أوجب سياقها ذكر أمِّ المؤمنين عائشة وابن أختها عبد الله بن الزبير. الطبري: عن عيسى بن حِطَّان قال: حاص الناسحيصة يعني يوم الجمل ثم رجعنا وعائشة على جمل أحمر في هودج أحمر ما شبَّهته إلا القُنفذ من النَّبل. وحدَّث ابن عون عن أبي رجاء قال: ذكروا يوم الجمل فقال: كأني أنظر إلى خدر عائشة كأنه قُنفُذ مما رُمي فيه من النَّبل فقلت لأبي رجاء: قاتلت يومئذ؟ قال والله لقد رميت بأسهم ما أدري ما صنعن.
وانتهى محمد بن أبي بكر إلى الهودج ومعه عمار، وقطعا الأنساع عن الهودج واحتملاه. فلما وضعاه أدخل محمد يده وقال: أخوك محمد. فقالت: مُذمَّم. قال: يا أُخيَّةُ، هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت من ذاك. قال: فمن إذا الضُّلاَّل؟ قالت: بل الهُداةُ.
وانتهى إليها علي فقال: كيف أنت أي أمَّه؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لكِ. قالت: ولكَ.
وخرج محمد بعائشة حتى أدخلها البصرة فأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخُزاعِّي على صفية بنة الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العُزَّي بن عثمان بن عبد الدار بن قُصي. وأبوها الحارث قُتل يوم أحد كافرا. قتله قُزمان،
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وهو أخو عثمان بن طلحة الذي دفع إليه النبيُّ ﵇ مفتاح الكعبة في فتح مكة.
وصفية هي أمَّ طلحة الطَّلحات بن عبد الله بن خلف، وهو الجوادُ الذي رثاه ابن قيس الرُّقَيَّات، وقد تقدَّم ذكره وذكر أبيه وعمِّ سليمان في بني مُليح من خُزاعة.
وكان قتلى الجمل حول الجمل؛ نصفُهم من أصحاب عليٍّ ونصفهم من أصحاب عائشة: من الأزد ألفان ومن سائر اليمن خمسمئة، ومن مضر ألفان: خمسمئة من قيس وخمسمئة من تميم وألف من بني ضبَّة، وخمسمئة من بكر بن وائل. وقُتلمن بني عديِّ الرِّباب يومئذ سبعون شيخا، كلهم قد قرأ القرآن سوى الشباب، ومن يقرأ القرآن.
وقالت عائشة: مازلتُ أرجو النَّصر حتى خُفيت أصوات بني عديٍّ. وصلى عليٌّ على قتلاهم من أهل البصرة، وعلى قتلاهم من أهل الكوفة، وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء. وكانوا مدنيين وكوفيين ومكيين. وجمع ما كان في العسكر من شيء، ثم بعث به إلى مسجد البصرة؛ أن من عرف شيئا فليأخذه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان، فإنه لما بقي لم يُعرف قال لأصحابه: خُذوا ما أجْلَبوا به عليكم من مال الله. ولا يحلُّ للمسلم من مال المسلم المتوفيَّ شيء، وإنما كان ذلك السلاح في أيديهم من غير تنفُّل من سلطان.
ودخل عليٌّ البصرة يوم الاثنين، فانتهى إلى المسجد، فصلى فيه، ثم دخل البصرة فأتاه الناس، ثم راح إلى عائشة على بغلته. فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار بالبصرة وجد النساء يبكين على عبد الله وسليمان ابني خلف مع عائشة وصفية بنة الحارث زوج عبد الله بن خلف أمِّ طلحة الطَّلحات، مُختَمِرة تبكي. فلما رأته قالت: يا عليُّ يا قاتل الأحبَّة، يا مفرِّق الجمع، أيْتَمَ الله بَنيك منك كما أيتمت ولد عبد الله منه. فلم يردَّ عليها. ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلم عليها وقعد عندها وقال: جَبَهتنا صفية، وقال: أمَّا إني لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم. فلما خرج عليٌّ أقبلت عليه فأعادت الكلام، فكفَّ بغلتَّه فقال: ألا لَهَمَمْتُ. وأشار إلى أبواب من الدار، أن أفتح هذا الباب
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وأقتل من فيه ثم هذا وأقتل من فيه. وكان أناس من الجرحى قد لجؤوا إلى عائشة فأخبر عليٌّ بمكانهم عندها، فتغافل عنهم، فسكت فخرج علي فقال له رجل من الأزد: والله لا تُفلِتُنا هذه الرأة. فغضب وقال: صه لاتهتكنَّ سترا، ولا تدخلنَّ دارا، ولا تهيجنَّ امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم، وسفَّهن أمراءكم فإنهنَّ ضعاف. ولقد كنا نُؤمر بالكفِّ عنهنَّ، وإنهنَّ لمشركات، وإنَّ الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضَّرب فيغيَّرُ بها عقبة من بعده. فلا يَبْلغني عن أحد عَرَضَ لا مرأة فأُنكِّلَ به شَرار الناس.
وجهَّز عليٌّ عائشة ﵂ بكل شيء ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع، وأخرج معها كلَّ من نجا ممَّن خرج معها إلا من أحب المُفام. واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال: تجهَّزْ يامحمد فبلِّغْها. فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس، فودَّعوها وودّعتهم وقالت: يابنيَّ، يَعتُبُ بعضنا على بعض استبطاء وزيادة، فلا يَعْتدن أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، أنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وأنه عندي على مَعْتِبتي لَمِنَ الأخيار.
وقال علي: يأيُّها الناس، صدقت وبرَّت، ما كان بيني وبينها إلا ذاك. وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة.
وخرجت يوم السبت غُرة رجب سنة ستٍّ وثلاثين، وشيَّعها عليٌّ أميلا، وسرَّح بنيه معها يوما. وعن جرير بن حازم قال: سمعت أبا يزيد المدنيَّ يقول: قال عمار بن ياسر لعائشة حين فرغ القوم من أمر الجمل: يا أمَّ المؤمنين، ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عُهد إليك! قالت: أبا اليقظان؟ قال: نعم. قالت: والله إنك ما علمت لقوال بالحقِّ. قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانِكِ.
وروى إسماعيل بن عُلية عن أبي سُفيان بن العلاء، عن ابن عتيق قال: قالت عائشة: إذا مرَّ ابن عمر فأرونيهِ. فلما مرَّ ابن عمر قالوا: هذا ابن عمر. فقالت: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تَنهاني عن مَسيري؟ قال: رأيت رجلا غلب
[ ٢ / ٢٩٤ ]
عليك، وظننت أنك لا تخالفينه، يعني ابن الزبير. قالت: أما أنك لو نهيتَني ما خرجت.
البخاري: حدثنا محمد بن بشار: نا شعبة عن الحكم، عم أبي وائل. وحدَّثنا عبد الله بن محمد: نا يحيى بن آدم: نا بكر بن عياش: نا أبو حصين: نا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث عليٌّ عمار بن ياسر والحسن بن علي زاد شعبة ليستنفرهم، وقدما علينا الكوفة، فصعد المنبر، فكان الحسن على فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن. فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله ابتلاكم ليعلم أإياهُ تُطيعون أم هي
البخاريُّ: حدثنا عثمان بن الهيثم: نا عوف عن الحسن، عن أبي بكرة قال: نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل بعد أن كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم. قال: لما بلغ النبيَّ ﷺ أنَّ أهل فارس قد ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال: " لن يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ". وعن سعيد القُطعيِّ قال: كنا نتحدث أنَّ قتلى أهل الجمل يزيدون على ستة آلاف.
وأمر عليٌّ من نادى يوم الجمل: لا يُتبعنَّ مُدبر، ولا يُجهز على جريح، ولا تسلبوهم ما معهم. فقال له أصحابه: أيحلُّ لنا قتلُهم ولا يحلُّ لنا سلبُهم؟ قال: إنهم من أهل القبلة وليسوا بكفار. وإنما قاتلناهم لبغيهم علينا حتى يفيئوا إلى أمر الله. فلما اكثروا عليه قال: اقترعوا أيُّكم يأخذ عائشة في سهمه. فقالوا معاذ الله أمُّنا! ورضوا بحكمه.
وقال عبد الله بن عباس: لما فرغ علي، ﵁، من أمر الجمل صعد على ربوة من الأرض وخطب أهل البصرة فقال: يا أنصار المرأة وأصحاب البهيمة، رغا فحننتم، وانخشر فانهزمتم. نزلتم شر بلاد أبعدها من السماء، بها
[ ٢ / ٢٩٥ ]
مَغيض كل ماء هي البصرة والبصيرة والموتفكة وتَدْمرُ. أين ابن عباس؟ قال: فدُعيت له من كلِّ جانب. فلما حضرت قال لي: سِرْ إلى الرأة، يعني أمَّ المؤمنين عائشة، وقل لها: تسير إلى الموضع الذي أمرها الله أن تقرَّ فيه. قال ابن عباس: فجئتها، فاستأذنت عليها فلم تأذن لي. فدخلت عليها بغير إذن، وعمدت إلى وساد كان في البيت فجلست عليه، فقالت: تالله ما رأيت مثلك يابن عباس! تدخل بيتي وتجلس على وسادي بغير إذني؟ قال: فقلت لها: والله ما هو بيتك إلا الذي أمرك الله أن تقرِّي فيه، فلم تفعلي. إن أمير المؤمنين يأمرك بالمسير إلى المدينة. فبكت وقالت: رحم الله أمير المؤمنين، ذاك عمر بن الخطاب. فقلت لها: نعم، وهذا أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب. فقالت: أبيتُ أبيتُ. فقلت لها: ما كان إباؤك إلا مثل فواق ناقة بكيَّةٍ، ثم صرت لا تحلين ولا تمُرِّين. فقالت: نعم اسيرُ، إنَّ أبعض البلاد إليَّ بلد أنتم فيه. فقلت: والله ماكان هذا جزاؤنا منك، أن صيَّرناك للمؤمنين أمَّا، وصيَّرنا اباكِ لهم صدِّيقا فقالت: أتمنُّ عليَّ برسول الله يابن عباس؟ قلت: بلى والله نمنُّ عليك بمنٍّ لو كان منك بمنزلته منَّا لمننت به علينا.
وذُكر أن عليا ﵁ جاء إلى هودج عائشة، وهي فيه بعدما عُقر الجمل، فضربه بقضيب كان في يده، وقال لها: كيف رأيت صَنيعَ الله بك؟ فقالت له: مَلكت فأسْجِحْ.
وقال رسول الله ﷺ: " أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجمل الأدبَبِ تخرج فتّنْبجها كلاب الحوأب، يُقتل حولها قتلى كثير وتنجو بعدما كادت ". وهذا الحديث من أعلام نبوَّته ﷺ، وهو حديث مشهور، رواه عكرمة عن ابن عباس.
[ ٢ / ٢٩٦ ]