في تقشُّفه في لباسه، وفي طعمه، أشهرها من هذا كلِّه، ولا يحيط بِسِيَرِهِ وفضائله كتاب وحدَّث حفص بن غياث: نا الثَّوريُّ، عن أبي قيس الأوديِّ قال: أدركتُ الناس وهم ثلاث طبقات: أهل دين يحبون عليا، وأهل دنيا يحبون معاوية، وخوارج.
وقال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يُروَ في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد ما روي في فضائل علي بن أبي طالب. وكذلك قال أحمد بن شُعيب بن علي أبو عبد الرحمن النسَّائي ﵀.
وقال هارون بن إسحاق: سمعت يحيى بن معين يقول: مَن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقته وفضله، فهو صاحب سُنَّة. ومن قال أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وعرف لعثمان سابقته وفضله فهو صاحب سُنَّة. وكان يحيى بن معين يقول: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان.
ووقف جماعة من أئمة أهل السُنَّة في علي وعثمان، فلم يُفضِّلوا واحدا منهما على صاحبه، منهم: مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطَّان. وأكثر أهل السُنَّة على تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على علي.
وقد كان بنو أمية ينالون منه وينتقصونه، فما زاده الله بذلك إلا سموَّا وعلوَّا ومحبة عند العلماء. وذكر الطبري قال: نا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه قال: قيل لسهل بن سعد إنَّ أمير المدينة يريد
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أن يبعث إليك تَسبُّ عليا عند المنبر. قال: أقول ماذا؟ قال: تقول: أبا تراب. فقال: والله ما سمَّاه ذلك إلا رسول الله ﷺ. قال: قلت: وكيف ذلك يا أبا العباس؟ قال: دخل عليٌّ على فاطمة، ثم خرج من عندها، فاضطجع في صحن المسجد، فدخل رسول الله ﷺ على فاطمة. فقال: أين ابن عمِّك؟ قالت: هو ذاك مضطجعا في المسجد. قال: فجاء رسول الله ﷺ، فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره فجعل يمسح التراب عن ظهره، ويقول: اجلس أبا تراب، فوالله ما سماه به إلا رسول الله ﷺ، ما كان اسم أحبَّ إليه منه.
وروى ابن وهب عن حفص بن ميسرة عن عامر بن عبيد الله بن الزبير أنه سمع ابنا له يتنقَّصُ عليا، فقال: يا بني إياك والعودة إلى ذلك، فإن بنو مروان شتموه ستين سنة، فلم يزده الله بذلك إلا رفعة، وإن الديِّنَ لم يبن شيئا، فهدمته الدنيا. وإن الدُّنيا لم تبن شيئا إلا عادت إلى ما بنت فهدمته.
وحدَّث محمد بن إسحاق السرَّاج: نا محمد بن أحمد بن أبي خلف قال: حدثني حُصَين بن عمر عن مُخارق، وعن طارق قال: جاء ناس إلى ابن عباس فقالوا: جئناك نسألك. فقال: سلوا عمَّا شئتم. فقالوا: أيُّ رجل كان أبو بكر؟ قال: كان خيرا كلَّه، أو قال: كالخير كلِّه على حِدَّة كانت فيه. قالوا: فأيُّ رجل كان عمر؟ قال: كالطير الحذر الذي يظنُّ أن له في كلِّ طرق شَرَكًا. قالوا: فأيُّ رجل كان عثمان؟ قال: رجل ألهته نومته عن يقظته. قالوا: فأيُّ رجل كان علي؟ قال: كان قد مُلئ جوفه حُكما وعلما وبئسا ونجدة مع قرابته من رسول الله ﷺ كان يظنَّ أن لا يمُدّ يده إلى شيء إلا ناله، فما مدَّ إلى شيء فناله.
قال ابن السَّرَّاج: وأخبرنا محمد بن الصبَّاح قال: نا عبد العزيز الدَّراورديُّ عن عمر مولى غُفرَة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر لأهل الشورى: لله درُّهم إن ولاَّها الأُصَيلع، يعني عليا وكيف يحملهم على الحق، ولو كان السيف على عنقه. فقلت: أيعلم ذلك ولا يولِّيَهُ؟ قال: إنه قال: إن لم أستخلف وأترككم فقد ترككم من هو خير مني.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وقال الشعبيُّ: قال لي علقمة: تدري ما مَثَلُ علي في هذه الأمة؟ قلت: وما مَثَلُه؟ قال: مثل عيسى ابن مريم، أحبَّه قوم حتى هلكوا في حبِّه، وأبغضه قوم حتى هلكوا في بغضه.
وحدَّث شَبابة بن سوَّار: نا أبو بكر الهذليُّ عن الحسن قال: لمَّا قَدِمَ عليٌّ ﵁ بالبصرة قام إليه ابن الكوَّاء وقيس بن عُباد فقالا له: ألا تُخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرتَ فيه تتولَّى على هذه الأمة، تضرب بعضهم ببعض، أعهدٌ من رسول الله ﷺ عَهِدَهُ إليك؟ فحدِّثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت. فقال: أمَّا أن يكون عندي عهدٌ من النبيِّ ﷺ في ذلك فلا والله. وإن كنت من أول من صدَّقه فلا أكون من أول من كذب عليه. ولو كان عندي من النبي ﷺ في ذلك عهد ما تركت أخا تيم بن مُرَّة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهم بيدي، ولو لم أجد إلا بُردي هذا، ولكن رسول الله ﷺ لم يُقتَل قتلا، ولم يَمُت فُجأة. مكث في مرضه أياما وليالي. يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني، ثم يأتيه المؤذِّن فيؤذِّنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني، ثم يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس، وهو يرى مكاني. ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبا بكر فأبى عليها وغضب، وقال: أنتنَّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فيصلي بالناس.
فلما قبض الله ﷿ نبيَّه نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه النبيُّ ﷺ لديننا. وكانت الصلاة أصل الإسلام، وقِوام الدين. فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، لم يختلف عليه منّا اثنان. ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة، فأدّيت إلى أبي بكر حقَّه، وعرفتُ له طاعته، وغزوت معه في جنوده. وكنتُ آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، واَرب بين يديه الحدود بسوطي.
فلما قُبض، ﵁، ولاّها عمر، فأخذها بسُنَّة صاحبه وما يعرف من أمره. فبايعنا عمر، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم
[ ٢ / ٢٥٦ ]
نقطع منه البراءة. فأدَّيت إلى عمر حقَّه، وعرفتُ له طاعته، وغزوتُ معه في جيوشه. فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي.
فلما قُبض ذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وفضلي، وأنا أظنُّ أن لا يعْدِلَ بي، ولكن خَشِيَ أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلا لحقه في قبره، فأخرج نفسه وولده. ولو كانت محاباة منه لآثرها بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش، أنا أحدهم. فلما اجتمع الرَّهط تذكَّرتُ في نفسي قرابتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظنُّ أن لا يعدِلوا بي. فأخذ عبد الرحمن مواثيقنا على أن نسمع ونطيع من أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان، فضرب بيده على يده.
فنظرتُ في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أُخِذ لغيري. فبايعنا عثمان، فأدَّيتُ إليه حقَّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه. فكنتُ آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي. فلما أُصيب نظرت في أموري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله ﷺ إليهما بالصلاة قد مَضَيا، وهذا الذي أُخذ له ميثاقي قد أُصيب. فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين.