وفي هوازن بطون، منها: نصر وجشم ابنا معاوية بن بكر بن هوازن. وعامر ومُرةُ ابنا ضعضعة بن معاوية بن بكر وقيسي بن مُنبِّه بن بكر.
فمن بني نصر بن بكر مالك بن عوف النَّصري: قائد هوازن يوم حنين. ثم أسلم، فحسُن إسلامه، وردَّ عليه رسول الله ﷺ أهله وماله، وأعطاه مئة من الإبل.
ومنهم أوس بن الحدثان النَّصريُّ: وله صحبة. واختلف في صحبة ابنه مالك ابن أوس بن الحدثان. روى إبراهيم بن طَهْمان عن أبي الزبير، عن ابن كعب ابن مالك، عن أبيه أنه حدَّثه أن النبيَّ ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان أيام التَّشريق وناديا ألاّ يدخل الجنة إلا مُؤمنٌ، وأيامُ مِنًى أيامُ أكل وشرب. وروى ابنه مالك بن أوس عن عمر وسائر العَشَرة، وعن العباس. روى عنه الزُّهريُّ ومحمد بن المنكَدر وعكرمة.
[ ١ / ٣٨٠ ]
ومن بني جشم شدّاد بن عارض الجُشميُّ: وهو من الصحابة. وهو القائل في مسيرة رسول الله ﷺ إلى الطائف لثقيف:
لا تَنصُروا اللاتِ إنَّ اللهَ مُهلكُها وكيف يُنصرُ مَن هو ليسَ يَنتصرُ؟
إن الرسولَ متى ينزلْ بلادكمُ يَضعنْ، وليس بها من أهلها بَشَرُ
ومنهم أبو الأحوص الجشميُّ: صاحب عبد الله بن مسعود، واسمه عوف، وأبوه مالك بن نضلة، من الصحابة. روي عن النبي ﷺ أحاديث. أبو داود: حدثا أحمد بن حنبل قال: نا عبدة قال: نا أبو الزَّعراء عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نضلة قال: قال رسول الله ﷺ: " الأيدي ثلاثة؛ فيد الله العليا، ويد المعطى التي تليها، ويد السائل السُّفلى، ولا تعجز عن نفسك ". وروي السَّبيعيُّ عن أبي الأحوص، عن أبيه قال: دخلت على النبيَّ ﷺ فقال لي: أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلَّمة آذانُها؟ فتقول: هذه بحر، وتقطع جلودها فتقول: هذه صرم، فتحرِّمُها عليك وعلى أهلك ". قال: نعم. قال: " فإنَّ ما أتاك الله حل، وساعد الله أسد، وموسى الله أحد ".وروي عن أبي الأحوص الحسن وأبو إسحاق السَّبيعيُّ وعطاء بن السائب. وقتل أبا الأحوص الخوارج أصحاب قطري.
ومن بني جشم دريد بن الصِّمَّة: وكان من فرسان الجاهلية وشعرانها. وأدرك يوم حنين شيخا هرما، فلم يسلم؛ غلبت عليه الشَّقوة. قال أبو عبيدة معمر بن المثَّنى التَّيميُّ؛ مولى لهم: عاش دريد دهرا حتى خرف، وذهب بصره، وأدرك الإسلام فلم يسلم حتى شهد يوم حنين مع المشركين، وعلى الناس يومئذ مالك بن عوف النَّصريُّ. فقال دريد: مالي أسمع ثغاء الشاة ورغاء الإبل وبكاء الصِّبيان؟ فقال له مالك: حشرت مع الناس أموالهم وحرمهم.
[ ١ / ٣٨١ ]
فقال دريد: راعى ضأن والله. أما والله ما شيئا. والله لئن كانت لك ما ينفعك إلا رجل بسلاحه، ولئن كانت عليه لتُسبينَّ حُرمُك ونساؤك. فكره أن يكون لدريد فيها ذكر، فخالفه وقد علم ما قال دريد. فلما هزم الله المشركين سبى المسلمون ذراعيَّهم، وأخذوا أموالهم، ولحق دريدا على المسلمين رجل من بني سليم وهو ربيعة بن رُفيع بن أهبان بن ثعلبة بن يعقوب بن سمّال بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وهو في شجار له على بعير، فظن أن امرأة فأناح به، فإذا شيخ أعمى، فسأله دريد: من أنت؟ فأخبره، ثم ضربه، فلم يصنع سيفه شيئا. فقال له دريد: بئس ما سلَّحتك أمُّك. ثم قال دريد: خذ سيفي من مؤخرة الرَّحل فاضربني به، وأخفضعن الدماغ، وارفع عن العظام، فإني هكذا كنت أقتل الرجال. وإذ أتيت أهلك فاخبرهم أنك قتلت دريد بن الصَّمة. قال السلميُّ: فأخذت سيفه، فضربته، فلما خَرَّ عن الشجار تكشف، فإذا ربلتاه وروانفه وبادُّه أعرى من اللحم من كثرة ركوب الخيل.
الرَّبلتان: واحدتها ربلةُ، وهي اللحمة الغليظة في أصل الفخذ. والرَّوانف: ما سال من الألية على الفخذ. والبادُّ: باطن الفخذ، والجميع بوادٌّ. قال الرجل: فلما وصلت أهلي أخبرتهم. فقال أمي: يا بُنيَّ أما إنَّ دريدا أعتق أمَّهات لك ثلاثًا.
وولد عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان هلالا ونميرا وسواءة وربيعة أبن عامر بنو صعصعة، وهم أفخاذ من بطن.
فمن بني هلال بن عامر ميمونة بنت الحارث بن حزن زوج النبي ﷺ، وأختارها لأبيها وأمِّها لبابة الكبرى وهي أمُّ الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، ولبابة الصغرى: أمُّ خالد بن الوليد، وزينب بنت خزيمة: أمُّ المساكين زوج النبي ﷺ.
وقبيصة بن المخارق بن عبد الله بن شدّاد، ويكنى أبا بشر: نزل البصرة، وروي عنه أبو عثمان النَّهديُّ وكنانة بن نعيم العَدويُّ وأبو قلابة وابنه قطن بن قبيصة. روي كنانة بن نعيم عن قبيصة بن مخارق قال: تحمَّلتُ بحمالة، فأتيت رسول الله ﷺ فقال: " نُؤدِّيَهًا عنك بِخرجها إذ جاءَ نعَمُ
[ ١ / ٣٨٢ ]
الصَّدقة ". قال: ثم قال: إِنَّ المسألة حُرِّمَت إلا في إحدى ثلاث: رجل تحمَّل بحمالة فحلَّت له المسألة حتى يؤدِّيها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة " اجتاحت ماله، فحلَّت له الصدقة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - ورجل أصابته " فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوى الحجا من قومه. فحلَّت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت.
وذكر المبرد في الكامل أن قبيصة بن المخارق هذا إلى ما صار لرسول الله ﷺ أكرمه وبسط له رداءة وقال: " مرحبا بخالي " فقال: يا رسول الله، دقَّ عظمى، وقلَّ مالي، وهنت على أهلي. فقال رسول الله ﷺ: " لقد أبكيت بما ذكرت ملائكة السماء ".
وابن ابنه محمد بن حرب بن قبيصة: كان من أقعد الناس، ولي شرطة البصرة سبع مرات. وكان على شرطة جعفر بن سليمان بالمدينة، وكان كثيرا للأدب عزيزه.
ومنم حميد بن ثور بن الشاعر، ومسعر بن كدام الفقيه المحدِّث: وهو من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، ويكنى أبا سلمة. وتوفي في الكوفة سنة اثنتين وخمسين ومئة. وكان يقول: من ابغضني فجعله الله محدِّثا
ومن موالي عبد الله بن هلال بن سفيان بن عُيينة بن أبي عمران بن محمد: وكان جدُّه أبو عمران من عُمّال خالد بن عبد الله القسريِّ. فلما عزل خالد عن العراق، وولي يوسف بن عمر طلب عمال خالد فهرب منه إلى مكة، فنزلها. وكان سفيان من أئمة المحدِّثين الحفَّاظ. روى عن الزهريِّ وأبي الزهير المكِّي وعمرو بن دينار وحميد بن تيرويه الطويل وزيد بن أسلم وأيوب السَّختياني
[ ١ / ٣٨٣ ]
ومحمد بن المنكدر وأبي الزِّناد وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاريِّ وعبد الرحمن بن القاسم ويزيد بن حصيفة وسهيل بن أبي صالح وعبد الملك بن أبجر وعبد الملك بن عمير وإبراهيم بن ميسرة وزياد بن علاقة ومسعر بن كدام ومنصور بن المعتمر والعلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ومُطرِّف بن طريف الحارثيِّ وغيرهم. وكان سفيان كثيرا ما يقول بمكة على أجياد وغيره في آخر عمره لما ذهب الأشياخ من أهل الحديث والفقه، وبقي:
ذهب الرجالُ فسُدْتْ غير مُسوَّدِ ومن الشَّقاءِ تفرُّدي بالسُّؤددِ
سمع ذلك منه عليٌّ بن خشرم وبشر بن الحرث الحافي. وكان سفيان يقول: اسلكوا سبيل الحقِّ، ولا تستوحشوا من قلَّة أهله. وروي عنه أنه قال: إن أفضل الناس منزلة عند الله يوم القيامة من كان بين الله وبين خلقه، وهم الأنبياء والعلماء وأئمة العدل. وقال سفيان: كيف يختار من لا يدري كيف الخيارُ له؟ جاء في الحديث: لو وزن عقل آدم بعقول ولده لرجح بعقولهم. وكان في اختياره من الضَّعف ما تعلمون.
وقال سفيان للفضيل بن عياض: يا أبا عليّ، لقد اشتد تعجُّبي. قال فضيل مِمَّاذا؟ من جرأة الملائكة وردِّهم على ربِّهم حين يقول:) إني جاعل في الأرض خليفز. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها (. فقال له الفضيل: وما تعجبك من ذلك؟ هو أنطقهم. وعاد سفيان ابنا لأبي سفيان بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء. فلهي عن سؤال العليل، وأقبل على أبيه. فقال: كيف تجدك من علَّته؟.
وولد سفيان سنة سبع ومئة، ومات يوم السبت آخر يوم من جمادى الآخرة، سنة ثمان وتسعين ومئة بمكة، شرَّفها الله.
ومن بني نمير بن عامر شريك بن حباشة الذي دخل الجنة في حياته في أيام عمر بن الخطاب، وهو صاحب الورقتين.
[ ١ / ٣٨٤ ]
ومنهم قرة بن دعموص بن ربيعة بن عوف النميري، بصري استغفر له رسول الله ﷺ. وكان قدم عليه مع قيس بن عاصم، والحرث بن شريح، وروى وروي عنه.
ومنهم معاوية بن سبرة بن الحصين النُّميريُّ، أبو العبيدين: سمع ابن مسعود. روي عنه عبد الله بن أبي الذهيل.
ومنهم هَمَّام بن قبيصة والراعي الشاعر، واسمه عبيد بن حصين. وهو الذي قال فيه جرير:
فغُضِّ الطرفَ إنك من نُميرٍ فلا كعبًا بغتَ ولا كلابا
وأول هذه القصيدة:
أقلِّى اللومَ عاذلَ والعِتابا وقُولي إن أصبتُ: لقد أصابا
وفيها يقول:
أتلتمسُ السبابَ بنو نُميرٍ فقدْ وأبيهمْ لاقَوا سِبابا
فلا صلَّى المليك على نُميرٍ ولا سَقى قلوبُهمُ السَّحابا
ولو وُزنتْ حلومُ بني نميرٍ على الميزان ما وُزنتْ ذُبابا
أنا البارزي المطلُّ على نميرٍ أُتيحَ منَ السماءِ لها انصبابا
[ ١ / ٣٨٥ ]
إذا عَلقتْ مخالبُه بِقرنٍ أصابَ القلبَ أو هَتَك الحِجابا
وعدد أبيات هذه القصيدة مئة وثمانية أبيات.
ومنهم أبو حَيَّةَ النُّميري: وهو الذي اعترته اللَّوثةُ من الحبِّ. ومن قوله:
رمتْنى وسِترُ الله بَيني وبَهينا عشيةَ أَرْامِ الكِناسِ رَميمُ
إلا ربَّ يومٍ لو رمتْني رميتْها ولكنَّ عَهدي بالنِّصالِ قديمُ
وله من أبيات:
إذا هنَّ ساقطْنَ الحديثَ كأنه سِقاطُ حصى المرجانِ في سِلكِ ناظمِ
رَمينَ فاقصدْنَ القلوب وبلم تجد دمًا مائرًا إلا جوىً في الحيازمِ
واسم أبي حيَّةَ الهيثمُ بن ربيع. وكان صاحب الفرزدق، وروي عنه.
ومن بني سواءة بن عامر أبو جحيفة السُّوائيُّ: واسمه وهب بن عبد الله: ويقال: وهب الله بن عبد الله. ويقال: وهب بن الخير. نزل الكوفة، وابتنى بها دارا، وكان من صغار الصحابة. ذكروا أن رسول الله ﷺ توفي وهو لم يبلغ الحلم، ولكنه سمع رسول الله ﷺ، وروي عنه، وخرَّج عنه مسلم والترمذي. مسلم: نا أحمد بن يونس قال: نا زهير قال:
[ ١ / ٣٨٦ ]
نا أبو إسحاق، ونا يحيى بن يحيى، قال: نا أبو خيثمة عن أبي إسحاق وعن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ هذه منة بيضاء، ووضع زهير بعض أصابعه على عنفقته. فيل له: مثل من أنت يومئذ؟ قال: أبري النيل وأريشا. قال: وحدثنا وأصل بن عبد الأعلى قال: نا محمد بن فضيل عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب كان الحسن بن علي يشبهه.
الترمذيُّ: حدثنا محمود بن غيلان: قال عبد الرزاق: نا سفيان الثوريُّ عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: رأيت النبيّ ﷺ، وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بريق ساقيه. قال: قال رسول الله ﷺ: " أما أنا فلا آكلُ متكئًا ".
وروي أسد بن موسى بن علي بن ثابت الجزري عن الوليد بن عمر بن ساج، عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت ثريدة بلحم، وأتيت رسول الله ﷺ، وأنا أتجشَّأ. فقال: " أكفف أو احبس عليك جشائك أبا جحيفة، فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة ". قال: فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا. كان إذا تعشى لا يتغدَّى. وإذا تغدى لا يتعشى.
ومنهم سمرة بن عمرو بن جندب بن حجير بن رباب بن سواءة: أبو جابر ابن سمرة. روي معه ابنه جابر حديثا واحدا ليس له غيره عن النبيّ ﷺ: " يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش "، ولم يروا عنه غيره.
وابنه جابر بن سمرة صاحب، وله في الصحيحين وغيرهما أحاديث، ﵄.
ومن ولد جابر بن أبو السائب سلم بن جنادة بن سلم بن خالد بن
[ ١ / ٣٨٧ ]
جابر بن سمرة. سمع وكين بن الجرَّاح، ووهب سعد بن أبي وقاص لجابر بن سمرة لغلامين من أبناء الكاسرة، أحدهما في ذيمة أبو عليِّ بن جذيمة الذي يروي عنه. والآخر أبو زهير وهو جدُّه عبد المطلب بن زياد بن أبي زهير، فاعتقهما جابر. وكنية عليِّ بن بذيمة أبو عبد الله، ويعرف بالجزري. روى عن سعيد بن جبير وعكرمة. وروى عنه الثوريُّ والأعمش وشريك.
ومنهم عبيد الله بن معية السُّوائي: كان قد أدرك الجاهلية، وروى عن النبيِّ ﷺ، وسكن الطائف. له حديث واحد، رواه عنه سعيد ابن المسيَّب وإبراهيم بن ميسرة.
ومنهم قبيصة بن عقبة السُّوائي: أبو عامر: سمع سفيان الثوريُّ وإسرائيل.
وولد ربيعة بن عامر: كلاب بن ربيعة، وكعب بن ربيعة، وعامر بن ربيعة، وكليب بن ربيعة. وليس لكليب عقب. وأمهم مجد بن تيم بن غالب ابن فهر بن مالك بن النَّضْر: وهي التي جعلت ابن عامر حمسا، وفي كلاب وكعب شرف عامر بن صعصعة وعددهم، وإياهم عني جرير بقوله:
فغضِّ الطرفَ إنك من نميرٍ فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا
فولد كلاب جعفرا، ورؤاسا، وهم: حميس وضب بنو معاوية الضباب، وأبا بكر، وعمرا واسمه عبيد، والوحيد. فولد جعفر بن كلاب الأحوص، ومالكا، وخالدا، وعتبة. وكان الأحوص يكنى أبا شريح، وكان على بني عامر يوم جبلة.
ومن ولده عقلمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر، وكان من المؤلفة قلوبهم. وكان سيدا في قومه حليما غافلا. وهو الذي نافر عامر بن الطُّفيل إلى هرم بن قطبة. وقد تقدم ذكر منافرتهما عند ذكر قطبة.
وولد مالك بن جعفر عامرا أبا براء ملاعب الأسنة، وربيعة المقترين، وعبيدة الوضاح، والطفيل فارس قرزل، ومعاوية معوِّد الحكماء. أمُّهم أمُّ البنين
[ ١ / ٣٨٨ ]
بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. قال لبيد:
نحن بنو أمِّ البنينَ الأربعَةْ
قال ابن الكلبيِّ: هم خمسة، فجعلهم للقافية أربعة. وقال أبو بكر بن الأنباري: لا يصحُّ لشاعر أن يقول في خمسة أربعة من أجل القافية، كما لا يقول في أربعة خمسة، لأن عين الكذب. وإنما قال هذا لبيد بين يدي النعمان بن المنذر، وهو غلام حدث. وقد كان أبوه ربيعة قد مات، وحضر معه أعمامه الأربعة: طفيل، وعامر، وعبيدة ومعاوية بنو مالك بن جعفر بن كلاب، فاسقط أباه لأنه لم يشهد، وكان ميتا قبل ذلك.
وولد ربيعة بن مالك بن جعفر لبيدا الشاعر: ويكنى أبا عقيل، وهو من الصحابة، ومن فحول الشعراء، ومن الأجواد. وقال، لما أسلم:
الحمدُ لله إذ لم يأتني أجلي حتى أكتسيتُ من الإسلامِ سِربالا
وهو القائل:
ما عاتبَ المرءَ الكريمَ كنفسهِ والمرءُ يُصلحه القرينُ المصالحُ
ولم يقل منذ أسلم غير هذين. وقال له عمر ﵁: أنشدنا من شعرك. فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنت لأجمع البقرة وآل عمران، وأنشدك الشعر. فجَّل في عين عمر، وزاده في عطائه خمسمئة، وكان عطاؤه ألفين. وكان لبيد شريفا في الجاهلية والإسلام، ونذر ألا تهبَّ الصَّبا إلا نحر وأطعم، حتى تنقضي. فهبت في الإسلام، وهو بالكوفة مقتر مملق. فعلم ذلك الوليد بن عقبة ابن معيط، وهو والدي الكوفة لعثمان، وكان أخاه لأمه. فخطب الناس، فقتال: " إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل، وما وكد على نفسه. فأعينوا أخاكم ". قم نزل، فبعث به بمئة ناقة، وبعث الناس، فقضى نذره. ففي ذلك تقول ابنه لبيد، مجاوبة عن أبيها، تمدح الوليد:
[ ١ / ٣٨٩ ]
إذا هبَّتْ رياحُ أبي عَقيلِ دعَونا عند هبَّتها الوليدا
أغرَّ الوجه أووعَ شيظميًا أعانَ على مروءتهِ لبيدا
ومات لبيد في وسط خلافة معاوية، وهو ابن مئة وأربعين سنة.
وأخو لبيد لأمه أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر: عدُّو الله، هو الذي أصابته الصاعقة بدعوة رسول الله ﷺ وعلى ابن عمه عامر ابن الطفيل. ورثاه لبيد بقصائد منها:
ذهبَ الذينَ يُعايشُ في أكنافهم وبقيتُ في خَلْفِ كجلدِ الأَجربِ
يتحدَّثون مخافةً ومَلاذةً ويُعابُ قائلُهم وإن لم يَشْغبِ
يا أربدَ الخيرِ الكريمَ جُدودُهُ غادرتَني أمشي بقرَنٍ أَعضبِ
إن الرزيَّة لا رزيَّةَ مثلُها فِقدانُ كلِّ أخٍ كضوءِ الكوكبِ
وولد الطفيل بن مالك بن جعفر عامر بن الطفيل: عدوَّ الله، وكان شاعرا. وقدم على رسول الله ﷺ مع أربد مضمرين الفتك بالنبي ﷺ. فجعل يسأله سؤال الأحمق المغتال الفخور، ورسول الله يقول: " لا أجيبك في شيء مما سألت حتى تؤمن بالله ورسوله. فلما يئس
[ ١ / ٣٩٠ ]
منه عامر قال: يا ممد، والله لأملأنَّها عليك خيلا ورجالا. فلما ولَّيا قال رسول الله: " اللَّهم أكفني عامر بن الطفيل وأربد بن قيس ".
فخرجا جميعا ووفدهم راجعين إلى بلادهم. فلما كان ببعض الطريق بعث الله على عامر غدة في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من سلول. فجعل يقول: يا بني عامرا، غدا كغدة البعير، وموتا في بين سلولية! ووصل أربدا إلى بلده، فأصابه ما ذكرت آنفا.
وأخوه عقيل بن الطٌّفيل: فيه قالت أمه المثل " أبنك من دمَّي عقبيك ". وهي امرأة من القين، تزوجها الطفيل، فولدت له عقيلا، فتبنَّته كبشة بنت عروة بن جعفر بن كلاب.. فعرم على أمه يوما فضربته. فجاءتها كبشة فمنعتها وقالت: ابني. فقالت القينية: ابنك من دمَّي عقيبك.
وأما أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وهو عمُّ عامر بن الطفيل فهو الذي أجاز أصحاب بئر معونة، فأخفره فيهم ابن أخيه عامر بن الطفيل:
بني أمِّ البنينَ ألم يرعْكمْ وأنتمْ من ذَوائبِ أهل نجدِ؟
تَهكُمُ عامرٍ بأبي بَراءٍ ليُخفرَهُ وما خطأُ كعَمْدِ
أَبلغْ ربيعةَ ذا المساعي فما أَحدثْتَ في الحَدَثانِ بعدي
[ ١ / ٣٩١ ]
أبوكَ أبو الحروب أبو براءٍ وجدُّك ماجدٌ حَكَمُ بن سعدِ
قال ابن هشام: حكم بن سعد من القين بن جسر، وأمُّ البنين بنت عمرو ابن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. قال ابن إسحاق: فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه، فأشواه، ووقع عن فرسه. فقال: هذا عمل أبي براء، أن متُّ فدمي لعمي فلا يتبعن به. وإن أَعش فسأرى رأيي فيما أُتي إليَّ.
ومن بني مالك بن جعفر من غير أم المؤمنين سلمى بن مالك وابنه جبَّار بن سُلمى: وهو الذي قال: إنَّ ممَّا دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلا من أصحاب بير معونة بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره. فسمعته يقول: فزت والله. فقلت في نفسي: فاز لعمر الله! ومن بني رؤاس بن كلاب عمرو بن مالك بن قيس بن بجيد بن رؤاس. واسم الرؤاس الحرث بن كلاب. وفد على النبي ﷺ مع أبيه مالك بن قيس فأسلما.
ومنهم وكيع بن الجرّاح المحدِّث: ويكنى أبا سفيان. سمع هشام بن عروة والأعمش. روى عنه يحيى بن آدم وأحمد بن حنبل وعليُّ بن المديني. وكان الجراح أبوه على بيت مال المهدي شريك محمد بن عليِّ بن مُقدَّم. وتوفي وكيع في طريق مكة بفيد سنة سبع وتسعين ومئة.
وابنه سفيان بن وكيع، خرَّج عنه الترمذي كثيرا وغيره. وقال الموصلي الحافظ: سفيان بن وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس أبو محمد، فيه لين.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ومنهم العلاء بن مبارك الرؤاسيُّ الكوفيُّ أبو محمد: سمع حفص بن غياث.
ومن بني ضبابا بن كلاب ذو الجوشن الضِّبابيُّ: وكان شاعرا.
وابنه شمر بن ذي الجوشن من قتلة الحسين ﵁.
وأخو الضِّباب عمرو بن معاوية بن كلاب: من مولده مؤلة. والنسب إليه مؤلي. وهو مؤلة بن كنيف بن حمل بن خالد بن عمرو بن معاوية بن كلاب. له وفادة على النبي ﵇ ورواية عنه.
ومن بني عمرو بن كلاب، وهو عمُّ الضِّباب يزيد بن عمرو بن الصَّعق: الذي قال له ابن علفاء الهجيميُّ يرد عليه في هجائه بني تميم:
فإنك مِن هجاءَ بني تميمٍ كمُزدادِ الغرام إلى الغرام
هم تركوكَ أسلحَ من حُبارَي رأت صقرًا رأت صقرًا وأَشردَ من نَعامِ
وأخوه زرعة بن عمرو بن الصَّعق الذي يقول له النابغة الذبيباني:
أعلمتَ يومَ عكاظَ حين لقيتَني تحت العجاج فما شَققْتَ غُباري
ومن بني أبي بكر بن كلاب وبنوه يقال لهم القرطاء الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب الكلابيُّ: استعمله رسول الله ﷺ على بني سليم، وأمره أن يورث امرأة أشيم الضِّبابي من دية زوجها. وكان أشيم قتل خطأ. مالك عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب نشد الناس بمنى: من كان عنده علم من الدية أن يخبرني. فقام الضحاك بن سفيان
[ ١ / ٣٩٣ ]
الكلابيُّ فقال: كتب إليَّ رسول الله ﷺ أن: أورث أشيم الضبابي من دية زوجها. فقال له عمر: ادخل الخباء حتى آتيك. فلما نزل عمر بن الخطاب أخبره الضحاك، فقضى بذلك عمر. قال ابن شهاب: وكان قتل أشيم خطأ.
وكان الضحاك يعدُّ بمئة فارس. أخبر بذلك عن رسول الله ﷺ بني سليم. وكانت بنو سليم في تسعمئة، فوفاهم ﷺ بالضاحك ألفا. وذكر الزبير بن بكار بسند أن الضاحك بن سفيان الكلابيَّ كان سياف رسول الله ﷺ قائما على رأسه، متوحشا بسيفه. وإياه عني العباس بن مرداس في قوله:
نُبايعُ بين الأخَشَبين وإنما يدَ الله بين الأخشبين نبايعُ
عشيةَ ضحاك بن سفيانَ مُعتصٍ بسيفِ رسول الله والموتُ واقعُ
ومن بني أبي بكر بن كلاب النواس بن سمعان بن خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب: معدود في الشاميين. يقال أن أباه سمعان وفد على النبي ﷺ، وزوَّجته ابنته. فلما دخلت على النبي ﵇ تعوَّذت منه، فتركها، وهي الكلابية. وللنواس صحبة. خرَّج عنه مسلم حديث الدّجّال حديثا حسنا وروى عن النواس جُبير بن نُفير وبشير بن عبيد الله وجماعة.
ومن بني كلاب ربيعة بن ربيعة زُفر بن الحرث والمحلِّق بن حنتم بن شداد، الذي قال فيه الأعشى:
وبات على النَّار النَّدى والمحلِّقُ
ومن بني الوحيد بن كلاب أمُّ البنين بنت حرام الوحيديَّة: كانت تحت
[ ١ / ٣٩٤ ]
عليَّ بن أبي طالب ﵁، فولدت له العباس وجعفرا وعبد الله.
وولد كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة عقيلا والحريش وقشيرا وجعدة وعبد الله.
فمن بني المنتفق بن عامر بن عقيل أبو رزين العُقيليُّ: واسمه لقيط بن عامر ابن صبرة بن عبد الله بن المنتفق، وهو من الصحابة، وعداده في أهل الطائف.
ومنهم محمد بن عبد الله بن علاثة العقيليُّ: أبو اليسير، سمع العلاء بن عبد الله وهشام بن حسان وعليَّ بن بذيمة. روي عنه وكيع والأُويسيُّ وحرميُّ ابن حفص.
ومنهم إبراهيم بن أبي عبلة أبو إسماعيل: سمع ابن عمر عبد الله بن أم حرام وأنس بن مالك وأبا أمامة ووائلة بن الأسقع. روى عنه مالك وابن المبارك وغيرهما. واسم أبي عبلة شمر بن يقضان المرتجل. توفي سنة إحدى وخمسين ومئة. لمالك عنه حديث واحد مرسل عند جماعة رواة الموطَّأ.
ومن بني عقيل قيس بن معاذ: وهو المجنون صاحب ليلى، وكان الأصمعي يقول: لم يكن مجنونا، وإنما كانت به لوثة كلوثة أبي حَيَّةَ وهو القائل في ليلى:
ولم أرَ ليلى بعد موقف ساعةٍ ببطنِ مِنًى ترمى جمار المحصَّبِ
وتُبدى الحصى منها إذا قَذفتْ بهِ من البُردِ أطرافٌ البنانِ المخضَّب
فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كناطرٍ مع الصبح في أعقابِ نجمٍ مُغرِّبِ
ألا إنما غادرتِ يا أم مالكٍ صدًى أينما تذهبْ به الريحُ يذهبِ
[ ١ / ٣٩٥ ]
وفيها يقول: وهذا البيت من أعجب ما قيل في النحافة ومنن قول قيس أيضا:
وأَخرجُ من بين البيوت لعلنى أحدِّث عنكِ النفسَ في السرِّ خاليا
وإني لأَسْتَغشي وما بي نعسَةٌ لعل خَيالًا منكِ يلقىَ خيالا
أشَواقًا ولمّا يمضِ لي غيرُ ليلةٍ رُويْدَ الهوى حتى يُغِبَّ لياليا
هذا من أحسن الكلام وأوضحه معنى. ويستحسن لذي الرملة قوله:
أحبُّ المكانَ قفرَ من أجل أنَّني به أتعنَّى باسمِها غيرُ مُعجَمِ
ومن بني خفاجة بن عمرو بن عقيل صاحب ليلى الأخيلية. وأخيل الذي تنسب إليه ليلى وهو ابن عبادة بن عقيل. ومن قوله توبة في ليلى من قصيدة:
ولو أنَّ ليلى الأَخْيلية سلَّمتْ عليَّ، وفَوقي تُربةٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زَقا إليها صدًى من جانبِ القبر صائحُ
ويقال: إنها مرَّت مع زوجها، وهي في هودجها على قبر توبة فأمرها أن
[ ١ / ٣٩٦ ]
تسلم عليه فأبت. فعزم عليها فقالت: السلام عليك يا توبة. فخرج طائر من القبر يشبه البوم، فضرب صدرها، فوقعت على هودجها ميتة.
وكانت ليلى من فحول الشعراء، وعمرت حتى عجَّزت. أو لا تراها حضّت في رثاها عثمان على الطب بدمه. وأنشدت الحجاج، وهو والي العراق. وخبرها معها مشهور. وقالت ليلى ترثي توبة بن الحُميِّر، حين قُتل:
أعَيني ألا فأبكى على ابن حُميِّر بدمعٍ كفيض الجدول المتفجِّر
كأنَّ فتى الفتيانِ توبةَ لم يُنَخْ بنجدٍ، ولم يَطْلع مع المتْغوِّرَ
ولميَقْدعِ الخصمَ الألدَّ ويملأَ ال جفانَ سَديفًا يومَ نكباءَ صَرصرٍ
ألا رُبَّ مكروه دَفعتَ وخائفٍ أجبتَ ومعروفٍ لديكَ
ومُنكَرِ فيا تَوب للَمَوْلى ويا توبَ للنَّدى ويا توب للمُسْتنبِحِ المتَنَوِّرِ
ومن بني عقيل بن عبد الله بن شفيق العقيليُّ: من التابعين. روى عن عائشة أنها كانت: كان رسول الله ﷺ لا يصلي في لحف نسائه.
ومنهم يزيد بن بيان العقيليُّ: سمع أبا الرِّجال. روى عنه الحسين بن منصور وإسحاق بن منصور.
[ ١ / ٣٩٧ ]
ومنهم أبو سلمة المنهال بن بحر العُقيليُّ: سمع حماد بن سلمة ومسلمة بنت عقلمة.
ومن بني عقيل عويمر بن أبي عدي بن ربيعة بن عاد بن عقيل: شاعر فارس.. دعا عنترة بن شداد العبسي إلى المبارزة، وقال له: ابرز إليَّ أيها العبد.
ومن بني عقيل يزيد بن الصَّقيل العُقيليُّ: وكان يسرق الإبل. ثم تاب وقتل في سبيل الله. وهو القائل لما تاب:
ألا قُل لأرباب المخائضِ: أهمِلوا فقد تابَ عمَّا تعلمونَ يزيدُ
وإنَّ امرَأَ ينجو من النار بعدَما تَزوَّد من أعمالها لسعيدُ
إذا ما المنايا أخطأتْكَ وصادفتْ حَمِيمَكَ فاعلمْ أنها ستعوذُ
ومن بني الحريش بن كعب عبد الله بن الشخِّير: وهو من الصحابة، وابناه: مُطرِّف ويزيد من كبائر التابعين. ويقال: أنه كان ينوَّر لعبد الله في سوطه. ومات عمر ومُطرِّف ابن عشرين سنة، كأنه كان في حياة رسول الله ﷺ. وله عقب بالبصرة، ويكنى أبا عبد الله. ومات في خلافة عبد الملك بن مروان.
وابنه عبد الله بن مطرِّف: روى عن أبي برزة، وروى عن قتادة وحميد بن هلال. ومات أخوه يزيد، ويكنى أبا العلاء، سنة إحدى عشر ومئة.
ومنم زرارة بن أوفي العامريُّ الحوشيُّ: من أهل البصرة، وولي القضاء بها. وكان من خيار التابعين، ومن العاملين العالمين الخاشعين. روي عنه أنه صلى الصبح فقرأ:) يا أيها المدَّثِّر (. فلما بلغ:) فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير (خَرَّ مغشيا عليه، فحمل إلى أهله، فمات من
[ ١ / ٣٩٨ ]
ساعته. وروى زرارة عن أبي هريرة وتميم الداري وعبد الله بن سلام وعمران ابن حصين وسعد بن هشام. وروى عنه عوف الأعرابيُّ وقتادة وغيرهما. مسلم: حدثني أبو غسان المسمعيُّ قال: نا معاذ يعني ابن هشام قال: نا أبي عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين أن رجلا عضَّ ذراع رجل فجذبه فسقطت ثنيَّته. فرفع إلى النبي ﷺ فأبطله، وقال: " أردت أن تأكل لحمه ".
مسلم: حدثنا محمد بن عبيد الغُبريُّ: نا غوافة، عن قتادة، عن زرارة ابن أوفي، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ".
سعد بن هشام الراوي عن عائشة وروى عنه زرارة كان من كبار التبعين. وهو سعد بن هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بن مالك بن غُنم ابن عدي بن النجار الأنصاريُّ البخاريُّ. وأبوه هشام وجدُّه عامر من الصحابة. وكان أبوه يسمَّى في الجاهلية شهابا. فغيَّر النبي ﷺ، فسماه هشاما. واستشهد جدُّه عامر يوم أحد. ولا تُحفظ له رواية عن النبي ﵇. وفيه قالت عائشة حين دخل عليها سعد بن هشام حفيده مع حكيم بن أفلح: نعم المرء كان عامر.
ومن بني قُشير بن كعب بَهزُ بن حكيم بن معاوية بن جيدة. ولحيدة جدِّه صحبة وطال عمره، أدرك الجاهلية وأدرك إمارة بشر بن مروان على الكوفة. وبهز ثقة في الحديث، وكان من خيار الناس.
ومن قُشير سوادة بن حنظلة القُشيريُّ: روى عن سمرة بن جندب حديث: " لا يغرَّنَّكم من سحوركم أذان بلال "، خرَّجه مسلم. وروى عن سوادة ابنه عبد الله وشعبة. وروى عن ابنه عبد الله إسماعيل بن عُليَّة وحماد بن زيد وأبو الرباب.
ومنهم ذو الرُّقيبة: وكان من المعمَّرين، وهو مالك بن سلمة الذي أسر حاجب بن زُرارة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
ومنهم مُطرِّف بن مالك القُشيري: شهد فتح " تُسْتر ". روى عنه أبو عثمان النَّهدي وزرارة بن أوفي.
ومنهم أبو يونس حاتم بن أبي صغيرة القشيري: روى عن سماك بن حرب وعمرو بن دينار. روى عنه شعبة ويحيى القطان.
ومنهم شداد بن عمران القُشيريُّ: أبو روبة، روى عنه جامع بن مطر.
ومنهم القتَّال الشاعر واسمه عبيد بن المضرحيِّ: وقيل له الكلابيُّ، لأن أمه من كلاب، فنسب إلى أخواله. وكلاب عمُّ قشير. وهو القائل:
أنا ابنُ الأكرمين بني قُشيرٍ وأخوالي الكرامُ بنو كلابِ
يُعرِّض للطِّعان إذا التقينا وجوهًا لا تعرَّضُ للسِّباب
ومن بني جعدة بن كعب أبو ليلى النابغة الشاعر: واسمه قيس بن عبد الله ابن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة. وفد على النبي ﷺ، فأنشده القصيدة التي أوَّلها:
تذكَّرتُ والذكرى تهيجُ على الفتى ومن حاجة المحزون أن يتذكرا
ندامايَ عند المنذرِ بن مُحرِّقٍ أرى اليومَ منه ظاهرَ الأرض مُقفِرا
وفيها:
وتُنكر يومَ الرَّوع ألوانَ خيلنا من الطعن حتى نحسِبَ الجَونَ أشقرا
[ ١ / ٤٠٠ ]
وليس بمعروفٍ لنا أن نردَّها صِحاحًا ولا مُستنكرًا أن تُعقًرا
وفيها:
أتيتُ رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابًا كالمجرَّةِ ثَيِّرا
أقيم على التقوى وأرضى بفعلها وكنتُ من النار المخُوفة أحذَرا
وفيها ما أتى فيه حديثٌ مُسند ذكره الإمام الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن إبراهيم السَّلفي الأصبهانيُّ في السُّداسيات له. قال أبو الطاهر: أخبرنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعديُّ بمصر قال: نا عُبيد الله بن محمد بن يطَّة العُكبري بها، قال: نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغويُّ، قال: نا داود بن رشيد، قال: نا يعلى بن الأشدق، قال: سمعت النابغة يقول: أنشدتُ ﷺ:
بلغْنا السواءَ مجدُنا وجدودُنا وإنا لنرجو فوق ذلك مَظْهرا
فقال: " أين المظْهرُ أبا ليلى؟ " فقلت: الجنةُ. فقال: " أجل، إن شاء الله ". ثم قلت:
ولا خيرَ في حِلمٍ إذا لم تكن له بوادرُ تحمي صفَوهُ أن يُكدَّرا
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكن له حليم إذا ما أَوردَ الأمرَ أَصدرا
فقال النبي ﷺ: " أجدتَ لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ
[ ١ / ٤٠١ ]
مرتين ". وفي رواية عبد الله بن جراد لهذا الخبر قال: فنظرت إليه كأن فاهُ البَردَ المتَهلَّلَ يتلأْلأُ ويَبْرق ما سقطت له سِن، ولا نغِلْت لقول رسول الله ﷺ: " أجدت لا يَفضُضِ الله فاك ". وعاش النابغة بدعوة النبي ﵇ حتى أتت عليه مئة سنة واثنتي عشرة سنة. فقال في ذلك:
أتتْ مئةً لعام وُلدتُ فيه وعشرٌ بعد ذلك واثنتانِ
وقد أبقتْ صروفُ الدهر مني كما أَبقت من الركن اليماني
ألا زَعمتْ بنو سعدٍ بأني ، وما كذَبوا، كبير السنِّ فانِ
وذكر عمر بن شبَّة عن أشياخه أن النابغة الجعدي عُمر مئة وثمانين سنة. وقال غيره: أدرك المنذر بن محرِّق، ونادمه، وكان أسنَّ من النابغة الذيباني. والدليل على ذلك أن الذِّبيانيَّ كان مع النعمان بن المنذر وأبي قابوس. وكان المنذر بن محرِّق قبل النعمان وهو جدُّه. ومات النابغة الذيباني في الجاهلية. وكان الجعديُّ طويل البقاء في الجاهلية والإسلام. وكان يرد على الخلفاء؛ ورد على عمر ثم عثمان، وبقي إلى أيام ابن الزبير، ومدحه بمكة. فقال له ابن الزبير: يا أبا ليلى، الشعرُ أهون وسائلك عندنا. ولك في مال الله تعالى حقّانِ: حقٌّ لرؤيتك رسول الله ﷺ، لشركتك أهل الإسلام في فيئهم. وكان يذكر في الجاهلية دين إبراهيم والحنيفية، ويصوم، ويستغفر فيما ذكروا. وقال في الجاهلية كلمتَه التي أولها:
المحدُ لله لا شريكَ له من لم يقلهْا فنفسَهُ ظَلما.
وفيها ضروب من دلائل التوحيد والإقرار بالبعث والجزاء والنار.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وولد عبد الله بن كعب بن ربيعة العَجْلان. فمن بني العجلان تميم بم مُقْبل الشاعر.
وأما عامر بن ربيعة بن عامر فولد بكَّاء بن عامر وعمرو بن عامر، واسم البكاء ربيعة وكان أحمق، وله خبر في مستظرف سُمِّي به " البكاء ". ذكره حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب " أفعَلَ " من تأليفه.
فمن بني البكاء بِشر بن معاوية البكَّائيُّ: قدم مع أبيه معاوية بن ثور وافدين على النبي ﷺ، ومسح برأس بشر، ودعا له. وفي ذلك يقول ابنه محمد:
وأبي الذي مَسح الرسولُ برأسهِ ودعا له بالخيرِ والبركاتِ
ومنهم عقيةُ بن وهْبٍ البكَّائيُّ: أبو نُعيم. روى عنه ابنه وهب وابن عُيينة.
ومنهم خَرقاءُ صاحبة ذي الرُّمة التي كان يشبِّب بها.
ومنهم زياد بن عبد الله البكائي: الذي روى السيرة عن ابن إسحاق، وخرَّج عنه مسلم في الصحيح. وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومئة.
ومن بني عامر بن ربيعة حبَّةُ وسَواءٌ: ابنا خالد. حديثهما عند الأعمش عن سلاَّم أبي شُرحبيل قال: سمعت حبَّة وسواء ابني خالد يقولام: أتينا رسول الله ﷺ وهو يعمل عملا، فأعنَّاهُ عليه. فلما فرغ دعا لنا، وقال: " لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسُكما، فإن الإنسان تلدُه أمه أحمر ليس عليه قشر، ثم يعطيه الله ويرزقُه ".
ومن بني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة خالد وحَرملةُ ابنا هَوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهما من المؤلفة قلوبهم. وربيعة جدُّهما أبو أبيهما هوذة، كان يدعى أنف الناقة. وليس بنوه الذين مدحهم الحطيئة؛ أولئك بنو قرَيع من تميم. وقد مضى ذكرهم.
وولد خالد بن هوذة العدَّاء بن خالد: أسلم بعد حُنين، وحسُن إسلامه.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وهو القائل: قاتلنا رسول الله ﷺ يوم حُنين. فلم يُظهرنا الله، ولم ينصرنا. من حديثه عن النبي ﷺ ما حدَّث به الأصمعي قال: نا عثمان الشحَّام عن أبي رجاء العُطارديُِ عن العداء بن خالد قال: ألا أرئك كتابا كتبه لي رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فإذا فيه مكتوب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من رسول الله ﷺ، اشترى منه عبدا أو أمة شكَّ عثمان بياعة المسلم أو بيع المسلم المسلمَ لا داء ولا غائلة ولا خَبْثة " قال الأصمعي: سألت سعيد ابن أبي عَروبة عن الغائلة قال: الإباق والسرقة والزنا. وسألته عن الخَبثة، فقال: بيعُ أهل عهد المسلمين.
وأما مُرَّةُ بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة فبنوه ينسبون إلى أمهم سَلول، وبها يُعرفون. وقال الزبير بن بكار: سَلولُ بنة شيبان بن ذهْلِ بن ثعلبة. ولدت بني مُرة بن صعصعة أخي عامر بن صعصعة قال: وأمُّ سلول من بني يَشْكر. وبنو سَلول رهطُ أبي مريم السلوليِّ، واسمه مالك بن ربيعة، وهو والد يزيد بن أبي مريم، بصري له صحبة. قال عليُّ بن المدينيِّ: له عن النبي ﷺ نحو عشرة أحاديث.
ومن بني سلول قَرَدة بن نُفاثة السلوليُّ: كان شاعرا، وقدم على النبي ﷺ في جماعة من بني سلول، فأمَّره عليهم بعد أن أسلم وأسلموا. فأنشأ يقول:
بانَ الشبابُ فلم أحفِلْ به بالا وأقبلَ الشيبُ والإسلام إقبالا
وقد أُروِّي نديمن من مُشعشعَةٍ وقد أُقلِّب أوراكًا وأكفالا
الحمدُ لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسَيتُ من الإسلام سِرُبالا
[ ١ / ٤٠٤ ]
وقد قيل: إن البيت قوله: الحمد لله إذ لم يأتني أجاي للبيد، قاله أبو عبيدة وقال قردة أيضا:
لا أسمعُ الصوت حتى أستديرَ له وحال بالسمع دون المنظرِ البصرُ
وكنت أمشي على الساقينِ مُعتدلًا فصرتُ أمشي على ماُ تنبِتُ الشجرُ
إذا أقوم عجنتُ الأرضَ متكئًا على البراجم حتى يذهبَ النَّفَرُ
ومنهم بَشير بن نَهيك أبو الشَّعثاء السلولُّي: سمع أبا هريرة، وروى عنه النضْر بن أنس.
سعد بن بكر بن هَوازن بن منصور، منهم ضِمامُ بن ثعلبة: وافد بني سعد بن بكر إلى النبي ﷺ، وحديثه صحيح مشهور في دعائم الإسلام، أخرجه مسلم وغيره. روي عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك وطلحة، ولم يسمِّه طلحة. وطُرفه كلُّها صحاح.
ومنهم حَليمة بنت أبي ذؤيب. وأبو ذؤيب هو عبد الله بن الحارث بن شَجْنة جابر بن رزام بن ناصرة بن قُصيَّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هَوازن. وهي أمُّ رسول الله ﷺ التي أرضعته، حتى أكملت رضاعه. ورأت له بُرهانا وعلما جليلا. واسم أبيه الذي رضعه الحرث بن عبد العُزَّى بن رفاعة بن مِلاَّنَ بن ناصِرةَ بن قُصيَّة بن نصر بن سعد. روى زيدُ بن أسلم عن عطاء بن يَسار قال: جاءت حليمة بنة عبد الله أمُّ النبي ﵇ من الرضاعة إلى رسول الله ﷺ يوم خيبر، فقام إليها، وبسط لها رداءه فجلست عليه. روت عن النبي ﵇، وروى عنها عبد الله بن جعفر.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وبنتُها الشَّيماء: أخت النبي ﵇ من الرضاعة. واسمها خذامةُ، وقيل: حُذامة. كانت في سبي هوازن، فجعل المسلمون يسيرون بها سيرا عنيفا. فكانت تقول: ارفقوا بي، فإني أخت صاحبكم. فلما رأت النبيَّصلى الله عليه وسلم أخبرته من هي. فسألها: " ما علامة ذلك؟ " قالت: عضَّة عضضتَنيِها في ظهري، وأنا مُتَورِّكتُك. فعرف النبي العلامة. فرحَّب بها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، كما فعل بحليمة أمِّها. ودمعت عيناه. وقال لها: " إن أحببتِ فأقيمي عندي مُكْرمة مُحَبَّة، وإن أحببت أن ترجعي إلى قومك وصلتُك ". فقالت: بل أرجع إلى قومي. فأسلمت، وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبُد وجارية، وأعطاها نَعَما وشاء.
ومن سعد بن بكر بن هوازن عَطيةُ بن عُروة السَّعدي: يُكنى أبا محمد. وقيل: عطيةُ بن عامر، والأول أكثر. روى عنه أهل اليمن والشام، وهو جدُّ عروة ابن محمد بن عطية. حدَّث محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: نا بشر بن بكر الحنبلي الدمشقي؛ نا عبد الرحمن بن حاتم عن عروة بن محمد بن عطية قال: حدثني أبي أن أباه أخبره قال: قدمت " قال رسول الله " " فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ". وذكر أن عروة بن عطية كان أميرا لمروان بن محمد، وهو الذي قتل أبا حمزة الخارجيَّ، وقتل طالب الحق الأعور القائم باليمن.
ومن بني بكر بن هوازن أبو وجْزةَ يزيدُ بن عُبيد السعدي: وكان شاعرا مُجيدا، كثير العلم فيمن حمل الحديث مثله في الشعر. وتوفي بالمدينة سنة ثلاثين ومئة.
قَسِيُّ بن مُنبِّه بن بكر بن هوازن. وقسي هو ثقيف. وقيل: إن ثقيفا هو قسيُّ بن النَّبيت بن منبِّه بن منصور بن يَقدُم بن أقصى بن دَعْميِّ بن إياد بن معدِّ بن عدنان. قال أمية بن أبي الصَّلت الثقفي:
فإمَّا تسألي عني لبَيْني وعن نسبي أُخبِّرْكِ اليقينا
[ ١ / ٤٠٦ ]
فإمَّا للنَّبيتِ أبي قَسِيٍّ لمنصور بن يَقدُمَ الأقْدَمِينا
وقال أيضا:
قَومي إيادٌ لو أَنَّهمْ أَمَمُ أَوْلَوْ أَقاموا فتُهْزَل النَّعمُ
قومٌ لهمْ ساحةُ العراقِ إذا ساروا جميعًا والقطُّ والقلم
وأنشد الحجاج هذين البيتين بين يدي عبد الملك بن مروان، فقال الحجاج: معاذ الله يا أمير المؤمنين نحن من قيس، ثابتة أصولنا، باسقة فروعنا، يعرف ذلك قومنا. وقد قال شاعرنا:
وإنَّا معشرٌ من جِذْم قيسٍ فنِسْبتُنا ونسبتُهم سَواءُ
همُ آباؤنا وبنوا علينا كما بُنيتْ على الأرضِ السماءُ
وقيل: إن ثقيفا من بقايا ثمود. وكان الحجاج يُنكر هذا ويتلو: " وثمودا فما أبقى ". وأصحُّ شيء في ثقيف من جهة الإسناد عن رسول الله ﷺ، وما قاله فهو الحقُّ، وما حدَّث يحيى بن مَعِين قال: نا هشام بن يوسف ابن مَعْمر عن ابن خُثَيم، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ خطب الناس في غزوة تبوك وهو بالحجر فقال: " يأيها الناسُ لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، فكانت ترد الناقةُ عليهم من هذا الفج، فتشْرب من مائهم، ويحلبُون من لبنها مثل الذي كانت تشربه من مائهم يوم ورودها، وتصدُر من هذا الفجِّ. فعَتَوا عن أمر ربِّهم، فعقرها. فوعدهم الله ثلاثة أيام، وكان وعدا غير مكذوب. فأخذتْهم الصيحة، فأهلك الله من تحت السماء في
[ ١ / ٤٠٧ ]
مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجلا كان في حرم الله، فمنعه حرمُ الله ". قالوا: يا رسول الله، ومن هو؟ قال: " أبو رغال ". قالوا: ومن أبو رغال؟ قال: " هو أبو ثقيف ".
ومن حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الطائف مرَّ بقبر أبي رغال فقال: " هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف. كان إذ أهلك الله قوم صالح في الحرم فمنعه الله، فلما خرج من الحرم رماه الله بقارعة، وآية ذلك أنه دُفن معه عمودٌ من ذهب ". فايتذر المسلمون قبره فنبشوه، واستخرجوا العمود منه. وقال حسان بن ثابت في ثقيف:
إذا الثقفيُّ فاخرَكمْ فقولوا: هَلمَّ نعدُّ أمرَ أبي رِغالِ
أبوكمْ أخبثُ الأحياءِ قِدْمًا وأنتم مُشْبِهوهُ على مثالِ
ومن زعم أن ثقيفا من إياد زَعم أنهم خلفاء قيس. وإنما صار حلفُ ثقيف إلى قيس، لأن أم قسيِّ بن مُنبِّه هي ابنةُ عامر بن الظَّرب العَدْواني. فكانت قيس أخوالهم، فحالفوهم، لأن دارهم مع دارهم. وكانت ثقيف قد نزلت دارا لم ينزل أحد من العرب أفضل منها، وحَمَوها في الجاهلية ممن رامها من جميع العرب. وممن قال إن ثقيفا حُلفاء قيس ابن إسحاق وغيره. والذي عليه أكثر جماعة أهل العلم بالنسب أن ثقيفا في قيس، وأن ثقيفا هو قَسيُّ بن مُنبِّه بن بكر بن هَوازن.
فمن ثقيف عُروةُ بن مسعود بن مُعتٍّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عَوف بن ثقيف، أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور. أسلم حين انصرف رسول الله ﷺ من حصار الطائف. أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، وحسُن إسلامه. وكان محببَّا مُطاعا في ثقيف، وقتلوه حين دعاهمْ إلى الإسلام.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فقال النبي ﷺ: " إنَّ مَثلَه في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه ". وشبه رسول الله ﷺ بعيسى بن مريم ﵇ في حديث الإسراء.
ومن بني عروة بن مسعود أبو مليح وعاصم وأما عاصمُ بن عُروة فولد يعقوب، وهو من التابعين. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاصي حديث " يخرج الدجَّال في أمتي فيمكث أربعين ". وهو حديث طويل خرَّجه مسلم. وكان لعروة أخ شقيق اسمه الأسودُ بن مسعود: مات مشركا. وابنه قاربُ بن الأسود: هو الذي سأل رسول الله ﷺ أن يقضي دين أبيه الأسود من مال الطاغية. فقال له ﵇: " إن الأسود مات مشركا ". فقال قارب: لكن تصل مسلما ذا قرابة يعني نفسه إنما الدَّين عليَّ، وأنا الذي أطلب به. فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان فقضى دين الأسود من مال الطاغية.
ومنهم عثمان بن أبي العاصي بن بشر بن دُهمان: وهو أحد وفد ثقيف، وكان حسن الإسلام راغبا في التفقُه في الدِّين. وأمره رسول الله ﷺ على ثقيف، وكان من أحدثهم سنا. وروى مُطرِّفُ بن عبد الله بن الشخِّير عن عثمان بن أبي العاصي، قال: كان آخر ماعهد إليَّ رسول الله ﷺ حين بعثني على ثقيف أن قال: " يا عثمان، تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم، فأن فيهم الكبير والصغير وذا الحاجة ". ويكنى أبا عبد الله، ومات في خلافة معاوية، وكان ممَّن سكن البصرة. روى عنه أهلها وأهل المدينة أيضا. وعثمان بن أبي العاصي كان سبب امْتِساكِ ثقيف في حين ردة العرب عن الردة، لأنه قال لهم حين همُّوا بالرِّدة: يا معشر ثقيف، كنتم آخر الناس إسلاما، فلا تكونوا أول الناس ردة. وهو القائل: الناكح مُغْترس، فلينظر أين يضع غَرْسَه، فإنَّ عرق السَّوء لا بدَّ ينزع ولو بعد حين.
وأمُّه أمُّ عثمان، واسمها فاطمة بنت عبد الله: روى عنها ابنها عثمان أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهْب أمَّ رسول الله ﷺ، وحضرتْها حين
[ ١ / ٤٠٩ ]
وضعته، كان ذلك ليلا. قالت: فما شيء أنظر من البيت إلا نور
ومن ولده أبو صفوان عثمان بن عمرو بن صفوان بن عبد الله بن عثمان ابن أبي العاصي: سمع سفيان الثوريَّ.
ومنهم عبد يالِيل بن عمرو بن عُمير بن عوف بن عُقدة بن غيرة بن عوف ابن عوف بن ثقيف. وعمرو بن عمير: أبوه، هو عظيم القريتين، وسيد ثقيف. يكنى أبا مسعود. والقريتان مكة والطائف. وفيه الوليد بن المغيرة أنزل الله تعالى: " وقالوا: لولا نُزِّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم ". وهو وأخوه مسعود وحبيب هم الذين عَمد إليهم رسول الله ﷺ حين خرج من مكة وأتى الطائف قبل الهجرة رغبة في إسلامهم، وأن يمنعوه حتى يظهر ما أرسل به. فردُّوا عليه أقبح ردٍّ، وأغرَوا به سفهاءهم. والخبرُ بذلك مُستوفي في السِّير. وأسلم عبد يالِيل، وهو أحد وفد ثقيف.
ومنهم أبو مِحْجنٍ الشاعر الشجاع، وهو من الصحابة. واسمه مالك بن حبيب بن عمرو بن عُمير. وقيل: عبد الله بن حبيب، وقيل: اسمه كُنْيتُه. وجدُّه الأقرب أبو أبيه عمرو بن عُمير هو عظيم القريتين المذكور آنفا. وكان أبو محجن من الشجعان الأبطال في الجاهلية والإسلام، ومن الفرسان البُهْم. وكان شاعرا مطبوعا كريما، إلا أنه كان مُنهمكا في الشرب، لا يكاد يُقلع عنه، ولا يردعُه حدٌّ ولا لومُ لائم. وخبره مع سعد بن أبي وقاص في حرب القادسية مشهور.
ومنهم الشريدُ بن سُويد الثقفي: وهو من الصحابة. روى عنه ابنه عمرو ابن الشريد ويعقوب بن عاصم
ومن ثقيف المغيرةُ بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن مُعتِّب. وأبوه شعبة ابن أخي عروة بن مسعود. شهد المغيرة بيعة الرضوان، وشهد اليمامة، وفتوح يسار وأبو محمد بن سيرين من سَبْي مَيْسان. وشهد نهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقِّرن. وهو أول من وضع ديوان البصرة. ويقال إنه أحصن ثمانين
[ ١ / ٤١٠ ]
امرأة. ويكنى أبا عبد الله، ومات بالكوفة وهو أميرها سنة خمسين. وقال حين حضرته الوفاة: اللهمَّ هذه يميني بايعت بها نبيَّك، وجاهدت بها في سبيلك.
وولده عُروةُ بن المغيرة: يكنى أبا يَعْفور، وكان خيِّرأ. وروى عن أبيه المغيرة حديث المسح على الخُفَّين، وهو حديث صحيح مشهور.
ومنهم أبو عُبيدِ بن مسعود بن عَمرو بن عُمير: وهو ابن عمِّ أبي مِحْجن لحّا، لا تَعلمُ له رواية عن النبي ﵇. قُتل في أول خلافة عمر هو وابنه جَبْر بن عُبيد يوم الجِسر، وهو صاحب يوم الجسر المعروف بجسر أبي عُبيد. وهو والدُ صفية بنت أبي عبيد والمختار بن أبي عبيد. واستُشهد أبو عبيد يوم الجسر في آخر شهر رمضان من سنة ثلاث عشرة. واستُشهد معه يومئذ من المسلمين ألف وثمانمئة بين قتيل وغريق، ﵏. وقد قيل إن الفيل بَرك يومئذ على أبي عُبيد فقتله بعد نكاية كانت منه في المشركين. وقيل إن أبا عبيد ضرب مِشفَرَ الفيل، وضرب أبو مِحْجن عُرقوبه. وأوصى أبو عُبيد إلى عمر بن الخطاب، ورثاه أبو مِحْجن.
ووُلد ابنه المختار على عهد رسول الله ﷺ، وكان غير مختار. وولاَّه عبد الله بن الزبير الكوفة، فخلع ابن الزبير، ودعا لمحمد بن الحنفية. وكان المختار لا يُوقف له مَذْهب؛ كان خارجيا، ثم صار زُبيريا، ثم صار رافضيا في ظاهره وإليه تُنسب الكَيْسانية من الرافضة، وهم أصحابه. وكان لقبُ المختار كَيسان. وكان يدَّعى أنه يُلهم ضربا من السجع لأمور تكون، ثم يحتال فيوقعها. فيقول للناس: هذا من عند الله. فمن ذلك قوله ذات يوم: لتنزلَنَّ من السماء نارٌ دَهماء، فلتحرقنَّ دارَ أسماء. فذُكر ذلك لأسماء بن خارجة، فقالت: أقد سَجع لي أبو إسحاق؟ هو والله مُحرِقُ داري، فتركته والدارَ وهرب من الكوفة.
ومن سجعه: إني أجدُ في محكم الكتاب وفي اليقين والصواب أن الله مؤيِّدُكم بملائكة غضاب تأتي في صُورَ الحمام دمن السحاب. وقصةُ مكيدته بهذه
[ ١ / ٤١١ ]
الحمام مشهورة ذكرها المبرِّ في " الكامل ".
وحصر مصعب بن الزبير المختار في قصره بالكوفة، ثم قُتل، قتلهُ صرَّاف بن يزيد الحنفيُّ. وكانت بنت سمرة بن جُندب عند المختار، وله منها ابنان: إسحاق ومحمد، وله من غيرها بنون، وأعقب بالكوفة كثيرا. وكانت أيضا تحته بنت النعمان بن بشير، وهي التي قتلها المصعب، لأنها لم تتبرَّأ من المختار، كما تبرّأت بنت سمُرةَ منه. وفي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:
إنَّ من أكبر الكبائر عندي قتلَ حسناء غادةٍ عُطبولِ
قُتلتْ باطلًا على غيرِ ذنبٍ إنَّ للهِ درَّها من قَتيلِ
كُتب القتلُ والقتالُ علينا وعلى الغانياتِ جَرُّ الذيولِ
ومنهم أبو بَصير عُتبةُ بن أسِيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سلمة ابن عبد الله بن غيرة بن عَوف بن قَسِي: وهو ثقيف، حليفُ بني زهرة من قريش بعد صلح الحديبية بمكة. وقدِم المدينة، فأرسلت قريش في طلبه رجلين: أحدهما من بني عامر بن لؤي. والآخر: مَولى لهم. فدفعه النبيُّ ﵇ إلى الرجلين للعهد الذي كان في عقد الصلح. فخرجا حتى بلغا به " ذا الحُليفة ". فقَتل أبو بَصير العامريَّ بها، وهرب المولى حتى قدِم المدينة. فقال النبي ﵇ حين رأى المولى: " لقد عاد هذا ذُعرًا ". وانتهى أبو بصير إلى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، قد والله وفت ذمَّتك فرددتَني إليهم، وأنجاني الله منهم. فقال النبي ﵇: " ويلُ أُمهِ مِسعَرُ حربٍ، لو كان له أحد ". وفي رواية: " لو كان معه رجال ". فلما سمع ذلك علم أنه سيردُّ إلى قريش، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر بالعِيص. وأفلت أبو جندل بن سُهيل بن عمرو من
[ ١ / ٤١٢ ]
حبس أبيه بمكة، فلحق به. وخبرُهما بالعيص مشهور قد ذكرتُه قبلُ عند ذكر سُهيل والِد أبي جند في بني عامر بن لؤي من قريش.
ومات أبو بصير بالعيص، وكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث إليه وإلى أبي جندل ليقدما عليه ومَن معهما من المسلمين بيده " فقرأه أبو جندل وأبو بصير مريض، فمات، فدفنه " أبو بصير مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجدًا.
ومنهم غَيلان بن سَلمة أبو شُرحبيلَ الثقفيُّ: أسلم مع أهل الطائف، وكان عنده عشرُ نسوةٍ،. فأَمره رسول الله ﷺ أن يتخيَّر منهن أربعًا. وهو غيلانُ بن سَلمة بن مُعتِّب، ابنُ عمِّ عروةَ بن مسعودٍ بن مُعتِّب. وكان أحدَ وجوهِ ثقيفٍ ومقدَّميهم. وفد على كسرى، وخبرُه معه عجيب مشهور. وكان شاعرًا مُسنًا.
وابنتُه باديةُ بنت غَيلانَ: هي التي نعتَها الحنَّث " هِيتٌ " لمولاهُ عبد الله بن أبي أميَّةَ في بيت أمِّ سَلمةَ أختِه زوج النبي ﵇. فقال: إنْ فتح الله عليكم الطائف غدًا فإني أدلُّك على بنتِ غيلانَ، فإنها تُقْبِل بأربعٍ، وتُدبرُ بثمان. فسمعه رسول الله ﷺ. فقال: " لا يدخل هؤلاء عليكنَّ ". وتوفي غَيلانُ في آخر خلافة عمر. وأمُّه سُبيعةُ بنت عبد شمس.
وابنه شُرحبيل بن غيلان: أحدُ وفِد ثقيف، وكان من وجوههم، وله صحبة، ولأبيه غيلانَ أيضًا صحبة. وزاد له القاضي..أبو الوليد الباجي، رحمه اله، ابنًا على طريق الغَلط، وذلك أنه قال في كتاب " السَّنن والسُّنن " له، قال: المعذَّلُ بن غَيلانَ بن سَلمة الثقفي وأنشد له:
ولستُ بميَّال إلى جانب الغِنى إذا كانتِ العَلياءُ في جانب الفَقْرِ
[ ١ / ٤١٣ ]
وإني لصبَّارٌ على ما يَنوبُني وحسبُك أَنَّ الله أَثنى على الصَّبْرِ
وهذان البيتان إنَّما هما للمعذَّل بن غيلانَ بن الحكم الرَّبَعي، وقد ذكرتُه.
ومن بني غَيلانَ عمرو بن غيلانَ: وحديثه عند أهل الشام، ليس بالقَوي. وكان يُكنى أبا عبد الله بابنه. وكان عبد الله ابنه من كبار رجال معاوية، ولاهُ البصرةَ بعد موت زيادٍ حين عزَل سمُرةَ بن جُندبَب عنها. فأقامَ أميرَها ستةَ أشهر، ثم عزله، وولاَّها عُبيدَ بن زياد. فلم يزل واليها حتى ماتَ، فأقرَّه يزيد.
ومن بنيه نافعُ بن غيلانَ: استُشهد مع خالد بن الوليد بدومةِ الجندل، فجزِع عليه أخوهُ جزعًا شديدًا، ورثاهُ بأبياتٍ كثيرة منها قولُه:
ما بالُ عيني لا تُغمِّضُ ساعةً إلا اعْترتني عَبرة تَغشاني
يا نافعٌ مَن للفوارس أحجمت عن شدَّةٍ مَذكورةٍ وطِعانِ
لو أستطيع جعلتُ مني نافعًا بين اللهاةِ وبينَ عَقدِ لساني
وبنتُه حُكيمةُ بنت غَيلانَ: كانت تحت يعلى بن مُرَّةَ بن وهْب بن جابر الثقفي، روت عنه. واسمُ أم يعلى سيابة. فرما نُسب إليها، فقيل يعلى بن سَيابة، يُكنى أبا المرزام. " وشهد مع النبي ﷺ الحديبية وخيبرَ والفتح وحُنينًا والطائف. روى عنه ابنه عبد الله بن يعلى والمُنْهال بن عمرو وغيرهما. يعدُّ في الكوفيين.
ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي بن الحكم بن أبي عَقيل بن مسعود بن عامر بن مُعتِّب بن مالك بن كعب: من الأحلاف. يجتمع مع عروة بن مسعود في معتِّب بن مالك. وأخبارُه أشهرُ من أن تُذكر. وولاَّهُ عبد الملك بن مروان
[ ١ / ٤١٤ ]
الحجازَ ثلاثَ سنينَ بعد قتل عبد الله بن الزبير، فكان يصلي بالموسم كلَّ سنة. وصلَّى وراءه عبد الله بن عمر منها موسمًا، ثم ولاهُ العراق، وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، فوليَها عشرين سنة، وأصلحها، وذلَّل أهلها. وروى أبو اليَمان عن جرير بن عثمانَ، عن عبد الرحمن بن مَيسرةَ، عن أبي عَذَبة الحَضْرميِّ قال: قدمتُ على عمر بن الخطاب رابعَ أربعةٍ من أهل الشام، ونحن حجاج. فبينا نحن عنده أتاهُ خبرٌ من أهل العراقِ بأنهم قد حَصَبوا إمامَهم، فخرج إلى الصلاة ثم قال: مَن هاهنا من أهل الشامِ؟ فقمتُ أنا وأصحابي فقال: يا أهل الشام تجهزَّوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باضَ فيهم وفرَّخ. ثم قال: اللهمَّ إنهم قد لَبَسوا عليَّ فالبَس عليهم. اللهم عجِّل لهم الغلامَ الثقفيَّ الذي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من مُحسنِهم، ولا يتجاوز عن مُسيئهم.
وكان الحجاجُ أخفشَ دقيقَ الصوت. وأولُ ولايةٍ وَلَيها الحجاجُ تَبالةَ. فلما رآها احتقرها، وانصرف. فقيل في المثل: " أهونُ من تَبالةَ على الحجاج ". وهَلك بواسطَ فدُفن بها، وعُفِّيَ قبرُه، وأُجرىَ عليه الماءُ. وكانت وفاتُه سنة خمسٍ وتسعينَ، وهو ابن ثلاثٍ وخمسين.
وكان الحجاجُ يُسمَّى كُليباُ في صغره، وكان يعلم الصبيان في الطائف. فقيل فيه:
أيُكنى كليبٌ زمانَ الهُزالِ وتعليمَه سورةَ الكوثرِ؟
رغيف له فُلكةٌ ما تُرى وآخرُ كالقمر الأزهرِ
يعني القائل أن خبز المعلمين مختلِف. وأبوهُ يوسُف أيضًا كان معلمًا
ومنهم يوسُف بن عمر بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل: ابن عمر الحجاج
[ ١ / ٤١٥ ]
ابن يوسف، يجمعه وإياه الحكَمُ بن أبي عقيل، وكان يُكنى أبا عبد الله. ووليَ اليمن لهشامٍ، ثم ولاَّهُ العراق ومُحاسبة خالد بن عبد الله القسري وعُمَّالهِ، فعذبهم. فمات خالدٌ في عذابه، ومات بلال بن أبي بُردةَ في عذابه. فلما قُتل الوليد بن يزيدَ هربَ فلُحق بالشام، فأُخذ بالشام وحُبس، ثم قُتل في الحبس. وكان يزيدُ بن خالد بن عبد الله فيمن قتلَه بأبيه. وكان له عقب بالشام.
ومنهم قُتيبة بن سَعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي أبو رجاء. وهو من جلَّة المحدِّثين الحُفاظ الثقات الفضلاء. رَوى عن مالكٍ والليث وسفيانَ ابن عُيينةَ وعمَّه أبي محمد الوسيم بن جميل بن طريف وعبد العزيز بن محمد الدَّرواورْي ويحيى بن زكرياء بن ابي زائدة الهمْداني وجعفر بن سُليمانَ الضُّبعي وجرير بن حازم الجهضمي وبكر بن مُضرَ المدْحجي وحفص بن غياث النَّخعيِّ وأبي الأحوص سلام بن سُليم وحمَّاد بن زيد والوضاحِ بن أبي عَوانةَ ويعقوبَ بن عبد الرحمن القاريِّ وغيرهم. وروى عنه الأئمة: البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ. وعُمِّر عُمرًا طويلًا، وانتُفع به، جدَّد الله عليه رحمته ورِضوانه.
ومن ثقيف الأخنس بن شريف بن عمرو بن وهب حليف بني زهرة. وكان شريفًا فيهم، مطاعًا فيما يقول. وهو ردَّ بني زهرة عن حضور بدرٍ، فلم يشهد زهريٌّ مع المشركين وقعة بدر. وكان يصيب من رسول الله ﷺ، ويرد عليه بمكة. وفيه أنزل الله تعالى:) ولاتُطعْ كلَّ حلاَّف مَهين، همَّازٍ مشَّاءٍ بنميمٍ، منَّاعٍ للخير، مُعتدٍ أثيم، عُتُلٍّ بعد ذلك زَنيمٍ (. ولم يقل) زنيمٍ (لعيب في نسبه؛ إن الله تعالى لا يعيب أحدًا بنسب، ولكن حقَّق الله تعالى بذلك نعْتَه ليُعرف. والزنيم: الدخيل في القوم، وليس منهم. قال الخطيم التميميُّ في الجاهلية:
زَنيمٌ تداعاه الرجالُ زيادة كما زيدَ في عَرض الأديمِ الأكارعُ
[ ١ / ٤١٦ ]
وفيه قيلَ:
قد نضَّرَ الله وفرَّ الأخنسُ
وابنه المغيرة بن الأخنس: كان من خيار المسلمين، وقُتل يوم الدار قبل قتل عثمان، ﵄.
ومن ولد المغيرة يعقوب بن عُتبة بن المغيرة: روى عنه ابن إسحاق صاحبُ السيرة.
ومنهم أبو محمد عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري: روى عن أيُّوب السَّختياني وغيره من جلَّة المحدِّثين. وخرج مسلم عن رجل عنه في صحيحه كثيرًا. ومات سنة أربع وتسعين ومئة. وفي ابنه عبد المجيد كان يتغزل محمد بن مُناذِر الشاعر، ورثاه بقصيدة طويلة، وهي من حُلو المراثي وحَسَن التأبين. وكان ابن مُناذرٍ فَهِمًا مُقدمًا، وشاعرًا مفْلقًا، وخطيبًا مِصقعًا قوة كلام العرب بروايته وأدبه وحلاوة كلام المحدثين بعصره ومُشاهدته.
ومن موالي ثقيف عبد الله بن أبي نُجيح: واسم أبي نُجيح يسار. وكان عبد الله مفتي مكة بعد عطاء. ومات أبو نجيح سنة تسعٍ ومئة، ومات عبد الله ابنه سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
مازن بن منصور: أخو هوازن وسُليم.
فمن بني مازن بن منصور عُتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نُسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن المنصور: حليف بني نوفل بن عبد منافٍ. يُكنى أبا عبد الله. كان إسلامه بعد ستة رجال؛ فهو سابعُ سبعة في إسلامه. وقد قال ذلك في خطبته المشهورة بالبصرة: لقد رأيتُني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ، مالنا طعامٌ إلا روق السَّمُر، حتى قرِحتْ أشداقُنا. فالتقطت بُردةً، فشققتها بيني وبين سعد بن مالكٍ، فاتَّزرت ببعضها واتزر ببعضها. فما أصبح منا اليوم واحدٌ إلا وهو أمير على مصرٍ من الأمصار. وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا عند الناس صغيرًا. وإنها لم تكن نُبوءة إلا تناسختْ حتى تكونَ عاقبتُها مُلكًا.
[ ١ / ٤١٧ ]
وعتبة بن غزوان اختطَّ البصرة، وهو أولُ من نزلها من المسلمين. وأمر مِحْجنَ ابن الأدرع، فخطَّ مسجدَ البصرو الأعظم. وهاجر إلى أرض الحبشة، وهو ابن أربعين سنةً، ثم قدِم على النبي ﷺ، وهو بمكة. وأقام معه حتى هاجر إلى المدينة مع المقداد بن عمرو، ثم شهد بدرًا والمشاهد كلَّها. ومات في خلافة عمر، وهو ابن سبع وخمسين سنةً.
ومنهم عبد الله بن بُسْر المازني: من مازن بن منصور في قيس. يُكْنى أبا بُسْر، وقيل: يُكنى أبا صفوان. مات بالشام سنة ثمان وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً. وهو آخر من مات بالشام من أصحاب رسول الله ﷺ. روى عنه الشاميُّون: خالد بن مَعْدان ويزيد بن حُمير وسُليم بن عامر وراشد بن سَعدٍ وأبو الزَّاهرية ولقمان بن عامر ومحمد بن زيادٍ، فقال إنه ممَّن صلى القبلتين.
وأخته الصمَّاء بنت بسر: واسمها " بُهَيَّة "، قال ذلك محمد بن القاسم الطاهريُّ. ويقال: بُهَيمة، بزيادة ميم، ذكره الدارَقُطني. رَوت عن النبي ﵇ أنه نهى عن صيام السبت إلا في فريضة.
انقضى ذكر ولدِ مضر جملةً وتفصيلًا والحمد لله كما يجب لجلاله بُكرةً وأصيلًا.
[ ١ / ٤١٨ ]