيدة:
إلى اللهِ وجهي والرسولِ ومَن يَقُمْ إلى اللهِ يومًا وجههُ لا يُخيَّبُ
فكم قد تَركنا من حبيبٍ مُناصِحٍ وناصحةٍ تَبكي بدمعٍ وتَندُبُ
تَرى أنَّ وِتْرًا نَأْيُنا عن بلادِها ونحن نرى أنَّ الرَّغائبَ نَطلُبُ
دَعوتُ بني غَنمٍ لحقنِ دمائهم وللحقِّ لمَّا لاحَ للناسِ مِلْحَبُ
أجابوا بحمدِ اللهِ لمَّا دعاهُمُ إلى الحقِّ داعٍ والنَّجاحِ فأَوْعَبُوا
ورِعنا إلى قولِ النبيِّ محمدٍ فطابَ أُلاتُ الحقِّ منَّا وطُبَّبُوا
نَمتُّ بأرحامٍ إليهمْ قَريبةٍ ولا قُرْبَ للأَرحامِ ما لم تُقرَّبِ
[ ١ / ٢٠٥ ]
واستُشهد عبدُ الله بن جحشٍ يومَ أُحدٍ.
وأما عُبيدُ الله بن جَحشٍ: فهو الذي تنصَّر بأرض الحبشة، وماتَ بها نصرانيًا.
وأما أختُها حَمنَةُ بنت جَحشٍ: فهي من المهاجرات، ومن أصحاب الإفكِ. وكانت تحت مُصعب بن عُمير العبدري، فقُتل عنها يومَ أُحدٍ، وتزوَّجها بعدهُ طلحةُ بنُ عبيد الله، وهي أمُّ ولده محمد السَّجاد المقتول مع عائشةَ يوم الجمل.
وأما أختُها حَبيبةُ بنت جحش: ويقال: أمُّ حَبيبة، وهو المشهورُ. فهي أيضًا من المهاجرات، وكانت تُستحاضُ، هذا هو الصحيح، ووَهِمَ مالك ﵀ في الموطَّأ في قوله: زينبُ بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكانت تُستحاضُ. ولم تكن زينب قطُ تُستحاضُ ولا كلنت تحتَ عبد الرحمن بن عوف، وإنما كانت تحت زيد بن حارثة، ثم بعده، تحتَ رسول الله ﷺ، والتي كانت عند عبد الرحمن بن عوف هي أمُّ حبيبة بنتُ جحش، روى ذلك هشامُ بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت أبي سَلمة أن أمَّ حبيبة بنت جحش، وذكر الحديث. وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن عَمرة، عن زينب بنت أبي سلمة أن أمَّ حبيبة. وروى الزُّهريُّ حديثهما مُسندًا عن عروة، عن عائشة أن أمَّ حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف سألت النبيَّ ﷺ. وخرَّجَه ابن الجارود في " المنتقى " عن عروة عن عائشة، قال الجاروديُّ: حدَّثنا محمد بن يحيى قال: نا عبدُ الله بن يوسُف الدِّمشقي قال: نا بكرُ بن مضر قال: نا جعفر بن ربيعة عن عراك، عن عروة، عن عائشة قالت: إنَّ أمَّ حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى النبيِّ ﷺ الدَّمَ، فقال لها: " امكُثي قَدر ما كانت تَحبِسُكِ حَيْضَتُك، ثم اغتسلي ". قالت: وكانت تغتسلُ عند كلِّ صلاةٍ. وهذا الحديث بعَينه خرَّجه مسلم كما نصَّه ابنُ الجارود سواءً عن عروة، عن عائشة.
ومن بني غنم بن دُودان عُكاشة بن مَحْصن بن حُدْثان بن قيس بن مُرَّةَ ابن كبير بن غنم بن دُودان بن أسَدِ بن خزيمة: يكنى أبا محصنٍ، وهو قديمُ الإسلام، شَهد بدرًا، وكان من فضلاء الصحابة، وأبلى يوم بدرٍ بلاء حسنًا،
[ ١ / ٢٠٦ ]
حتى تقطَّع سيفُه في يده. فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جِذلًا من حطب، فقال: " قاتل بهذا أبا عكاشة ". فلما أخذهُ من رسول الله ﷺ هزَّه، فعاد سيفًا في يدهِ، طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة. فقاتل به حتى فتح اللهُ على المسلمين. وكان ذلك السيف يسمى العون، لم يزل معه يَشهد به المشاهد الشجاعة، شديد البأس على المشركين. ولما أغار عُيَينةُ بن حصن الفِزاريُّ على لِقاح رسول الله ﷺ بالغابة خرج رسول الله ﷺ، والمسلمون في آثارهم، وهي غَزوة ذي قَرَدٍ، فأدركَ عكاشةُ أوْبارًا وابنه عَمرو بن أَوبار، وهما على بعيرٍ واحد، فانتظمهما بالرمح فقتلهما. وقال رسول الله ﷺ: " منَّا خيرُ فارس في العرب ". قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: " عكاشة بن محصنٍ ". فقال ضِرار بن الأزور الأسدي: ذلك رجلٌ منا يا رسول الله. قال: " ليس منكم، ولكنه منَّا للحِلف ". وهو الذي قال لرسول الله ﷺ حين سمعه يقول: " يدخلُ الجنةَ سبعون ألفًا من أمَّتي على صورة القمر ليلة البدر ". فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: " اللهمَّ احعله منهم ". فقام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال " سبقكَ عُكاشةُ وبردتِ الدعوةُ ".
وروى حمَّاد بن سلمة عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " عُرضتْ عليَّ الأمَمُ بالموسمِ، فراثَت عليَّ أمتي. ثم رأيتهم فأعجبني كثرتُهم؛ قد ملؤوا السهل والجبل، فقال: " محمدُ، أرضيتَ؟ ". قلت: " نعم ياربِّ ". قال: " فإنَّ لك مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنةَ بلا حساب، هم الذين لا يسْتَرقون، ولا يَكْتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون ". فقال عُكاشةُ بن مِحصَن: ادعُ الله ان يجعلني منهم. فدَعَا لهُ. فقام رجلٌ أخر فقال: يا رسول الله ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم، فقال سبقك بها عكاشة ".
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال البخاريُّ: حدثنا مُعاذ بن أسد قال: نا عبد الله، قال: نا يونسُ عن الزهريِّ قال: حدثني سعيدُ بن المسيَّب أن أبا هُريرة حدَّثه قال: نا سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " يدخلُ الجنة من أمتي زمرةٌ هم سبعون ألفًا تُضيء وجوهُهم إضاءةَ القمر ليلة البدر ". قال أبو هُريرة: فقام عُكاشةُ بن مِحصَن الأسديُّ يرفع نَمِرةً عليه. فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: " اللهمَّ اجعلهُ منهم ". ثم قام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: " سبقك بها عكاشةُ ".
قال بعض أهل العلم: إن ذلك الرجل كان منافقًا، فأجابه بمعاريض من القول. وكان ﷺ لا يكادُ يمنعُ شيئًا من يسأله إذا قَدرَ عليه. وكان عكاشةُ من أجمل الرجال. روى عنه من الصحابة أبو هُريرة وابنُ عباس. وتُوفي في خلافة أبي بكر الصديق يوم بُزاحة في الرِّدة. قتله طُليحةُ بن خُويلدٍ الأسديُّ، وقَتل معه ثابتَ بن أقرمَ البلوي حليف الأوس في يومٍ واحد سنة إحدى عشرة من الهجرة. واْشتركَ طُليحة وأخوهُ في قتلهما جميعًا. وكان طليحةُ تنبَّأ في بني أسدٍ، وكان معه عُيينة بن حصنٍ في بني فَزارةَ، ثم أسلم بعدُ، فحسُن إسلامه. وقال له عمر بن الخطاب بعد ما أسلم: لا أُحبُّك بعد قتلك الرجلين الصالحين، يعني عُكاشة وثابتًا. فقال: يا أمير المؤمنين أَكرمَهُما اللهُ بيدي، ولم يُهِنِّي بأيديهما.
وأبلى طُليحةُ في فتوح العراق بلاءً حسنًا، وكان له فيها غَناء عظيم. حدَّث بقيُّ بن مَخْلدٍ قال: نا أبو بكر بن أبي شيبةَ قال: نا ابن عُيينة عن عبد الملك بن عُمير قال: كتب عمرُ إلى النعمان بن مُقرِّن: استشِر واستعِن في حَربك بطُليحة وعمر وبن معد يكرب، ولا تُولِّهما من الأمرِ شيئًا، فإن كلَّ صانع هو أعلمُ بصناعته.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وأبو سنان بن محصنٍ: أخو عكاشة، وابنه سنانُ بن أبي سنان ممَّن شهد بدرًا. وأسلم أبي سنان وهب على اختلاف في اسمهِ، والأشهرُ وهب. وروى وكيعٌ عن إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الشعبي قال: أولُ من بايع بيعة الرِّضوان أبو سنانٍ الأسديُّ. وحدَّث سفيان بن عُيينة عن إسماعيل، عن الشعبيِّ قال: أولُ الناس بايع يوم الحديبية أبو سنان انتهى إلى النبي ﵇ تحت الشجرة وقد دعا الناس إلى البيعة، فقال: يامحمدُ، ابسط يدك أبايعْك. قال: " علامَ تُبايع؟ " قال: أبايعُ على ما في نفسك. وقيل: إنَّ ابنه سنانًا بايع بيعة الرضوان، والأكثرُ الأشهرُ أبو سنان.
وأختُهما أمُّ قيس بنتُ محصنٍ: من المهاجرات الأُول. وبايعت النبيَّ ﵇. روى عنها من الصحابة وابِصةُ بن مَعبدٍ، وروى عنها من التابعين عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعودٍ. مالك عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن أمِّ قيس بنت مِحصنٍ أنها أتت بابن لها صغيرٍ، لم يأكل الطعامَ إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حجْرهِن فبالَ على ثوبهِ. فدعا رسولُ الله بماء فنضخهُ، ولم يغسلْهُ.
مسلم: حدَّثني حَرملةُ بن يحيى قال: نا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد أنَّ ابن شهابٍ اخبره قال: نا عُبيدُ الله بن عبد اله بن عُتيبة بن مسعود أن أمَّ قيس بنت مِحْصنٍ، وكانت من المهاجرات الأُول اللائي بايعن رسول الله ﷺ، وهي أخت عُكَّاشةَ بن محصن أخي بني أسد بن خزيمة قال: أخبرتني أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها، لم يبلغْ أن يأكل الطعام، وقد أعلقت عليه من العُذرة. قال يونسُ: أَعلقت: غَمرت فهي تخافُ أن تكون به عُذرة. قالت: فقال رسول الله ﷺ: " على مَه تَدْغرون أولادكم بهذا العِلاق؟ عليكم بهذا العودِ الهندي ". يعني به الكُسْتَ، فإن فيه سبعة أَشْفيةٍ، منها ذاتُ الجنب. قال عُبيدُ الله: وأخبرتني
[ ١ / ٢٠٩ ]
أن ابنها ذاك بالَ في حجرِ رسول الله ﷺ. فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على بولهِ، ولم يَغسلهُ غسلًا.
ومن بني غنم بن دُودان مُحرزُ بنُ نَضلةَ بن عبد الله بن مُرَّةَ بن كَبير بن غَنم بن دُودان شهد بدرًا، وكان فارسًا، ويقال له الأخرمُ وقُميرًا، استُشهد في حين غارة عُيينة بن حصنٍ الفزاريِّ على لِقاحِ رسول الله ﷺ في غطفان. وكان أول من نَذرَ بهم سَلَمةُ بن الأكوع الأسلميُّ، وأول من لحقهم مُحرِزٌ هذا على فرسٍ لمحمود بن مَسلمةَ الشهليِّ الأوسيِّ أخي محمد بن مَسلمة. ومحمود هو الذي مات بشدْخ الرَّحَى في غزوة خَيبر. فقال لهم مُحرزٌ: قِفُوا معشر اللَّكيعة حتى يلحق بكم مَن وراءكم من المهاجرين والأنصار. فحمل عليه رجلٌ منهم فقتله رحمةُ الله عليه.
وقال ابنُ عبد البر في كتاب " الصحابة " في باب الأخرم من حرف الألف: قتل محرزًا عبد الرحمن بن عُيينة بن حصنٍ. ولم يُقتل من المسلمين غيره على ما قال ابن إسحاق. وقال ابن هشام: وقُتل يومئذ من المسلمين مع مُحرزٍ وَقاصُ بن مُجَزِّز المُدْلجيُّ فيما ذكر غيرُ واحدٍ من أهل العلم. وقال مسلم: إنَّ الذي أغار على اللَّقاح عبد الرحمن الفزاريُّ: قال ابو عمر بن عبد البرِّ: هو عبد الرحمن بن عُيينة بن حصن. وقال غيره: ولا يَبعد ان يكون عبد الرحمن بن عُيينة كان في مقدمة أبيه، فأسرع الغارةَ على اللقاح، ثم لحقه أبوهُ. فيصحُّ ما رواه ابنُ إسحاق ومسلم. وقَتل أبو قَتادة الحرث بن ربعي السَّلميُّ الخزرجيُّ، وهو فارسُ رسول الله ﷺ يومئذ، حبيب بن عُيينة بن حِصن.
وكان بنو غَنم بن دُودان أهل إسلام. قد أَوْعَبوا إلى المدينة مع رسول الله ﷺ هجرةً رجالهم ونساؤُهم. منهم من ذكرنا قبلُ، ومنهم شجاع بن وهب بن ربيعة، وأخوه عقبةُ بن وهب، ويزيد بن رُقَيش بن رِئاب ابن عمِّ عبد الله بن جحش بن رئاب. وربيعة بنُ أكثم بن سَخْبَرةَ، ومحمد بن عبد الله بن جحشٍ. وجميعُهم بدريون ﵃. ومنهم: عمرو بن محصنٍ
[ ١ / ٢١٠ ]
أخو عُكَّاشةَ، شهد أُحُدًا، ولم يشهد بدرًا. وكلُّ من ذكر من بني غَنم بن دودان كانوا حلفاء بني أسدٍ.
وفي بني دودان يقول امرؤ القيس لقتل بني أسدٍ أباه:
قُولا لدُودانَ عبيدَ العصا ما غَرَّكمْ بالأسد الباسلِ؟
قد قَرَّتِ العَينانِ من مالكٍ ومن بني عمرو ومن كاهلِ
ومن بني غَنم بِن دُودان إذْ نقذفُ أعلاهُمْ على السافلِ
نَطعنُهمْ سُلكي ومَخْلوجةً لفتكَ لأَميْنِ على نابلِ
ومن بني ثَعلبة دُودان عمرو بن شأس بن عُبيد بن ثعلبة بن رُؤيبة بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دُودان: له صحبةٌ ورواية. وهو ممن شهد الحديبية، وممَّن شُهر بالبأس والنجدة. وكان شاعرًا مطبوعًا، يُعدُّ في أهلِ الحجاز
[ ١ / ٢١١ ]
وهو أبو عرارٍ، وكان عِرارٌ أسودَ من أمةٍ سوداء، وكان نجيبًا، وكان أبوهُ يحبه. وكانت امرأته أمُّ حسان تُؤذي عِرارًا، وتُعيِّره به. فقال يعاتب امرأته من قصيدةٍ:
أرادتْ عِرارًا بالهوانِ ومَن يُردْ عِرارًا، لَعَمري بالهوانِ، فقد ظَلمْ
فإن كنتِ مني أو تريدينَ صُحبتي فكوني له كالسَّمنِ رَبَّبهُ الأدَمْ
وإنَّ عرارًا إن يكنْ غيرَ واضحٍ فإني أحبُّ الجَون ذا المنكِب العَمَمْ
يُروى عَرارًا بالفتح، وعِرارًا بالكسر. فالعرار بالفتح: شجر. والعرار بالكسر: صِياحُ الظَّليم. وخبرُ عِرار مع عبد الملك بن مروانَ حين بعثه إليه الحجاجُ رسولًا صحيح مشهور. وعمرو بن شأسٍ هو القائل:
إذا نحنُ أَدْلَجنا وأنتَ أمامنا كفى لمطايانا بوجهِكَ هاديا
أليسَ يزيدُ العِيسَ خِفَّةَ أذرُع وإن كنَّ حَسرى أن تكونَ أمامِيا
وقال أبو عمرو الشيبانيُّ: جَهدَ عمرو بن شأس أن يُصلح بين ابنه وبين امرأتهِ فلم يُمكنه ذلك، فطلَّقها، ثم نَدم ولامَ نفسَه، فقال:
[ ١ / ٢١٢ ]
تَذكَّر ذكرى أمِّ حسَّانَ فاقْشَعرْ على دُبرٍ لمَّا تبيَّن ما ائْتَمرْ
تذكرتُها وهنًا وقد حالَ دونَها رِعانٌ وقِيعانٌ بها الماءُ والشجر
فكنتُ كذاتِ البَوِّ لمَّا تَذكَّرتْ لها رُبَعًا حنَّتْ لمعهدِهِ سَحَرْ
ومن حديث عمرو بن شأس ما حدَّث أبو بكرٍ أحمدُ بن زهير أبي خَيثَمةَ: نا أبي، نا يعقوب بن إبراهيم بن سَعدٍ، نا أبي عن ابن إسحاق، عن أبان بن صالحٍ، عن الفَضْل بن معقل بن سنان، عن عبد الله بن دينار، عن عمرو بن شأسٍ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ: " قد آذيْتَني ". فقلت: ما أحبُّ أن أؤذِيَك. فقال: " مَن آذى عليًا فقد آذاني ". وذكر الطبريُّ هذا الحديث في ذيل المذَّل له، وقال فيه: إنَّ عمرًا كان مع عليٍّ في بَعثٍ، فرأى منه بعض الجفاء، فلما قدِم عليَ من البَعث شكاهُ عَمرو إلى النبي ﷺ، فقال له مثل ما في حديث ابن أبي خَيثَمة.
ومن بني عَمرو بن أسد خُريمُ بن فاتك: وهو خُريم بن الأخرم بن شدَّاد ابن عمرو بن الفاتك بن القُليب بن عمرو بن أسد بن خزيمةَ. أبوه الأخرم، يقال له فاتك. وقيل: إن فاتكًا هو ابنُ الأخرم، ويكنى خُريم أبا يحيى. وقيل: أبا أيمن، بابنه أيمن، قال ذلك البخاريُّ.
وأخوهُ سَبْرةُ بن فاتك: قيل: إنهما شهدأ بدرا. ولم يذكرهما ابن إسحاق في البدريين، وذكرهما غيرُه. وكان خُريم شاعرًا، وابنُه أيمن بن خُريم كذلك. وأسلم أيمنُ يوم الفتح، وهو غلامٌ يفاع. وروى عن أبيه وعمَّه. وقال الدارَقُطنيُّ:
[ ١ / ٢١٣ ]
قد روى أيمنُ بن خُريم عن النبي ﵇. أما أنا فما وجدتُ له روايةً إلا عن أبيه وعمه. وحدَّث محمدُ بن حازم أبو معاوية الضريرُ السُّلميُّ مَولى لهم عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: أريل مَروان إلى أيمن بن خُريم: ألا تتَّبعُنا على ما نحن فيه؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدرًا، وإنهما عَهدا إليَّ ألا أقاتل رجلًا يَشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله. فإن جئتني ببراءةٍ من النار فأنا معك. فقال: لا حاجةَ لنا في معونتك. فخرج وهو يقول:
ولستُ بقاتلٍ رجلًا يصلِّي على سُلطانِ آخرَ من قُريشِ
لهُ سلطانُهُ وعليَّ إثمي معاذَ الله من سَفَهٍ وَطيشِ
وطلب مروان من أيمن الاتباع حين خروجه إلى مرج راهطٍ حيث قُتل الضحاك ابن قيس الفهريُّ. وكان أيمن أبرص، وكان مع بني مروان يُسامرهم ويُؤاكلهم. ذكر ذلك ابن قتيبة في " المعارف ". وقال: أيمن بن خريم، وأحسن فيما قال وأجاد:
إذا المرءُ وفَّى الأربعين ولم يكن له دونَ ما يأتي حياءٌ ولا سِتْرُ
فدعْهُ ولا تَنْبِسْ عليه الذي ارتأى وإن جدَّ أسباب الحياة له العُمْرُ
ومن بني غاضرة بن مالك بن ثعلب بن دودان زرُّ بن حبيش بن حباشة: يكنى أبا مريم، أدرك الجاهلية، ولم يرَ النبيَّ ﷺ. وهو من جلَّة التابعين، ومن كبار أصحاب ابن مسعود. أدرك أبا بكر وعمر، وروى عن عمر وعلي. روى عنه الشعبيُّ وإبراهيم النخعيُّ، وكان عالمًا بالقرآن، قارئًا فاضلًا. قرأ على عثمان وابن مسعود. وهو من رجال عاصم بن بهدله؛ أحد القراء السَّبعة. وتوفي سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مئة وعشرين وكان أسنَّ من
[ ١ / ٢١٤ ]
أبي وائل. روى أبو بكر بن عيَّاش عن عاصم بن أبي النجود. واسم أبي النجود عبد. وبهدلة أمُّ عاصم. قال: كان زر أكبر من أبي وائل، فكانا إذا جلسا جميعًا لم يحدِّث أبو وائل مع زر.
وقال إسماعيل بن أبي خالدٍ: رأيت زرَّ بن حبيش تختلج لحياه من الكبر، وهو يقول: أنا ابن عشرين ومئة سنةٍ. يعدُّ في الكوفيين. ومات زرُّ بدير الجماجم. وكان أعرب الناس، كان عبد الله بن مسعودٍ يسأله عن العربية.
ومن بني أسد، غير منسوب إلى بطنٍ، وهو من أنفُسهم شقيق بن سلمة: أبو وائلٍ، صاحب ابن مسعودٍ. أدرك الجاهلية، قال: بعث النبيُّ ﷺ، وأنا شاب ابن عشر حججٍ، أرعى إبلًا لأهلي. وقال: أتانا مُصدِّق النبيِّ ﵊، وأنا غلام يومئذ. فكان يأخذ الصدقة من كلِّ خمسين ناقةً ناقةً وأتيته بكبش فقلت: خذ من هذا صدقته، فقال: " ليس في هذا صدقة ".
وروى ابن معاوية الضرير عن الأعمش قال: قال لي شقيق بن سلمة: يا سليمان، لو رأيتني، ونحن هرَّاب من خالد بن الوليد يوم بزاخة، فوقعت عن البعير، فكانت عنقي تندقُّ. ولو مت يومئذٍ كانت النار. قال: وكنت يومئذ ابن إحدى وعشرين سنةً.
قال المؤلف عفا الله عنه، وآتاه رحمةً من لدُنُه: كان يجب أن يكون أبو وائل ابن أربع وثلاثين سنةً يوم بزاخة على قوله إنه كان ابن عشر سنين حين بُعث رسول الله ﷺ، اللهمَّ إلا أن يريد بالبعث الهجرة، فحينئذ يصحُّ كونه يوم بزاخة ابن إحدى وعشرين سنةً. وممَّا يؤيد أنه أراد بالبعث الهجرة رواية هُشيمٍ عن مغيرة، عنه أنه قال: أتانا مصدَِق النبي ﵇ وأنا غلام يومئذ. ولو كان عند البعث ابن عشرٍ لم يكن عند أخذ النبي الصدقة غلامًا.
وكانت أمُّ أبي وائلٍ نصرانيةً، وكان له خصُّ يكون فيه هو وفرسه.
[ ١ / ٢١٥ ]
فكان إذا غزا نقضه، وإذا رجع أعاده. وروى حماد بن زيدٍ عن عاصم بن أبي النُّجود قال: أدركت أقوامًا يتَّخذون هذا الليل جملًا، إن كانوا ليشربون نبيذ الجرَّ، ويلبسون المعصفر، ولا يرون بذلك بأسًا. منهم أبو وائل وزرُّ بن حبيش. ومات أبو وائل زمنَ الحجاج بعد " الجماجم ". ومات زِرٌّ قبلهُ.
وقال الحافظ أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهانيُّ في كتاب رياضة المتعلمين له: حدثنا أبو عليِّ بن الصوَّاف: نا محمد بن عثمان بن أبي شَيبة: نا إسماعيل بن بهرام: نا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النُّجود قال: كان أبو وائلٍ عثمانيًا، وكان زرُّ بن حُبيش عِلويًا، وكان مُصلاّهما في مسجد واحدٍ، ما رأيتُ واحدًا منهما قطُّ يكلِّم صاحبه في شيء، فما هو عليه حتى ماتا. وكان أبو وائل معظِّمًا لزرٍّ.
قال المؤلف أعزَّه الله بتقواه، وأعانه على العمل الصالح الذي يرفعه، وقوَّاه: أبو عليِّ بنُ الصوَّاف: الذي روى عنه الحافظ أبو نُعيم اسمُه محمدُ بن أحمد بن الحسن، وروى عن ثقات، منهم محمدُ بن عثمان بن أبي شيبة المذكور في هذا الحديث. ويوسف القاضي: وهو يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم ابن عم القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ابن حماد. وحماد بن زيد بن درهم: جدُّهما من أئمة المحدِّثينَّ الحفَّاظ المكثرين من الحديث. وهو مَولى جرير بن حازم الجَهْضَميِّ الأزديِّ.
وتُوفي أبو إسماعيل حماد يوم الجمعة في شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومئة، سنة مات مالكُ بن أنس، وصلى عليه إسحاقُ بن سُليمان الهاشميُّ، وهو يومئذٍ والي البصرة لهارون الرشيد.
وأخوه سعيدُ بن زيد: أبو الحسن، قد رُويَ عنه، ومات قبل حمَّاد. وروى يوسف القاضي عن: نصر بن عليٍّ الجَهْضَميِّ، وأبي الربيع سليمان بن داود الزهرانيِّ، ومُسدَّد بن مُسَرْهَدٍ، ومحمد بن أبي بكر المقدَّمي. وهؤلاء من شيوخ مُسلم. ويروى أيضًا يوسف القاضي عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك
[ ١ / ٢١٦ ]
الطيالسيَّ، وعن سليمان بن حربٍ الواشجيِّ الأزديِّ من أنفُسهم، ويكنى أبا أيوب ويروى مُسلم عن رجل، عن أبي الوليد الطيالسيِّ، وعن رجل عن سليمان بن حرب. ويروى البخاريُّ عن سليمان بن حرب بن حرب مُشافهةً. ومات أبو الوليد الطيالسي بالبصرة سنة سبع وعشرين ومئتين، وهو ابن أربعٍ وثمانين سنةً. وولى سليمانُ ابن حرب قضاء مكة.
وكان يوسف القاضي من قضاة المعتضد. وكان أيضًا هو وابنه محمد بن يوسف من قضاة المكتفي بالله عليِّ بن أحمد المعتضد بن طلحة الموفَّق بن جعفر المتوكِّل بن أبي إسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهديِّ بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.
وكان ابنه أبو عمر محمد بن يوسف: حاجب ابن عمِّ أبيه إسماعيل بن إسحاق القاضي. وكان ذا وقارٍ وهيئةٍ حسنةٍ وأبَّهة. وكان يُضرب بسمته المثلُ في بغداد.
وابنه أبو الحسين عمرُ بن محمد بن يوسف: ناظر ابا بكر الصَّيرفيَّ فقيه أصحاب الشافعيِّ. وله كتابٌ في الردِّ على مَن أنكر إجماع أهل المدينة. وكان يقال ببغداد إسماعيل بحاجبهِ، وأبو الحسين بأبيه، وأبو عُمر بنفسه. فكان المدحُ في الجميع راجعًا إلى أبي عمر.
وابنُه أبو نصر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف القاضي: كان فقيهًا فاضلًا. وهو آخر من ولي القضاء في بغداد من ولد حمّضاد بن زيد في أيام المتَّقى إبراهيم بن أحمد.
وولى يوسف وبنوه القضاء للمعتضد والمكتفي والمقتدر والقاهر والراضي والمتَّقي. وولى أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القضاء للمعتضد بالله، وابن عمِّه يوسف بن يعقوب كذلك. وكان إسماعيل مالكيَّ المذهب جليلًا محدِّثًا فقسهًا. روى عن عليِّ بن المديني ومُسدَّدٍ وأشياخ ابن عمَّه يوسف. وكان يقول: أفخر على الناس برجلين بالبصرة: أحمدُ بن المعدَّلِ يُعلمني الفقه، وعليُّ بن
[ ١ / ٢١٧ ]
الدينيِّ يعلمني الحديث. وعليُّ من الثَّقات، روى عنه الأئمة. وأبوه عبد الله بن جعفر روى عنه الأئمةُ. وأبوه عبد الله بن جعفر يضعِّف في الحديث، ضعَّفه يحيى بن معين وغيره، كذا قال التِّرمذيُّ.
وكان إسماعيل ممَّن جمع القرآن والحديث، وآثار العلماء، والفقه والكلام والمعرفة بعلم اللسان. وكان من نُظراء أبي العباس محمد بن يزيد المبرَّد في علم كتاب سيبويه. وكان المبرَّديقول: لولا أنه مشتغلٌ برياسة العلم والقضاء لذهب برياستنا في النحو والدب. وردَّ على المخالفين من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة. وحُمل من البصرة إلى بغداد، وولى القضاء، ومات سنة اثنتين وثمانين ومئتين ببغداد في خلافة المعتضد.
وروى أيضا ابو عليِّ بن الصوّاف سيخ أبينُعيم الحافظ عن أبي جعفر ابن محمد الفِريابي، وهو من شيوخ أبي بكر ألآجُريِّ. وكان من الثِّقات المحدِّثين المشاهير. وممَّن روى الفِريابيُّ عنه قُتيبةُ بن سعيد، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وإسحاق بن راهويهِ، وعُبيد الله بن عمر القواريريُّ وسُويد بن سعيد، وعبيدُ الله بن مُعاذٍ العنبريُّ، وعبد الأعلى بن حمَّاد، والحسن بن عليٍّ الحَلوانيُّ، وإسحاق بن موسى الأنصاريُّ، وابو كامل فُضيلُ بن حسين الجَحدريُّ وابو مسعود أحمد بن الفرات، ومِنجاب بن الحرث، وأبو كُريب محمدُ بن العلاء الهمدانيُّ، ومحمدُ بن عبيد بن حِسَابٍ، وابو موسى محمدُ بن المثنى الزَّمِنُ العَنَزيُّ، ومحمدُ بن أبي عمر المكِّي، وحِبَّانُ بن موسى، ووهب بن بقيَّة الواسطيُّ. وهؤلاء كلُّهم من شيوخ مسلم. وخرّضج البخاريُّ عنهم كثيرًا. وروى الفِريابيُّ أيضًا عن محمد بن إسماعيل البخاريِّ الإمام.
قال المؤلف وفَّقه الله: وأمَّا محمدُ بن يوسف الفِريابيُّ فطبقته في الرواية أعلى من طبقة جعغر بن محمد الفِريابيِّ المذكور آنفًا. وأشياخ محمد بن يوسف الفِريابيَّ سفيان الثَّوريُّ. ولزمه كثيرًا، وجلُّ حديث سفيان واختيار فقهه عنه وروى عن غيره من الأئمة. وروى عن عَبَّادِ بن كثير، وعبَّاد يروي عن أبي الزِّناد. قال الحافظ أبو نعيم في الرِّياضة: نا سليمان بن أحمد عمْرو بن ثورٍ
[ ١ / ٢١٨ ]
الجُذاميُّ، نا محمدُ بن يوسف الفِريابيُّ، نا عبَّاد بن كثير عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " تَواضعوا لمن تَعَلَّمون منه، وتواضعوا لمن تُعلِّمون ولا تكونوا جبابرة العلماء "، زاد حجَّاج بن نُصيرٍ عن عبَّادٍ: " فيغلبَ جهلُكم علمَكم " هو الفَساطيطيُّ. روى عن شُعبة وهشام الدَّسْتَوانيَّ، وهو متروك الحديث، وعبادُ بن كَثير ثقة. وسليمان بن أحمد الذي روى عنه أو نعيمٍ الحافظ يروي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليِّ؛ شيخ مسلم، وهو ابنُ راهَويه، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل ويوسف بن يعقوب القاضي وغيرهم من الثِّقات.
قال المؤلف شرح الله صدره، ويسَّر أمره، وجعل صالح العمل فقره ذُخره: هذه فوائد مُفترقة في كتب هذا العلم جمعتها، وفي غاية الوضوح نيِّرة أطلعْتُها، تُفيد من تَصفَّحها من الفقهاء النُّبهاء ما يَعيه جَنانُه، ويُبرزُه لدى المحاضرة مُحرَّرًا مُحبَّرًا لسانه، لا تمجُّها عند سماعها الآذانُ، ولا يَملُّها من له بالآثار عِرفان. والله يجعلنا ممَّن عَمل بما عَلم، ووُقيَ مما يخالف أمْرهُ وعُصم آمين.
وسماكُ بن خرشة النصاريُّ، وليس بأبي دجانة، على عمر في وفود أهل الكوفة بالأحماس، فانتسبوا له سِماك وسماك وسماكٌ. فقال: بارك الله فيكم، اللهم اسمُك بهم الإسلام وأيدِّ بهم ومنهم وابصة بن معبد بن عبيد الأسديُّ، ويكنى أبا شدَّاد، ويقال: أبا فِرصافة. سكن الكوفة ثم تحوَّل إلى الرقة، ومات بها. له صُحبة ورواية، روى عن النبيِّ ﷺ أنه أمَرَ رجلًا يصلي خلف الصفِّ وحده أن يُعيد الصلاة.
[ ١ / ٢١٩ ]
ومنهم زياد بن حُدير أبو المغيرة: ويقال أبو عبد الرحمن. سمع عمر وعليًا. روى عنه الشعبيُّ وإبراهيم بن مهاجر وحفص بن حميدٍ.
ومن بني قُعين بن الحرث بن ثعلبة بن دُودان بن أسدٍ قبيصَة بن بُرمة: وهو من الصحابة، خرَّج عنه البزَّار. قال البزَّارُ: حدثنا محمدُ بن رزق الله الكَلوذانيُّ قال: نا عليُّ بن أبي هاشم قال: نا أبو عمر نُصيرُ بن عُمر بن يزيد بن قبيصة بن بُرمة قال: سمعت يزيد بن قبيصة أنه سمع قبيصة بن بُرمة الأسديُّ يقول: كنت عند رسول الله ﷺ، فسمعته يقول. " إنَّ أهل المعروف في الدنيا هم أهلُ المعروف في الآخرة. وإنَّ أهلَ المنكر في الدنيا هم أهلُ المنكر في الآخرة ". وخرَّج هذا الحديث أبو أحمد الحاكم. قال: أبو أحمدُ يعني ابن يوسف السلميَّ قال: نا عليُّ بن أبي هاشم قال: نا أبو عمر نُصيرُ بن عمر بن يزيد بن قبيصة بن برمة يحدِّث أنه قبيصة بن برمة الأسدي يقول: كنتُ عند النبي ﵇ جالسًا فسمعته يقول، فذكرهُ
ومن موالي بني أسدٍ أبو أحمد الزُّبيريُّ، واسمه محمدُ بن عبد الله بن الزبير، خرَّج عنه البخاريُّ، " وتُوفي " سنة ثلاثٍ ومئتين.
ومن مواليهم أبو دُلامة الشاعر واسمُه زَندُ بن الجَون، وكان خاصًا بأبي جعفر المنصور وولده، وله معهم نوادرُ مُستظرفة.
ومن بني خُجوان بن فقعس بن عمرو بن قُعين طُليحُة بن خُوَيلدٍ. الأسديُّ قاتل عكاشة بن مِحصنٍ، وقد تقدَّم ذكره.
ومن بني الصَّيداء بن عمرو بن قُعين الصامت بن الأفقم الذي قتل ربيعة بن مالك أبا لبيد بن ربيعة الشاعر يوم ذي عَلق. وفي بني الصيداء يقول الشاعر:
[ ١ / ٢٢٠ ]
يا بني الصَّيداءِ رُدُّوا فرسي إنُّما يُفعلُ هذا بالَّدليلْ
ومن بني قُعين ذؤابُ بن رَبيعَة الذي َقتل عُتَيبةَ بن الحرث بن شهابً اليربوعَّي. ومنهم: بشر بن أبي خازم الشاعر، وعبيد بن الأبرص.
ومن بني غاضرة بن ملك بن ثعلبة بن دودان الحساس بن هند الذي ينسب إليه عبد بني الحساس. وكان جيد الشعر جدًا، وهو القائلُ، وأحسنَ:
أَشعارُ عبدِ بنى الحسحاسِ قُمنَ لهُ عند الفَخار مَقامَ الأصلِ والوَرِقِ
إن كنتُ عبدًا فنفسي حرةٌ كَرَمًا أو أسودَ اللونِ إني أبيضُ الخُلُقِ
وكان عبدُ بنى الحسحاس يرتضخُ لُكنةً. فلما أنشد عمر بن الخطاب:
عُميرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا كفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
فقال عمرُ، ﵀: لو قدَّمتَ الإسلام على الشيب لأَجزتُك قال: ما سعرتُ، يريد: ما شعرت.
ومن بني كاهل بن أسدٍ علباء بن الحرث: الذي يقول فيه امرؤ القيس:
[ ١ / ٢٢١ ]
وأفلتهُنَّ عِلباءٌ جريضًا ولو أدركنهُ صَفرَ الوطابُ
وفي بني كاهلٍ يقول امرؤ القيس:
واللهِ لا يذهبُ شَيخي باطِلا
حتى أُبِيرَ مالكًا وكاهِلا
القاتِلين الملكَ الحُلاحِلا
خيرَ معدٍّ حَسبًا ونائِلا
ومن مالي بني كاهل سليمان بن مِهرانَ: أبو محمدٍ الأعمشُ، وكان يوم قُتل الحسين، وذلك يوم عاشوراءَ سنة إحدى وستين. وكان من جملة حَملة الحديث.
وأما حُلمةُ بن أسدٍ: فأفناهمُ امرؤ القيس بن حُجر أخذًا بثأر أبيه.
ومن بني أسدٍ ثم من بني والبةَ بن الحارث أخي قُعين بن الحارث عليُّ بن ربيعة الأسديُّ الوالبيُّ: أبو المغيرة. سمع عليًا وابن عمر. روى. عنه سعيد بن عُبيد وسَلمة بن كُهيل وأبو إسحاق السَّبيعي ومنصور بن المُعتمر. خرَّج عنه مسلم والتِّرمذيُّ وغيرهم. وعن علي بن ربيعة في الشريعة للآجُرِّيِّ، عن علي ﵁ ما أنصُّه الآن:
[ ١ / ٢٢٢ ]
الآجُرِّيُّ: حدثنا أبو محمدٍ يحيى بن محمد بن صاعدٍ قال: نا يوسف بن موسى القَطَّانُ قال: نا جَريرٌ عن منصور بن المعتمر عن عليِّ بن ربيعةَ الأسديِّ قال: رأيت عليَّ بن أبي طالب أُتِيَ بدابَّةٍ، فوضع رِجلَهُ في الرِّكاب فقال: بسم الله. فلما اسْتَوى عليها قال: الحمدُ لله. ثم قال:) سبحانَ الذي سخَّر لنا هذا، وما كنَّا لهُ مُقْرِنينَ، وإنَّا إلى ربِّنا لَمنقلبون (، ثم كبَّر ثلاثًا، وحمِدَ ثلاثًا ثم قال: لا إله إلا أنتَ، سبحانك إني قد ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي ذنبي، إنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ. ثم استُضحك، فقلتُ: ممَّ استُضحكتَ؟ فقال: إن رسولَ الله ﷺ قال يومًا مثل ما قلتُ ثم استُضحك، فقلتُ: ممَّ استُضحكت يا رسول الله؟ قال: يَعجبُ ربُّنا ﷿ من قَول عبده: " سبحانك إني قد ظلمتُ نفسي، فاغفر لي ذنبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". وخرَّج هذا الحديث التِّرمذيُّ عن علي بن ربيعة عن علي بن أبي طالب.
ومن موالى والبة بن الحرث سعيدُ بن جُبير: أبو عبد الله، وكان من خيار التابعين، روى عن ابن عباس وابن عمر، وكان أسود. وكتب لعبد الله بن عُتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى وهو على القضاء. وقال خُصيف: وكان أعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيَّب، وأعلمهم بالحج عطاء وأعلمهم بالحلال والحرام طاووس، وأعلمهم بالتفسير مُجاهد، واجمعَهم لذلك كلِّه سعيد بن جُبير. وكان أبن عباس ﵁ إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه يقول: يسألونني وفيهم ابن أمِّ دَهماء، يعن سعيدًا. وخرَّج سعيد مع عبد الرحمن بن الأشعث. فلما " قُتل عبدُ الرحمن " أمر الحجاجُ به، فأخذه خالد بن عبد الله القسريُّ، فبعث به إلى الحجاج. وكان خالد والي الوليد بن عبد الملك على مكة.
وحدثنا أبو ألصَّهباء قال: قال الحجاجُ لسعيد بن جُبير: اختر أيَّ قِتْلةٍ شئتَ. فقال له: بل اختر أنت لنفسك القصاصَ أمامك. وقتله الحجاجُ سنةَ أربع وتسعين، وهو ابن تسعٍ وأربعين سنة. وكان له ابنان: عبد الله وعبد الملك ابنا سعيدٍ، يُروى عنهما.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ومن بني أسد إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة الأسدي. سمع ابن المنكدر وأيوب ومالك بن دينارٍ وابن عَون، روى عنه شعبةُ وإسحاق.
ومنهم أبو عمر حفصُ بن سليمان.
مُدركةُ بن إلياس: فَوَلد مُدركة خُزيمة، وقد تقدَّم ذكره، وهُزيلًا. وأمهما امرأة من قُضاعةَ. كذا قال ابن إسحاق، وذكرهما غيرُه وسمَّاها ونسبها، فقال: هي سلمى بنتُ سودِ بن أسلم بن الجاف بن قُضاعة.
وفي هُذيل بطون منها: صَاهلِةُ بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هُذيل، ولِحْيانُ بن هُذيل.
فمن صاهلةَ عبد الله بن مسعود بن غافل " بالغين المنقوط والفاء " بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بت تميم بن سعد بن هُذيل بن مُدركة أبو عبد الرحمن، حليف بني زهرة. وكان أبوه مسعود بن غافل قد حالف في الجاهلية عبد الله بن الحرث بن زهرة. وأمُّه أمُّ عَبدٍ بنت عبد وُد، هُذلية من فخذ أبيه، وأمُّها زُهرية، قيل بنت الحرث بن زهرة. وكان إسلامه قديمًا في أول الإسلام. وهو من القُراء وممَّن جمع القرآن على عهد النبي ﷺ. وهاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، وشهد بدرًا والحديبية. وشهد له النبيُّ ﵇ بالجنة، وكان يُعرف في الصحابة بصاحب السِّواد والسِّواك. والسِّوادُ: السِّرارُ. وكان يَلجُ على النبيِّ ﷺ، ويُلبسه نعليه، ويمشي أمامهُ ومعه، ويَستُره إذا اغتسل، ويوقظُهُ إذا نام. وقال: قال لي رسولُ الله ﷺ: " إذنُك عليَّ أن ترفعَ الحجابَ، وأن تسمعَ سِوادي حتى أَنهاك ". أخرج هذا الحديث مسلم في الصحيح المسند له.
وقال رسول الله ﷺ: " رضيتُ لأمتي ما رضيَ لها ابنُ أمِّ عبدٍ ". وقال عليٌّ ﵁: أمر النبيُّ ﷺ عبد الله بن مسعود أن يصعد شجرةً، فيأتيَهُ بشيء منه. فنظر أصحابُه إلى خُموشهِ ساقَييه، فضحكوا. فقال النبيُّ ﷺ: " ما يُضحكِكُم؟ لَرِجلا عبدِ الله في الميزان أثقلُ من أُحُدٍ ".
[ ١ / ٢٢٤ ]
وقال أبو عمر بنُ عبد البَرِّ: نا سعيد بن نصر؛ نا قاسم بن إصبغ، نا ابن وضَّاح، نا ابنُ أبي النبيَّ ﵇ أتى بين أبي بكر وعمر وعبد الله يصلي، فافتتح بالنِّساء. فقال ﵇: " من أحبَّ أن يقرأ القرآن غضًا كما أُنزل فليقرأهُ على قراءةِ ابن أمِّ عبدٍ "، ثمَّ قعد يسألُ. فجعل النبيُّ ﷺ يقول: " سَلْ تُعطَهُ ". فقال فيما سأل: " اللهمَّ، إني أسألك إيمانًا لا يرتدُّ، ونعيمًا لا ينفَدُ، ومرافقةَ محمدٍ في أعلى جنة الخلد ". فأتى عمرُ عبد الله يُبشِّره، فوجد أبا بكرٍ خارجًا قد سبقه، فقال: إن فعلت لقد كنت سَبَّاقًا للخير.
وكان، ﵀، قصيرًا نحيفًا يكادُ طِوال الرجال يُوازونه جلوسًا، وهو قائم. وكان لا يُغير شَيبَةُ. وبعثه عمرُ بن الخطاب إلى الكوفة مع عمار بن ياسر، وكتب إليهم: إني قد بعثتُ إليكم بعمار بن ياسر أميرًا، وبعبد اللهِ بن مسعودٍ مُعلما ووزيرًا. وهما من النُّجباء من أهل بدرٍ فاقتَدُوا بهما، واسمعوا من قولهما. وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي. وقال فيه عمر: كُنيف مُلئ علمًا. ومسح النبيُّ ﵇ برأسه، وقال: " يرحمُك اللهُ، فإنك غُليِّمٌ مُعلَّمٌ "، وذلك في أول إسلامه.
وروى عليُّ بن المدينيِّ قال: نا سُفيان قال: نا جامعُ بن أبي راشدٍ سمع حذيفة يحلف بالله: ما أعلمُ أحدًا أشبه دّلًا ولا هديًا برسول الله ﷺ من حين يخرجُ من بيته إلى أن يرجع إليه من عبد الله بن مسعودٍ. ولقد عَلم المحفوظون من أصحاب محمدٍ ﷺ أنه من أقربهم وسيلةً إلى الله يوم القيامة. وقال بعض أصحاب ابن مسعود: ما سمعتُ ابن مسعود يقول في عثمان سُبَّةً قطُّ: وسمعته يقول: لئن قتلوهُ لا يَستخلفوا بعده مثله.
وأمُّ عبد: أمُّ عبد الله، وقد يُنسب إليها، وكانت من المهاجرات. روى عنها ابنها عبدُ الله بنُ مسعود أنها قالت: رأيتُ رسول الله ﷺ قَنَتَ في أوَّل الوتر، قبل الركوع. وروى وكيعٌ عن سفيان عن أبي إسحاق عن
[ ١ / ٢٢٥ ]
مُصعب بن سعد قال: فرض عمر بن الخطاب لنساء المهاجرات في ألفين منهنَّ أمُّ عبد.
ولما مات ابنُ مسعود نُعي إلى أبي الدرداء فقال: ما ترك بعده مثلهُ. ومات ﵁ سنة ثلاثين، ودُفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان. وقيل: بل صلى عليه عمار. وقيل: بل صلى عليه الزُّبير. ودُفن ليلًا بإيصاله ذلك إليه، ولم يُعلم عثمان بدفنه، فعاتب الزُّبير على ذلك. وكان يوم توفي ابن بضع وستين سنةً. وعن جابر بن زيد عن ابن عباسٍ قال: آخى رسولُ الله ﷺ بين الزُّبير وبين ابن مسعود.
ولد عبد الله بن مسعود عبد الرحمن: وبه كان يُكنى. وعتبةُ وأبو عبيدة، واسمه عامر.
فأما عبد الرحمن بن عبد الله فولد القاسم بن عبد الرحمن، وكان على قضاء الكوفة. ومعن بن عبد الرحمن فولد معن القاسم، وكان على قضاء الكوفة. ولم يرتزق شيئًا حتى مات. وكان عالمًا بالفقه والحديث والشعر والنسب وأيام الناس، وكان يقال له شَعْبيَّ زمانه.
وأما عُتبةُ بن عبد الله فلهُ عقب، منهم: أبو عُميس عتببُ بنُ عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود. ومات ببغداد، وأخوهُ عبد الرحمن المسعوديُّ: اختلط في آخر عُمُره، ومات ببغداد، وهو المسعوديُّ الأكبر. فأما الأصغر فهو عبدُ الله بن عبد الملك بن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ، ويكنى أبا عبد الرحمن، وجدُّه أبو عبيدة روى عن أبيه، وروى عنه أبو إسحاق السَّبيعيُّ وعمرو ابن
عتبةُ بن مسعودٍ: أبو عبد الله، أخو عبد الله بن مسعود لأبيه وأمِّه. وكان قديم الإسلام. ولم يرو عن النبي ﷺ شيئًا، وهاجر مع أخيه إلى أرض الحبشة، الهجرة الثانية، ثم قدم المدينة فشهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد. وقال ابن عيينة: سمعت ابن شهاب يقول: ما كان عبدُ الله بأقدم
[ ١ / ٢٢٦ ]
صحبةً من أخيه عتبة بن مسعود، ولكن عتبةُ مات قبلَهُ. ولما مات عتبةُ بن مسعود بكي عليه أخوهُ عبد الله، فقيل له: أتبكي؟ قال: نعم أخي في النسب، وصاحبي مع رسول الله، وأحبُّ الناس إليَّ، إلا ما كان مِن عمر بن الخطاب. ومات عتبة بن مسعود بالمدينة، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وكان ذلك في خلافة عمر، قاله المسعوديُّ.
وابنُه عبد الله بن عتبة: يكنى أبا عبد الرحمن، فنزل الكوفة، وتوفي بها في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان كثير الحديث والفُتْيا فقهيًا، وُلد على عهد رسول الله ﷺ، ووضع يده على رأسه، ودعا لهُ. حدَّث محمدُ بن خلف بن وكيع قال: قال: نا محمد بن عبد الله الخصوميُّ قال: أخبرني حمزة وفضل ابنا عون بن عبد الله بن عتبة عن جدَّتهما وكانت أمَّ ولد عبد الله بن عتبة. قالت: قلت لسيِّدي عبد الله بن عتبة: أيّ شيء تَذكر من النبيِّ ﷺ قال: أذكر أني غلام خماسي أو سداسيٌّ أجلسني النبيُّ ﵇ في حَجْرهِ، ومسح على وجهي، ودعا لي ولذريَّتي بالبركة.
استعمله عمر بن الخطاب ﵁، وروى عنه ابنُه حمزة بن عبد الله بن عُتبة قال: أذكر أن رسول الله ﷺ وضع يده على رأسي.
هو والد عبيد الله وعون وحمزة، وعبيد الله منهم شيخُ ابن شهاب فقيه مدينيٌّ من الفقهاء السبعة. وروى عن عبد الله بن عتبة ابنه عبيد الله وحميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وعبد الله بن مَعْبدٍ الزِّمَّانيُّ: وكان عبيد الله ابنُه عالمًا شاعرًا. وعُوتب في قول الشعر فقال: لابدَّ للمصدور من أن يَنْفِثَ. وكان الزهريُّ يقوم له إذا خرج. فلما ظن أنه قد استنفدَ ما عنده لم يقُم. فقال: إنك في العَزَار فقُم. العَزار: الأرض الصلبةُ.
وسُئل عِراكُ بن مالك: من أَفقهُ من رأيت؟ قال: أَعلمُهُم سعيد بن المسيَّب، وأَغْزرُهم في الحديث عُروةُ، ولا تشاء أن تُفجِّر من عبيد الله بحرًا إلا فَجَّرتَه. وقال الزهريُّ: سمعت من العلم شيئًا كثيرًا فظننتُ أني قد اكتفيت حتى لقِيتُ عبد اله بن عبد الله بن عُتبة، فإذا كأن ليس في يديَّ شيء. وقال الزهريُّ: أدركتُ أربعة بحور، فذكر عُبيد الله مقدَّمًا. وقال عمر بن عبد العزيز: لأَنْ
[ ١ / ٢٢٧ ]
يكون لي مجلس من عُبيد الله أحبَّ إليَّ من الدنيا. وخرَّج عنه الأئمة.
وأخوهُ عون بن عبد الله بن عتبة: كان زاهدًا عالمًا، وكان في أول أمره يقول بالإِرجاءِ، ثم رجع عن ذلك فقال:
وأولُ ما نُفارقُ غيرَ شَكٍّ نفارقُ ما يقولُ المُرجِئونا
وقالوا: مؤمنٌ دمُهُ حَلالُ وقد حَرُمَتْ دِماءُ المؤمنينا
وقالوا: مُؤمنٌ من أهل جَورٍ وليس المؤمنونَ بِجَائرينا
وكان ذا منزلةٍ من عمر بن عبد العزيز، وهو خليفةٌ. وله يقول جرير بن عطَّية الخَطَفي:
يأيُّها القارئ المُرْخي عِمامَتهُ هذا زمانُكَ إني قد مَضى زَمَني
أبْلِغْ خليفَتَنا إن كنتَ لاقيَهُ أني لَدى الباب كالمَصْفودِ في قَرَنِ
وروى عَون بن عبد الله عن عبد الله بن عمر.
التِّرمذي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقيُّ: نا إسماعيل بن إبراهيم، نا الحجاجُ بن أبي عثمان بن الزُّبير عن عون بن عبد الله عن عمر قال: بينما نحن نُصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجلٌ من القوم: اللهُ أكبرُ كبيرًا واحمدُ للهِ كثيرًا، وسُبحان الله بُكرةً وأصيلًا. فقال رسول الله صلى الله
[ ١ / ٢٢٨ ]
عليه وسلم: " مَنِ القائلُ كذا وكذا؟ " فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله. قال: " عجبتُ لها، فُتحتْ أبوابُ السماءِ لها! ". قال ابنُ عمر: ما تركتهنَّ منذ سمعتُ رسول الله ﷺ. قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيح غريب من هذا الوجه. وحجاجُ بن أبي عثمان: هو حجاجُ بن مَيسرة الصوَّاف، ويُكنى أبا الصَّلت. وهو ثقةٌ عند أهل الحديث.
وروى عونٌ أيضًا عن أبيه، عن ابن مسعود. مسلم: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدقيُّ قال: نا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: كان بين إسلامنا وبين أن عاتَبَنا الله بهذه الآية:) ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله (إلا أربع سنين.
ومن هُذيل ٍ ثم من بني صُبح بن كاهل بن الحرث بن سعد بن هُذيل أبو بكرٍ الهذليُّ الفقيه.
ومن هُذيل سنان بن سَلمةَ بن المحبَّق الهُذليُّ، يُكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا حَبترٍ.. روى وكيعُ بن الجرَّاح عن أبيه. عنه أنه قال: وُلدت يوم حربٍ للنبي ﷺ، فسمَّاني ﵇ " سنانًا ". وقد قيل: إنه لما وُلد قال أبوه سلمة بن المحبَّق: لسنان. أُقاتلُ به في سبيل الله أحبُّ إليَّ منهُ، فسماه رسولُ الله ﷺ سِنانًا. ورُوي عنه أنه قال: ولدتُ في يوم حربٍ كانت للنبي ﷺ فذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ فحنَّكني وتفل في فيَّ، ودعا لي، وسمَّاني سنانًا. وكان من الشجعان البطال الفرسان. ولاَّهُ زياد بن أبيه غزوَ الهند بعد قتل راشد بن عمرو الجُريريِّ، وذلك سنة خمسين في وسط خلافة معاوية، قاله خليفةُ بن خياط. ولسنان بن سلمة خبرٌ عجيب في غزو الهند وتوفي في آخر أيام الحجاج.
ومن هُذيل ثم من بني صاهلة بطن عبد الله بن مسعود أبو ذؤيب الهذليٌّ الشاعر وكان مسلمًا على عهد رسول الله ﷺ، ولم يرهُ. ولا
[ ١ / ٢٢٩ ]
خلاف أنه باهليٌّ إسلاميٌّ. واسمُه خُويلدُ بن خالد بن مُحرِّث بن زُبيد بن مخروم بن صاهلةَ بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هُذيل. وذكر الهرماسُ بن صَعصعة الهُذليُّ عن أبيه أن أبا ذَؤيب الشاعر حدَّثه قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل، فاستشعرت حزنًا، وبتُّ بأطولِ ليلة لا ينجاب دَيْجورُها، ولا يطلع نورُها. فظَلْتُ أقاسي طولها، حتى إذا كان قُرب السَّحر أَغفيتُ. فهتف بي هاتف، وهو يقول:
خَطبٌ جليلٌ أناخَ بالإسلامِ بين النَّخيلِ ومَعْقِدِ الآطامِ
قُبضَ النبيُّ محمدٌ فعيونُنا تُذْري الدموعَ عليهِ بالتَّسْجامِ
قال أبة ذؤيب: فوثبتُ من نومي فزِعًا، فنظرتُ إلى السماء فلم أرَ إلا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحًا يقع في العرب. وعلمتُ أن النبيَّ ﷺ قد قُبض أو هو ميِّت من علَّتهِ. فركبتُ ناقتي وسِرتُ. فلما أصبحت طلبت شيئًا أزجرُ به، فعنَّ لي شَيهم، يعني القنفذُ، وقد قبض على صِلِّ يعني الحيةَ، فهي تلتوي عليه، والشَّيهمُ يقضُمها حتى أكلها، فزجرت ذلك، فقلتُ: شَيهم شيء مهم، والتواء الصِّلِّ والتواء الناس عن الحقِّ على القائم بعد رسول الله ﷺ. ثم أوَّلت أكلَ الشَّيهم إياها غَلبةَ القائم بعده على الأمر. فَحَثثتُ ناقتي، حتى إذا كنتُ بالغابة زجرتُ الطائر، فأخبرني بوفاتهِ، ونَعب غراب سانح فنطق بمثل ذلك، فتعوذتُ بالله من شرِّ ما عنَّ لي في طريقي، وقدِمْتُ المدينة، ولها ضجيجٌ بالبكاء كضجيج الحاجِّ إذا أهلُّوا بالإحرام. فقلتُ: مهْ. قالوا: قُبض رسول الله ﷺ، فجئتُ إلى المسجد، فوجدته خاليًا، فأتيتُ رسول الله ﷺ، فاصبتُ بابَه مُرْتجًا، وقيل: هو مُسجًّى، وقد خلا به أهلُه. فقلتُ: أين الناسُ؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة، صاروا إلى الأنصار. فجئتُ إلى السقيفة، فأصبت أبا بكرٍ وأبا عبيدة بن الجراح وسالمًا وجماعةً من
[ ١ / ٢٣٠ ]
قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعدُ بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأ منهم. فأويتُ إلى قريش. وتكلمت الأنصار، فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب. وتكلم أبو بكر ﵁، فلله درُّه من رجلٍ لا يطيل الكلام، ويعلمُ مواضع فصل الخصام. والله لقد تكلمَ بكلامٍ ما يسمعُهُ سامعُ إلا انقاد له ومال إليه. ثم تكلم عمر بعدهُ بدون كلامه. ومدَّ يده فبايعه وبايعوه، ورجع أبو بكرٍ ورجعتُ معه. قال أبو ذؤيب: فشهدتُ الصلاة على النبيِّ محمد ﷺ، وشهدت دفنَه ﷺ. ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي النبيَّ ﵇:
لمَّا رأبت الناسَ في عَسَلانِهِمْ ما بينَ مَلحودٍ لهُ ومُصرَّحِ
مُتبادرينَ لشرجَع بأكفِّهمْ نُصِّ الرِّقابَ لفقدِ أبيضَ أَرْوَحِ
فهناكَ صِرتُ إلى الهموم ومَن يَبتْ جارَ الهموم يَبِيتٌ غيرَ مُروَّحِ
كَسَفتْ لمصرعهِ النجومُ وبدرُها وترعرعتْ آطامُ بطنِ الأَبطحِ
وتزعزعتْ أجيالُ يَثربَ كلُّها ونخيلُها بحلول خَطْبٍ مُفْرِحِ
ولقد زجرتُ الطيرَ قبل وفاتِهِ بمُصابهِ، وزَجرتُ سعدَ الأُذْبُحِ
قال: ثم انصرف أبو ذؤيب إلى باديته، فأقام بها، وتوفي في خلافة عثمان بن عفان بطريق مكة قريبًا منها. ودفنه ابن الزُّبير. وقيلَ: غَزا أبو ذؤيب مع
[ ١ / ٢٣١ ]
عبد الله بن الزُّبير إفريقيَّة ومدحه. وقيل: إنه ماتَ في غزوة إفريقية بمصر، مُنصرفًا بالفتح مع ابن الزبير، ونفذَ بالفتح وحدَه. وقيل: إن أبا ذؤيب مات غازيًا بأرض الروم ودُفن هناك، وإنه لا يعلمُ لأحدٍ من المسلمين قبر وراء قبره وكان قد ندبه إلى الجهاد، فلم يزل مجاهدًا حتى مات بأرض الروم، ودفنهُ هناك ابنُه أبو عُبيد. وعند موتِه قال له:
أبا عُبيدٍ رُفع الكتابُ واقتربَ الموعدُ والحسابُ
قال محمدُ بن سلاّم: قال أبو عمرو: وسُئل حسانُ بن ثابت: من أشعر الناسِ؟ فقال: حيًّا أم رجلًا؟ قالوا: حيًا. قال: هُذيل أشعرُ الناس حيًا. قال ابن سلام: وأقولُ: إن أشعر هُذيل أبو ذؤيب. قال عمر بن شَبةَ: يُقدَّم أبو ذؤيب على جميع شعراء هُذيل بقصيدته العينية التي يرثى فيها بنيه. وقال الأصمعيُّ: أبرعُ بيتٍ قالته العربُ بيتُ أبي ذؤيب:
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتها وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تَقنعُ
وهذا البيت من شعره المفضَّل الذي يرثى فيه بنيه، وكانوا خمسةً أُصيبوا في يومٍ واحد، وفيه حكمُ وشواهد، أوَّلُه حيث يقول:
أمِنَ المنُونِ ورَيبهِ تَتوجَّعُ والدهرُ ليس بمُعتِبٍ مَن يَجْزَعُ
وفي هذه القصيدة يقول:
أَودَى بنيَّ فأَعقَبوني حَسرةً بعدَ الرُّقادِ وعبرةَ ما تُقلِعُ
[ ١ / ٢٣٢ ]
فالعينُ بعدهمُ كأنَّ حِداقَها سُلمتْ بشَوكٍ فهْيَ عُورٌ تَدمعُ
سبَقوا هَوَيَّ وأعْنَقوا لهواهمُ فتُخُرِّموا، ولكلِّ جَنبٍ مَصْرَعُ
فَغَبرتُ بعدهمُ لعيشٍ ناصبٍ وإخالُ أني لاحقٌ مُستقْبِعُ
ولقد حَرصتُ بأن أُدافعَ عنهمُ فإذا المنيةُ أَقبلتْ لا تُدافَعُ
وإذا المنيةُ أَنشبتْ أظفارها ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ
وتجلُّدي للشامتينَ أُريهمُ أني لرَيبِ الدَّهرِ لا أتضعضَعُ
حتى كأني للحوادث مَرْوةٌ بصفا المشقَّرِ كلَّ يومٍ تُقرَعُ
ومن شعر أبي ذؤيب، ﵀، في النسيب، وأَحسنَ:
يل بيتَ دَهماءَ الذي أتجنَّبُ ذهبَ الشبابُ وحبُّها لا يذهبُ
مالي أحنُّ إذا جِمالُكِ قُرِّبتْ وأصدُّ عنكِ وأنتِ مني اقربُ
للهِ دَرُّكِ هل رأيتِ مُعوَّلًا لمكلَّفٍ أم هلْ لِوُدِّكِ مَطلبُ؟
[ ١ / ٢٣٣ ]
تدعوا الحمامةُ شجوَها فَتَهيجني ويروحُ عازبُ شوقيَ المتأوِّبُ
وأرى البلادَ إذا سَكنتِ بغيرها جَدْبًا، وإنْ كانتْ تُطَلُّ وتخْصَبُ
ويَحلُّ أهلي بالمكان فلا أَرى طرفي بغيركِ مَرةً يَتَقلَّبُ
وأُصانعُ الواشينَ فيك تَجمُّلًا وهُمُ عليَّ ذَوو ضَغائنَ ذُوَّبُ
وتَهيجُ ساريةُ الرِّياحِ مِنَ ارْضِكمْ فأَرى الجنابَ لها يحَلُّ ويجْنَبُ
وأرى العدوَّ يحبُّكمْ فأحبُّهُ إن كانَ يُنسَبُ منكِ أَوْ لا يُنسَبُ
ومِن هُذيل أبو خِراش الشاعر: واسمُه خُويلدُ بنُ مُرَّةَ القِرْديُّ. وقِرْدٌ اسمُه عُميرُ بنُ مُعاويةَ بن تميم بن سعد بن هُذيل. مات في زمن عمر بن الخطاب من نَهشِ حية. وله في ذلك خبرٌ عجيبٌ يأتي بعدُ. وكان ممَّن يَعدو على قدميه فيسبق الخيلَ. وكان في الجاهلية من فُتاك العرب، ثم أسلمَ فحسنَ إسلامُه. وهو القائلُ في الجاهلية في عَدْوِهِ:
رَفَوني وقالوا: ياخُويلدُ لا تُرَعْ فقلتُ، وأنكرتُ الوجوه: هُمُ هُمُ
[ ١ / ٢٣٤ ]
فعاديتُ شيئًا والدَّريسُ كأنَّ يُزَعزعهُ وِردٌ من المُومِ مُرْدِمُ
تَذكُّرَ ما أينَ المفرُّ وإنَّني بغَرزِ الذي يُنجي من الموتِ مُعْصِمُ
أُوايلُ بالدِّ الذَّليقِ وحثَّني لدَى المتنِ مَشْبوحُ الذِّراعينِ خَلجَمُ
تقول ابنتي، لمَّا رأتني عشيةً: سلمتَ وما إنْ كِدْتَ بالأمس تَسلمُ
ولولا دِراكُ الشدِّ آضَتْ حَليلَتي تخيَّرُ من خُطَّابها وهيَ أُيِّمُ
وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأكلْنَ جُثَّتي وكيدَ خِراشٌ يومَ ذلك يَيْتِمُ
وكان جميلُ بن معمر الجمحيُّ قد قَتل أخاهُ زُهيرًا المعروف بالعَجْوة يوم فتح مكة مُسلمًا، قاله محمدُ بن يزيد. وقيل: كان زهير ابن عمِّه، قاله أبو عبيدة. ذكر ابنُ هشام قال: حدثني أبو عبيدةَ قال: أُسر زهيرُ بن العجوةِ الهُذليُّ يوم حُنينٍ وكُتِفَ. فرآه جميلُ بن معمر فقال: أأنتَ الماشي لنا بالمغائظ؟ فضرب عنقه. فقال أبو خِراش الهذليُّ يرثيه، وكان ابن عمِّه. قال محمدُ بن يزيد: وكان جميلُ يومئذٍ مأسورًا، وجميلٌ يومئذٍ مُسلم. ففي ذلك يقول أبو خِراشٍ:
[ ١ / ٢٣٥ ]
فجَّعَ أضيافي جميلُ بن معمر بذي فَجَرٍ تأوى إليه الأراملُ
طويلُ نجادِ السَّيف ليس بحَيْدرٍ إذا اهتزًّ واسترختْ عليه المحامِلُ
إلى بيتهِ يأوي الغريبُ إذا شَتا ومُهتَلِكُ بالي الدَّريسينِ عائلُ
تَكادُ يداهُ تُسْلمانِ رِداءهُ من الجودِ لمَّا اسْتَقبلتْهُ الشمائلُ
فأُقِسمُ لو لاقيتهُ غير مُوثَقٍ لآبَكَ بالجِزع الضِّباعُ النواهلُ
وإنَّكَ لوْ واجهتهُ أو لَقييتَهُ فنازَلْتَهُ أو كنت ممَّن يُنازِلُ
لكنتَ جميلٌ أسوأَ الناس صَرعةً ولكنَّ أقران الظُّهورِ مَقاتِلُ
فليسَ كعهدِ الدارِ يا أُمَّ مالكٍ ولكن أحاطت بالرقابِ السلاسلُ
وعادَ الفتى كالكهل ليس بقائلٍ سوى الحِّق شيئًا فاستراح العواذلُ
قوله: أحاطت بالرقاب السلاسلُ: يقول جاء الإسلامُ فمَنَع من طَلب الأوتار
[ ١ / ٢٣٦ ]
إلا بحقِّها. وممِّا يُستَحْسنُ لأبي خِراشٍ الهُذَليِّ، وهو أحدُ حكماء العرب، قولُه يرثى أخاهُ عَروة:
لعمري لقد راعت أُميمة طلعتي وإنَّ ثَوائي عندها لقليلُ
تقول: أراهُ بعد عروة لاهيًا وذلك رُزءٌ لو علمت جليلُ
فلا تَحسِبي أني تناسَيتُ عهدَهُ ولكنَّ صَبري ياأُميمَ جميلُ
ألم تَعلمي أنْ قد تفرَّق قبلَنا خَليلا صفاء: مالكُ وعَقيلُ
أبي الصبرُ أني لا يزالُ يُهيجُني مَبيت لنا فيما خَلا ومَقِيلُ
وأَني إذا ما الصبحُ آنستُ ضوءه يُعاوِدُني قِطعٌ عليَّ ثَقيلُ
قال أبو الحسن عليُّ بن سليمان الأخفش: مالك وعقيل اللذان ذكرهما نَدْمانا جَذيمة الأَبرش. وقصتُهما مع جذيمة مشهورة، وهما عَنى مُتمِّمُ بن نُويرةَ في آخر أشعاره التي رثى بها مالكًا أخاهُ، حيث يقول:
وكنّا كندْمانَيْ جَذيمةَ حِقبةً من الدهر حتى قيل: لن يَتَصدَّ " عا "
[ ١ / ٢٣٧ ]
وقال أبو خراش يرثى أخاه عُروة،، أَبدع في ذلك: حَمِدتُ إلهي بعد عُروة إذ نجا خِراشٌ، وبعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ
فوالله لا أنسى قتيلًا رُزِئتُهُ بجانب قُوسَي ما مشيتُ على الأرض
بلى إنَّها تعفو الكلومُ وإنَّما تُوكِّلَ بالأَدنى وإنْ جلَّ ما يمضي
ولم أدرِ مَن أَلقى عليه رداءه على أنه قد سُلَّ عن ماجدٍ مَحضِ
قصة نهش الحية لأبي خِراش: حدَّث أبو بكر محمدُ بن الحسن بن دريدٍ قال: نا عبد ارحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: أسلم أبو خراش فحسُن إسلامه، ثم أتاه نفر من أهل اليمن، قدموا حُجاجًا، والماءُ منهم غير بعيد. فقال: يا بني عمِّ ما أمسى عندنا ماءٌ، ولكن هذه بُرمة وشاة، فرِدوا الماء، وكلوا شاتكم، ثم دَعوا بُرمتنا وقِربَتَنا على الماء حتى نأخذها. فقالوا: لا والله ما نحنُ بسائرين في ليلتنا هذه، وما نحن ببارحين حيث أمسينا. فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قِربته، وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استسقى. ثم أقبل صادرًا، فنهشتهُ حيةٌ قبل أن يصل إليهم. فأقبل مسرعًا حتى أعطاهم الماء وقال: اطبخوا شاتكم وكلوا. ولم يُعْلمْهُم ما أصابه. فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا، وأصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوهُ. وقال وهو يموتُ في شعرٍ له:
لقد أَهلكتِ حيةَ بطنِ وادٍ على الإخوانِ ساقًا ذاتَ فَضل
[ ١ / ٢٣٨ ]
فما تركتْ عَدوًّا بين بُصري إلى صنعاءَ يطلبهُ بذَخْلِ
فبلغ خبرُه عمر بن الخطاب، فغضبَ غضبًا شديدًا، وقال: لولا أن تكون سُبَّةً لأمرتُ أن لا يُضاف يمانٍ أبدًا، ولكتبتُ يذلك إلى الآفاق. ثم كتب إلى عامله باليمن أن يأخذ النفرَ الذين نزلوا على أبي خِراشٍ الهُذليِّ، فيُغْرِمَهُم ديتَهُ، ويؤدِّبَهم بعد ذلك بعقوبةٍ يمَسُّهم جزاءً لِفِعلهم.
ومن هُذيل أبو كبير: واسمُهُ عامرُ بن الحِلس أحدُ بني سعد بن هُذيل، ثم أحدُ بني حُريْث، وهو جاهلي. ومن قوله مختار من قصيدة أَولُها:
أزُهير هَل عن شَيبةٍ منَ معدلِ أم لا سبيلَ إلى الشباب الأولِ
أمْ لا سبيل إلى الشبابِ، وذكرُهُ أَشهى إليَّ من الرَّحيقِ السلسلِ
ذهبَ الشبابُ وفات مني ما مضى ونَضا زُهيرَ كريهتي وتَبَطُّلي
وصَحوتُ عن ذكرِ الغواني وانتَهى عُمُري وأنكرْنَ الغداةَ تَقتُّلي
[ ١ / ٢٣٩ ]
ومنها:
ولقد سَرَيتُ على الظلامِ بِمغشمٍ جَلدٍ من الفتيانِ غيرِ مُهَبَّلِ
ممَّن حَملنَ به وهنَّ عواقدٌ حُبُكَ النِّطاقِ فشبَّ غيرِ مُثقَّلِ
حَملتْ به في ليلةٍ مَزْؤودةٍ كَرْهًا، وعَقدُ نطاقِها لم يُحْلَلِ
فأتت به حُوشَ الفؤادِ مُبَطَّنًا سُهُدًا إذا ما نام ليلُ الهَوْجَلِ
ومُبرَّأ من كلِّ غُبَّرِ حَيْضةٍ وفَسادِ مُرضعةٍ وداء مُعْضِلِ
وإذا نَظرتَ إلى أسِرَّة وجههِ بَرقتْ كبرقِ العارضِ المُتَهلِّلِ
صَعبُ الكريهةِ لا يُرامُ جَنابُهُ ماضي العزيمةِ كالحسامِ المِفْصَلِ
يحمي الصِّحابَ إذا تكونُ عظيمةٌ وإذا همُ نزلوا فمأوى العُيَّلِ
[ ١ / ٢٤٠ ]
ومنهم خُويلد بن مِطْحَل: أحد بني سهم بن معاوية بن تميم بن سعد بن هُذيل. وكان سيِّد هذيل. وابنُه مَعقلُ بن خُويلد من بعده، فأَطلقهم لهُ، فقال:
إمَّا صَرمتِ جديدَ الحبا لِ منَّا، وغيَّركِ الآشِبُ
فيارُبَّ حَيْرى جُماديةٍ تنزَّلَ فيها ندًى ساكبُ
ملكتُ سُراها إلى صُبْحها بشعثٍ، كأنهمُ حاصِبُ
لهُم عَدْوةٌ كانقصافِ الأَتِيْ يِ مَدَّ به الكَدِرُ اللاحِبُ
وسودِ الوُجوهِ جِعادِ اللَّحى ومِثْلُهمُ يَرْهبُ الراهبُ
أَتيتُ بأبنائكمْ منهمُ وليس معي منكمُ صاحبُ
وإني كما قالَ مُمْلي الكتا بِ في الرقِّ إذ خطَّهُ الكاتبُ
يَرى الحاضرُ الشاهدُ المطمئنُّ من الأمرِ ما لا يرى الغائبُ
ومن هذيل ثم من بني سهم بن معاوية بن تميم؛ رهط خُويلد بن مِطْحل أبو صخر الهذلي الشاعر: واسمه عبد الله بن سلمٍ السَّهميُّ، وهو من شعراء الدولة الأموية، وكان معتصبًا لهم. وسجنه عبد الله بن الزبير حتى قُتل. فأطلقهُ عبد الملك بن مروان واحسن إليه. وهو القائلُ القصيدة التي أوَّلُها:
[ ١ / ٢٤١ ]
لِلَيلى بذات الجيش دارٌ عرفتُها وأخرى بذات البينِ آياتُها سَطرُ
ومنهم حُذيفة بن أنسٍ: أحد بني عامر الحرث بن تميم بن سعد بن هُذيل. وهو القائل يفخر بالشجاعة من قصيدةٍ:
نَشأنا بني حربٍ تَربَّتْ صغارُنا إذا هيَ تُمرَى بالسواعدِ دَرَّتِ
ونحملُ في الأبطالِ بِيضًا صوارمًا إذا هيَ صابَتْ بالطَّوائف تَرَّتِ
وهل نحنُ إلا أهلُ دارٍ مُقيمةٍ بنعمانَ مَن عادتْ من الناسِ ضَرَّتِ
وله أيضًا يفخر بالشجاعة من قصيدةٍ:
وكنَّا أُناسًا أَنْطقَتْنا سيوفُنا لنا في لقاءِ الموتِ جَدٌ وكوكبُ
بنو الحربِ أُرْضِعْنا بها مُقْمطِرَّةً فمَنْ يُلْقَ منَّا يُلقَ سِيدٌ مُدرَّبُ
فُرافِرةٌ أظفارُهُ مثلُ نابهِ فإنْ تُشْوِ نابٌ منهُ لا يُشْوِ مِخْلبُ
[ ١ / ٢٤٢ ]
وله البيتُ المشهورُ من قصيدةٍ:
أخو الحربِ إنْ عضَّتْ به الحربُ عضَّها وإنْ سمَّرتْ عن ساقِها الحربُ شَمَّرا
ومنهم المُنتخِّل: واسمه مالك بن عمرو بن سُويد بن حَنَش بن خُناعةَ ابن عاريَّة بن صعصعة بن كعب بن طابخة بن لحيان بن هُذيل بن مُدركة. وقال حسان بن ثابت عنه: إنه أشعرُ هُذيل. ومن شعر المتنخِّل يرثى أخاهُ عُويْمرًا، ويكنى أخا مالكٍ:
لَعَمرُكَ ما إنْ أبو مالكٍ بوانٍ، ولا بضعيفٍ قُواهْ
ولا بالألدِّ لهُ نازعٌ يُغادي أخاهُ إذا ما نَهاهْ
ولكنَّه هيِّنٌ ليِّنٌ كعاليةِ الرُّمح عَرْدٌ نَساهْ
إذا سُدْتَهُ سُدتَ مِطواعةً ومَهما وَكلتَ إليهِ كفاهْ
ألا مَن ينادي أبا مالكٍ: أفي أمرِنا هو أم في سِواهْ؟
أبو مالكٍ قاصِرٌ فَقرَهُ على نفسهِ ومُشِيعٌ غِناهْ
ومن هذيلٍ أمية بن أبي عائذٍ: وهو القائلُ من قصيدةٍ طويلة يصف الخيال:
[ ١ / ٢٤٣ ]
خيالٌ لزينبَ قد هاجَ لي نُكاسًا منَ الحبِّ بعدَ انْدمالِ
تَسدَّى مع الليل تِمثالُها دُنُوَّ الضَّبابِ إلينا بِطَلٍّ زلالِ
فباتَ يُسائِلُنا في المنامِ فأَحببْ إلينا بذاكَ السُّؤالِ
يُثَنِّي التحيةَ بعدَ السَّلا مِ ثمَّ يُغَدِّي بعضمٍّ وخالِ
إلى اللهِ أشكو الذي قد أرى منَ النائباتِ بعافٍ وعالِ
وإطلالَ هذا الزمانِ الذي تَبدَّلَ بالناسِ حالًا بحالِ
ومنهم ساعدة بن جُؤَيَّةَ: أحدُ بني كعب بن كاهل بن الحرث بن تميم ابن سعد بن هُذيل، وكان جاهليًا. وله من قصيدةٍ طويلة يصف الرماح:
فَتعاورُوا ضربًا وأُشرِعَ بينهمْ أَسلاتُ ما ضاعَ القُيونُ ورَكَّبُوا
من كلِّ أظمأَ عاتِرٍ لا شانَهُ قِصَرٌ، ولا راشَ الكعوبَ مُعلَّبُ
خَرِقٌ منَ الخطِّيِّ أُغمضَ حدُّهُ مثل الشهابِ، رفعْتَهُ، يَتلهَّبُ
ممَّا يُترَّصُ في الثِّقافِ يَزِينُهُ أَخْذى كخافيةِ العُقابِ مُجرَّبُ
[ ١ / ٢٤٤ ]
لذَّ بِهَرِّ الكفِّ يَعسِلُ مَتنُهُ فيه كما عَسلَ الطريقَ الثَّعلبُ
ومنهم البُرَيق: واسمه عِياض بن خُويلد الخُناعيُّ. وخُناعةُ: هو ابن سعد بن هُذيل. وكان عمر أرسل البُريق في جُملة مَن أرسَل لاستفتاح مصر. ومن قوله:
رَفعتُ بني حواءَ إذ مالَ عَرشُهمْ وذلك منى في صريمٍ مُضلَّلُ
جَزَتْني بنو لِحْيانَ حَقنَ دمائهمْ جزاءَ سِنمَّارٍ بما كان يفعلُ
وكان من حديث سِنمَّار، فيما يحكيه العلماء أنه كان بنَّاء مُجيدًا، وهو من الروم. فبنى الخورنق الذي بظهر الكوفة للنعمان بن امرئ القيس. فلما نظر إليه النعمانُ كره أن يعمل مثله لغيره، فألقاه من أعلى الخورنق، فخرَّ ميتًا. وفيه يقول القائل:
جَزَتْنا بنو سعدٍ لحسنِ فَعالِنا جزاءَ سِنمَّارٍ، وما كان ذا ذنبِ
قال هذا أبو عبيدٍ في الأمثال.
ومن هذيل أبو قِلابَةَ: وهو القائلُ في آخر قصيدةٍ:
[ ١ / ٢٤٥ ]
إنَّ الرشادَ وإنَّ الغَيَّ في قَرنٍ بكلِّ ذلك يأتيك الجديدان
لا تأمننَّ وإنْ أصبحتَ في حَرَمٍ إنَّ المنايا بِجَنْبَيْ كلِّ إنسانِ
ولا تقولونْ لشيء: سوف أفعلُهُ حتى تَبيَّنَ ما يَمْنى لكَ الماني
ومنهم أبو العيال: وكان مسلمًا. ومن قوله يرثى أبن عمٍّ له قُتل بالروم زمنَ معاويةَ من قصيدةٍ طويلةٍ:
ذكرتُ أخي فعاوَدَني صُداعُ الرأسِ والوصبُ
كما يعتادُ ذاتَ البَوْقِ وبعد سُلُوِّها الطربُ
فدمعُ العينِ من بُرَحا ءِ ما في القلبِ يَنسكبُ
على عبد بنِ زُهرةَ طُو لَ هذا الليلِ أكتئبُ
أخٌ لي دونَ مَن لي من بني عمٍّ ولو قَرُبوا
طَوى مَن كان ذا نَسبٍ إليَّ وزادَهُ نَسَبُ
أبو الأيتامِ والأَضْيا فِ ساعةَ لا يعدُّ أبُ
لهُ في كلِّ ما رفع ال فَتى من صالحٍ سببُ
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقال أبو العيال، وكان حُصر ببلادِ الروم، فكتب إلى معاوية كتابًا نظمه شعرًا. فقرأ على الناس:
مَن أبي العيال أخي هذيل فاعرفوا قولي، ولا تَتَجَمْجَموا ما أُرسِلُ
أَبلغْ معاويةَ بن صَخر آيةً يَهوى إليكَ بها البريدُ المُعْجَلُ
والمرءَ عمرًا فاتهِ بصحيفةٍ أَزرَى بنا في قَسمهِ إذ يعدِلُ
وإلى ألى الأحلامِ حيثُ لقيتَهُمْ حيثُ البقيةُ والكتابُ المُنْزَلُ
إنا لقينا بعدكُم بديارنا من جانَبَ الأمراجَ يومًا نُسألُ
أمرًا تضيقُ به الصدورُ ودونَهُ مُهَجُ النفوسِ وليس عنه مَعدِلُ
في كلِّ مُعتركٍ يُرى منّا فتى يَهوى كعزلاءِ المَزَادةِ تُزْغِلُ
[ ١ / ٢٤٧ ]
أو سيِّدٌ كهلٌ تَمورُ دماؤهُ أو جانحٌ في صدرِ رْمحٍ يَسْعُلُ
وتجرَّدتْ حربٌ يكونُ حِلابُها عَلَقًا ويَمْرِيها الغَوِيُّ المُبْطِلُ
فتَرى النِّبالَ تَعيرُ في أقطارِنا شُمُسًا كأنَّ نِصالَهُنَّ السُّنْبُلُ
وترى الرماحَ كأنما هي بَيْنَنا أَشطانُ بئرٍ يُوغِلون ونُوغِلْ
ومن هذيل قِرد: وكان مشهورا بالزِّنى والعهارة. وفيه كانت العربُ تقول: " أَزنى من قِرْد ". قال الشاعر:
تُعير بني هذيل داءَ قِرْدٍ وهمْ كانوا بذاك الداءِ أولى
فأَرْخوا سِترَ عارِكمُ عليكمْ فإنكم بذاكَ العارِ أخْزَى
واسمُ قردٍ عُميرُ بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل.
ومن بني لِحْيانَ بن هذيل أبو عزة الهُذَليُّ: واسمُه يسار بن عبد. وقيل: ابن عبد الله. وقيل: ابن عمرو روى عن النبي ﷺ: " إذا أراد اللهُ قبضَ روح عبدٍ بأرضٍ جعل له إليها حاجةً ".
ومن بني لحيان النفَر الغادرون مع عَضل والقارة بأصحاب الرَّجيع الستة: مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَويِّ، وهو أمير الستة، وخُبيب بن عديٍّ، وعاصم بن ثابت
[ ١ / ٢٤٨ ]
بن أبي الأفلح، وهما من بني عمرو بن عوفٍ من الأوس، وزيد بن الدَّثنة من بني بياضة بن عامر من الخزرج، وخالد بن البُكير الليثي، حليف بني عدي بن كعب بن لؤي، وعبد الله بن طارق حليف بني ظَفر من الأوس. والخبرُ بذلك صحيح مشهور. وقال حسان بن ثابت يهجو بني لحيان من هُذيل لغَدرهم بأصحاب الرجيع:
إنْ سرَّك الغَدرُ صِرفًا لا مِزاجَ له فَأْتِ الرَّجيعَ فسلْ عن دارِ لِحيانِ
قومٌ تَواصَوا بأَكل الجارِ بينهُمُ فالكلبُ والقردُ والإنسانُ مِثلانِ
لو يَنطقُ التَّيسُ يومًا قامَ يَخطُبُهمْ وكان ذا شَرفٍ فيهمْ وذا شانِ
وقال حسان أيضا يهجو هذيلًا:
سَألتْ هذيل رسول اللهِ فاحشةً ضلَّتْ هذيلٌ بما سَاْلتْ ولم تُصِبِ
سالوا رسولهُمُ ما ليس مُعْطِيَهُمْ حتى المماتِ، وكانوا سُبَّةَ العربِ
ولن تَرى لهُذيلٍ داعيًا أبدًا يدعو لمكْرُمةٍ عن منزلِ الحَسَبِ
[ ١ / ٢٤٩ ]
لقد أرادو خِلالَ الفُحشِ وَيحهُمُ وأن يُحلُّوا حَرامًا كان في الكتُبِ
وكانوا سألوا رسول الله أن يُبيح لهم الزِّنى.
وقال أيضًا يهجوهم:
لَعَمري لقد شانَتْ هُذيلَ بنَ مُدركٍ أحاديثُ كانت في خُبيبٍ وعاصمِ
أحاديثُ لِحْيان صَلُوا بِقبيحها ولحيان جَرَّامونَ شرَّ الجرائمِ
وهمُ غَدروا يوم الرَّجيعِ وأَسلمتْ أمانَتُهم ذا عِفَّةٍ ومَكارم
رسولَ رسولِ اللهِ غَدرًا ولم تكنْ هُذيلٌ تَوَقَّى مُنكَراتِ المَحارمِ
قُبيَّلةٌ ليس الوفاءَ بهمِّهمْ وإنْ ظُلموا لم يدفَعوا كفَّ ظالمِ
مَحلُّهمُ دارُ البَوارِ ورأيُهمْ إذا نابَهُمْ أمرٌ كرأيِ البَهائمِ
ومن بني لحيان أسامةُ بن عمير: من أنفُس هذيل. له صحبة ورواية. وهو والد أبي المليح الهُذليِّ، واسم أبي المليح عامرُ بن أسامةَ. ويقال: زيد بن أُسامة. ولم يرو عن أسامة غيرُ ابنه أبي المليح من حديثه عن النبي ﵇
[ ١ / ٢٥٠ ]
في سفر حُنين: فأصبنا مطر لم يَبُلَّ أسافل نعالنا. فنادى مُنادي رسول الله ﷺ أن صلُّوا في رحالكم.
ومن هُذيل حمل بن مالك بن النابغة: وهو المذكور في حديث المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل. مسلم عن أبي هُريرة فال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمَت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ. فقضى رسول الله ﷺ أن دية جَنينها غُرةٌ عبدًا ووليدةً. وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وورثها ولدها ومن معهم. فقال حملُ بن النابغة الهذليُّ: يا رسول الله، كيف أغْرِم من لا شَرب ولا أكل ولا نطق ولا استهلَّ؟ فمثل ذلك بطَلَ. فقال رسول الله ﷺ: " إنما هذا من إخوانِ الكهَّان من أجل سجعهِ الذي سجع ". واسمُ إحدى المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل مُليكة بنت عُويمر، والأخرى أم غُطيف، روى ذلك عكرمة عن ابن عباس.
ومن هُذيل أبو سَبرة سالم بن سَلَمة: روى عن عبد الله بن عمرو، وروى عنه عبد الله بن بُريدة، وجعله خليفةُ بن خيَّاطٍ في الطبقة الأولى ممَّن حُفظ عنه الحديث من أهل البصرة بعد الصحابة. ورفع نسبة فقال: ومن هذيل ابن مُدركة بن الياس بن مُضر أبو سبرة واسمه سالمُ بن سلمة بن نوفل بن عبد العُزَّى بن أبي نصر بن جُهينة بن مطرود بن مازن بن عمرو بن الحرث بن تميم بن سعد بن هُذيل بن مدركة. وقال مسلم: أبو سبرة سالم بن سَبرة، ووَهِم في ذلك. واتَّفق البخاريُّ وابنُ أبي حاتم على أنه أبو سبرة سالم بن سلمة كما قال خليفة بن خياط.
ومن هذيل أبو عبد الله مُسلم بن جُندب الهذليُّ: القاصُّ، أحدُ أشياخ نافع بن أبي نُعيم المدني في القراءة. وأخذ مسلم القراءة عن أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن أبي ربيعة عن أبيِّ بن كعبٍ عن النبي ﷺ.
[ ١ / ٢٥١ ]
الياس بن مُضر: أمُّه الرَّبابُ بنت حيدرة بن مَعدِّ بن عدنان. وفي سيرة ابن إسحاق: أمُّه سودة بنت عكِّ بن عدنان. وذكر الواقديُّ أنه كان يَسمع في صُلبه تَلبية النبي ﵇ بالحج. وذكر الزبير بن بكَّار أن إلياس أول من أهدى البدنَ إلى البيت. قيل في اسمه الياسُ ضدُّ الرجاء، وعليه اكثر النُّسَّاب. واستشهدوا بقول قُصيِّ بن كلاب:
إني لدى الحربِ رَخِيُّ اللَّببِ
أُمَّهَتي خِندِفُ واليأسُ أبي
وقال أبو بكر بن الأنباري: هو إلياس المذكور في القرآن. وإلياس الذي ذكر الله في القرآن قال ابن قُتيبةَ في " المعارف " وقاله غيره: هو من سبط يوشع بن نون، بعثه الله إلى أهل بعلبكَّ، وكانوا يعبدون صنمًا يقال له " بعل " وفيه قال الله:) أتدعون بعلًا وتَذَرونَ أحسنَ الخالقين؟ (.
قال المؤلف، وفقه الله: ويوشعُ بن نون هو ابنُ أفْراييم بن يوسف بن يعقوب، وهو فتى موسى وقال الفقيهُ الكاتب المحدِّث أبو عبد الله محمدُ بن أبي الخصال في قصيدته الكبيرة التي سمَّاها بمنهاج المناقب ومعراج الحسب الثاقب: إن إلياس بن مُضر هو المذكور في القرآن. ونصُّ ذكر إلياس في القصيدة:
وإلياسُ مأوى الناس في كل أزمةٍ ومَهربهُم في كلِّ خوفٍ ومَرهَبِ
وحين دَعَوا بعْلًا ضَلالًا وجُرأة على ربِّهم فاسْتَعْتبوا كلَّ مَعتَبِ
وجاءهُم بالركنِ بعدَ هلاكهِ وقد كان في صَدْعٍ من الأرضِ أَنكَبِ
[ ١ / ٢٥٢ ]
وحَجَّ وأهدى البُدْنَ أوَّل مَشعِرٍ لها، وفُروض الحج لم تَتَرتَّبِ
ولم يقل ما قال رحمه اله إلا عن معرفة ونظر في كتب التواريخ. وقد ذكر ما ذكر الزبير بن البكار أن إلياس أول من أهدى البُدن الى البيت. وقد أجاد فيما نظمه في هذه القصيدة من مناقب وانساب حررها وحبرها، نفعه الله بها، وجعلها له ليوم الفزع الأكبر وامنا آمين.
وولد إلياس مُدركة وولده عامر، وقد تقدم ذكره، وطابخةَ واسمه عمرو، وقمعة واسمه عمير.
فولدت طابخةُ أُدًا، وعَمرًا، وعبد مناة، ومُرًا. فولد أُدٌّ ضبَّة، وهي جمرة من جمرات العرب.
وولد ضبة سعدًا، وسعيدا، وباسلا. فأما باسل فهو ابو الَّديلم. وقُتل سعيد ولا عقب له. قال المفضل بن محمد الضبي الراوية: إن ضبة بم أُدَّ كان له ابنان: سَعيد وسُعيد، فخرجا في طلب ابل لهما، فرجع سعد ولم يرجع سعيد. فكان ضبة كلما رأى شخصا مقبلا قال: " أسعد أم سعيد؟ ". فذهبت كلمته هذه مثلًا. قال: ثم ان ضبة بينما هو يسير، ومعه الحرث بن كعب، في الشهر الحرام إذ اتيا على مكان. فقال الحرث لضبة: أترى هذا الموضع؟ فإني لقيت فيه فتى، وأخذت منه هذا السيف. فإذا هي صفة سُعيدٍ ابنه. فقال له أرني السيف أنظر إليه. فناوله، فعرفه ضبة. فقال عندها: " إن الحديث ذو شجونٍ ". فذهبت كلمته الثانية مثلا. ثم ضرب به الحرث حتى قتله. قال: فلامه الناس في ذلك، وقالوا: أتقتل في الشهر الحرام! فقال: " سبق السيف العذَلَ ". فذهبت هذه الثالثة مثلا.
قال: وفيه يقول الفرزدقُ:
[ ١ / ٢٥٣ ]
فلا تأمنَنّ َالحربَ إنَّ اسْتِعارَها كضبَّةَ إذ قال: الحديثُ شُجُونُ
وضبة كلها ترجع الى سعد بن ضبة. وفي سعد بطون كثيرة. والشرف منها في كعب بن بحالة. وهو بيت ضبة كلها؛ منهم: ضرار بن عَمرو، وهو القائل: " مَن سرَّرهُ بنوهُ ساءته نفسه ". وولد له ثلاثة عشر ذكرا.
ومن بني المنذر بن ضرار بن عمرو هذا أبو شُبرمة عبد الله بن شُبرمة: ولد سنة اثنتين وسبعين من الهجرة. وهو كوفي، تفقه بالشعبي، وروى عنه وعن أبي زُرعةَ هرمُ بن عمرو بن جرير البجليِّ. ومات سنة أربع وأربعين ومئة. قال حماد بن زيدٍ: ما رأيت كوفيا أفقه من ابن شُبْرمةَ. وقان قاضيًا لأبي جعفر على سواد الكوفة، وكان شاعرا، حسن الخلق جوادًا ربما كسا حتى يبيت في ثيابه. وله ابنا أخ يقال لهما: عمارة ويزيد ابنا القعقاع بن شُبرمة، وقد روي عنهما. وكان ابن شبرمة يقول لابنه: يابني لا تُمكن السفلة من نفسك، فإن أجرأَ الناس على السباع أكثرهم لها مُعاينةً.
وفي ضبة من الصحابة سلمان بن عامر بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحرث بن تميم بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أُدٍّ: سكن البصرة، وكان له دار بمقربة من الجامع بها. وله رواية عنالنبي ﵇. روى عنه محمد بن سيرين والَّبابُ بنت صُليع بنت أخى سلمان بن عامر. البخاري عن محمد بن سيرين قال: حدثنا سلمان بن عامر الضبي قال: " سمعتُ مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دَما، وأميطوا عنه الأذى ".
وعتّاب بن شُمَير: روى عنه ابنه مُجمِّعُ بن عتاب. قال ابن ابي خَيثمة: وقد روى عن النبي ﵇ من بني ضبة عتّابُ بن شُمير. روى أبو نُعيم ويحيى الحِمَّانُّي قالا: نا عبد الصمد بن جابر بن ربيعة الضبي قال: نا مجمَّعُ بن عتاب بن شُمير عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير، ولي إخوة فإذهب اليهم، لعلهم يُسْلمونَ، فآتيكَ بهم فقال النبي ﵇: " إن هم أسلموا فهو خيرٌ لهم، وإن أبوا فإن الإسلام واسع عريض ". ويقال: إنه لم يرو عن النبي ﵇ من ضبة غير عتَّاب بن شمير وسلمان بن عامر.
[ ١ / ٢٥٤ ]
ومن ضبة ثم من بني صُباح عبد الله بن زيد بن صفوان بن صُباح الصُّباحيُّ. وصُباح: هو ابن ظريف بن زيد بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضبة. وفد على النبي ﷺ وسماه عبد الله، ولم يرو عنه شيئًا. ونسبه ابن الكلبي ومحمد بن حبيب. وقال وسيم بن عمرو بن ضرار: شهد يوم الجمل مع عائشة. ذكر ذلك الطبري في تايخه الكبير عن المفضَّل بن محمد الضَّبيَّ الراوية عن عدي بن أبي عدي، عن أبي رجاء العُطاردي قال: إني لأنظر إلى رجل يوم الجمل، وهو يقلب سيفًا بيده كأنه مِخراقٌ، وهو يقول:
نحن بنو ضبةَ أصحابُ الجملْ
ننازلُ الموتَ إذا الموتُ نَزَلْ
والموتُ أَشهى عندنا من العسلْ
نَنْعى ابنَ عفانَ بأَطرافِ الأَسَلْ
ردُّوا علينا شيخَنا ثمَّ بَخَلْ
قال المفضل: الرجل هو وسيم بن عمرو بن ضرار الضبي. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قُتل يوم الجمل مع عائشة من بني ضبة ألف ومئة رجل ما منهم من يتحرك من مكانه.
ومنهم عُميرُ بن الأَهْلب: قتل يوم الجمل مع عائشة ذكره الطبري أيضًا في تريخه فقال: حدثنا بن محمد قال: نا رَوْحُ بن عبادة قال: نا عوف عن أبي رجاء قال: رأيت رجلًا قد اصطُلمتْ أذنُه. قلت: خِلقةٌ أم شيء أصابك؟ قال: أحدثك بينا أنا أمشي بين القتلى يوم الجمل، فإذا رجل يفحص برجله وهو يقول:
لقد أَوْرَدَتْنا حَومةُ الموتِ أمُّنا فلم ننصرفْ إلا ونحن رِواء
[ ١ / ٢٥٥ ]
أطعنا قريشًا ضِلَّةْ مِن حُلومِنا ونُصرُتنا أهلَ الحجازِ عَناءُ
قال: قلت: يا عبد الله، قل: لا إله إلا الله. قال: ادنُ مني ولقِّنِّي، فإن في أُذني وقرٌ. قال: فدنوت منه، فقال لي: مَم أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة. قال: فوثَب عليَّ فاصطلم أذني كما ترى. ثم قال: إذا لقيت أمك فأخبرها أن عمير بن الأهلب فعل بك هذا.
عباسُ بن محمد الذي روى عنه الطبري هذا الخبر مُشافهةً هو أبو الفضل الدُّوريُّ صاحب ابن معينٍ: قال النسائي: هو ثقة. وقال أبو حاتم: هو صَدوق. ورَوحٌ الذي روى عنه عباس الدوري هو روح بن عبادة القيسي أبو محمد، روى عن الأئمة: مالكٍ والثوري وشعْبةَ. وروى أيضًا عن سعيد بن أبي عروبة وابن جُريج. وعوفٌ الذي روى عنه رَوح هو أبو سهل عوف بن أبي جميلة الأَعرابي. سمع الحسن وابن سيرين وأبا رجاءٍ. روى عنه حمادُ بن سلمة وشعبة ويحيى القطان وأبو رجاء الذي روى عنه عوف الأعرابي هو العطاردي التميميُّ. ويأني ذكره بعد هذا في تميم إن شاء الله.
ويروي ايضا عباس الدوري عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المُقرىءِ وأبي زكرياء يحيى بن أبي بُكير القاضي قاضي كَرْمانَ وغيرهم من الثقاتِ. وخرَّج عن عباس الدوري الترمذي كثيرًا. وخرَّج ابنُ الجارود عنه حديثًا واحدًا عن قُرادٍ أبي نوح في باب الخُلْع من» المنتقى «، رحم الله جميعهم ونفعهم ونفعنا بما صنَّفوهُ.
ومن ضبة ربيعة بم مَقْروم. وهو القائل في قصيدةٍ:
ودعَوا: نزالِ، فكنتُ أول نازلٍ وعلامَ أركبهُ إذا لم أنزِلِ؟
[ ١ / ٢٥٦ ]
ومن ضبة شِظاظ: وفيه جرى مثل العرب " ألصُّ من شِظاظ ". وكان مشهورًا باللصوصوية.
ومن ضبة عاصم بن خليفة بن معقل: قاتلُ بَسطامَ بن قيس الشيباني.
وبسطام: هو فارس بكر بن وائل وابنُ سيِّدها. وقُتل بالحسنِ، وهو حبل رملٍ. وأسلم عاصم بن خليفة أيام عثمان بن عفان، فكان يقف ببابه، فيستأذن، فيقول: عاصم بن خليفة قاتلُ بسطام بن قيس بالباب. وكان سببُ قتله بسطام أن بسطام بن قيس أغار على بني ضبةَّ، وكان معه حازٍ يحزو له. قال أبو احسن الأخفش: حاز: زاجر. فقال بسطام إني سمعت في النوم قائلًا:
الدلوُ تأتي الغَرَبَ المَزِلَّةْ
فقال الحازمي: أفلا قلت:
ثم تعود بادِنًا مُبتلَّهْ
قال: ما قلت: فاكتسح إبلهم، فتناوا واتبعوه. ونظرت أمُّ عاصمٍ إليه وهو يقع حديدةً له أي يحدُّها. والمِقَعةُ: المِطرقةُ. فقالت: ما تصنعُ بهذهِ؟ وكان عاصم منغوصًا. فقال: أقتلُ بها بسطام بن قيس، فنهرتْه وقالت له: اسْتُ أمِّك أضيق من ذلك. فنظر إلى فرسٍ لعمِّه موثقةٍ إلى شجرةٍ، فاغزوراها، أي ركبها عُرْيًا، ثن أقبل بها الريح. فنظر بِسطامٌ إلى الخيل وقد لحقته. فجعل يطعن الإبلَ في أعجازها. فصاحت به بنو ضبة: ما هذا السَّفهُ يا بسطام؟ دعها، إما لنا وإما لك. فانحطَّ عليه عاصم، فطعنه، فرمى به على ألاءةٍ، وهي شجرة ليست بعظيمة.
وكان بِسطامُ نَصرانيًا، وكان قتُله بعدَ مبعث النبي ﷺ.
[ ١ / ٢٥٧ ]
فأراد أخوه الرجوع إلى القوم، فصاح بسطامُ: أنا حنيفٌ إن رَجعتَ. ففي ذلك يقول ابنُ غَنوةَ الضَّبيُّ، وكان نازلًا فب بني شيبان، فخرَّ الألاءة، ولم يوسَّد، كأنه جبينه سيف صَقيل.
ولما قُتل بسطام بن قيس لم يبت في بكر بن وائل بيت إلا هُجم أي هُدم.
ومن ولد ضرار بن عمرو الضبي زيد الفوارس: وهو زيد بن الحصين بن ضرار. وإياه أراد الفرزدق في قصيدة له طويلة، يناقض فيها جريرًا:
زيدُ الفوارس وابنُ زيدٍ منهمُ وأبو قَبيصةَ والرئيسُ الأوَّلُ كامل
أبو قبيصة هو ضرار بن عمرو جدُّ زيد الفوارس. والرئيس الأول هو مُحَلَّمُ ابن سويد الضبي، ربَعَ ضبة وتميمًا والِّرباب.
ومن ضبة حُبيشُ بن دُلَف: أحد العظيمي الفداءِ من العرب. أُسر يوم القَرنين، ففدى نفسه بأربعمئة بعير وبغيهب فحل إبل. وأسر حُبيش عمرو إبن الحرث بن أبي شَميرٍ الغسَّانيَّ، فجزَّ ناصيته، واشترط عليه أن يبعث إليه في كل سنة بحباء حتى يموت. وإياه يعنى الفرزدق أيضًا في القصيدة التي ذكر فيها زيد الفوارس:
يابنَ المَراغةِ أينَ خالُكَ؟ إنني خالى حُبيشٌ ذو الفَعالِ الأطولُ
[ ١ / ٢٥٨ ]
خالى الذى اغتصبُ الملوكَ نفوسَهم وإليهِ كان حِباءُ جفنةَ يُنقَلُ
قال المؤلف، وفقه الله: قوله: " وإليه كان حباءُ جفنةَ ينقل " يعني ما اشترط عمرو بن الحرث بن أبي شمر لحبيش على نفسه حين أطلقه. وهو من آل جفنة. وجفنة: هو ابن حارثة بن عمرو ومُزَيْقَيا بن عامر، وهو ماءُ السماء، وحارثةُ: أبو جفنة أبو خزاعة وأخو ثعلبة العنقاء أو الأنصار. وأبوه الحرث بن أبي شمر: هو الحرث الأعرج. وكان خير ملوك الغسانيين، وأيمنهم طائرًا، وأبعدهم مُغارًا، وأشدهم مغارا، وأشدهم مكيدة. وأُمهُ مارية ذات القرطَين: وهي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية الكندي، وإياها غنى حسان بقوله:
أولادُ جفنةَ حولَ قبر أبيهمُ قبرِ ابن ماريةَ الكريم المفْضلِ
وأخت مارية هند الهنود: امرأة حجر آكل المُرار الكندي وهو حجر بن عمرو بن الحرث بن معاوية بن ثور بن مُرتِّع بن معوية بن ثور بن عُفير. وكِندةُهم ولد ثور بن عُفير بن الحرث بن مرة بن أُد بن زيد بن يَشجُب بن عَريب ابن زيد بن كهْلان بن سبأ. وحُجرُ بن آكل المُرار هو جدُّ جدِّ امرىءِ القيس الشاعر.
وهو امرؤُ القيس بن حجر بن عمرو بن الحرث بن حجر آكل المرار بن عمرو. وفي عمود هذا النسب اختلاف بين النسَّاب في زيادة أسماء ونقصها. وفي الحرث بن أبي شَمر الأعرج. يقول علقمة بن عبدة، وقد أتاه في أُسارىمن تميم، وفي أخيه شأس بن عبدة، فأطلقهم له:
[ ١ / ٢٥٩ ]
إلى الحارث الوهَّاب أعلمتُ ناقتي لِكلْكلِها والقُصرَبَيْنِ وَجِيبُ
وفي كلِّ حيٍّ قد خَبطتَ بنعمةٍ فحقَّ لشأسٍ منْ نَداكَ ذَنوبُ
فقال الحرث: نعم وأذْنَبَةٌ. وفي ابنه عمرو يقول النابغة حين صار إليه، وفارق النعمان بن المنذر:
عليَّ لعمرٍو نعمةٌ بعد نعمةٍ لوالدهِ ليست بذاتِ عقاربِ
وحَليمةُ بنت الحرث الأعرجي: هي التي فيها جرى المثل: " ما يومَ حليمة بيسرٍّ ".
وملك آل جفنة من غسان الشام ستمئة سنة إلى أن جاء الإسلام وعدة ملوكهم سبعة وثلاثون ملكًا.
ومن ضبة سلمة بن هَزالٍ الضبي أبو حَبروسٍ: سمع سعد الإسكاف. روى عنه مسلم بن إبراهيم ويحيى بن يحيى.
ومنهم أبو معاذ عُتبةُ بن حُميدٍ الضبيُّ: روى عن يحيى بن يزيد وأبي بشر. روى عنه أبو خيثمة وأبو معاوية وابن عيينة.
ومنهم المُغيرةُ بن مِقْسمٍ الضبِّي: مولى لهم. روى عن أبيه وإبراهيم النخعي. وروى أبوه مقسم عن النعمان بن بشير.
[ ١ / ٢٦٠ ]
ومنهم جرير بن عبد الحميد الضَّبي: روى البخارى ومسلم عن رجل عنه كثيرًا. وتوفي سنة ثمانٍ وثمانين ومئة، وهو ابن اثنين وثمانين سنة.
ومن موالى بني ضبة يونس بن حبيب: وكان صاحب غريب ونحو، وكان النحو أغلب عليه. ومات سنة اثنين وثمانين، وهو ابن ثمان وثمانين.
وولد عمرو بن أُدٍّ بن طابخة أوسأ وعثمان، وهما مُزينةُ: نُسا إلى أمها مُزيةَ بنت كلب بن وبرة، وإليها يُنسب كل مُزيني. غلب عليهم اسم أمهم مزية. وفي مزينة كثير من الصحابة مباركون. ويروى أنه قدم على رسول الله ﷺ من مزينة أربعمئةٍ منهم: قُرَّةُ بن إياسٍ جد إياس بن معاوية بن قُرة، وبلال بن الحرث.
قال ابو عبد البر أبو عمر في كتاب " الإنباه ": حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: نا أحمد بن زهير، قال: نا عمرو بن مرزوق، قال: نا شعبة عن أبي بشر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: " مزينةُ وأسلمُ وجهينة وغِفار خيرٌ من بني تميم وأسدٍ وغطفان ومن بني عامر بن صعصعة ".
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: نا قاسم بن أصبغ قال: نا محمد بن عبد السلام الخُشنى قال: نا محمد بن بشار قال: نا غُنْدر عن شعبة، عن سعد ابن إبراهيم قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " أسلمُ وغِفارٌ ومُزينةُ ". أو قال: " مَن كانَ من جهينة خيرٌ من بني تميم ومن بني عامر بن صعصعة ومن الحليفين: أسدٍ وغَطَفانَ ". قال أبو عمرَ: هذان الحديثان من حديث شعبة لا مَطْعَنَ لأحدٍ فيهما من جهة النقل. قال المؤلف، أصلحه الله: خرَّجهما مسلم عن شعبة في صحيحه.
وفي مزينة من الصحابة بنو مُقرِّن، وهم سبعة. روى منهم عن النبي ﵇ خمسةٌ: النعمان وسويد ومعقل وسنان وعقي. ومما يُصحح أنهم كانوا سبعة إخوة ما ذكره مسلم فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله ابن نمير " واللفظ لأبي بكر " قالا: نا ابن ادريس عن حصين. عن هلال
[ ١ / ٢٦١ ]
ابن يساف قال: عَجِلَ شيخ فلطم خادمًا له فقال له سويد بن مُقرِّن: عجز عليك إلا حُرُّ وجهها. لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن مالنا إلا خادم، فلطمها أصغرُنا. فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها. وروى مسلم هذا الحديث من طرق. وروى عن سويد بن مقرن ابنه معاوية بن سويد وهلال بن يساف وأبو شعبة العراقي مولى سويد. وعِدادُ أبي شعبة العراقي في أهل الحجاز مذكور فيمن لا يعرف اسمه. ويكنى سويدٌ أبا عدي، وقيل يكنى أبا عمرو. وكان النعمان بن مقرِّن من فضلاء الصحابة وخيارهم، فتح نهاوند لعمر، وقتل يومئذ، وكان أمير الجيش. وقبره هناك بموضع يقال له الإسفيذهانُ، وقبر طليحة بن خويلد، وقبر عمرو بن معد يكرب، وقبور جماعة من المسلمين. وقيل إنَّ عمرو بن معد يكرب شهد فتح نهاوند، وقاتل يومئذ حتى كان الفتح، وأثبتته الجراحات، فحُمل فمات بقريةٍ من قرى نهاوند يقال لها " رَوْذه ". فقال بعض شعرائهم:
لقد غادرَ الركبانُ يومَ تَحملوا برَوذةَ شخصًا لا جَبانًا ولا غُمْرا
فقُلْ لزُبيدٍ بل لمذْحِجَ كلِّها: رُزِيتم أبا ثَورٍ قَريعَكُمُ عَمْرا
ومعقِلُ بنُ المُقرِّن: هو أبو عمرة المزنيُّ. كذا قال ابن قتيبة في " المعارف "، وقال ابنُ عبد البر في " كتاب الصحابة ": يُكنى أبا عمرو. وكان مسكن معقل واخوته الكوفة. ويكنى عقيل من إخوة النعمان أبا حكيم. قال الواقدي: وممن نزل الكوفة من الصحابة عقيل بن مثقرِّن أبو حكيم. وقال البخاري: عقيل بن مقرن أبو الحكيم.
وكان النعمان بن مقرِّن صاحب لواء مزينة يوم الفتح. وكان رضي الله
[ ١ / ٢٦٢ ]
عنه أول صريع بنهاوند. وكانت وقعت نهاوند سنة أحدى وعشرين. واستشهد يوم جمعة، وكان اللواء بيده. ولما جاء نعيه عمر الخطاب ﵁ خرج فنعاه للناس على المنبر، ووضع يده على رأسه يبكي. وقال يحيى بن معين: نا غُندَر عن شعبة، عن حُصين قال: قال عبد الله بن مسعود: إن للإٌيمان بيوتًا، وللنفاق بيوتًا. وإن بيت بني مقرن من بيوت الإيمان. روى عن النعمان بن مقرن من الصحابة معقل بن يسار وطائفة من التابعين.
ومن مزينة عمرو بن عوف بن زيد بن مُليحةَ، ملحة بن عمرو ابن بكر بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. وكان أحد البكَّائين الذين قال الله فيهم:) تَولَّوا وأَعينُهم تفيضُ من الدمع ألاَّ يَجدوا ما يُنْفقون (. له منزل بالمدينة. ولا يعلم حيٌ من العرب لهم مجلس بالمدينة غير مُزينةَ.
ذكر البخاري عن اسماعيل بن أبي أويس عن كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف المزني، عن أبيه، عن جده قال: كنا مع النبي ﷺ حين قدِم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرًا. سكن المدينة ومات بها في آخر خلافة معاوية. يكنى أبا عبد الله، كنَّاه الواقدي. مخرج حديثه عن ولده وهم ضعفاء عند أهل الحديث.
ومنهم قرَّةُ بن إياس بن رئاب: جد إلياس بن معاوية بن قرة الحكيم الزَّكِن، قاضي البصرة. ويقال له قرةُ بن الأغَر. حدَّث أبو بكر بن أبي شيبة: نا شبابةُ بن سوَّار عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه أنه أتى النبي ﷺ، وقد حلبَ وصَرَّ.
وقرةُ هذا قتلة الأزارقة في زمن معاوية بن أبي سفيان. وكان مع ابنه معاوية في عسكرٍ فيه نحوٌ من عشرين ألفًا. بعثه معاوية وعلى العسكر عبد الرحمن بن عُتَيس بن كُرَيز القرشي العَبشمي. وهو ابن خال عثمان، فقتل عبد الرحمن، فقتله رأسُ الأزارقة نافع بن الأزرق، وقتل معه قُرةُ. وقتل يومئذ معاوية ابنه قاتل أبيه.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وسئل معاوية بن قرة عن ابنه إياس: كيف ابنك؟ فقال نِعمَ الابنُ؛ كفانى أمر دُنياي، وفرَّغني لآخرتي.
وروى معاوية بن قرة عن أبيه وأنس وعبد الله بن مُغَّفل. وروى عنه قتادة وشعبة. ويكنى إياس أبا وائلة. وكان صادق الظن، لطيفًا في الأمور، وكان لأمِّ ولدٍ. وله عقبٌ بالبصرة وغيرها. وروى إياس عن أبيه وعن أنس بن مالك. وروى عنه ابن عجلان وحمَّاد بن سلمة وشعبة أيضًا.
ومنهم عبد الله بن هلال: والد علقمة وبكر ابني عبد الله المزني، وهو أحد البكائين الذين نزلت فيهم: " ولا على الذينَ إذا ما أتوكَ لتحملهم قُلتَ: لا أجدُ وكانوا ستة نفر؛ أحدهم عبد الله هذا، والآخر عمرو بن عوف المزني وقد تقدم ذكره بعد بني مقرنٍ، وعُلبةُ بن زيد الحارثي الأنصاري، وسالم ابن عمير الأنصاري من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وهرم بن عبد الله بني واقف بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس، وعمرو بن عَثمةَ بن عدي الأنصاري من بني سلمة. وروى عن عبد الله بن هلال المزني ابنه علقمة سماعًا منه، وابن بريدة. وأما ابنه بكر فلم يرو عنه لصغره، وسمع ابن عمرو وأنسًا. وروى عنه حًميد الطويل ومحمد بن سيف. وكانت أمُ بكر موسرة.
وكان بكر حسن اللباس جدًا. وروى معتمر بن سليمان عن أبيه أنَّ بكر ابن عبد الله كانت قيمة كسوته أربعة آلاف درهم. وقال غيره: اشترى بكر طيلسانًا بأربع مئة درهم فأراد الخياط ليقطعه، فذهب ليذُرَّ عليه ترابًا لموضع القطع، فقال له بكر: لا تعجل. وأمر بكافور، فسحق ثم ذرَّهُ عليه. وما سنة ثمانٍ ومئة. وحضر الحسن جنازته. قال المبارك فضالة: كنا في جنازة بكر بن عبد الله المزني ومعنا الحسن، فازدحموا على السرير، فقال الحسن: على علمه ازدحموا.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وكان بكر من جلَّة أهل البصرة، وكان يقال: الحسن شيخاها وبكر فتلها.
ومنهم بلال بن الحرث بن عُصْم بن سعيد بن مرة: وهو الذي أقطعه رسول الله ﷺ معادن القبلة. أسلم سنة خمس من الهجرة مع وفد مزينة الوافدين على النبي ﷺ، وسكن موضعا يعرف بالأشعر وراء المدينة، ويكنى أبا عبد الرحمن. وكان أحد من يحمل ألوية مُزينة يوم الفتح. توفي سنة ستين في آخر خلافة معاوية وهو ابن ثمانين سنة. روى عنه ابنه الحرث بن بلال وعلقمة بن وقاص الليثي. وابنه حسان بن بلال: أول من أحدث الإرجاء بالبصرة.
ومنهم عبد الله بن مُغفَّل: ويكنى أبا عبد الرحمن. وقيل: أبو سعيد. سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وابْتنى بها دارًا قريب المسجد الجامع. وتوفي بالبصرة سنة ستين، وأوصى أن يصلي عليه أبو بَرزةَ الأسلمي، وكان ممن بايع بيعة الرَّضوان، آخذًا بغصن من اغصان الشجرة التي بويع رسول الله تحتها، يُظلةُ بها.
وروى عنه جماعة من التابعين بالكوفة والبصرة. أروى الناس عنه الحسن قال الحسن: كان عبد الله بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر، يفقهون الناس. وكان من نقباء أصحابه. وكان له سبعة أولادٍ.
ومنهم معقلُ بن يسار: ويكنى أبا عبد الله. وكان له عقب بالبصرة. وهو فجَّ فوهَّة نهر معقَل، وكان زياد حفره، فتيمن به لصحبته، فأمره ففجره، فنسب إليه. وإليه ينسب الرُّطبُ المعقلي. وتوفي في آخر خلافة معاوية.
ومن مواليه حبيب المعلِّمُ: وهو حبيب بن زيد. كذا قال ابن قتيبة. وقال مسلم: أبو محمد حبيب بن أبي قريبةَ العلم. سمع ابن سيرين وعطاء. روى عنه حمّاد بن سلمة وحماد بن زيد.
ومنهم عائذُ بن عمرو بن هلال المزني، يكنى أبا هريرة. كان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة. وكان من صالحي الصحابة. سكن البصرة، وابتنى بها دارًا. وقال له الدعيُّ عُبيد الله بن زياد، قبَّحه الله وابعده: إنك
[ ١ / ٢٦٥ ]
لمن حثالة أصحاب محمد. فقال عائذٌ: وهل في أصحاب محمد ﷺ حثالة؟. كذا قال ابن قتيبة. وفي صحيح مسلم عن الحسن أن عائذ بن عمرو، وكان " من أصحاب النبي " ﷺ. دخل على عبيد الله إبن زياد فقال: أىْ بني إني سمعت رسول الله ﷺ " يقول: " إنَّ شّرَّ الرِّعاءِ الحطمةُ ". فإياك أن تكون منهم. فقال له: إجلس، أنت من نُخالة أصحاب محمد ﷺ. فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم.
سكن عائذ البصرة، وابتنى بها دارًا. وتوفي في أيام يزيد بن معاوية. روى عنه الحسن ومعاوية بن قرة.
ومنهم شُريحُ بن ضَمرةَ المزَنيُّ: وهو أول من قدم بصدقة مزينة على النبي ﷺ.
ومن مزينة عبد الله بن سَرجسَ المُزَني: له صحبة. وهو بصري. روىعنه عاصم الأحول وقتادة. خرجَّ مسلم عنه أحاديث، منها في كتاب الصلاة: " يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا " ومنها في كتاب المناقب بسندٍ من ثلاث طرق عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت رسول الله ﷺ، وأكلت معه خبزًا ولحمًا، أو قال: ثريدًا. قال: فقلت له: آستغفر لك النبي ﷺ؟ قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية:..) واستغفر لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات.. (. قال: ثم درتُ خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه
ومنهم بُجيرُ بن زُهير وأخوه كعب بن زهير: وهما من الصحابة. وقدِم كعب على رسول الله ﷺ المدينة سنة تسعٍ، فأنشده قصيدته المشهورة
[ ١ / ٢٦٦ ]
فبانت سعادُ فقلبي اليومَ مَتبولُ مُتيَّمٌ عندَها لم يُجزَ مكبولُ
وما سعادٌ غداةَ البَينِ إذْ برزتْ إلا أَغنُّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ
تَجلو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتَسمتْ كأنه مَنْهلٌ بالرَّاح معلولُ
ومنها في مدح النبي ﵇:
نُبِّئت أن رسولَ الله أوعدني والعفوُ عند رسول اللهِ مأمولُ
مَهلًا هداكَ الذي أعطاك نافلةَ ال قرآنِ فيه مواعيدٌ وتفصيلُ
لا تَأخنِّي بأقوالِ الوُشاةِ ولم أُذنبْ، ولو كثرتْ فيَّ الأقاويلُ
إنَّ الرسولَ لنورٌ يُستضاء به مُهندٌ من سيوفِ اللهِ مَسلولُ
في عصبةٍ من قريش قالَ قائلهم ببطنِ مكةَ، لما أسلموا: زُولوا
زالوا، فما زال أنكاسٌ ولا كُشُفٌ عند اللقاءِ ولا ميلٌ مَعازيلُ
[ ١ / ٢٦٧ ]
وله يمدح الأنصار:
مَنْ سرَّهُ كرمُ الحياةِ فلا يزلْ في مِقْنبٍ من صالحى الأنصارِ
المكرِهينَ السمهريَّ بأَذرعِ كسوالفِ الهِنديِّ غَيرِ قِصارِ
والناظرينَ بأعينٍ مُحمَّةٍ كالجَمرِ غيرِ كَليلةِ الأبصارِ
والبائعين نفوسهم لنبيِّهم للموتِ يومَ تَعانقٍ وكِرارِ
يَتطهَّرون يرونهُ نُسكًا لهم بدماءِ مَن عَلِقوا من الكُفارِ
ومنها:
قومٌ إذا خَوتِ النجومُ فإنهم للطارقينَ النازلينَ مَقارِ
وكان بجيرٌ شاعرًا. وكان كعب وبجير قد خرجا إلى رسول الله ﷺ. فلما بلغا أبرقَ العزَّافِ قال كعب لبجير: إلق هذا الرجل، وأنا مقيم لك. فقدم بجير على رسول الله ﷺ، فسمع منه وأسلم وبلغ كعبًا، فقال أبياتًا أولها:
[ ١ / ٢٦٨ ]
مَن مبلغٌ عني بُحيرًا رسالةً فهل لك فيما قلتَ بالخيفِ هلْ لَكا؟
سَقاكَ بها المأمونُ كأسًا رويةً فأنْهلك المأمونُ منها وعَلَّكا
وخالفت أسبابَ الهُدى واتَّبعتَهُ على أيِّ شيءٍ وِيْبَ غيركَ دَلَّكا
على خُلقٍ لم تُلفِ أُمًا ولا أبا عليهِ ولم تُدركْ عليهِ أخًا لكا
فقال رسول الله صلى الله عيه وسلم، لما سمع " سقاك بها المأمونُ ": " صدق، وإنه لكَذوبٌ، أنا المأمونُ ". ولما سمع " على خلقٍ لم تُلفِ أماُ ولا أبًا عليه " قال: " أجل، لم يلف أمِّه ولا أباه عليه ". ثم لما قدم رسول الله ﷺ مُنصرفهُ من الطائف كتب بُحيرٌ إلى كعب: إن كانت لك في نفسك حاجةٌ فاقدمْ إلى رسول الله ﷺ، فإنه لا يقتل أحدًا جاء تائبًا، وذلك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ أهدر دمه لقولٍ بلغه عنه، وبعث إليه:
مَم مبلغٌ كعبًا فهل لك في التي تلومُ عليها باطلًا وهي أحزمُ
إلى الله، لا العُزَّى ولا اللآتِ وحدهُ فتَنجو إذا كان النجاءُ وتَسلمُ
لدي يوم لا ينجو وليس بمُفلتٍ من النارِ إلا طاهرُ القلبِ مُسلمُ
[ ١ / ٢٦٩ ]
فَدينُ زهيرٍ وهوَ لا شيءَ دينُهُ ودينُ أبي سُلمى عليَّ مُحرَّمُ
وقال بجيرٌ يذكر حُنينًا والطائف من كلمةٍ له:
كانتْ عُلالةُ يوم بَطينِ حُنينكمْ وغداةَ أوطاسٍ ويومَ الأبرقِ
جَمعتْ هوازنُ جَمعها فتبددَّوا كالطيرِ تنجو من قَطامٍ أزرقِ
لم يمنعوا منا مُقامًا واحدًا إلا جدارهمُ وبطنِ الخندق
ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا فاستحصنوا منا ببابٍ مُغلق
وقال بُجيرٌ أيضا في يوم حُنين:
لولا الإله وعبدهُ ولَّيتمُ حينَ أستخفَ الُّعبُ كلَّ جَبانِ
بالجَزْع يومَ حَبالنا أقرانُنا وسوابحٌ يكبونَ للأذقانِ
من بين ساعٍ ثوبُهُ في كفِّه ومُقَطَّرٍ بسنابكٍ ولَبانِ
والله اكرمنا وأظهرَ ديننا وأعزنا بعبادةِ الرَّحمان
واللهُ أهلكهمْ وفرَّ قَ جَمعهُمْ وأذلَّهم بعبادةِ الشيطانِ
[ ١ / ٢٧٠ ]
إذ قام عمُّ نبيكمووليُّهُ يَدعو: أيا لكتيبة الإيمانِ
أينَ الذينَ همُ أجابوا ربَّهم يومَ العُريض وبيعةِ الرضوانِ
وكان كعب بن زهير شاعرًا مُجودًا كثير الشعر مُقدِّمًا في طبقته هو وأخوه بحير، وكعب أشعرهما، وأبوهما زهير فوقهما، وهو أحد المبرِّزين الفحول من الشعراء. وهو زهير بن أبي سلمى: واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح بن قُرطْ بن الحرث بن مازم بن ثعلبة بن ثور بن هرمة بن لاطم بن عثمان بن مزينة بن طابخة بن إلياس بن مضر. وقال خلف الأحمر لولا قصائد لزهير ما فضلته على ابنه كعبٍ.
ولكعب ابن شاعر اسمه عقبة: ولقبه المضرِّب، لأنه شبَّب بأمرأةٍ، فضربه أخوها بالسيف ضرباتٍ كثيرة فلم يمت.
ومما يستجاد لكعب بن زهير قوله:
لو كنتُ اعجبُ من شيءٍ لأعجبني سعيُ الفتى وهو مخبوءٌ لهُ القدرُ
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها فالنفسُ واحدةٌ والهمُ منتشرُ
والمرءُ ما عاش ممدودٌ لهُ أملٌ لا ينتهى العين حتى ينتهى الأثرُ
ومما يستجاد له أيضًا:
إنْ كنتَ لا ترهبُ ذَمى لما تعرفُ من صفحى عن الجاهل
[ ١ / ٢٧١ ]
فاخشى سكوتي إننى منصتٌ فيك لمسموعِ خنا القائلِ
فالسامعُ الذَّمِّ شريكٌ له ومُطعمُ المأكول كالآكلِ
مقالةُ السوءِ إلى أهلها أسرع من مُنحدرٍ سائلِ
ومن دعا الناسَ إلى ذَمِّهِ ذموهُ بالحقِّ وبالباطلِ
وله من قصيدة أبدع فيها يفخر بخندِفَ على قيس، ويمدح أوسا وعثمان، ابنا مُزينة، قومَه:
متى أدعُ أوسٍ وعثمان تأتيني مَساعيرُ حربٍ كلُّهمْ سادةٌ دُعُمْ
همُ الأُسدُ عند البأس والحشدُ في القرى وهم عند عقدِ الجبارِ موفونَ بالذِّمَمْ
ومن مزينة عَنمة والد ابرهيم بن عنمة المُزنيني: له صحبة. روى عنه ابنه إبراهيم ومحمد بن الحرث التيمي. وسكن غنمة مصر، وهو مذكور فيمن سكنها من الصحابة.
واما عبد مناة بن أُد بن طابخة بن إلياس، فقال لولده " الرباب " وهم أربعة عدي، وثورأطحل. وأطحل جبل نسب إليه ثور، وعوف وهو عُكل، وتيم. إنما قيل لهم " الرباب " لأنهم غمسوا أيديهم في الرُّبِّ حين تحالفوا. وقال بعضهم: إنما سموا الرِّباب لأنهم إذ تحالفوا جمعوا قِداحًا، من كل قبيلة قِدحٌ، وجعلوها في قطعة من أدمٍ، وتسمى تلك القطعة الرِّبة، فسموا بذلك
[ ١ / ٢٧٢ ]
" الرباب ". ومنهم من يجعل ضبة بن أدٍّ في الرباب.
فمن عديَّ بن عبد مناة أبو رفاعة العدويُّ: واسمه عبد الله بن الحرث، وقيل تميم بن أُسيد، وكان من فضلاء الصحابة. روى عنه الشيخان: مسلم والبخاري. وروى عنه من التابعين حُميدبن هلال وصلةُ بن أشيمَ. فمما روى عنه حُميد بن هلال ما ذكره الحافظ أبو نعيم الإصبهاني في " الرياضة " له، فقال: نا أبو بكر بن خَلاد، قال نا الحرث بن أبي أسامة، نا أبو النضر، نا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال، عن أبي رفاعة، قال: أتيت النبي ﷺ، وهو يخطب فقلت: رجل غريب جاء، يسأل عن دينه، ولا يدري ما دينه. قال: فأقبل إلي النبي ﷺ، وترك خطبته، ثم أُتي بكرسي خِلتُ قوائمه حديدا، قال فقعد رسول الله ﷺ، ثم جعل يعلمني مما علمه الله. ثم أتى خطبته فأتم آخرها.
حُميد بن هلال: الراوي عن أبي رفاعة وأنس وغيرهما. عدوي أيضا من بني عديِّ بن عبد مناة. روى عنه أيوب وابن عون.
ومنهم أبو قتادة العدويُّ: يعد في التابعين، بل هو من كبارهم. روى عن عمر وعبادة بن قُرصْ، ويقال: ابن قرطٍ الليثي. روى عنه حميد بن هلال ومؤرق بن مشمرج العجليُّ. وأسم أبي قتادة تميم بن نذير.
ومنهم ذو الرُّمَّة الشاعر: واسمه غيلان بن عقبة، واخوه هشام، وأوفى. وكان هشام أيضا شاعرا. " وهو " القائل في أخويه غيلان وأوفى، وماتا قبله:
تَعزَّيتُ عن أَوفى بغيلانَ بعدَهُ عزاءً، وجفنُ العين بالماءِ مُتْرعُ
ولم تُنسني أوفى المصيباتِ بعده ولكنَّ نكءَ القَرح بالقرح أوجعُ
[ ١ / ٢٧٣ ]
ومن ثور بن عبد مناة، وهو ثور أطحل أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري. وُلد في خلافة سليمان بن عبد الملك سنة ست وتسعين، وقيل سنة سبع. ومات بالبصرة متواريا من السلطان، ودُفن عشاءً. قال الشاعر:
تَحرَّزَ سفيانٌ وفرَّ بدينهِ وأمسى شريكٌ مُرصدًا للدراهمِ
شريكٌ المذكور في هذا البيت: هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي. وُلد ببخارى سنة خمس وتسعين، ومات بالكوفة سنة سبع وسبعين ومئة. وولي القضاء بالكوفة ثم بالأهواز. قال سفيان بن عينة: ما تركت بالكوفة أحضر جوابا من شريك بن عبد الله. وروى شريك عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله البيعي، ومنصور بن المُعتمر الُّلمي، قال ذلك مسلم في كتاب " الكنى ".
ومن حضور جواب شريك: قال له عيسى بن موسى: يا أبا عبد الله، إن في كتاب الله آية ليس لك ولا لقومك فيها شيء. قال: وما هي؟ قال: " وإنه لذكر لك ولقومك ". قال: وليس لي أيضا ولا لقومي في قوله ﷿: " وكذَّ به قَومُك وهو الحقُ " شيءٌ. وقيل لشريك: ما تقول فيمن أراد أن يقنت في الصبح بعد الركوع، فقنت قبل الركوع؟ قال: هذا أراد أن يخطىء فأصاب. وكان شريك عدلا في قضائه، كبير الصواب ﵀.
وسفيان كوفي قال سفيان بن عُيينةَ: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وقال ابن أبي ذيب: ما رأيت أحدا من يشبه الثوري. وقال عبد الله بن المبارك: لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان. وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان فقلت: أيُّما أحب إليك، رأي مالك أو رأي سفيان؟ فقال: سفيان لا نشك في هذا. ثم قال يحيى: وسفيان فوق مالك
[ ١ / ٢٧٤ ]
في كل شيءٍ. ودخل سفيان على المهدي، ولم يسلم عليه بالخلافة يقال له عيسى بن موسى: أتكلم أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام، وأنت رجل من ثور حقير ذليل؟ لعن الله ثورا وما ولد. فقال له سفيان: من أطاع الله من آل ثورخير ممن عصى الله من قومك. وكان سفيان يقول اتخذوا سلما إلى الدنيا. فقالوا: ندخل على سلطان نُفرِّرج عن مكروبٍ، ونكلم في محبوس. وكان يقول: إذا لم تصل إلى حقك إلا بالخصومة والسلطان فدعه لما ترجو من سلام دينك.
ونقل عنه الفقه أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الفزاريُّ، وعبد الله بن المبارك، وغسان بن عبيد ووكيع، ومحمد بن يوسف الفِريابُّي، ومحمد بن عند الوهاب القَنَّادُ، وغيرهم من الثقات. وقال يحيى بن معين: سفيان الثوري حافظ أهل الكوفة. وقال عبد الله بن محمد بن المغيرة: مرض سفيان الثوري مرضةً، فندم الناس عليه. فلما أفاق ازدحموا عليه، فحدثهم بخمسة وعشرين ألف حديث ظاهر. وسُئل يحيى بن معين: مَن كان الحفاظُ من أصحاب سليمان بن مِهران؟ فقال: سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن خازم، وهو أبو معاوية الضرير، وأبو بكر بن عباش. قيل له: فشريكٌ؟ فقال: ليس مقام شريك مقام هؤلاء. على أن شريكا قد سمع من الأعمش، وهو ثقة. وقال أحمد بن حنبل: كان الحفظ لسفيان بالكوفة، ولمالك بالمدينة، ولليث بمصر، والأوزاعي بالشام. وذكر أن كتب الأوزاعي احترقت، فما حدَّث بعد احتراق كتبه إلا من حفظه.
وسئل بعض الفقهاء عن الثوري وأبي حنيفة، فقال: الثوري أعلم بما كان وأبو حنيفة أعلم بما يكون. قال الواقدي: مات سفيان سنة إحدى وستيم ومئة، وهو تابن أربع وستين سنة. وأخبرني أنه وُلد سنة سبع وتسعين. ولم يُعقب سفيان؛ كان له ابن فمات قبله، فجعل كل شيء لأخته وولدها، ولم يُورث أخاه المبارك بن سعيد شيئا.
وتوفي أخوه أبو عبد الرحمن المبارك بن سعيد بالكوفة سنة ثمانين ومئة. روى عن أبيه، وروى عنه ابن المبارك، وأبو النَّضر، ويحيى بن يحيى.
وأبوهما أبو سفيان سعيد بن مسروق: روى عن عكرمة، ومنذر بن يعلي الثوري، والشعبي. وروى عنه ابنه سفيان، وشعبة.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ومن ثور الربيع بن خثيم أبو يزيد: من أصحاب ابن مسعود، وروى عنه. وروى عن الربيع الشعبي والنَّخعي وكتن زاهدا من خيار كبار التابعين. يقال إنه كان في بني ثور ثلاثون رجلا، ليس منهم رجل دون الربيع بن مخثم، وهم بالكوفة ليس بالبصرة منهم أحد. وكان عبد الله بن مسعود رأى الربيع ابن خُثيم يقول:) .. وبَشِّرِ المُخبتينَ (لو رآك رسول الله ﷺ لسرَّه.
ومن عُكْل، وهم بنو عوف بن مناة بن أُد. حضنتهم عُكل، وهي أمةٌلا مرأةٍ من حمير، يقال لها: بنت اللحية فنسبوا اليها. النَّمِر بن تَوْلب بن زهير بن أقيش بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة يقال إنه ورد على النبي ﵇ مسلما ومدحه بشعر أوله:
إنَّا أتيناكَ وقد طال الَّفرْ
نقودُ خيلا ضُمَّرًا فيها ضَررْ
نُطْعمُها اللحم إذا عزَّ الشجرْ
وفيها يقول:
يا قومُ إني رجاٌ عندي خَبَرْ
لله من آياتهِ هذا القَمرْ
والشمس والشِّعرى وآياتٌ أُخرْ
[ ١ / ٢٧٦ ]
وروى قرة بن خالد السدوسي وسعيد الجريري عن أبي العلاء بن الشِّخير قال: كنابالّضبذةِ، فجاء أعرابي بكتف أو صحيفة فقال: اقرؤوا ما فيها. فإذا فيها: " هذا كتاب رسول الله ﷺ لبني زهير بن أقيش إنكم 'ن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم خُمسَ ما غنتم إلى النبي ﵇ فأنتم آمنون بأمان الله ﷿ ". قلنا: سمعت هذا من رسول الله ﷺ، قال: نعم. قلنا: حدثنا بشيء سمعته من رسول الله ﷺ. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يُذهبن وغَرَ الصدرِ ".
قال الجريريُّ: وحضرَ الصَّدرِ: قلنا: أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: ألا أراكم تتَّهموني؟. فأخذ الصحيفة ومضى. فسألنا عنه، فقيل: هذا النمر بن تولب. قال الأصمعي: كان النمرُ بن تولب العُكبيُّ أحد المخضرمين من الشعراء. وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيِّس. وقال أبو عبيدة: النمر بن تولب عكلي، وكان شاعر الرِّباب في الجاهلية، ولم يمدح أحدًا، ولا هجا. وأدرك الإسلام وهو كبير. وهو القائل عن غير أبي عبيدة:
لا تغضبنَّ على امرىء في مالهِ وعلى كرائم صُلبِ مالكِ فاغْضَبِ
ومتى تُصبْكَ خَصاصةٌ فارجُ الغنى وإلى الذين يُعطى الرغائبَ فارغبِ
ومن بني عوف بن عبد مناة أكثل بن شَمَّاخ: قاله ابن الكلبي، وقال: شهد الجسر مع أبي عبيدة، وأسر مَردانشاه، وضرب عنقه وشهد القادسية، وله فيها آثار محمودة وقال: كان علي بن أبي طالب، إذا نظر إليه، قال: من أحب أن ينظر إلى الصبيح فلينظر إلى إكثل بن شمَّاخ.
[ ١ / ٢٧٧ ]
ومن بني تيم بن عبد مناة عصمة بن أُبير: وفد على النبي ﷺ بإسلام قومه من تيم بن عبد مناة. نسبه ابن الكلبي فقال: عصمة بن أُبير ابن زيد بن عبد الله بن صريم بن وائلة بن تيم الرِّباب. وكان ممن شهد قتل سجاح في ايام أبي بكر، وكان على عبد مناة يومئذ عمر بن لجأ: الشاعر الذي كان يُهاجي جريرًا.
وأما مُرُّ بن أُدِّ بن طابخةَ فولد تميمًا والغوث. وولد تميم ثلاثة أولادٍ: زيد مناة، وعمرًا، والحرث. ومن هؤلاء الثلاثة تفرَّعت قبائل تميم وأفخاذها. ومدح رسول الله ﷺ بني تميم، وأثنى عليهم. ذكر ذلك في صحيحه فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نا جرير عن مغيرة عن الحرث، عن أبي زُرعة قال: قال أبو هريرة: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهنَّ من رسول الله ﷺ؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هم أشدُّ أمتي على الدجَّال ". قال: وجاءت صدقاتهم، فقال النبي ﷺ: " هذه صدقاتُ قومنا ". قال: وكانت سبيئة منهم عند عائشة. فقال رسول الله ﷺ: " أَعتقيها، فإنها من ولد اسماعيل ".
وخرَّج البخاري حديث مسلم هذا بنصه عن محمد بن سلام عن جرير بن عبد الحميد، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة عن أبي هريرة. وروى عن ابن عباس قال: مات تميم بم مرٍّ وأسدُ بن خزيمة وضبة بن أد على الإسلام فلا تذكروهم إلا بما يذكر به المسلمون. روى هذا الحديث الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقُطني عن القاضي المحامليِّ عن عبد الله بن شبيب قال: نا إبراهيم بن يحيى قال: حدثني أبي عن عبد الملك بن عبد العزيز، عن ابيه، عن أبن عباس.
فولد زيد مناة سعدًا: وفيه العدد، وسعد هو الفِرزُ. وفيه المثل المضروبُ: " كما تفرقتْ مِعزى الفِرْز ". ومالك بن زيد مناة. فمن بني سعد بن زيد
[ ١ / ٢٧٨ ]
مناة ثم من مِنْقَر بن بن عبيد بن الحرث، والحرثُ هو مقاعسُ بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة، قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر: يكنى أبا علي، وهي أشهر كُناه. قدِم في وفد تيم على رسول الله ﷺ، وذلك في سنة تسع. فلما رآه رسول الله ﷺ قال: " هذا شبيهُ أهلِ الوبرِ ". وكان عاقلا، حليما مشهورا بالحلم.
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري. رأيته قاعدا بفناء داره مُحتبيًا بحمائل سيفه، يحدث قومه حتى أُتى برجل مكتوف وآخر مقتول. فقيل له: هذا ابن أخيك، قد قتل أبنك. قال: فوالله ما حلَّ حبوته، ولا قطع كلامه. فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه فقال: يأبن أخي بئس ما فعلت، أَثمتَ بربك، وقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بني، وارِ أخاكَ، وحُلَّ كتاف ابن عمِّك، وسُق إلى أمِّه مئة ناقة دية أبنها، فإنها غريبة.
وكان قيس بن عاصم قد حَّم على نفسه الخمر في الجاهلية لأمور مُنكرة فعلها في سكره، فقال فيها:
رأيت الخمر صالحةً وفيها خِصالٌ تُفسدُ الرجلَ الحليما
فلا والله أشربُها حياتي ولا أعود لها أبدًا نديما
فإنَّ الخمر تَفضحُ شاربيها وتُجنيهم بها الأمرَ العظيما
ومن جيد قوله:
إني امروٌ لا يَعترى خُلُقي دَنسٌ يفنِّدُهُ ولا أَفْنُ
مِن مِنْقرٍ في بيت مَكرمةٍ والغُصْنُ يَنْبتُ حولَهُ الغُصْنُ
[ ١ / ٢٧٩ ]
خُطباءُ حين يقولُ قائلُهُمْ بيضُ الوجوهِ أَعِفَّةٌ لُسْنُ
لا يَفْطُنونَ لعيبِ جارِهُمُ وهُمُ لحُسنِ جُوارهِ فُطْنُ
ومن جيد قوله يخاطب امرأته:
أيابْنةَ عبدِ اللهِ وابنةَ مالكٍ ويا بْنةَ ذِي الجدَّينِ والفَرسِ الوَرْدِ
إذا ما صنعتِ الزادَ فالتمسي لهُ أكيلًا، فإني لستُ آكُلُه وحدي
قَصيًّا كريمًا أو قريبًا، فإنني أخافُ مَذَمّاتِ الأحاديثِ من بعدي
وإني لَعبدُ الضيفِ ما دام ثاويًا وما مِن خِلالي غيرَها شِيمةُ العبدِ
غيرها: استثناء مقدم. روى عن قيس بن عاصم الأحنف والحسن وخليفة ابن حصن وابنه حكيم بن قيس. وروى النضر بن شميل عن شعبة، عن قتادة، عن مُطرف بن عبد الله بن الشخير، عن حكيم بن قيس بن عاصم، عن أبيه أنه أوصى عند موته فقال: إذا مت فلا تنوحوا عليَّ، فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه. قال النضر بن شميل: وقال عبدة بن الطبيب يرثيه:
عليك سلامُ اللهِ قيسَ بنَ عاصمٍ ورحمتُهُ ما شاءَ أن يَتَرحَّما
[ ١ / ٢٨٠ ]
تحيةَ مَن أوليتَهُ منكَ نِعمةً إذا زارَ عن شحطٍ بلادَك سَلَّما
فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحدٍ ولكنه بُنيانُ قومٍ تَهدَّما
ومن بني مُرَّة بن عُبيد أخي مِنقَر بن عُبيد الأحنف بن قيس: واسمه الضحاك بن قيس في رواية. وقال أبو اليظان: هو صخر بن قيس بن معاوية ابن حصن بن عُبادة بن النزَّال بن مرة بن عُبيد. ورهطه بنو مرة بن عُبيد الذين بعثوا بصدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ مع عِكْراش بن ذُؤيب، يكنى الأحنف أبا بحر. وأتى رسول النبي ﷺ بني تميم، يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا. فقال الأحنف: إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملائمها، فأسلموا.
وأسلم الأحنف، ولم يَفِد إلى رسول الله ﷺ، فلما كان زمن عمر وفَدَ إليه، وشهد مع علي صِفيِّن، ولم يشهد الجمل مع أحد من الفريقين. وحدَّث أبو بكر بن أبي خيثمة قال: نا موسى بن اسماعيل قال: نا حماد بن سلمة عن عليَّ زيد عن الأحنف بن قيس قال: بينا أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان إذ جاء رجل من بني ليثٍ فأخذ بيدي. فقال ألا أبشِّرك؟ فقلت: بلى. قال: هل تذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك بني سعدٍ، فجعلت عليهم الإسلام، وأدعوهم إليه؟. فقلت أنت: إنه ليدعوكم إلى خيرٍ، وما حسَّن إلا حسنًا. فبلَّغتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: " اللهم اغفرْ للأحنف ". قال الأحنف: هذا من أرجا عملي عندي.
كان الأحنف بن قيس أحد الجَّلةِ الحلماء الدُّهاةِ، الحكماء العقلاء. يعدُّ في كبار التابعين بالبصرة. وذهبت إحدى عينيه يوم الحَرَّة وذكر الطبري في
[ ١ / ٢٨١ ]
تاريخه الكبير في أخبار صفين قال: لمَّا قدِمت عائشة البصرة أرسلت إلى الأحنف بن قيس، فأبى أن يأتيها. ثم أرسلت إليه، فأتاها، فقالت: ويحك يا أحنفُ! بم تعتذر إلى الله من تركك جهاد قتلة أمير المؤمنين عثمان؟ أمن قلة عددٍ، أو أنك لا تطاع في العشيرة؟. قال: يا أمَّ المؤمنين ما كَبِرتِ السِّنُّ، ولا طال العهدُ. وإن عهدي بك عام أول تقولين فيه، وتنالين منه. قالت: ويحك يا أحنف، إنهم ماصُوهُ مَوْصَ الإناء، ثم قتلوهُ. قال: يا أم المؤمنين، إني آخذُ بأمركِ وأنتِ راضيةٌ، وأدعه وأنت ساخطةٌ.
ووُلد الأحنف ملتزق الأليتين حتى شُقَّ، وكان أعورَ. وأُرسل في بعثٍ إلى خراسان، فبيَّتهم العدوُّ ليلًا. فكان الأحنف أول من ركب، وهو يقول:
إنَّ على كلِّ رئيسٍ حقَا
أن يَخْضِبَ الصعدةَ أو تَنْدقّا
ثم حمل عليهم، فقتل صاحب الطبل، وانهزم القوم، ومضوا في آثارهم حتى فتحوا مَرْوَ الرَّوذِ في خلافة عثمان ﵁. وعُمِّر الأحنف إلى زمن مُصعب بن الزبير، وخرج معه إلى الكوفة لقتال المختار، فمات بها سنة سبع وستين، ومشى مصعب في جنازته بغير رداء، راجلا بين يدى نعشه. وقال: هذا أُسيِّدُ أهل العراق. ودُفن بقرب قبر زيادٍ بالكوفة بموضع يقال له الثويَّة. وفي الثَّويَّة يقول حارثة بن بدر الغُدانيُّ يرثي زياد بن أبيه، ويكنى زياد أبا المغيرة:
صلى الإلهُ على قبرٍ وطهَّرهُ عند الثَّويَّةِ يَسْفي فوقَهُ المُورُ
[ ١ / ٢٨٢ ]
أبا المغيرةِ والدُّنيا مُفَجِّعةٌ وإنَّ من غَرَّتِ الدنيا لمغرورُ
قد كانَ عندكَ للمعروفِ مَعرِفةٌ وكان عندَك للنَّكراءِ تنكَيرُ
وكنتَ تُغشَى وتُعطي المالَ من سَعةٍ إنْ كان بيتُكَ أضحى وهوَ مَجْهُورُ
الناسُ بعدَكَ قد خفَّتْ حلومُهمُ كأنما نَفختْ فيها الأعاصيرُ
ودخل الأحنف على معاوية بن أبي سفيان، وعليه مِدْرَعةُ صوفٍ وشِملةٌ. فلما مثل بين يديه اقتحمه عينة، فأقبل عليه، وقال: مَهْ. فقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، أهلُ البصرة عددٌ يسيرٌ، وعظمٌ كسيرٌ مع تتابعٍ من المحول، واتصال من الذُّحول. والمُكثرُ منها قد أطرق، والمقبل قد أملقَ، وبُلغ منه المُخَنَّق. فإنَّ رأى أمير المؤمنين أن يُنعشَ الفقيرَ، ويجبُرَ الكسير، ويسهِّل العسير، ويصفح عن الذحول، ويداوي المحول، ويأمر بالعطاء، ليكشف البلاءَ، ويُزيلَ اللأواءَ. وإن السيد من يَعمُّ ولا يخصُّ، ويدعو الجَهَلى، ولا يدعو النَّقَرى. إنْ أُحسن إليه شَكر، وإن أُسيء إليه غفر. ثم يكون من وراء ذلك لرعيته عمادًا، يدفع عنهم الملمَّات، ويكشف عنهم المعضلات. فقال له معاوية: هَلُمنا يا أبا بحر، ثم تلا:) ولَتَعرِفنَّهم في لَحْنِ القَولِ (.
وابنه بحر الذي كان يكنى به كان مضعوفا. وقال لزبراء جارية أبيه: يافاعلةُ. فقالت: لو كنت كما تقول أتيت أباك بمثلك. وقيل له: ما منعك أن تجري على بعض أخلاق أبيك؟ فقال: الكسل.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وليس الأحنف عقب. وكان يقال: ليس لبني تميم حظ؛ سيدهم بالكوفة محمد بن عُمير بن عُطارِد بن حاجب بن زُرارة، ولا عقب له، وسيدهم بالبصرة الأحنف ولا عقب له.
وصعصعةُ بن معاوية: عمُ الأحنف، قد اختُلف في صحبته. والذي صحَّ من روايته إنما هو عن عائشة وعن أبي ذر الغِفاريِّ. روى عنه الأحنف والحسن البصريُّ وابنه عبدُ ربِّه بن صعصعة. سيِّد بني تميم في خلافة معاوية، وفرسُه الطُّرَّة اشتراها بتسعين ألفِ درهمٍ.
ومن بني مرة رهط الأحنف الأسود بن سريع بن خُمير بن عُبادة بن النَّزال بن مُرَّة: غزا مع النبيِّ ﷺ. يُكنى أبا عبد الله، نزل البصرة، وكان قاصًّا محْبِسًا. هو أول من قصَّ في مسجد البصرة.
روى عنه الحسن وعبد الرحمن بن أبي بَكْرة. وروى الحسن عن الأسود بن سريع قال: غَزَوتُ مع النبيِّ ﵇ أربع غزواتٍ، فأفضى بهم القتل، إلى أن قتلوا الذُرِّيَّة. فقال بعضهم: يا رسول الله، إنهم أولاد المشركين. فقال رسول الله ﷺ: " أوَ ليسَ خياركم أولادُ المشركين؟ ما من مولود يولد إلا على فطرة الأسلام، فأبواه يُهوِّدانهِ ويُنصِّرانهِ ويُمجِّسانهِ ".
ومنهم عِكراشُ بن ذُؤيبٍ: قَدِم على رسول الله ﷺ بصدقات قومه بني مُرَّة. فقال له: " مَن أنت؟ ". قال: أنا عِكراشُ بن ذؤيب. فقال له: ارفع في النَّسب. فقال ابن حُرْقوص بن جَعدة بن عمرو بن النزّال بن مرَّة بن عُبيد. وهذه صدقاتُ بني مُرَّة بن عُبيد. قال فأمر بها رسول الله ﷺ، فوُسمتْ بِمِيسَم الصدق، وضُمَّتْ إلى إبل الصدقة.
ويُكنى عكراش أبا الصَّهباء. وسكن البصرة، وكان شهد الجمل مع عائشة، فضُرب ضربة على أنفه، فعاش بعدها سنة، والضَّربةُ به. وكان له من الولد: عبد الله وعبيد الله وعبد السلام. ولعبيد الله العقب بالبصرة.
ومن بني مِنْقَر بن عُبيد رهط قيس بن عاصم: عمرو بن الأهتم. والأهتم: أبوه اسمه سنان بن خالد بن سميٍّ. ويقال: سنان بن سميِّ بن سنان بن خالد
[ ١ / ٢٨٤ ]
ابن مِنقر بن عُبيد بن الحرث. وهو مُقاعسُ بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناةَ بن تميم. يقال: إنَّ قيس بن عاصم ضربه بقوس، فَهَتَم فاه، فسمي الأهتم.
قال ابو اليقظان: أمُّ عمرو بن الأهتم بنت فَدَكِّي بن أعبُدَ. ويكنى عمرو بن الأهتم أبا ربْعي. قدم على النبيِّ ﷺ وافدا في وجوه قومه من بني تميم فأسلم، وذلك في سنة تسع من الهجرة. وكان فيمن قَدِمَ معه الزِّبرِقانُ بن بدر وقيس بن عاصم. ففخر الزِّبرِقان، فقال: يا رسول الله، أنا سيد تميم والمطاع فيهم، والمُجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك. يعني عمرو بن الأهتم. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدْنَيْهِ. فقال الزبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو: أنا أحسدك!، فوالله إنه للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مُبَّغَضٌ في العشيرة. والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية. فقال النبي ﷺ: " إنَّ من البيان لسحرًا ". وكان خطيبا جميلا يدعى " المُكحَّلَ " لجماله، بليغا، شاعرا، محسنا. يقال: إن شعره كان حُللًا مُنشَّرة، وكان شريفا في قومه. وهو القائل لقيس بن عاصم حين أزرى به عند النبي ﷺ، وقال: إنه غلام حدث خلَّفناهُ في ركابنا. والخبر مشهور.
ظَللتُ مُفترشَ العلياءِ تَشْتِمُني عند الرسولِ فلم تَصدقْ ولم تُصِبِ
إنْ تُبغضُونا فإنَّ الرومَ أصلكُمُ والرومُ لا تَملِكُ البغضاءَ للعَربِ
فإنَّ سُؤدَدَنا عَودٌ وسُؤدَدُكمْ مُؤخَّرٌ عند أصلِ العَجْبِ والذَّنَبِ
[ ١ / ٢٨٥ ]
وله، وأحسن فيه:
ذَريني فإنَّ البخلَ يا أمَّ هَيْثمٍ لصالح أخلاقِ الرجالِ سَروقُ
ذَريني وحظي في هوايَ فإنَّني على الحسبِ العالي الرفيع شَفوقُ
ومُستنبحٍ بعد الهُدُوِّ أجَرتُهُ وقد حانَ مِن ساري الشتاءِ طُروقُ
فقلتُ له: أهلًا وسهلًا ومَرحبًا فهذا مَبِيتٌ صالحٌ وغَبوقُ
أضَفتُ ولم أفحُش عليه ولم أقلْ لأحرمَهُ إنَّ الفِناءَ يضيقُ
لَعَمْرُكَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلها ولكنَّ أخلاقَ الرجالِ تَضيقُ
ومن ولده صفوان بن عبد الله بن عمرو الأهتم: أبو خالد. وكان ولي رياسة بني تميم أيام مسعود بن عمرو العَتكيِّ الأزديِّ، وكان خطيبا. وشهد الحسن وصيَّته، فأوصى بمئة ألف وعشرين ألف درهم، وقال أعددتها لِعَظًّ الزمان، وجفوة السلطان، ومباهاة العشيرة. فقال الحسن: خلَّفتها لمن لا يَحمدُك، وتَقْدحُ على من لا يَعذِرُك. ومات بالبصرة.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وابنه خالد بن صفوان: عُمِّر الى ان حادث أبا العباس عبد الله بن محمد السفّاح. وكان لسِنا، خطيبا، بخيلا، مِطلاقا.
ومن ولِد عمرو بن الأهتم شُبيب بن شّيْبة بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم: الخطيب. وهو ابن عم خالد بن صفوان لَحًّا. ورُوي عنه الحديث. قال مسلم في الكنى: أبو مَعمر شبيب بن شَيبة المِنْقريُّ سمع عطاء بن أبي رباح، ومعاوية بن قُرة. روى عنه أبو سلمة، ومسلم، ويحيى بن يحيى.
قال المؤلف، وفَّقه الله: وروى أيضا شبيب بن شيبة عن الحسن البصريِّ. وروى عنه أيضا أبو معاوية محمد بن خازم الضرير ومسلم الراوي عن شبيب، ولم ينسبه مسلم. هو أبو عمرو مسلم بن إبراهيم الأزديُّ: سمع شعبة وأبانًا العطار ووُهَيب بن خالد. وساق أبو نُعيم الحافظ رواية أبي معاوية الضرير. ومسلم بن إبراهيم المذكور عن شبيب بن شيبة في كتاب " الرياضة ". قال أبو نُعيم الحافظ الاصفهانيُّ: حدَّثنا سليمان بن أحمد: نا أحمد بن عمرو القِطرانيُّ: نا أبو الربيع الزَّهرانيُّ: نا أبو معاوية الضرير: نا شبيب بن شيبة المِنقريُّ عن الحسن، عن عمران بن حُصين قال: قال رسول الله ﷺ لأبي: " كم تعبد اليوم إلهًا؟ ". قال: سبعة؛ ستةٌ في الأرض وواحد في السماء. فقال: " يا حُصين إنك إن أسلمت علَّمتُك كلمتين تنفعانك ". فلما أسلم أتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، علِّمني الكلمتين. قال: " قل: اللهمَّ الهمني رُشدي، وأعِذْني من شرِّ نفسي ".
وقال أبو نُعيم: نا فاروق بن عبد الكريم: نا أبو مسلم الكَشِّيُّ: نا مسلم بن إبراهيم: نا شبيب بن شيبة قال: سمعت عطاء بن أبي رباح في مسجد الحرام يحدِّث عن أبي سعيد الخُدريِّ، عن النبي ﷺ قال: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل معه دواء، عَلِمَه من عَلمه، وجَهِلَهُ من جَهله ".
قال المؤلف، غفر الله له: ولشبيب بن شيبة قصة مع أبي جعفر المنصور في أيام بني أمية رأيت إيرادها لحسنها في لفظ وجيز. قال شبيب بن شيبة الأهتمي: حججت عام هلك فيه هشام، وولي الوليد بن يزيد، وذلك سنة خمس وعشرين ومئة. فبينا أنا مُرِيحٌ ناحية من المسجد إذ طلع بعض أبواب المسجد فتى
[ ١ / ٢٨٧ ]
أسمر، رقيق الشعر، مُوفَّر الِّلمَّة، خفيف اللحية، رحب الجبهة، أقنى بيِّن القنا، كأن عينيه لسانان ناطقان، يخلط أبَّهةَ الأملاك بزيِّ النسَّاك، تقبله القلوب، وتتبعه العيون، يُعرف الشرف في تواضعه، واللبُّ في مشيته. فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره، سائلا عن خبره. وسبقني فتحرَّم بالطَّواف. فلما سبع قصد للمقام فركع، وأنا أرعاه ببصري ثم نهض منصرفا. فكأن عينا أصابته، فكبا كبوة دَميتْ لها إصبعه، فقعد لها القُرفصاء. فدنوت منه متوجعا لما ناله، متصلا به أمسح رجله من غبار التُّراب، فلم يمتنع عليَّ، ثم شققت حاشية ثوبي، فعصبت بها إصبعه. وما يُنكر ذلك، ولا يدفعه. ثم نهض متوكئا عليَّ، فأنقَدْت له أماشيه، حتى أتى دارا بأعلى مكة. فابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب، واجتذبني. فدخلت بدخوله فخلَّى يدي، وأقبل على القبلة فصلى ركعتين أوجز فيهما في تمام. ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلَّى على النبيِّ ﷺ أتمَّ صلاة وأطيبها. ثم قال: لم يَخفَ عليَّ مكانك منذ اليوم، ولا فعلك بي. فمن تكون يرحمك الله؟ قلت: شبيب بن شيبة التَّميُّمي. قال: الأهتميُّ؟ قلت: نعم. قال: فرحَّب وقرَّب ووصف قومي بأبين بيان، وأفصح لسان. فقلت له: أنا أجِلُّك " أصلحك الله " عن المسألة، وأحبُّ المعرفة. فتبسَّم وقال: لطف اهل العراق، وأنا عبد الله ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. فقلت: بأبي أنت وأمي، ما اشبهك بنسبك، وأدلَّك على منصبك! ولقد سبق الى قلبي من محبَّتك مالا أبلغه بوصفي لك. قال: فاحمد الله يا أخا بني تميم، فإنا قوم إنما يُسعد الله بِّحبنا من أحبَّه، ويشقى ببغضنا من أبغضه. ولن يصل الإيمان إلى قلب إحدكم حتى يحب الله ورسوله. ومهما ضَعُفنا عن جزائه قويَ اللهُ على أدائه. فقلت له: أنت توصف بالعلم، وأنا ممَّن حملته، وأيام الموسم ضيقة، وشُغل أهل مكة كثيرٌ. وفي نفسي أشياء أُحبُّ أن أسأل عنها؛ أفتأذن فيها جُعلتُ فداك؟ قال: نحن من أكثرالناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسرِّ موضعا، وللأمانة راعيا. فإن كنت كما رجوت فافعل. قال: فقدّمت من وثاق القول والأيمان ما سكن إليه. فتلا قول الله تعالى:) قُل أيُّ شيء أكبرُ شهادةً قلِ اللهُ شهيدٌ بَيني وبينكم (. ثم
[ ١ / ٢٨٨ ]
قال: سَلْ عمَّ بدا لك. قلت: ما ترى في أمير الموسم؟ وكان عليه يوسف بن محمد ابن يوسف الثقفيّ، خال الوليد. فتنفس الصعداء وقال: أعن الصلاة خلفه تسألني أم كرهت أن يتأمر على آل الله من ليس منهم؟ قلت: عن كلا الأمرين. قال: إن هذا عند الله لعظيم. فأما الصلاة ففرض لله تعبد به خلقه، فأدِّ ما فرض الله عليك في كلِّ وقت ومع كل أحد وعلى كل حال. فإن الذي ندبك لحج بيته، وحضور جُمُعاتهِ وأعياده، لم يخبرك في كتابه أنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا، رحمة منه لك. ولو فعل ذلك ضاق الأمر عليك. فاسمح يُسمح لك. قال: ثم داركت في السؤال عليه، فما احتجت أن أسأل عن أمر دين أحدا بعده. ثم قلت: يزعم أهل العلم أنه ستكون لكم دولة. قال: لا شك فيها، تطلع طلوع الشمس، وتظهر ظهورها. فنسأل الله تعالى خيرها، ونعوذ به من شرها، فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها. قلت: أوَ يتخلف عنها أحد من العرب، وأنتم سادتها؟ قال: نعم، قوم يأبون إلا وفاء لمن اصطنعهم، وبأبى إلا طلبا بحقنا، فنُنصر ويُخذلون، كما نُصر بأولنا أولهم، ويخذل بمخالفتنا من خالف منهم. قال: فاسترجعت. قال: سهل عليك الأمر، سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم، وحفظ أعقابهم، وتجديد الصنيعة عندهم. قلت: كيف تسلم لهم قلوبهم، وقد قاتلوكم مع عدوكم؟ قال: نحن قوم حبب الينا الوفاء، وإن كان علينا، وبغض إلينا الغدر، وإن كان لنا. وإنما يشدُّ علينا منهم الأقل، فإما أنصار دولتنا، ونقباء شيعتنا، وأمراء جيوشنا فهم ومواليهم منا، ومولى القوم من أنفسهم. فإذا وضعت الحرب
اوزارها صفحنا بالمحسن عن المسيء، ووهبنا للرجل قومه. ومن اتصل بأسبابه فتذهب النايرة، وتخبو الفتنة، وتطمئن القلوب. ها صفحنا بالمحسن عن المسيء، ووهبنا للرجل قومه. ومن اتصل بأسبابه فتذهب النايرة، وتخبو الفتنة، وتطمئن القلوب.
قلت: ويقال: إنه يُبتلى بكم مَن أخلص لكم المحبة. قال: قد رُوي أن البلاء أسرع إلى مُحِّبنا من الماء إلى قراره. قلت: لم أرد هذا. قال: فمه. قلت: تقعون بالولي، وتخطئون العدو. قال: من يسعد بنا من الأولياء أكثر، ومن يسلم لنا من الأعداء أقل وأيسر. وأنما نحن بشر، وأكثرنا أُذنٌ، ولا يعلم الغيب إلا
[ ١ / ٢٨٩ ]
الله. وربما استترت عنا الأمورفنقع بمن لا نريد، وإنَّ لنا لأحسابا، يأسو الله بها ما نكلم، ويرم بها ما نثلم، ونستغفر الله مما لا نعلم. وما أنكرت من أن يكون الأمر على ما بلغك، ومع الوليُّ التعززُ والإدلال والثقة والاسترسال، ومع العدو التحرز والاحتيال والتدلل والاغتيال. ولربما ملَّ المدلل، وأخل المسترسل، وتجانب المتقرب، ومع المِقَة تكون الثقة. وعلى أن العاقبة لنا على عدونا، وهي لولينا. وإنك لسؤول يا أخا بني تميم قلت: إني أخاف أن لا أراك بعد اليوم. قال: إني أرجو أن أراك وتراني كما تُحبُّ عن قريب إن شاء الله. قلت: عجَّل الله ذلك. قال: آمين. وتبسم وقال: لا بأس عليك، ما أعاذك الله من ثلاثٍ. قلت: وما هي؟ قال: قدْحٌ في الدين، أو هَتكٌ للملك، أو تُهمةٌ في حُرمةٍ. ثم قال: احفظ عني ما أقول لك: اصدق وإن ضرَّك الصدق. وانصح وإن باعدك النصح. ولا تجالس عدوَّنا وإن أحظيناه، فإنه مخذول، ولا تخذل ولينا فإنه منصور. واصحبنا بترك المماكرة. وتواضع إذا رفعوك. وصِلْ إذا قطعوك. ولا تستخفَّ فَيمقتوك. ولا تبدأ حتى يبدؤوك. ولا تختطب الأعمال، ولا تتعرض للأهوال. وأنا رائح من عشِّيتي هذه، فهل من حاجة؟ فنهضت لوداعه، فودعته ثم قلت له: أتُوقِّت لظهور الأمر وقتا؟ قال: الله المقدِّر المُوقِّت. إذا قامت النَّوحتان باشام، فهما آخر العلامات. قلت وما هما؟ قال: موت هشام العامَ، وموت محمد بن علي المستهلَّ من ذي القعدة. وعليه تخلَّفت وما بلغت حتى أنضيتُ. قلت: فهل أوصى؟ قال: نعم، إلى أخي إبراهيم. قال: فلما خرجت فإذا مولى له يتبعني حتى عرف منزلى، ثم أتى بكسوة من كسوته. فقال: يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه. قال: وافترقنا، فوالله ما رأيته إلا وحرسيّان قابضان عليَّ، يُدنياني منه في جماعة من قومي، لأبايعه فلما نظر إليَّ قال: خَلَّيا عمَّن صحَّت مَودتُه، وتقَّدمت حرمته، وأُخذت قبل اليوم ببيعته. قال: فأكبر الناس ذلك من قوله، ووجدته على أول عهده. ثم قال لي: أين كنت عنِّي أيام أخي أبي العباس؟ فذهبت أعتذر. قال: أمسكْ، فإنَّ لكل شيء وقتا لا يعدوه، ولن يفوتك إن شاء الله حظُّ مودتك وحق مشايعتك. فاختر بين رزقٍ يتبَعُكَ أو عمل
[ ١ / ٢٩٠ ]
يرفعك. قلت: أنا حافظ لوصيتك. قال: وأنا لها أحفظ، إنما نهيتك أن تخطب الأعمال، ولم أنهك عن قبولها. قلت: الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحب إلي وأعفى إن شاء الله. قال: هل زدت في عيالك بعدي شيئا؟ وقد كان يسألني عنهم، فذكرتهم له، فعجبتُ من حفظهِ. قلت: الفَرسُ والخادم. قال: قد الحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، وفرسك بخيلنا. ولو وسعني لحملت لك على بيت المال، وقد ضممتك إلى المهدي، وأنا موصيك به، فإنه أفرعُ لك مني.
ومن بني مرة بن عبيد؛ إخوة منقرٍ: سلامة بن جندل الشاعر، والسليك بن السُّلكة أحد فُتَّاك العرب، ويقال له الرِّئبالُ لأنه كان يغير وحده. ومنهم عبد الله بن صُفار الذي تنسب إليه الُّفريةُ، وعبد الله بن إباض الذي تنسب إليه الإباضية.
ومن بني مقاعس، واسمه الحرثُ، وهو جد منقر ومُرَّ خُليفٌ الذي تنسب إليه الفالوذجة الخُليفية. وهو خليف بن عقبة، ويكنى أبا بكر، كناه بذلك محمد بن سيرين، وكان من أصحابه. وكان من أظرف أهل البصرة وله بها عَقب.
وفي سعد بن زيد مناة أيضا بطون منها: بَهدلة، وعطارد، وقريع، وهم إخوة، بنو عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
فمن بني بهدلة الزِّبرقانُ: واسمه حصين بن بدر بن خلف بن بهدلة. وكان يقال له: " قمرُ نجدٍ ". وهو من الصحابة، ويكنى أبا عباس بابنه، وأبا شذرة ببنته. وعقبة بالبادية كثير. واستعمله رسول الله ﷺ على صدقات قومه. وتوفي النبي ﷺ، فذهب بالصدقة الى أبي بكر، وهي سبعمئة بعيرٍ.
ومنهم الإُحيمر بن خلف بن بهدلة: عم الزبرقان، صاحب بُردي مُحرِّقٍ الذي قيل فيه:
أيا بْنةَ عبد الله وابنةَ مالكِ ويا بنةَ ذي البُردينِ والفَرسِ الوردِ
[ ١ / ٢٩١ ]
قال أبو عبيدة فسي كتاب " التاج ": أشرفُ بيتٍ في مضر " غير مُدافع " في الجاهلية بيت بهدلة بن عوف بن عد بن زيد مناة بن تميم.
قال المنذر بن ماء السماء ذات يوم، وعنده وجوه العرب ووفود القبائل. ودعا ببُردَيْ محرِّق فقال: ليلبس هذين البردين أكرم العرب نسبا، وأشرفهم حسبا، وأعزهم قبيلة. فأحجم الناس، فقام الأحيمر بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة. فقال: أنا لها. فأتزَر بأحدهما، وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: ما حجتك فيما ادعيت؟ قال: الشرف من نزار كلها في مضر، ثم في تميم، ثم في كعب، ثم في بهدلة. قال له النعمان: هذا أنت في أصلك، فكيف أنت في عشيرتك؟ قال: أنا أبو عشرة، وخالُ عشرة. قال: فهذا أنت في عشيرتك فكيف أنت في نفسك؟ فقال: شاهد العين شاهدي. ثم قام ووضع قدمه في الأرض، فقال: من أزالها فله مئة من الإبل. فلم يقم إليه أحد، ولا تعاطى ذلك. ففيه يقول الفرزدق:
فَما تمَّ من سعيدٍ ولا آلِ مالكٍ غلامٌ إذا ما قيلَ لم يتَبَهدلِ
لهم وهبَ النعمانُ بُردَيْ مُحرِّقٍ بمجدِ معدٍ والعديد المحصَّلِ
قال المؤلف، غفر الله له: مُحرِّقٌ الذي لبس الأُحيمر بُرديهِ: هو الحرث ابن عمرو بن عدي بن نصر. وفي آله يقول الأسود بن يَعفُرَ:
ماذا أُمِّل بعد آل مُحرِّقٍ تركوا منازلهم وبعدَ إيادِ؟
وأبن اخيه عمرو بن هندٍ: نُسب إلى أمه، وكان أيضا يدعى محرِّقا، لما يذكر بعد من أمره مع بني دارمٍ. وأبوه المنذر بن امرىء القيس بن عمرو بن عديِّ
[ ١ / ٢٩٢ ]
ابن نصر اللخميُّ. وعمرو بن عدي هو ابن أخت جَذيمة الأبرش الملك بالحيرة. وجَذيمةُ هو ابن ملك بن فهم بن عم بن دوس بن عُدثان الأزديُّ، صاحب الزَّبَّاء، وقتل الزباءَ عمرو بن عدي، أخذ بثأر خاله جذيمة. وأعانه على ذلك قصير بن سعد بدهائه ومكره. وهو الذي قيل فيه: " لأمرٍ ما جدع قَصيرٌ أنفه ".
وعمرو بن هند هو مُضرِّرط الحجارة. وأبوه المنذر بن أمرىء القيس. أمه ماء السماء. وقيل: " لقبت " بماء السماء لجمالها. وأبوها عوف بن جشم من النَّمر ابن قاسط بن أفصى بن دُعميِّ بن جَديلةَ بن أسد بن ربيعة بن نزار: وهو الذي ببردي مُحرِّق في الخبر المتقدم.
وعم عمرو بن هند النعمان بن امرىء القيس: هو النعمان الأكبر، وكان أعور وهو بنى الخورنق، وانخلع عن ملكه، ولبس الأمساح وساح في الأرض. وهو الذي ذكره عدي بن زيد فقال:
وتَبَيَّنْ، ربَّ الخورنقِ، إذْ أش رفَ يوما وللهدى تفكيرُ
سَرَّةُ حالهُ وكثرةُ ما يَمْ لكُ والبحرُ مُعرضا والسديرُ
فارْعَوى قلبُهُ وقال: فما غِبْ طةُ حيٍّ إلى المماتِ يصيرُ
وخبره مشهور وسمي عمرو بن هند محرقا لأنه أحرق من بني دارمٍ ثمانية وتسعين رجلا، وأكملهم وئة برجل من البراجم وبأمرأة نَهشَليَّة. ولذلك قيل: إن الشقي وافد البراجم. وكان رجل من بني دارمٍ قتل ابنه خطأ.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وأمه هندة بنت الحرث بن عمرو الكندي. والحرث هو آكل المُرار. ولدت للمنذر بن أمرىء القيس عَمرا مُحرِّقا، وقابوسا قينة العروس، وكان فيه لينٌ.
والمنذر بن المنذر: وهو أبو النعمان بن المنذر ممدوح النابغة وصاحب المتجرد. قتله كسرى أبرويزُ بسباط المدائن. أمر به فأُلي تحت أرجل الفيلة، فتوطأته حتى مات. قال سلامة بن جندل المقاعسي يذكر أبرويزَ:
هو المُدخلُ النعمانَ بيتًا، سَماؤهُ نحورُ الفُيول بعد بيتٍ مُسَرْدَقِ
وهو صاحب الغريين. وكان له يومان؛ يوم بؤسى ويوم نعمٍ. وقتل عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر يوم بؤسه. وهو قاتل عدي بن زيد العبادي الشاعر، ويكنى أبا قابوس.
وبنته الحُرَقةُ: واسمها بنت النعمان. عُمِّرت إلى أن ولي المغيرةبن شعبة الكوفة. وكانت مترهبةً، نصرانيةً. وخطبها المغيرة في ديرها، فردته أحسن رد بكلام بليغ.
قال أبو العباس محمد بن يزيد المبَّردُ: كان المغيرة بن شعبة، هو والي الكوفة، صار إلى دير هند بنت النعمان بن المنذر، وهي فيه عمياء مترهبةٌ. فاستأذن عليها، فقيل لها: أمير هذه المدرة بالباب. فقالت: قولوا له: أمن أولاد جَبَلة بن الأيهم أنت؟ قال: لا. قالت: فمن ولد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ قال: المغيرة بن شعبة الثقفي، قالت: فما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قالت: لو جئتني لجمالٍ أو لمالٍ لأطلبتك، ولكنك أردت أن
[ ١ / ٢٩٤ ]
تتشرف في محافل العرب فتقول: نكحت ابنة النعمان بن المنذر. وإلا فأي خير في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث إليها: كيف أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب، أمسينا عشاء، وليس في الأرض عربي إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض عربي إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت اختصم إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قتالت: اختصم إليه رجلان منهم، أحدهما ينميها إلى إيادٍ، والآخر إلى بكر بن هوازن، فقضى بها للإياديِّ وقال:
إنَّ ثقيفا لم تكن هَوازِنا
ولم تنايبْ عامرًا ومازنا
يريد عامر بن صعصعة ومازن بن منصور. فقال المغيرةُ: أما نحن فمن بكر بن هوازن فليقل أبوك ما شاء.
ومن بني عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة أبو رجاء العطارديُّ: واسمه عمران بن تَيم، وقيل: عمران بن مِلحان. وقيل عمران بن عبد الله أدرك الجاهلية، ولم ير النبي ﷺ، ولم يسمع منه. أسلم بعد المبعث وقيل: ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة. وقال أبو عمرو بن العلاء: قلت لأأبي رجاء العطارديِّ: ما تذكر؟ قال: قتلُ بسطام بن قيس على الحسن، والحسن: حَبلُ رملٍ. وأنشد أبو رجاء العطاردي لابن غنمة في بسطام ابن قيس بن مسعود الشيباني:
وخرَّ على الألاءة لم يُوسَّدْ كأنَّ جبينه سيفٌ صَقيلُ
قال الأصمعي: قتل بسطام بن قيس قبل الإسلام بقليل. وقيل إن قتل بسطام بن قيس كان بعد مبعث النبي ﷺ.
يُعدُّ أبو رجاء في كبار التابعين، عُظمُ روايته عن عمر وعلي وابن عباس وسمرة، وكان ثقة. روى أيوب الَّسختيانُّي وجماعة. وكان أبو رجاء يقول: بُعث النبي صلى الله ﵇، وأنا أرعى الإبل على أهلي، وأريش وأبري: فلما
[ ١ / ٢٩٥ ]
سمعنا بخروجه لحقنا بمسيلمة. وكانت له عباة، وعُمِّر عُمرا طويلا. مات سنة خمس ومئة في أول خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن مئة وثمان وعشرين سنة وذكر الهيثم بن عدي عن أبي بكر بن عياش قال: اجتمع في جنازة أبي رجاء العطارديِّ الحسن البصري والفرزدق. فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، يقول الناس: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشرهم. قال: لست بخيرهم ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. ثم انصرف الفرزدق فقال:
ألم ترَ أن الناسَ ماتَ كبيرهم وقد كانَ قبل البعثِ محمدِ
ولم تُغنِ عنهُ عيشُ سبعينَ حجةً وستينَ لمَا بانَ غيرَ مُوَسَّدِ
إلى حُفرةٍ غبراءَ يُكْرهُ ورِدُها سِوى أنها مثوى وضيعٍ وسِّيدِ
ولو كان طولُ العمر يُخلِدُ واحدًا ويدفعُ عنه عيبَ عُمرٍ عَمرَّدِ
لكان الذي راحوا به يَحملونَهُ مُقيمًا، ولكن ليس حَيٌّ بِمُخلَدِ
تَروحُ وتغدو والحتوفُ أمامنا يضعن لنا حتفَ الرَّدى كل مَرصدِ
وقد قال لي: ماذا تُعدُّ لما ترى فقيهٌ إذا ما قال غيرُ مُفنَّد
[ ١ / ٢٩٦ ]
ِفقالُ له: أعددتُ للبعثِ والذي أرادَ بهِ أني شهيدٌ بأحمدِ
وأنْ لا إلهٌ غيرُ ربي هو الذي يُميتُ ويُحيي يومَ بعثٍ ومَوعدِ
فهذا الذي أعددتُ لا شيءَ غيرُهُ وأن قلتَ لي أكثرْ من الخيرِ وازْدَدِ
فقالَ: لقد أعصمتَ بالخيرِ كلِّهِ تمسَّكْ بهذا يا فرزدق تُرشَدِ
وحدَّث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العطاردي قال: سمعنا بالنبي ﷺ، ونحن في مال لنا، فخرجنا هُرابا. قال: فمررت بقوم ظبي، فأخذتها وبللتها. قال: وطلبت في غِرارةٍ لنا فوجدت كفَّ شعير، فدققته بين حجرين، ثم ألقيته في قدر، ثم ودَجْتُ بعيرا لنا، فطبخته، فأكلت أطيب طعامٍ أكلته في الجاهلية. قلت: يا أبا رجاء، ما طعمُ الدم؟ قال: حلوٌ.
وروي أن أبا رجاء أتته امرأة في جوف الليل، وقد جاوز المئة ببضع فقالت: يا أبا رجاء، إن لطارق الليل حقا، إن بني فلان خرجوا إلى سفوانَ، وتركوا شيئا من متاعهم. فانتقل، وأخذ الكتب فأدَّاها ورجع إلى البصرة، وصلى بأصحابه الفجر، وهي مسيرة ليلةٍ للأبل.
ومن بني شجنة بن عطارد صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد: وكان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم كرب بن صفوان. وهو الذي قام عليه الإسلام. وفي ذلك يقول أوس بن مغراء السعديُّ
[ ١ / ٢٩٧ ]
لا يبرحُ الناسُ ما حجوا معرَّ فهمْ حتى يقال: أجيروا آل صفوانا
متا تطلعُ الشمسُ إلا عندَ أولنا ولا تغيَّبُ إلا عند أُخرانا
وقال الفرزدق مناقضا الجرير من قصيدة طويلة:
إذا هبطَ المُحصَّبُ من مِنى عشيةَ يوم النحرِ من حيثُ عرَّفوا
ترى الناسَ ما سِرنا يسيرونَ خلفنا وإنْ نحن إومأنا إلى الناسِ وقَّفوا
وعدد ابيات هذه القصيدة مئة وثلاثة عشر بيتا. ولها خبر ذكره إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري في منتخب النقائض للنَّجيرمي. وفي هذه القصيدة البيت الذي استشهد به الزَّجاجيُّ في " الجمل " في باب الفعل المحمول على المعنى، وهو:
وعظُّ زمانٍ يا بْنَ مروانَ لم يدعْ من المالِ إلا مُسحَتٌ أو مُجلَّفُ
روى الكسائي مُسحتًا بالنصب، وهو المستأصل. والمجلَّفُ: شبيهٌ به. ومن رفع مسحتًا حمله على المعنى، لأنه إذا قال: لم يدعْ فكأنه لم يبقِ. قال أبو عبيدة: وسمعت رواية الفرزدق يروى " لم يَدعْ من المال ". وقال لم يَدِعْ: لم يَتَّدعْ: من الدَّعةِ. أي لم يثبتُ ولم يستقر.
ومن بني قريع بن عوف، وهو أخو عطارد وبهدلة الأضبط بن قُريع بن
[ ١ / ٢٩٨ ]
عوفٍ: وكان رأس تميما في الجاهلية في بعض حروبهم. وهو المتقيِّل في القبائل. فلما لم يُحمدهم رجع إلى قومه وقال: بكلِ وادٍ بنو سعدٍ. وله حكم في شعره. وهو القائل في قصيدة مشهورة:
لكلِّ همٍّ من الهمومِ سَعهْ والمُسْيُ والصُبحُ لا فاحَ معهُ
الفلاح: البغاء ومنهم بنو أنف الناقة منهم شمَّاسُ بن لأيْ: الذي مدحه الحطيئة. وفيه يقول من قصيدة:
وإن التي نكتبها عن معاشرِ عِضابٍ عليَّ أنْ صَددتُ كما صَدُّوا
أتتْ آل شَّماسِ بن لأي وإنما أتتهمْ بها الأحلامُ والحسبُ العِدُّ
وإنَّ الشقيَّ مَن تُعادى رماحهمْ وذو الجَدِّ من لانوا إليه ومن وَدَّوا
يسوسونَ أحلامًا بعيدًا أناتُها وإن غَضوا جتءَ الحفيظةُ والجِدُّ
أقلُّ عليهم لا أبا لأبيكمُ منَ اللومِ أو سُدوا المكانَ الذي سَّدوا
أولئك قومٌ إنْ بنوا أحسنوا البُنا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقَدوا شَدُّوا
[ ١ / ٢٩٩ ]
وإن كانتِ النَّعماءُ فيهم جضزَوا بها وإن أنعموا لا كدَّروها ولا كدُّوا
وفيها:
فمن مُبلغٌ لأْيًا بأنْ قد سعى لكم إلى السورةِ لا يساوى عِنانهُ
جرى حين جارى لا يساوى عِنانهُ عنانٌ ولا يثنى أجاريَّةُ الجَهدُ
رأى مجد أقوام أُضيع فحثَّهم على مجدهمْ لمَّا رأى أنه المجد
وله ايضا يمدح آل شماس بن لأىٍ من قصيدة:
سيرى أُمام فإن الأكثرين حصًى والأكرمين إذا ما يُنسبونَ أبا
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرهمُ ومن يساوى بأنفِ الناقةِ الدَّنيا؟
قومٌ إذا عقدوا عقدًا لجارهمُ شدوا العِناجَ وشدوا فوقهُ الكربا
قومٌ يبيتُ قرير العين جارُهمُ إذا لوى بقوى أطنابهمْ طُنُبا
وله أيضا يمدح بني قريع، من قصيدةٍ:
[ ١ / ٣٠٠ ]
فلا وأبيكَ ما ظلمتْ قُريعٌ بأن يبنوا المكارم حيثُ شاؤوا
وإنى قد عَلقت بحبل قومٍ أعانهم على الحسبِ الثَّراءُ
إذا نَزلَ الشتاءُ بجارِ قومٍ تجنَّبَ جارَ بيتهمُ الشتاءُ
همُ تالقومُ الذين إذا ألمَّتْ من الأيامِ مُظلمةٌ أضاؤوا
ومن بني أنف الناقة أوس بن مغراء.
ومن بني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم المستوغر بن ربيعة ابن كعب بن سعد: عُمِّر ثلاث مئةٍ وثلاثين سنةً، وأدرك الإسلام. وهو القائل في طول عمره:
ولقد سئمت من الحياةِ وطولها وعُمِرتُ من عددِ السنين مِئينا
مئةٌ حَدتْها بعدها مئتانِ لى وازددتُ من عدد الشهورِ سنينا
هل ما بقيَ إلا كما قد فاتنا يومٌ يمرُ وليلةٍ تحدونا
وهو القائل حين هدم رُضى في الإسلام، وكانت بيتًا تعظِّمه بنو أبيه ربيعة بن كعب:
[ ١ / ٣٠١ ]
ولقد شددتُ على رضاءٍ شَدَّةً فتركتها قَفرًا بقاعٍ أشحما
واسم المستوغر عمرو. وكان أطول مضر عُمرًا.
وبنو ربيعة بن كعب بن سعد، وبنو الأعرج بن كعب بن سعد يقال لهم الأجاربُ. وفيهم يقول أحمرُ بن جندل:
ذودوا قليل تُلحقُ الجلاببُ تَلحقُنا حمَّانُ والأجاربُ
وقيل لهم الأجارب لأنهم كانوا يَعوُّون الناس بكثرة شرِّهم.
فمن الأجارب حارثةُ بن قدامة: صاحب شرطة علي بن أبي طالب، وعمرو بن جُرموز: قاتل الزبير بن العوام. والنسب إلى الأعرج بن كعب أعرجي نسبٌ معروف. وحِمّان: هو عبد العزى بن كعب
ومن بني سعد بن زيد مناة بن تميم ثم بني صَريم الصَّريمي الملقب عبسَ الطِّعان: وكان من الابطال. ترجَّل يوم هزم أصحاب قَطري " عبد العزيز بن عبد " الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، فقاتل حتى قُتل ﵀.
ومنهم من سيأتي ذكره بعد مقتل عليٍّ ﵁. وحرام بن كعب بن سعد: من بني حرام. والحرام بالراء وفتح الحاء والمهملة.
ومن بني الأعرج بن كعب بن سعد بن زيد مناة أسلعُ بن شَرِيك الأعرجي: " كان صاحب " رسول الله ﷺ، وصاحب راحلته. نزل البصرة. روى عنه زريق المالكي.
[ ١ / ٣٠٢ ]
ومن بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم داررمُ بن مالك بن حنظلةَ: وبنوه بطون. ويربوعٌ: وبنوه بطون. وهو يربوع بن حنظلة، عم دارم. ومن بني مالك بن حنظلة صُدَيٌ ويربوعٌ وزيد: وهم بنو العَدويَّة. نُسبوا إلى امهم، وبها يُعرفون. وأبوهم مالك بن حنظلة. وأخوتهم أبو سودِ بن مالك، وعوف بن مالك، وخُشيش بن مالك. أمهم طُهيَّة وبها يُعرفون. ويقال لبني طهية وبني العدوية " الجمارُ ". منهم: أبو البلاد الطُّهويُّ. ومن طُهية بنو شيطانٍ: بطنٌ فيهم فوارس. " قال الشاعر ":
فوارسُ لا يملُّون المنايا إذا دارت رَحى الحربِ الزَّبونِ
فولد دارمٌ: عبد الله بطنٌ، ومُجاشعا بطن، ونَهشلا بطن، والعنبر بطن. وولد يربوع: ثعلبة بطن، وغدافة بطن، ورياحا بطن، وحراما بطن، وسليطا بطن، والعنبر بطن.
فمن بني عبد الله بن دارم عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد ابن عبد الله بن دارم: وهو من أشراف وجوه تميم. وبقوس أبيه حاجب يُضرب المثل حين رهنها عند كسرى، وخبرُها مشهور. ومات حاجب والقوس عند كسرى. فارتحل عطارد بن حاجب إليه يطلب قوس أبيه، فردها عليه، وكساه حلةً. فلما وفد إلى النبي ﵇ في بني تميم سنة تسع، وكان سيدا في قومه أهدى الحلة إلى رسول الله ﷺ، فلم يقبلها، فباعها بأربعة آلاف درهم من رجل من اليهود. ولهذه الحلة خبر ذكره مسلم في صحيحه فقال: حدثنا شيبا بن فرُّوخ قال: نا جرير بن حازم قال: نا نافع عن أبن عمر قال: رأى عمر عطارد التميمي يُقيم بالسوق حلةً سِيراءَ. وكان رجلا يغشى الملوك، ويصيب منهم. فقال عمر: يا رسول الله، إني رأيت عطارد يقيم في السوق حلة سيراء. فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك، وأظنه قال:
[ ١ / ٣٠٣ ]
ولبستها يوم الجمعة. فقال له رسول الله ﷺ: " إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة ". فلما كان بعد ذلك أُتي رسول الله ﵇ بحللٍ سيراءَ. فبعث إلى عمر بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، واعطى علي بن أبي طالب حلة وقال: " شَققها خمرا بين نسائك ". قال: فجاء عمر بحلته يجعلها، فقال: يا رسول الله بعثت إلى بهذه، وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت! فقال: " أما إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكن بعثت بها إليك لتُصيبَ بها ". وأما أسامة فراح في حلته فنظر إليه رسول الله ﷺ نظرا عرف أن رسول الله ﷺ قد أنكر ما صنع فقال: يا رسول الله، ما تنظر إلي؟ فأنت بعثت بها إلي! فقال: " إني لم أبعث إليك لتلبسها ولكن بعثتها إليك لتشققها خمرا بين نسائك ".
وابن ابنه محمد بن عمير بم عطارد: كان شريفا. وله يقول الشاعر:
علمَ القبائلُ من معدّ وغيرها أن الجوادَ محمدُ بن عُطاردِ
وذكرت بنو دارم يوما بحضرة عبد الملك، فقالوا: قومٌ لهم حظ. فقال عبد الملك: تقولون ذلك وقد مضى منهم لقيط بن زرارة، ولا عقب له. ومضى محمد ابن عمير بن عطارد، ولا عقب له. والله لا تنسى العرب هؤلاء الثلاثة أبدا.
وجلس الحجاج يوما، ومعه جماعة على المائدة، منهم محمد بن عمير بن عطارد ابن حاجب بن زرارة، وحجار بن الحرِّ بن بجير العِجْليُّ، فأقبل في وسط الطعام على محمد بن عمير. فقال: يا محمد، أيدعوك قتيبة بن مسلم إلى نُصرتي يوم رُسْتَقْباذَ فتقول: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل؟ لا جعل الله لك فيه ناقة ولا جملا. يا حرسيُّ خذ بيدهِ، جَرِّد سيفك، فاضرب عنقه. فنظر إلى حجار وهو يبتسم، فدخلته العصبية. وكان مكان حجار من ربيعة كمكان محمد بن عمير من مضر. وأتى الخبازُ بفُرنيةٍ، فقال: اجعلها مما يلي محمدا، فإن اللبن
[ ١ / ٣٠٤ ]
يُعجبه. ياحرسي شمْ سيفك وانصرف.
شِم سيفك: من الأضداد. يقال: شِمتَ السيف: إذا أغمدته وإذا سللته. وشمت البرق إذا نظرت إليه من أى ناحية يأتي. ومن شمت السيف: بمعنى سللته. قول النبي ﷺ حين خرج إلى أُحد للرجل الذي أصاب كُلاَّبَ سيفهِ ذنبُ فرسٍ، حين ذبَّ به، فاستله: " شم سيفك، فإني أرى السيوف ستسل اليوم ". وكان ﷺ يحب الفأل ولا يعتاف. ومن شمتُ السيف: بمعنى أغمدته، كقول الفرزدق:
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم ولم تكثرِ القتلى بها حين سُلَّتِ
وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني تأويله لم يشيموا ولم يغمدوا. ولم تكثر القتلى أى لم يُغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى حين سلت.
وكان محمد بن عمير حظيا عند بني مروان، وخاصا ببشر بن مروان. قال أبو عبيدة: قدم الأخطل على بشر الكوفة، فوجد عنده محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. فقال محمد للأخطل: إن الأمير سيسألك عن الفرزدق وجرير، فانظر ما أنت قائل، فقد عرفت قرابتنا.
وأم عبد الله ومجاشع ابني دارم الحلال بنت ظالم بن ذبيان التغلبي. فسأل بشر الأخطل عنهما، فقال: الفرزدق أشعر العرب. فقال جرير يهجو الفرزدق والأخطل ومحمد بن عمير بن عطارد في قصيدة طويلة أولها:
لمن الديارُ ببُرقةِ الروحانِ إذ لا نبيعُ زماننا بزمانِ
ومنها في ذكر محمد بن عمير وعمه لبيد:
[ ١ / ٣٠٥ ]
لا يَخفينَ عليكَ أنَّ محمدًا من نسلِ كلِّ ضِفِنَّةٍ مشبطانِ
إنْ عند بني أُسيدةَ عزَّنا فانقلْ مناكبَ يَذبُلٍ وأبانِ
إنا لنعرفُ ما أبوكَ لدارمٍ فالحقُ بأصليكَ من بنى دُهمانِ
ألقوا السلاح إليَّ آلَ عطاردٍ وتعاظموا ضرطًا على الدكان
قال المدائني: حَبقَ لبيد بن عطارد بن حاجب بن زرارة عند زياد، فأمر له بعشرة آلاف درهم. فعيَّره جرير بذلك. زمنها في ذكر الأخطل وتغلب. واسم الأخطل غِياثٌ بن غويث بن الصَّلت:
تَلقى الكرام إذا خُطبنَ عزاليًا والتغلبيَّةُ مهرُها فَلسانِ
والتغلبيُّ مُغلبٌ قعدتْ بهِ مَسعاتُهُ عبدٌ بكلِّ مَكانِ
قَبحَ الإله من الصَّليب إلهُهُ واللابسينَ بَرانسَ الرُّهبانِ
والذابحينَ إذا تقابَ فِصحُهمْ شُهبَ الجُنوبِ ركيكةةَ الأثمانِ
من كلِّ ساجي الَّرفِ أعصَلَ نابُهُ في كلِّ قائمةٍ لهُ طِلقانِ
[ ١ / ٣٠٦ ]
تَغشى الملائكةُ الكرامُ وفاتَنا والتَّغلبيُّ جنازةُ الشيطانِ
والتغلبيُّ كتابهُ بِشمالهِ وكتابُنا بأكفِّنا الأيمانِ
أيُّصدقون بمارَ سرجسَ وابنه ويكذِّبونَ بمُنْزَلِ الفُرقانِ؟
ما في ديارِ مُقام تغلبَ مَسجدٌ وترى مكاسِرَ حَنْتمٍ ودنانِ
ليس ابنُ عابدةِ الصليب بمنتَهٍ حتى يذوقَ بكأسِ مَن عادانى
تركَ الهُذيلَ قيس منكمُ قَتلى تُقبِّحُ روحَها الملكانِ
هزُّوا الرماحَ فأشرِعتْ لظهورهمْ هزَّ الرياح عواليَ المُرَّانِ
فتركتمُ جَزرَ السباع وفَلُّكُمْ يتساقطونَ تساقُط الحَمْنانِ
يا عبدَ خِندفَ لا تزال مُعبَّدًا فاقعدْ بدارِ مَذَلَّةٍ وهوانِ
ولقد سبقتُ فما ورائي لاحقٌ بداءًا وخُلِّيَ في الجَراءِ عِنانى
فالحقْ بِحلفكَ في قُضاعةَ إنما قيسٌ عليك وخِندِفٌ أخوانِ
[ ١ / ٣٠٧ ]
أحْموا عليكَ فما تجوزُ بِمهلٍ ما بين مصرَ إلى قصورِ عُمانِ
وزرارة بن عُدس: جد عطارد، وهو القائل المثل: " يا بعضى دع بعضًا "، وذلك أن ابنته كانت عند سويد بن ربيعة الميمي. ولها منه تسعة بنين. وإنَّ سويدًا قتل ابنا لعمرو بن هند الملك صغيرا، ثم هرب، فلم يقدر عليه ابن هند. فأرسل إلى زرارة فقال: ائتني بولده من ابنتك. فجاء بهم، فأمر عمرو ابن هند بقتلهم. فتعلقوا بجدهم زرارة، فقال: " يابعضي دع بعضًا " فذهبت مثلا. وكان يقال لعبد الله ومجاشع ابنى دارم " اللباب ". وبيت دارم بنو زرارة، وهم عشرة، منهم: حاجب، وعلقمة، ومعبد، ولقيط، وابن عمهم عمرو عُدُس. من ولده: هلال بن وكيع بن بشر بن عمرو: قتل يوم الجمل مع عائشة. ومنهم مسكين الدارمي الشاعر هو مسكين بن عامر بن أنيف بن شُريح بن عمرو.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قتل لقيط بن زرارة يوم شعب جبلة، وأُسر حاجب أخوه؛ أسره ذو الرقيبة، وأُسر سنان بن أبي حارثة المرِّيُ؛ أسره عروة الرحال، فجزَّ ناصيته.. فلم يُثبهُ أُسر عمرو بن عُدس؛ أسره.. ابن المنفق فجزَّ ناصيته، وخلاَّهُ طعمًا في المكافأة، فلم يفعل. وقُتل مالك بن ربعي ابن جندل بن نهشل، ومنقذ بن طريف الأسديُّ. فقال جرير:
كأنك لم تشهدْ لقيطًا وحاجبًاوعمرو بن إذ دعوا: يال دارمِ ويوم الصفا كنتم عبيدا لعامرٍوبالحَزنِ أصبحتم عبيدَ اللهازمِ
[ ١ / ٣٠٨ ]
يعني بالحزن: يوم الوقيط، وقال جرير أيضا:
ويومَ الِّعبِ قد تركوا لقيطا كأنَّ عليه خَملةَ أرجوانِ
وكُبِّل حاجبٌ بسهامَ حولا فحكَّم ذا الرُّقيبةَ وهو عانِ
وكانت تحت لقيط بن زرارة القَذورُ بنت قيس بن خالد الشيباني: من ربيعة. وهي أخت بسطام بن قيس: فلما قتل تزوجها بعده رجل من قومها، فقال لها يوما: أنا أجمل أم لقيطٌ؟ فقالت: " ماء ولا كصًراءَ ".. أي أنت جميل ولست مثله. والقذور أول من تمثلت بهاذا المثل. قال المفضل: وصًرًاءُ: ركيَّةٌ لم يكن عندهم ماءٌ أعذبَ من مائها. وفيها يقول ضرار السعدي:
إني وتهيامى بزينب كالذي يطالب من أحواضِ صرَّاءَ مَشرَبا
ومن أمثال العرب: " مرعى ولا كالسَّعْدانِ " وهو لأمرأة من طيء، كان تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي، وكان مُفَّركًا. فقال لها: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: " مَرعى ولا كالسعدانِ ". أي إنك وإن كنت رضىً فلست كفلان. قال أبو عبيدٍ: السعدانُ: نبي تعتلفه الإبل، وهو من أفضل مراعيها. فإذا رأوا علفا دونه قالوا هذه المقالة.
ومن ولد علقمة بن زرارة يزيد بن شيبان بن علقمة: وله خبر طريف مع الرجل المهري، ذكره أبو علي البغدادي القالي في الأمالي. قال أبو علي: حدثنا
[ ١ / ٣٠٩ ]
أبو بكر ﵀ قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: قال أبو زرارة بَجالُ ابن حاجب العلقمي من ولد علقمة بن زرارة: خرج يزيد بن شيبان بن علقمة حاجَّا، فراى شارفَ البلدَ شيخا يحُّفه ركبٌ على إبل عتاقٍ بزحال ميسٍ مُلبسةٍ أدما. قال: فعدلتُ فسلمت عليهم، وبدأتُ به وقلت: من الرجل؟ ومن القوم؟ فأرَمَّ القومُ ينظرون إلى الشيخ هيبة له. فقال الشيخ: رجل من مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة. فقلت: حياكم الله، وانصرفت. فقال الشيخ: قف أيها الرجل، نسبتنا فأنتسبنا لك، ثم انصرفت ولم تُكلمنا.
قال أبو بكر: وروى الَّكنُ بن سعيد عن محمد بن عباد: شاممتنا مشامَّة الذِّيب الغنمَ، ثم انصرفت. قلت: ما أنكرت سوءًا، ولكني طننتكم من عشيرتي فأناسبك فانتسبتم نسبا لا أعرفه، ولا أراه يعرفني. قال: فأمال الشيخ لثامه، حَسرَ عمامته وقال: لعمري لئن كنت من جِذْمٍ من أجذام العرب لأعرفنك. قلت: فإني من أكرم أجذامها. قال: فإن العرب بنيت على أربعة أركان: مُضر، وربيعة، واليمن، وقُضاعة. فمن أيهم أنت؟ قلت: من مُضر. قال: أمن الأرجاءِ أم من الفرسان؟ فعلمت أن الأرجاء خِندِفٌ، وأن الفرسان قيسٌ. قلت: من الأرجاء. قال: فأنت إذا من خندف؟ قلت: أجل. قال: فمن الأرنبة أم من الجُمجمة؟. فعلمت أن الأرنبة مُدركة، وأن الجمجمة طابخة. فقلت: من الجمجمة. قال: فأنت إذًا من طابخة؟ قلت: أجل. قال: أفمن الصميم أم من الوشيظ؟ فعلمت أم الصميم تميم وأن الوشيظ الِّباب. قلت: من الصميم. قال: فأنت إذا من تميم. قلت: أجل. قال: إفمن الأكرمين أم من الأحلمين أم من الأقلين؟ فعلمت أن الأكرمين زيد مناة، وأن الأحلمين عمرو بن تميم، وأن الأقلين الحرث بن تميم. قلت: من
[ ١ / ٣١٠ ]
الأكرمين. قال: فأنت إذا من زيد مناة؟ قلت: أجل. قال: فمن الجدود أم من البحور أم من الثِّماد؟ فعلمت أن الجدود مالك وأن البحور سعد، وأن الثماد بنو القيس بن زيد بن مناة. قلت: من الجدود. قال: فإنت إذا من بني مالك؟ قلت: أجل. قال: أفمن الذرى أم من الأرداف؟ فعلمت أن الذرى حنظلة، وأن الأرداف ربيعة ومعاوية، وهما الكُردوسانِ قلت: من الذرى. قال: فأنت إذا من بني حنظلة. قلت: أجل. قال: أفمن البدور أم من الفرسان أم من الجارثيم؟ فعلمت أن البدور مالك، وأن الفرسان يربوع، وأن الجارثيم البراجم. قلت: من البدور. قال: فأنت إذا من بني مالك بن حنظلة. قلت: أجل. قال: أفمن الأرنبة أم من القف؟ فعلمت أن الأرنبة دارم، وأن اللحيين طهية والعدوية، وأن القفا ربيعة بن حنظلة. قلت: من الأرنبة. قال: فأنت إذا من دارم؟ قلت: أجل. قال: أمن اللباب أم من الهضاب، أم من الشهاب؟ فعلمت أن اللباب عبد الله، وأن الهضاب مجاشع، وأن الشهاب نهشل. قلت: من اللباب. قال: فأنت إذا من بني عبد الله؟ قلت: أجل. قال: أفمن البيت أم من الزوافر؟ فعلمت أن البيت بنو زرارة، وأن الزوافر الأحلاف. قلت: من البيت. قال: فأنت إذا من بني زرارة؟ قلت: أجل. قال: فإن زرارة ولد عشرة: حاجيا، ولقيطا، وعلقمة، ومعبدا، وخزيمة، ولبيدا، وأبا الحرث، وعمرا، وعبد مناة، ومالكا. فمن أيهم أنت؟ قلت من بني علقمة. قال: فإن علقمة ولد شيبان، لم يلد غيره. فتزوج شيبان ثلاث نسوة مهدد بنت حُمران بن بشر بن عمرو بن مرثدٍ، فولدت له يزيد. وتزوج عكرشة بنت حاجب بن زرارة بن عُدس، فولدت له المأمور، وتزوج عمرَة بنت بِشْر بن عمرو بن عُدْس، فولدت له المُقعد، فلأيهن أنت؟ قلت: لمهدد. قال: يابن أخي، ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلا كنت في أفضلهما حتى زاحمك أخواك، فإنهما أن تلدنى أمهما أحب إلي من أن تلدني أُمك. يابن أخي أتُراني عرفتك؟ قلت: إي وأبيك، أيُّ معرفة؟! ومن بني مجاشع بن دارم صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان
[ ١ / ٣١١ ]
ابن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو من الصحابة. وهو جد الفرزدق الشاعر: واسم الفرزدق هَمَّامُ بن غالب بن صعصعة. وكان صعصعة من أشراف بني تميم ووجوه بني مجاشع. وكان في الجاهلية يفتد الموؤدات. قيل إنه افتدى مئة موءودة. ففخر بذلك الفرزدق في قوله: وجدىِّ الذي منع الوائدات وأحيا الوئيدَ فلم يُوءَدِ روى عنه طفيل بن عمرو وابنه عقال بن صعصعة والحسن البصري، إلا أنه قال: حدثني صعصعة عم الفرزدق، وهو جده. وكان الفرزدق من فحول الشعراء في الإسلام، وروى الحديث. قال مسلم في " الكنى ": أبو فراس الفرزذق الشاعر، سمع ابن عمر وأبا هريرة. روى عنه مروان الأصغر وابن أبي نجيح وابنه لبطة. وروى عن ابنه أبي سهل لبطةَ سفيان بن عُيينةَ.
ومنهم أعينُ بن ضُبيعةَ بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع: هو الولد النوارِ بنت أعين زوج الفرزدق، التي يقول فيها حين طلقها.
ندمتُ نَدامةَ الكُسعي لمَّ غدتْ منى مُطلَّقةً نوارُ
وكانت جنَّتي فخرجتُ منها كآدم حينَ أخرجه منها الِّرارُ
وأعين هو الذى عقر الجمل الذي كانت عليه عائشةُ أم المؤمنين ﵂. قاله ابن عبد البر في " الاستيعاب ". وقال الطبري: عقرَ الجمل بُحير بن
[ ١ / ٣١٢ ]
دُلجة الضَّبيُّ من أهل الكوفة. وكان اسم جمل عائشة " عكر ". وقَتل أعين أهل البصرة: قال الطبري في تاريخه الكبير في خبر يوم الجمل: جاء أعينُ بنُ ضُبيعة المجاشعيُّ حتى اطَّلع في الهودج. فقالت عائشة: إليك لعنك الله. فقال: والله ما أرى إلا حُميراءَ. فقالت: هتَك الله سِترك، وقطع يدك، وأبدى عورتك. فقُتل بالبصرة وصُلب وقُطعت يدهُ، ورُمي به عُريانا في خربة من خرب الأزد.
ومنهم عياضُ بن حمار بن أبي حمار بن ناجية بن عقال: وأبو حمارٍ جد عياض، أخو الفرزدق. سكن عياض البصرة، وروى عنه مُطرِّف ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير والحسن وأبو التيَّاح. وكان صديقًا لرسول الله ﷺ قديما. وكان إذا قدم مكة لا يطوف إلا في ثياب رسول الله ﷺ لأنه كان من الجلَّة الذين لا يطوفون إلا في ثوبِ أحمسي.
ومنهم الأقرع بن حابس بن عقال الذي قال فيه العباس بن مرداس للنبي ﵇ حين قسم غنائم حُنين من أبياتٍ:
أتجعلُ نَهْبى نهبَ العُبي دِ بين عيينة والأقرعِ
وحابسٌ: والد الأقرع، عم صعصعة جد الفرزدق: ومنهم الحُتاتُ بن يزدي ين علقمة بن جُوى بن سفيان بن مجاشع: وكان رسول الله ﷺ آخى بين الحُتات هذا وبين معاوية بن أبي سفيان. فمات الحُتات عند معاوية، وهو خليفةٌ، فورثه بهذه الأُخوَّة. فقال الفرزدق، وهو شاب، لمعاوية:
أبوكَ وعمى يا مُعاويَ أورثا تُراثا فَيحتازُ التُراثَ أقاربهُ
[ ١ / ٣١٣ ]
فما بال ميراثِ الحُتاتِ أكلتَهُ وميراثُ صخرٍ جامدٌ لك ذائبُهْ
ومن بني مجاشع البعيثُ الشاعر: واسمه خداش بن بشير بن أبي خالد بن بيبةَ بن قُرط بن سفيان. والاصبغُ بن نباتة: صاحب علي ﵁.
ومن بني نَهشل بن دارمٍ عبَّادُ بن مسعودٍ: الذي قال فيه الحطيئة:
هضمَّتْ بدارِ ضرارٍ ثمَّ قلتُ لها: لا بل عليكِ بعبادِ بن مسعودِ
عليكِ دارَ رَحيبِ الباعِ ذى شَرفٍ ألقيتْ إليه تميمٌ بالمقاليدِ
ومنهم خازمً بن خُزيمةً النَّهْشليُّ: وهو من صخر بن نَهشل، وكان لأمِّ ولدٍ، ويكنى أبا خُزيمة. وولي خراسان، ثم وليَ عُمانَ، ومات ببغداد فعُزيَ عنه أبو جعفر. وابنه خزيمة بن خازم، يكنى أبا العباس، وولىَ الولايات. وابنه إبراهيم ابن خازم: قتله الوليد بن طريفٍ الشاري.
ومنهم الأسود بن يَعفُر الشاعر: جاهلي. وهو القائل من قصيدة:
ماذا أُؤمِّل بعد آلِ مُحرِّقٍ تركوا منازلهم وبعدَ إيادِ
أرض الخورنق والسديرِ وبارقٍ والقصر ذي الشُّرفاتِ من سِنْدادِ
[ ١ / ٣١٤ ]
نَزلوا بأنْقرةٍ يسيلُ عليهمُ ماءُ الفرات يجيءُ من أطوادِ
أرضٌ تَخيِّرها لطيب مَقيلها كعبُ بنُ مامةَ وابنُ أمِّ دُؤادِ
جَرت الرياحُ على مَحلِّ ديارهمْ فكأنهم كانوا على مِيعادِ
ولقد غَنُوا فيها بأنعمِ عيشةٍ في ظلِّ مُلكٍ ثابتِ الأوتادِ
فإذا النَّعيمُ وكلُّ ما يُلهَى بهِ يومًا يصير إلى بلىً ونَفادِ
وقال رجل من بني نَهشل بن دارم يمدح قومه:
إنَّ نَهشَلٍ لا ندَّعى لأَبٍ عنهُ ولا هوَ بالأبناءِ يَشْرينا
إنْ تُبْتَدرْ غايةٌ يومًا لمكرُمةٍ تلقَ السَّوابقَ منَّ والمُصَلِّينا
وليسَ يَهلِكُ منَّا سيدٌ أبدًا إلا افْتَلَيْنا غُلامًا سيِّدًا فينا
[ ١ / ٣١٥ ]
إنا لَمشن معشرٍ أَفْنى أوائلَهمْ قيلُ الكماةِ: ألا أين المحامونا؟
لو كان في الألف منّا واحدٌ فَدعَوا مَن عاطفٌ؟ خالهُم إياهُ يَعْنونا
إنا لنُرخِصُ يوم الرَّوع أنفسَنا ولو نُسامُ بها في الأمرِ أُغْلينا
إذا الكماةُ تَنحَّوا أن ينالهُمُ حدُّ الطُّباتِ وَصَلْناها بأيدينا
من قال: إنا بنو نهشل، جعل " بنو " خبر " إنَّ ". ومَن قال: " بني "، فإنما جعل الخبر على الاختصاص وهذا مدحٌ. ومثله: " نحن بني ضبة أصحابُ الجملْ ".
ومن بني فُقيم بن دارم أبو غاَضرةَ الفُقميُّ: واسمه عُروة، له صحبة ورواية. حديثه عن النبي ﵇: " دِينُ اللهِ يُسر ".
ومن بني فُقيم أبو سريةَ سُهيلُ بن خَليفةَ بن عبدةَ: سمع قيسَ بن عاصم. روى عنه ابنه عبدُ الملك.
ومنهم الحسنُ بن عَمرو الفُقيميَّ التميمي: روى عنه سفيان الثوري وإبراهيم النخعي. قال: إذا قيل: أنتَ. فقل: لاإله إلا اللهُ.
ومنهم فضيلُ الفقيمي: روى عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كبرٍ ". خرجَّ الحديث مسلم.
[ ١ / ٣١٦ ]
ومنهم أبو العشراء أسامة بن مالك بن قهطم: وهو من التابعين، روى عن أبيه، وروى أبوه عن النبي ﷺ.
ومن بني أبان بن دارم سورة بن أبجر: كان فارسا، وولي خراسان. وذو الخرق بن شريح الشاعر.
ومن بني ثعلبة بن يربوع ثم من بني عرين بن ثعلبة واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بم مالك بن زيد مناة بن تميم: كان حليفا للخطَّاب بن نفيل، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين بشر بن البراء ابن معرور. وهو الذي قتل عمرو بن الحضرمي أخا العلاء في أول يوم من رجب. وكان في البعث الذي بعثه النبي ﷺ إلى نخلة. وأهل السريَّة ثمانية رهط من المهاجرين ولم يكن فيهم من الأنصار أحد، وهم: عبد الله بن جحش الأسديُّ أمير السرية، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة العبشمُّي القريشيُّ، وعكاشة بن محصن الأسديُّ، وعتبة بن غزوان من بني مازن بن منصور أخى سليم بن منصور، وسعد بن أبي وقاص الزهريُّ، وعامر بن ربيعة من عنز ابن وائل، وواقد المذكور، وخالد بن البكير اللَّيثي، وسهيل بن بيضاء الفهري.
وفي واقد قال أبو بكر الصديق الأبيات التي ردَّ فيها على قريش حين استعظموا سفك الدَّم والسَّبي في الشهر الحرام، فيما قال ابن اسحاق. وقال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش.:
تَعدُّونَ قتلًا في الحرام عظيمةً وأعظمُ منهُ لو يَرى الرشدَ راشِدُ
صُدودُكمُ عمّا يقولُ محمدٌ وكفرٌ بهِ واللهُ راءٍ وشاهدُ
وإخراجُكمْ من مسجد اللهِ أهلَهُ لأَنْ لا يُرى في البيتِ للهِ ساجدُ
[ ١ / ٣١٧ ]
فإنَّا وإنْ عَيَّرتُمونا بقتلهِ وأَرجفَ بالإسلامِ باغٍ وحاسدُ
سَقَينا من ابن الحضرميِّ رماحَنا بِنَخلةَ لما أَوقدَ الحربَ واقِدُ
دَمًا وابنُ عبد الله عثمانُ بَينَنا ينازعُهُ غُلٌّ من القِدِّ عانِدُ
شهد واقد بن عبد الله بدرا وأحدا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ. وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب ﵄.
ومن عرين بن ثعلبة ابن الكلحبة الشاعر الشجاع: واسمه جرير بن هبيرة. والكلحبة أمُّه، وهي امرأة من جرم، قاله أبو عبيد. وقال غيره: الكلحبة: السراج. وابن الكلحبة هو القائل من قصيدة:
فقلتُ لكأسٍ: أَلجميها فإنما حللتُ الكثيبَ من زَرودَ لأَفزَعا
يقول: لأغيث. وكأس: اسم جارية، وإنما أمرها بإلجام فرسه ليغيث. والفزع هنا: الاستنجاد والاستصراخ. ومنه قول النبي ﵇ للأنصار: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلُّون عند الطمع ". وقال جرير يهجو بني عرين ابن ثعلبة بن يربوع:
عَرينٌ من عُرينةَ ليس ممَّا بَرِئتُ إلى عُرينةَ من عَرينِ
والنسب إلى " عرين " عريني. وكثير من الناس يقول فيه: عرني. وعرينة من بجيلة، وهو عرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن ياراش. بن عمرو بن الغوث. ومن عرينة النفر الذي أغاروا على لقاح رسول الله ﷺ، وخبرهم صحيح مشهور.
[ ١ / ٣١٨ ]
ومن بني ثعلبة بن يربوع متمِّم بن نويرة: وهو من الصحابة. وأخوه مالك، قتل في الردة في خلافة أبي بكر الصديق، ﵁. وقتل مالكا ضرار بن الأزور الأسديُّ. أمره بذلك خالد بن الوليد. ورثاه متمِّم أخوه بقصائد كثيرة.
قال أبو العباس المبرَّد: حدثني العباس بن الفرج الرِّياشيُّ عن محمد بن عبد الله الأنصاري في إسناد ذكره. قال: صلَّى متمِّم بن نويرة مع أبي بكر الصديق ﵀ الفجر في عقب قتل أخيه. وكان أخوه خرج مع خالد مرجعة من اليمامة، يظهر الإسلام. فظنَّ به خالد غير ذلك، فأمر ضرار بن الأزور الأسدي فقتله. وكان مالك من أرداف الملوك، ومن متقدِّمي فرسان بني يربوع. فلما صلى أبو بكر ﵀ قام متمم بحذائه فاتّكأ على سية قوسه. ثم قال:
نِعمَ القتيلُ إذا الرياحُ تَناوحتْ خلفَ البيوتِ، قَتلتَ يابنَ الأزور
ولَنعمَ حشوُ الدرعِ كنتَ أدابرًا ولنعم مأوى الطارقِ المُتنوِّرِ
أَدَعوتَهُ باللهِ ثم غَدَرتَهُ لوْ هُوْ دَعاكَ بذمَّةٍ لم يَغْدُرِ
وأومأ إلى أبو بكر، فقال: والله ما دعوته ولا غدرته. ثم أتمَّ شعره فقال:
لا يمسِكُ الفحشاءَ تحت ثيابهِ حُلوٌ شمائلُهُ، عفيفُ المِئْزَرِ
ثم اتّكأ وانحطَّ على سية قوسه، وكان أعور دميما. فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب، ﵀ فقال: لوددت أنك رثيت زيدا أخي، بمثل ما رثيت به مالكا أخاك. فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ماعزَّاني أحد عن
[ ١ / ٣١٩ ]
أخي بمثل تعزيتك. ولمتمِّم يرثي أخاه مالكا من قصيدة:
وكنا كندمانَيْ جَذِيمةَ حِقْبةً منَ الدهرِ قيلَ: لن يَتَصدَّعا
فلما تَفرَّقْنا كأنى ومالكًا لطولِ اجتماعٍ لم نَبتْ ليلةً مَعا
فعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ وقَبلنا أصابَ المنايا رَهْطَ كِسرى وتُبَّعا
فإنْ تكنِ الأيامُ فَرَّقْنَ بينَنا فقد بان محمودًا أخى حين ودَّعا
وله يرثيه:
لقد لامَنى عند القبورِ على البُكا خَليلى لِتَذرافِ الدموعِ السَّوافكِ
وقال: أتبكي كلَّ قبرٍ رأيتَهُ لقبرٍ ثَوى بينَ اللَّوى والدَّكادكِ
فقلت له: إنَّ الأسى يبعثُ الأسى فدعْني؛ فهذا كلُّهُ قبرُ مالكِ
وكان مالك بن نويرة من أرداف الملوك. وفي تصديق ذلك يقول جرير من قصيدة يفخر ببني يربوع:
منهمْ عُتيبةُ والمُحِلُّ وقَعنبٌ والحَنْتفانِ ومنهمُ الرِّدفانِ
[ ١ / ٣٢٠ ]
فأحد الردفين مالك بن نويرة اليربوعي، والردف الآخر من بني رياح بن يربوع. وهو عتَّاب بن هرمي بن رياح وبنوه من بعده.
وللرِّدافة موضعان، أحدهما أن يردفه الملك على دابَّته في صيد أو نزهة أو ما أشبه ذلك من مواضع الأنس. والوجه الآخر أنبل، وهو أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم، فينظر بين الناس بعده. وفيه جرى المثل: " فتى ولا كمالك " ذكر ذلك علُّي بن سليمان الأخفش وغيره.
ومن بني ثعلبة بن يربوع عتيبة بن الحرث بن شهاب: وهو جاهلي، وكان يقال له: صيَّاد الفوارس لشجاعته، والمحلُّ بن قدامة، وقعنب بن عصمة، والحنتف والحرث ابنا أوس، وهما الحنتفان.
ومن بني كليب بن يربوع جرير بن عطيَّة الخطفي: واسم الخطفي حذيفة ابن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وكان من فحولة شعراء الإسلام. ويكنى أبا حزرة بابنته. وأمُّها خالدة بنت سعيد بن أوس بن معاوية من بني كليب بن يربوع، وهي أمُّ حزرة. ولما توفيت رثاها في أول قصيدة مشهورة له طويلة، وناقض الفرزدق في بقيِّتها. وتخيَّرت من الرثاء ما يستحسن، وهو:
لولا الحياءُ لهاجني استِعْبارُ ولزرتُ قبرَكِ والحبيبُ يزارُ
فسَقى صدى جَدَثٍ ببُرقةَ ضاحكٌ هَزِمٌ أَجَشُّ ودِيمةٌ مِدْرارُ
صلى الملائكةُ الذينَ تُخُيِّروا والصالحونَ عليك والأبرارُ
[ ١ / ٣٢١ ]
نِعمَ القرينُ كُسيتِ أجملَ منظرٍ ومع الجمالِ سكينةٌ ووقارُ
كانت مُكارِمَةَ العشيرةِ ولم يكنْ يَخْشى غوائلَ أمِّ حَزرةَ جارُ
والريحُ طيبةٌ إذا استعرضتُها والعِرضُ لا دنسٌ ولا خَوَّارُ
كانت إذا هجرَ الحَليلُ فراشَها خُزِنَ الحديثُ وعفَّتِ الأَسرارُ
وَلَّهتِ قَلبيَ إذْ عَلتْني كَبرةٌ وذَوو التمائمِ من بنيكِ صِغارُ
لا يَلبثُ القُرَناءُ أن يَتَفرَّقوا ليلٌ يَكُرُّ عليهمُ ونَهارُ
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: أول امرأة تزوجها جرير خالدة، وهي أمُّ حزرة، وزكرياء، والصُّنابح، والتِّيجان. ولها من البنات: مفدَّاة، وأمُّ غيلان، وأمُّ غالب، وكرامة. ثم تزوَّج بعدها أمامة بنت عمرو بن حرام الكليبيَّة، فولدت له: عكرمة، وموسى، وموفية، وجدلة، وريداء، وجعادة. ثم تزوَّج بعدها أمُّ حكيم، فولدت له: بلالا، ونوحا، وأمُّ سعد. فنبه من ولده جميعا بلال ونوح.
قال المؤلف، وفَّقه الله: أمُّ حكيم من العجم، من أهل الرَّي. وهبها له الحجاج. ثم تزوَّجها بعد، كما قال عمارة بن عقيل، وهي جدَّة أبيه. وذكر أن جريرا في أول دخوله العراق دخل على الحكم بن أبي أيوب بن أبي عقيل الثقفيِّ. وهو ابن عمِّ الحجاج وعامله على البصرة. وفي ذلك يقول جرير:
[ ١ / ٣٢٢ ]
أَقبلْنَ من ثَهْلانَ أو وادي خِيَمْ
على قِلاصٍ مثلِ خيطانِ السَّلَمْ
إذا قَطعْنا علمًا بعدَ عَلَمْ
حتى أَنَخْناها إلى بابِ الحَكمْ
خليفةِ الحجاجِ غيرِ المتَّهمْ
في ضئضئِ المجدِ وبحبوحِ الكرمْ
فكتب إليه الحكم بعد أن باطنه الحجاج في ذلك، وذلك في أول سنيه، إنه قدم عليَّ أعرابيٌّ باقعة لم أر مثله. فكتب إليه أن يحمله معه سنة. هذا على قول من قال: ولد عام الهجرة. ويقال: أتي به النبي ﵇، ودعا له. وكان له فقه وعلم. وكان على خاتم عبد الملك بن مروان. وقال الشعبيُّ: كان قبيصة من أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت.
ومن بني حزام بن عمرو بن حبشية بن سلول بن كعب سليمان بن صرد ابن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم، يكنى أبا مطرِّف. كان خيِّرا فاضلا، له دين وعبادة. كان اسمه في الجاهلية يسارا، فسمَّاه رسول الله ﷺ، حين أسلم، سليمان. سكن الكوفة وابتنى بها دارا في خزاعة، وكان نزوله بها في أول ما نزلها المسلمون. وكانت له سن عالية وشرف في قومه وشهد مع عليّ صفين. وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي ﵉، يسأله القدوم إلى الكوفة. فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل الحسين ندم هو والمسيَّب بن الفزاريُّ وجميع من حوله، إذ لم يقاتلوا معه. ثم قالوا: مالنا توبة ممَّا فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه. فخرجوا، فعسكروا بالنخيلة، وذلك في مستهلِّ ربيع الآخر سنة خمس وستين، وولَّوا أمرهم سليمان
[ ١ / ٣٢٣ ]
ابن صرد، وسمَّوه أمير التَّوَّابين. ثم ساروا إلى عبيد الله بن زياد، فلقوا مقدِّمته في أربعة آلاف، عليها شرحبيل بن ذي الكلاع. فاقتتلوا فقتل سليمان بن صرد والمسيَّب بن نجبة بموضع يقال له عين الوردة. وحمل رأسه ورأس المسيَّب بن نجبة إلى مروان بن الحكم أدهم بن محرز الباهليُّ. وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة. وهو من المقلِّين في الرِّواية عن النبي ﵇.
وممَّا روى عنه ما حدَّث به أبو بكر بن أبي شيبة: نا حفص بن غياث عن الأعمش، عن عديِّ بن ثابت، عن سليمان بن صرد أن رجلين تلاحيا، فاشتدَّ غضب أحدهما فقال النبيُّ ﵇: " إني لأَعرف كلمة لو قالها سكن غضبه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
ومنهم أكثم بن الجون أبي الجون بن منفذ عم سليمان بن صرد: أكثم وصرد أخوان. وهو الذي شبَّهه رسول الله ﷺ بعمرو بن لحيٍّ في حديث أبي هريرة المتقدِّم. وروي عن أكثم قال: قال لي رسول الله ﷺ: " اغز مع قومك تحسن خلفك وتكرم على رفقائك " وقد روي في الحديث: " اغز مع عيرِ قومك ".
ومنهم أمُّ معبد: واسمها عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بنت عم أكثم ابن الجوان. ويقال: هي عاتكة بنت خالد بن خليف. وقال ابن هشام: أمُّ معبد بنت كعب امرأة من بني كعب من خزاعة. ونسبها الأول أشهر وأعرف. وهي التي نزل عليها رسول الله ﷺ في خيمتها حين خرج من مكة إلى المدينة مهاجرا، وذلك الموضع يدعى اليوم بخيمة أمُّ معبد.
وروى حديث نزول النبيِّ في خيمتها أبو عبيد القاسم بن سلاَّم، وشرح أبو عبيد غريبه، ورواه أيضا أبو جعفر العقيلي بسنده عن أخيها حبيش بن خالد صاحب النبي ﷺ، ورواه قاسم بن اصبغ أبو محمد البيَّانيُّ في رحلته إلى المشرق بقديد بسند آخره حبيش بن خالد. ورواية ابن وضَّاح له بالمشرق. وروى الحديث أيضا زوجها أبو معبد بمعنى حديث أخيها. والألفاظ متقاربة.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وأبو معبد هذا مذكور في الصحابة، وتوفي قبل موت النبي ﵇. وكان يسكن قديدا، قاله البخاري وغيره. وفي نزول النبي ﷺ على أمِّ معبد أصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه:
جزى اللهُ ربُّ الناس خيرَ جَزائهِ رَفيقَينِ حلاَّ خَيمتَيْ أمِّ مَعْبدِ
هُما نَزلاها بالهُدى واهتدتْ بهِ فقدْ فازَ مَن أَمسى رفيقَ مُحمدِ
فيا لَقُصيٍّ مازَوى اللهُ عنكمُ بهِ من فَعَالٍ لا تُجارَى وسُؤدَدِ
لِيَهنِئْ بني كعبٍ مَقامُ فتاتِهِمْ ومَقْعدُها للمؤمنينَ بِمَرصَدِ
سَلُوا أُختَكُمْ عن شاتِها وإنائِها فإنكمُ إنْ تَسأَلوا الشاةَ تَشْهدِ
فلما بلغ حسان بن ثابت الأنصاريَّ، جعل يجاوب الهاتف، وهو يقول:
لقد خابَ قومٌ غابَ عنهم نَبيُّهمْ وقُدِّسَ مَن يَسْرى إليهم ويَغْتدى
تَرحَّلَ عن قَومٍ فَضلَّتْ عقولُهم وحلَّ على قَومٍ بنُورٍ مُجدَّدِ
[ ١ / ٣٢٥ ]
هَداهُمْ بهِ بعد الضَّلالةِ ربُّهمْ وأرشدهم، مَن يَتْبعِ الحقَّ يُرْشَدِ
لقد نَزلتْ منهُ على أَهلِ يَثربٍ رِكابُ هُدىً حلَّتْ عليهم بأَسْعُدِ
نَبيٌّ يرى مالا يَرى الناسُ حَولَهُ ويَتْلو كتابَ الله في كلِّ مسجدِ
لِيَهْنئ أبا بكرٍ سَعادةُ جَدِّهِ بِصُحبتهِ مَن يُسْعِدِ اللهُ يُسْعَدِ
ومن بني ضاطر بن حبشيَّة بن سلول بن كعب طلحة بن عبيد الله بن كريز من التابعين. روي عنه الحديث؛ روى عنه مالك في " جامع الحج " من الوطأ حديثين؛ أحدهما عن إبراهيم بن أبي علبة، عن طلحة. والثاني عن زياد ابن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي عنه. وذكر مالك حديث زياد عن طلحة في الدُّعاء من آخر " كتاب الصلاة "، كما ذكره في " جامع الحج " بلفظه سواء.
ومنهم قرة بن إياس الشاعر: وكان ابنه يحيى بن قرة سيد قومه. وابن الحدَّادية الشاعر: واسمه قيس بن عمرو.
وأمَّا حليل بن حبشية: فكانت ابنته حبَّى عند قصي بن كلاب. وهي أمُّ بنيه. وابنه المحترش بن حليل: باع مفتاح الكعبة من قصي بن كلاب. وهلال بن حليل.
ومن بني حليل كرز بن علقمة: وهو الذي قفَّى أثر النبي ﵇ حين دخل الغار، وهو أعاد معالم الحرم في زمان معاوية إلى اليوم.
ومن بني كعب غير منسوب إلى بطن أبو شريح الكعبيُّ: واسمه خويلد
[ ١ / ٣٢٦ ]
ابن عمرو بن صخر العزَّي. ورويت له أسماء، وأصحُّها خويلد بن عمرو. وأسلم قبل الفتح. وكان بيده أحد ألوية بني كعب من خزاعة يوم فتح مكة، وعداده من أهل الحجاز.
روى عنه عطاء بن يزيد الليثيُّ، وأبو سعيد المقبري، وسفيان بن أبي العوجاء. وقال الواقديُّ: كان أبو شريح الخزاعيُّ من عقلاء أهل المدينة. وروى أبو سعيد المقبريُّ عن أبى شريح الخزاعيِّ قال: لمَّا قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جئته فقلت له: ياهذا، إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة. فلما كان الغد من الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه، وهو مشرك. فقام فينا رسول الله ﷺ خطيبا فقال:
" يأيها الناس، إن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلي، ولا تحلُّ لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلا غضبا على أهلها، إلا ثمَّ قد رجعت كحرمتها بالأمس. فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم إن رسول الله ﷺ قاتل فيها فقولوا إنَّ الله قد أحلَّها لرسوله، ولم يحللها لكم يامعشر خزاعة. ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل إن نفع. لقد قتلتم قتيلا لأدينَّه. فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين؛ إن شاؤوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله ".
ثم ودا رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي قتله خزاعة. فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك. إنها لا تمنع سافك دم، ولا مانع جزية. قال أبو شريح: إني كنت شاهدا وكنت غائبا. وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدنا غائبنا. وقد أبلغتك فأنت وشأنك.
ومن بني كعب عمرو بن الحمق بن كاهن بن حبيب: هاجر إلى النبيِّ ﵇ بعد الحديبية وقيل: أسلم عام حجة الوداع، والأول أصحُّ. وصحب
[ ١ / ٣٢٧ ]
النبيَّ ﵇، وحفظ عنه أحاديث. وسكن الشام، ثم انتقل إلى الكوفة فسكنها.
روى عنه جبير بن نفير ورفاعة بن شداد وغيرهما. وكان ممَّن سار إلى عثمان، هو أحد الأربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا. ثم صار من شيعة علي ﵀، وشهد معه مشاهده كلَّها: الجمل وصفين والنهروان. وأعان حجر ابن عدي، ثم هرب من زياد إلى الموصل، ودخل غارا، فنهشته حية فقتلته. فبعث إلى الغار في طلبه فوجد ميِّتا. فأخذ عامل الموصل رأسه، وحمله إلى زياد. فبعث به زياد إلى معاوية. وكان أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد وكانت وفاة عمرو بن الحمق سنة خمسين.
ومن بني كعب مطرود بن كعب الخزاعيُّ: الذي رثى بني عبد مناف: هاشما والمطَّلب وعبد شمس ونوفلا بالقصيدة الطويلة التائيَّة المسطورة في السِّير. ومن قوله يبكِّي عبد المطلب وبني عبد مناف، وأحسن:
يأيُّها الرجلُ المحوِّلُ رَحلَهُ هّلاَّ سألتَ عن آلِ عبدِ مَنافِ
هَبَلتْكَ أمُّك لو حَللتَ بدارهمْ ضَمِنوكَ من جُرمٍ ومِن إقْرافِ
المُنْعمِينَ إذا النجومُ تَغيَّرتْ والظاعنينَ لرِحلةِ الإيلافِ
والمُطْعِمينَ إذا الرِّياحُ تناوَحتْ حتى تَغيبَ الشمسُ في الرَّجَّافِ
[ ١ / ٣٢٨ ]
إمَّا هَلكْتَ أبا الفَعال فما جَرى من فَوقِ مِثْلِكَ عقدُ ذاتِ نِطافِ
إلا أَبيكَ أخي المكارمِ وحدَهُ والفَيضِ مُطّلب أبي الأضيافِ
ومنهم الحصين بن نضلة: كان سيد أهل تهامة، ومات قبل الإسلام. والحرث بن أسد: صحب النبيَّ ﵇.
ومن بني مليح بن عمرو بن لحي عمرو بن سالم بن كلثوم: حجازي، روى حديثه المكيّون حيث خرج مستنصرا من مكة إلى المدينة، حتى وقف على رسول الله ﷺ في المسجد، فأنشده رجزا أوله:
لا هُمَّ إنى ناشدٌ مُحمَّدا حلف أبينا وأبيهِ الأَ تْلدا
إنَّ قريشًا أخلفتْك الموعدا ونَقَضوا ميثاقَك المؤكَّدا
وجعلوا لي في كَداءٍ رَصدا وزَعَموا أنْ لستَ تَدعو أحدا
وهمْ أَذلُّ وأقلُّ عَدَدا همْ بَيَّتونا بالوتيرِ هُجَّدا
وقَتَلونا ركَّعًا وسُجَّدا ووالدًا كنّا وكنتَ الوَلَدا
ثُمَّتَ أَسلمْنا ولم نَنْزعْ يدا فانصرْ هداك اللهُ نَصرًا أَيِّدا
[ ١ / ٣٢٩ ]
فقال رسول الله ﷺ: " نصرت ياعمرو بن سالم ". وروي أنه قال: " لا نصرني الله إن لم أنصركم ". وقد روي من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب بالأسياف ". ثم تجهَّز رسول الله ﵇ لفتح مكة ناصرا لخزاعة كما جاء في السِّير وكتب المغازي.
ومنهم عبد الله بن خلف: وكان كاتبا لعمر بن الخطاب على ديوان الكوفة والبصرة، وقتل مع عائشة يوم الجمل. وأخوه سليمان بن خلف: كان مع علي ﵇ يوم الجمل فقتل. وابنه طلحة بن عبد الله بن خلف: الذي يقال له " طلحة الطلحات ". كان أجود العرب في الإسلام. وولي سجستان ومات بها. وفيه يقول عبد الله بن قيس الرقيَّات:
رحم اللهُ أَعظمُنًا دَفَنوها بسجَستانَ طَلحة الطَّلَحاتِ
وحميد الطويل: الذي يروي عب أنس مولاه. وقال ابن قتيبة في " المعارف ": حميد الطويل هو حميد بن طرخان، مولى طلحة الطَّلحات الخزاعيِّ، ويكنى أبا عبيد. ومات سنة اثنين وأربعين ومئة. وقال مسلم في " الكنى " له: أبو عبيدة حميد بن تيرويه الطويل سمع أنس بن مالك والحسن. روى عنه حمَّاد بن سلمة وابن المبارك.
قال المؤلف عفا الله عنه: وهو من شيوخ مالك. وقال ابن قتيبة: رزين جدُّ طاهر ذي اليمينين مولى عبد الله بن خلف.
ومنهم كثيِّر عزَّة الشاعر: وهو كثيِّر بن عبد الرحمن. وبنو مليح من خزاعة ينتسبون إلى الصَّلت بن النَّضر بن كنانة. فلذلك قال كثيّر:
[ ١ / ٣٣٠ ]
اْليس أني بالصَّلتِ أم ليس إخوتي بكلِّ هِجانٍ من بني النَّضر أَزْهَرا
وقد مضى الشعر الذي هذا البيت منه، وتفسير من ذكر كثيِّر فيه قبل عند ذكر النَّضر بن كنانة وولده. وكانن كثيِّر حسن الشعر، ذا أنفة وكبر، وكان ضئيلا. ويروي أن كثيرا دخل الملك بن مروان ﵀ فقال: أأنت كثيِّر؟ قال: نعم. قال: " أن تسمع بالمعيديِّ خير من أن تراه ". قال: يا أمير المؤمنين، كلٌّ عند محلِّه رحب الفناء، شامخ البناء، عالي السَّناء. ثم أنشأ يقول:
ترى الرجلَ النحيف فتّزْدَريه وفي أثوابهِ أسدٌ هَصورُ
ويُعجبُك الطَّريرُ إذا تراهُ فيُخلفُ ظنُّك الرجلُ الطَّريرُ
بغاثُ الطيرِ أطولُها رقابًا ولم تَطُلِ البُزاةُ ولا الصُّقورُ
خَشاشُ الطَّير أكثرُها فراخًا وأمُّ الصقر مِقْلاةٌ نَزورُ
ضعافُ الأُسْد أكثرُها زَئيرًا وأَصرمُها اللواتي لا تَزيرُ
وقد عظمُ البعيرُ بغيرِ لبٍّ فلم يَسْتغنِ بالعِظَم البعيرُ
يُنَوَّخُ ثم يُضرب بالهراوي فلا عُرفٌ لديهِ ولا نَكيرُ
[ ١ / ٣٣١ ]
يُقوِّدُهُ الصَّبيُّ بكل أرضٍ وينْحرهُ على التُرْب الصغيرُ
فما عِظَمُ الرِّجالِ لهم بزينٍ ولكنْ زينُهمْ كرَمٌ وخِيرُ
وكان كثير يشبِّب بعزَّة كثيرا. وهو القائل فيها من قصيدة:
هنيئًا مريئًا غيرَ داءٍ مُخامِرٍ لعزَّةَ من أَعراضِنا ما استحلَّتِ
ومنها:
وكنتُ كذي رِجلينِ؛ رجلٍ صحيحةٍ ورِجلٍ رمى فيها الزمانُ فشَلَّتِ
ورأته عزَّة في طريق، وهي في هودجها، وهو راكب جملا، وكانت مهاجرة له. فلما التقيا أومأت إلى الجمل بيدها وقالت: حياك الله ياجمل. فقال كثير:
حيَّتك عزةُ بعد الهجرِ وانصرفتْ فحيِّ مَن حيَّاكَ ياجَملُ
ليتَ التحيةَ كانتْ لي فأشكرَها مكانَ يا جملًا حيِّيتَ يا رَجلُ
ومن بني عدي بن عمرو بن لحي بديل بن ورقاء: وبنوه: نافع وعبد الله وعبد الرحمن وسلمة. وكلُّهم لهم صحبة. وكان بديل سيد خزاعة. وقتل ابنه نافع يوم بئر معونة، وقال فيه عبد الله بن رواحة:
رحمَ اللهُ نافعَ بن بُديلٍ رحمةَ المُبْتغي ثوابَ الجهادِ
[ ١ / ٣٣٢ ]
صابرٌ صادقُ اللقاءِ إذا ما أكثرَ القَومُ قال قَولَ السَّدادِ
قال ابن الكلبي: عبد الله وعبد الرحمن، ابنا بديل، كانا رسولي رسول الله ﷺ إلى اليمن، وشهدا جميعا صفين مع علي. وقال الطبريُّ وغيره: أسلم عبد الله يوم الفتح، وشهد حنينا والطائف وتبوك. وكان له قدر وجلالة. قتل هو وأخوه عبد الرحمن بصفين، وكان يومئذ على رجَّالة علي ﵁. وقال الشعبيُّ: كان عبد الله بن بديل في صفين عليه درعان وسيفان، وكان يضرب أهل الشام ويقول:
لم يبقَ إلا الصَّبرُ والتوكُّلْ
ثم التمشيِّ في الرَّعيل الأوَّلْ
مشيَ الجمالِ في حياضِ المنهلْ
واللهُ يَقضي مايَشا ويَفعَلْ
وأسلم بديل بمرِّ الظَّهران ليلة الفتح. روت عنه حبيبة بنت شيرين جدة عيسى بن مسعود بن الجكم الزُّرقي. روى عنه أيضا ابنه سلمة بن بديل أن النبيَّ ﷺ كتب له كتابا. وذكر البخاري عن سعيد بن يحيى ابن سعيد الأموي عن أبيه، عن ابن اسحاق قال: حدثني إبراهيم بن أبي عبلة عن ابن بديل بن ورقاء عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمر بلالا أن يحبس السَّبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه ففعل.
ومن بني عدي الحيسمان بن عبد عمرو: الذي جاء بقتل أهل بدر إلى مكة، وأسلم بعد ذلك. وقيل: الحيسمان بنﷺ يومئذ ثلاث مرات في أول الناس، وفي وسطهم وفي آخرهم، أمره بذلك رسول الله ﷺ، وكان شجاعا راميا محسنا وصنع في غزوة ذي قرد مالا يصنعه
[ ١ / ٣٣٣ ]
جيش برميه. واستنقذ اللِّقاح وحده، وأعطاه رسول الله ﷺ ممَّا طرح الفزاريون وتركوا خوفا من رميه سهمين؛ سهم الراجل وسهم الفارس، جمعهما له. وقال فيه ﷺ في تلك الغزاة: " كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجَّالتنا سلمة ".
وأردفه رسول الله ﷺ وراءه على ناقته العضباء حين رجع إلى المدينة من اتِّباع الفزاريين ذكر هذا كلَّه مسلم في صحيحه. روى عنه جماعة من تابعي أهل المدينة، وكان خيِّرا فاضلا. قال ابن اسحاق: سمعت أن سلمة بن الأكوع: هو الذي كلَّمه الذَّئب. قال سلمة: رأيت الذئب قد أخذ ظبيا فطلبته حتى نزعته منه. فقال: ويحك، مالي ولك؟ عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك تنتزعه مني. فقلت: أيا هذا لعجب! ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من هذا أن النبي ﷺ في أصول النَّحل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلا عبادة الأوثان. قال: فلحقت برسول الله ﷺ، فأسلمت، والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن اسحاق: وفيما تزعم طيئ أن رافع بن عميرة الطائيَّ هو الذي كلَّمه الذئب، وهو في ضأن له يرعاها. وكان لصا في الجاهلية، فدعاه الذئب إلى اللحوق برسول الله ﷺ. ولطيئ شعر في ذلك، زعموا أن رافع بن عميرة قاله في كلام الذئب إياه وهو:
رَعَيتُ الضَّأنَ أَحميها بكلبي من الضَّبَّ الخّفِيِّ وكلِّ ذِيبِ
سَعيتُ إليهِ قد شمَّرتُ ثَوبي على الساقَينِ قاعِدةَ الرَّكيبِ
فألفيتُ النبيَّ يقولُ قَولًا صَدوقًا ليسَ بالقَولِ الكَذوبِ
[ ١ / ٣٣٤ ]
فبشَّرني بدِينِ الحقِّ حتى تَبيَّنَتِ الشَّريتةُ للمُنِيبِ
وأَبصرتُ الضِّياءَ يضئُ حَولي أمامي إنْ سَعَيتُ ومِن جَنوبي
ولرافع خبر في صحبته أبا بكر الصدِّيق في غزوة ذات السلاسل. وكانت وفاة رافع هذا سنة ثلاث وعشرين. روى عنه طارق بن شهاب والشعبي. وروي أنَّ رافع بن عميرة قطع ما بين الكوفة ودمشق في خمس ليال بخالد بن الوليد بمعرفته بالمفاوز. وقال الواقدي: مكلِّم الذئب أهبان بن أوس الأسلميُّ: وأسلم أهبان، ويكنى أبا عقبة، وكان من أصحاب الشجرة في الحديبية. ابتنى دارا بالكوفة في أسلم، ومات بها في صدر أيام معاوية والمغيرة بن شعبة يومئذ أمير لمعاوية عليها. وقال ابن قتيبة في " المعارف ": أهبان بن الأكوع أخو سلمة ابن الأكوع مكلِّم الذئب. وغلط ابن قتيبة في ذلك، وأصاب الواقدي.
وعمِّر سلمة بن الأكوع عمرا طويلا. روى عنه ابنه إياس بن الأكوع ومولاه يزيد بن أبي عبيد. وروى عنه يزيد بن خصيفة. وقال يزيد بن أبي عبيد: قلت لسلمة بن الأكوع: على أيِّ شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت.
قال يزيد: وسمعت سلمة بن الأكوع يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، وخرجت فيما بعث البعوث سبع غزوات. وقال عنه ابنه إياس: ما كذب أبي قطُّ. وروى إياس بن سلمة عن أبيه قال: بينا نحن قائلون نادى مناد: يأيها الناس، البيعة البيعة، فثرنا إلى رسول الله ﷺ، وهو تحت شجرة، فبايعناه. فذلك قوله تعالى:) لقد رضيّ اللهُ عنِ المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرةِ (
وتوفي سلمة بالمدينة سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، وهو معدود في أهلها. وتوفي ابنه إياس بن سلمة، ويكنى أبا بكر سنة عشرة ومئة
[ ١ / ٣٣٥ ]
بالمدينة، وهو ابن سبع وسبعين سنة.
وعمُّ سلمة عامر بن الأكوع: استشهد يوم خيبر، رجع عليه سيفه حين قاتل " مرحبا اليهوديَّ "، فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه. وفي الحديث طول، وفي تفضيل عامر بالشهادة قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. قال: فأتيت النبيَّ ﷺ، وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، بطل عمل عامر. قال رسول الله ﷺ: " من قال ذلك؟ ". قال قلت: ناس من أصحابك. قال: " كذب من قال ذلك، بل له أجره مرَّتين ". وفي حديث آخر: " كذب من قاله، إن له لأجرين ". وجمع بين أصبعيه: " إنه لجاهد مجاهد. قلَّ عربيٌّ مشى بها مثله " وفي حديث آخر: " كذبوا، مات جاهدا مجاهدا، فله أجره مرتين "، وأشار بأصبعيه. وهذه الأحاديث في صحيح مسلم.
ومنهم حمزة بن عمرو الأسلميُّ: وهو من الصحابة الذين سألوه وسمعوا منه. مسلم: حدَّثنا قتيبة سعيد: نا ليث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: سأل حمزة بن عمرو الأسلميُّ رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر فقال: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر ". وروى مالك هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، ولم يذكر عائشة ﵂. ويكنى حمزة هذا أبا صالح، وقيل: يكنى أبا محمد. وهو حجازي، روى عنه أهل المدينة. وروى عن حمزة ابنه محمد، وروى عن محمد بن حمزة أبو الزناد.
ومنهم هزَّال بن ذباب بن يزيد بن كليب رأى النبيُّ ﵇ فخذه مكشوفة، فقال: " غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة ".
ومنهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي: واسم أبي حدرة سلامة بن عمير. وقيل: عبد بن عمير، من ولد هوازن بن أسلم بن أفضي. وهو وأبوه من الصحابة، وصحبة عبد الله معروفة مشهورة. وذكره ابن أبي خيثمة وغيره فيمن روى عن النبي ﷺ. وذكره مسلم في " كتاب طبقات الفقهاء " في أهل المدينة من الصحابة.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وأول مشاهد عبد الله بن أبي حدرد الحديبية ثم خبير وما بعدها. ومما روى ما ذكر ابن الجارود في المنتقي فقال: نا أبو سعيد الأشجُّ قال: نا المحاربيُّ قال: نا محمد بن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن أبى حدرد الأسلميِّ عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، وفي تلك السرية أبو قتادة الأنصاريُّ ومحلِّم بن جثامة بن قيس، وأنا فيهم. بينا نحن إذ مرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيُّ، فسلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه. ثم حمل عليه محلِّم بن جثامة فقتله، وسلبه بعيرا له ووطبا من لبن كان معه. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ نزل فينا القرآن:) يأيها الذين آمنوا إذا ضَربتم في سبيل الله فتَثَبَّتوا (إلى آخر الآية.
قال المؤلف، وفَّقه الله: جاء نصُّ الكلمة من الآية في هذا الحديث) فتثبتوا (من التثبُّت، على قراءة حمزة والكسائي. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم) فتبيَّنوا (من التبيُّن.
وقال غفر الله له: أبو سعيد الأشجُّ الذي روى عنه ابن الجارود هذا الحديث هو عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا سعيد، خرَّج عنه البخاريُّ ومسلم والتِّرمذيُّ. روى عن عقبة بن خالد وعبد الله بن ادريس وعبد السلام بن حرب. وقال مسلم في " الكنى ": أبو الأشجُّ الكنديُّ سمع أبا خالد الأحمر وعبد بنسليمان. وقال النسائيُّ: هو صدوق. وقال أبو حاتم: كوفيٌّ ثقة صدوق.
وكانت وفاة عبد الله بن أبي حدرد سنة إحدى وسبعين، وهو يومئذ ابن إحدى وثمانين سنة، قال ذلك الواقدي.
ومنهم ناجيةُ بن جندَب بن عمير بن يعمر بن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن أسلم بن أفصى. وهو معدود في أهل المدينة. قال ابن عفير: ناجية كان اسمه ذكوان، فسمَّاه رسول الله ﷺ ناجية، إذ جنا من قريش. وقال ابن اسحاق: هو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه
[ ١ / ٣٣٧ ]
وسلم، وهو الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ يوم الحديبية. وزعم لي بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت في البير بسهم رسول الله ﷺ، فالله أعلم أيّ ذلك كان.
قال: وزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يميح على الناس. فقلت:
يا أيّها المائحُ دَلْوي دونَكا إني رأيتُ الناسَ يَحْمدونَكا
يُثْنون خيرًا ويُمجِّدونكا
وقال ناجية، وهو في القليب يميح على الناس:
قد عَلمتْ جاريةٌ يمانِيَة
أَني أنا المائحُ واسمى ناجِيَةْ
وروى عن ناجية عروة بن الزبير أنه سأل رسول الله ﷺ: كيف أصنع بما عطب من الهذي؟ الحديث نحو حديث ذؤيب أبي قبيصة الخزاعيِّ المتقدِّم.
ومن بني ملكان بن أفصى، ثم من بني غبشان بن سليم بن ملكان ذو الشِّماليْنِ عُبيدُ بن عبد عمرو بن نضلة؛ شهد بدرا، وكان حليفا لبني زهرة.
ومنهم نافع بن عبد الحرث بن حمالة بن عمير الخزاعيُّ: له صحبة ورواية. استعمله عمر بن الخطاب على مكة ثم عزله لمَّا استخلف مولاه عبد الرحمن بن
[ ١ / ٣٣٨ ]
أبزي بدلا منه، وصار إلى ذكرت قصته مع عمر مستوفاة قبل هذا عند ذكر فهر بن مالك، فلذلك اقتضبتها هنا.
ومنهم الحرثُ بن الطُلاطلة بن عمرو بن الحرث بن عبد عمرو بن ملكان ابن أفصى: وكان أحد المستهزئين الذين كفيهم النبي ﵇ اشار جبريل ﵇ إلى رأسه فامتخض قيحا فقتله.
ومن بني مالك بن أفصى هند وأسماء، ابنا حارثة بن هند بن عبد الله بن غياث بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. وكنية أسماء منهما أبو محمد. وهما من أهل الصُّفُّة. قال أبو هريرة: ما كنت أرى أن أسماء وهندا، ابني حارثة، إلا خادمين لرسول الله ﷺ من طول ملازمتهما بابه وخدمتهما إياه.
وشهد هند وأسماء بيعة الرضوان مع إخوة لهما ستة، وهم: خراش، وذؤيب، وفضالة، ومالك، وحمران. ولم يشهدا إخوة في عددهم غيرهم. ولزم منهم النبيَّ ﷺ اثنان: أسماء وهند. ومات هند بن حارث بالمدينة في خلافة معاوية، وابنه يحيى بن هند روى عنه عبد الرحمن بن حرملة الأسلميُّ.
ومنهم سليمان بن كثير: من نقباء بني العباس، قتله أبو مسلم بخرسان.
ومن أسلم نيارُ بن مُكرم الأسلميُّ: ورواية. وهو أحد الذين دفنوا عثمان. روى عنه ابنه عبد الله بن نيار، وروى ابنه أيضا عن عروة بن الزبير عن عائشة حديث الرجل الذي أدرك النبيَّ ﷺ بحرة الوبرة حين خرج إلى بدر. خرَّج الحديث مسلم عن زهير بن حرب عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، وعن أبي الطاهر بن السَّرح، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن الفضيل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بن دينار. ولم يرو عن مالك هذا الحديث في الموطأ يحيى بن يحيى الأندلسيُّ، ورواه عنه فيه معن بن عيسى وشهيد بن عفيد وعبد الله بن يوسف خاصة دون غيرهم.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ومنهم أبو صالح حمزة بن مالك بن حمزة بن سفيان بن فروة الأسلميُّ روى عنه أبي، وسمع منه بالمدينة وكنت معه بها فلم يقص لي السماع منه روى عن عمه سفيان.