وسداد قوله ﵁ مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريِّ أنه قال: قال أنس ابن مالك: رأيت عمر بن الخطاب، وهو يومئذ أمير المؤمنين، وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث، لبَّد بعضها فوق بعض. مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. عن أنس بن مالك قال: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير يطرح له صاع من تمر، فيأكله حتى يأكل حشفها. مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب أدرَّك جابر بن عبد الله، معه حمَّال لحم فقال: ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين قرمنا إلى اللحم، فاشتريت بدرهم لحمًا. فقال عمر ألا يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره أو أبن عمِّه؟ أين تذهب عنكم هذه الآية:) أذهَبْتُمْ طيِّباتِكم في حياتِكم الدُّنيا واستمتُعتم بها (؟ مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب كأن يأكل خبز بسمن فدعا رجلًا من أهل البادية، فجعل يأكل ويتتبع بالقمة وضر الصِّحفة.
فقال له عمر: كأنك مقفر. فقال: والله ما أكلت سمنًا ولا رأيت أكلًا به منذ كذا وكذا. فقال عمر: لا أكل السَّمن حتى يحيى الناس من أول ما يحيون.
وقال أبو عثمان النَّهديُّ: رأيت عمر بن الخطاب يطوف حول البيت، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة إحداهن بأدمٍ أحمر. وقال الحسن البصري: بينا عمر يعسُّ بالمدينة في الليل أتى على امرأة من الأنصار تحمل قربة. فسألها فذكرت أن لها ريالًا، وأن ليس لها خادم، وأنها تخرج من الليل فتسقيهم من الماء، وتكره أن
[ ٢ / ١٣٨ ]
تخرج بالنهار فحمل عمر عنها القرب حتى بلغ منزلها، وقال: أغدي على عمر غدوة يخدمك خادمًا. وقالت: لا أصل إليه. قال: أنكي ستجدينه إن شاء تعالى. قال فغدة عليه، فإذا هي به، فعرفة أنه الذي حمل قربتها، فذهب توليِّ فأرسل في أثرها وأمر لها بخادم ونفق. وقال الطاووس: أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فما أكل سمنًا ولا سمينًا حتى أكل الناس.
وقال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة بن صوحان: صف بي عمر بن الخطاب، فقال: كان عالمًا برعيتها، عادلًا في قضيته، عاريًا من الكبر، قابلًا للعذر. سهل الحجاب، مصون الباب، متحرِّيًا للصواب، رفيقًا بالضعيف، غير محابٍ للقريب، ولا جافٍ للغريب.
وقال علي بن أبي طالب: ما رأيت عمر بن الخطاب يغدو على قتل، فقلت: يا أمير المؤمنين، إلى أين؟ فقال: بعير ند من الصدقة أطلبه. فقلت: لقد ذللت الخلفاء بعدك يا أمير المؤمنين. فقال: لا تلمني يا أبى الحسن، فوالذي بعث محمدًا بن نبوَّة لو أن سخلة ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة إنه لا حرمة لوالٍ ضيع المسلمين.
ويروى عنه أنه لما قدم الشام لقيته الجنود وعليه إزار وعمامة وخفَّان وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء. وقد خلع خفَّيه وجعلها تحت إبطيه. فقالوا يا أمير المؤمنين لآن تلقاك الجنود وبطارقة الشام أنت على هذا الحال. فقال: إنا قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزَّ بغيره.
مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجرِّاح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعًا من الروم، وما يتخوَّف منهم. فكتب إليه عمر: " أما بعد فإنه مهما ينزل بعبدٍ مؤمنٍ من منزل شدة يجعل الله بعده فرجًا. وإنه لن يغلب عسر بيسيرين. وإن الله ﷿ يقولً في كتابه: " يا أيُّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تُفلحون ".
[ ٢ / ١٣٩ ]
مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال: كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجراءة والجبن غرائز يضعها الله حيث يشاء فالجبان يفرِّ عن أبيه وأمِّه والجريء يقاتل عمَّن لا يؤوب به إلى رحلةٍ والقتل حتف من الحتوف. والشهيد من احتسب نفسه على الله. وروي أنه أتاه ابن له قد تخرق إزاره فقال: اقطعه وانكسه. وإياك أن تكون من الذين يجعلون ما رزقهم الله على بطونهم وعلى ظهورهم.
وقال حميد بن هلال العدويُّ: نهي عمر عن السمن واللحم أن يجمع بينهم، فدخل عبيد الله بن عمر على عبد الله بن عمر. فقدَّم إليه خبزًا ولحمًا فقال عبيد الله: ما أنا بطاعم من طعامك حتى تفرغوا عليه سمنًا. فقال عبد الله: ألم تسمع نهى أمير المؤمنين؟ فقال: ما أنا بفاعل فقالت صفية بنت أبي عبيد: لا تحرم أخاك طعامك، فجيء بسمن فأفرغ عليه. فبينما هو موضوع لم يصيبوا منه إذا عمر إلى الباب، فقال: ما لكم ولطعامكم؟ فالهوا عمر بيدهم إليه فوجد طعم السن. فمال على الخادم ضربًا. فقالت الخادم: ما ذنبي؟ إنما فعلت ما أمرت به. ومال على صفيَّة فضربها حتى سقط خمارها. فجاءت تسعى حتى دخلت البيت وأغلقته دونه ثم جاء فمثل قائمًا على عبد الله، ثم انصرف عنه وقال: لا تنخِّلوا فإنه طعام كلُّه. وقال إبراهيم النَّخعيُّ إن عمر بن الخطاب بعث مصدقين فأبطؤوا عليه، وبا الناس حاجة شديدة. فجاؤوا بالصدقات فقام فيها متَّزرًا بعباءة يختلف في أوَّلها وآخرها: هذه لآل فلان وهذه لآل فلان، حتى انتصف النهار وجاع، فدخل بيته حتى إذا أمكن أكله أكله ثم قال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله.
وعن قتادة قال: قدم عمر الشام، فصنع له طعامًا لم ير قبله مثله. قال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال خالد ابن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر وقال: لئن كان حظُّنا في هذا الحطام وذهبوا بالجنة باينونا بونًا بعيدًا. وقال جرير بن حازمٍ الجهضميُّ: قال الحسن البصري: قدم على أمير المؤمنين وفد من أهل البصرة مع أبي موسى الأشعريِّ قال: فكنَّ ندخل عليه، وله خبز يلتُّ. فربَّما وافقنا هامأ دومةً بسمنٍ، وأحيانًا بالزيت وأحيانًا باللبن، وربما وافقنا القديد اليابسة قد دقَّت ثم أغليت بماء. وربما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل. فقال لنا يومًا: إني والله أرى
[ ٢ / ١٤٠ ]
تعذيركم وكراهيتكم لطعامي، إني لو شئت كنت أطيبكم طعامًا وأرقكم عيشًا. أما والله ما أجهل عن كراكر وأسنمةٍ وعن صلاء وصناب وصلائق. قال جرير: الصِّلاء: الشواء، والصِّناب: الخردل، والصلائق: الخبز الرقاق. ولكن سمعت الله عيَّر قومًا بأمرٍ فعلوه فقال:) أذهبتم طيباتكم في حياتِكمُ الدنيا واستمعتم بها (.
وقال عاصم بن بهدلة: كان عمر بن الخطاب إذا استعمل العامل اشترط عليه ألاَّ يركب برذونًا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يأكل نقيًا، ولا يغلق بابًا عن حوائج الناس وما يصلحهم. وإني لا أستعملك على أبشارهم ولا أغراضهم. وإنما استملتك لتصلِّي بهم وتقضي بينهم وتقسم بالعدل.
وكان ﵁ يحب الجدِّ والقوة في دين الله، ويكره التماوت فيه مخافة أن يبدي فاعله غير ما يخيفه. يروى أن عائشة رحمها الله نظرت إلى رجلٍ متماوتٍ فقالت: من هذا؟ فقالوا: أحد القراء. قالت: فقد كان عمر بن الخطاب قارئًا، فكان إذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع. ويروى أنه نظر إلى رجلٍ. مظهرٍ للنُّسك متماوتٍ فخفقه بالدِّرَّة، وقال: لا تمت علينا ديننا، أماتك الله. وقال للذي يطأطئ رقبته ويطهر للخشوع: يا هذا، ليس الخشوع في الرقبة، إنما الخشوع في القلب.
وكان ﵁ يقول: كفى بك سرفًا ألا تشتهينَِّ شيئًا إلا اشتريته وأكلته. وقال عيسى بن دينار: إنَّ فتى من الأنصار كان جالسًا عند عمر بن الخطاب فقال له عمر بن الخطاب: كيف نفقتك اليوم يا فلان؟ فقال: يا أمير المؤمنين الحسنة بين السيئتين. فقال له عمر: وكيف! قال: يقول الله تعالى: " والذين إذا أنْفقوا لم يُسرِفوا ولم يَقْتُروا، وكان بينَ ذلك قوامًا " فالإسراف سيِّئة والإقتار سيئة، والقوام بين ذلك حسنة. قال: فكان عمر بن الخطاب يتعجب من فضل عقله حتى لقي الله تعالى.
[ ٢ / ١٤١ ]
قال المؤلف غفر الله له: وهذا الخبر وإن لم يكن في وصف عمر ﵁ فإنه سؤال منه لجارٍ على سننه القويم في الفضل المستمرِّ العميم. استخرج منه بسؤاله حكمةً دلَّت على رصانة عقله ورسوخ دينه وفضوله، إذ عضدها بما تلا من الذكر الذي كان عمر وقَّافًا عنده. ويبذل في العمل به واتِّباعه جهده، إذا ذكِّر به ﵁ بكى واستكان، وخشع قلبه لاستماعه لان. كان قويًا في بدنه ودينه، مصيبًا بصدق فراسته في ظنونه. ﵁ وعن السابق قبله بالخلافة والفضل، وعن القائمين بعده للعمل ِبمرِّ الحقِّ، ومألوف العدل آمين.
وكان لعمر ﵁ من الولد: عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وعبد الرحمن الأوسط وعبد الرحمن الأصغر وعبيد الله وعاصم وزيد.
فأما عبد الله بن عمر فأسلم قديمًا مع أبيه بمكة، وهو صبي صغير، وهاجر قبل هجرة أبيه، وأجمعوا أنه لم يشهد بدرًا، واختلفوا في شهوده أحدًا. والصحيح أنَّ أول مشاهده الخندق. ويروي عن نافع ان رسول الله ﷺ ردَّ ابن عمر يوم أحدٍ لأنه كان ابن أربع عشرة، وأجازه يوم الخندق، وه ابن خمسة عشرة، وشهد بيعة الرَّضوان. ولم يتخلَّف عن رسول الله ﷺ بعد الخندق. وروى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قال: أدرك ابن عمر الفتح وهو ابن عشرين سنةً، يعني فتح مكة. وكان ﵀ من أهل الورع والعلم، وكان كثير الاتِّباع لآثار رسول الله ﷺ شديد التَّحرِّي والاحتياط والتَّوقِّي في فتواه وكلِّ ما يأخذ به نفسه. وكان مولعًا بالحج، ويقولون: إنه كان من أعلم الصحابة بمناسك الحجِّ. وقال ميمون ابن مهران: ما رأيت أروع من ابن عمر ولا أعلم من ابن عباس. وروى ابن وهبٍ عن مالك قال: بلغ عبد الله بن عمر ستًا وثمانين سنةً، وأفتى في الإسلام ستين سنةً، ونشر نافع عنه علمًا جمًا.
وقال جابر بن عبد الله: ما منَّا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها ماخلا عمر وابنه عبد الله. وقال عبد الله بن مسعودٍ: إنَّ أملك شباب قريشٍ لنفسه من الدنيا عبد الله بن عمر. وقال ابن عمر: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤية قصَّها على النبي ﷺ. فتمنيت أن
[ ٢ / ١٤٢ ]
أرى رؤيا أقصُّها على النبي ﷺ وكنت غلامًا شابًا عزبًا، وكنت أنام في المسجد على النبي ﷺ، فرأيت في المنام كأنَّ ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطويَّة كطيِّ البير، وإذا لها قرنان كقرني البير، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول أعوذ بالله من النار. فلقيهما ملك آخر فقال لي: لن ترع. فقصصتها على حفصة، فقصَّتها حفصة على النبي ﷺ. فقال: " نِعمَ الرجلُ عبدُ الله، لو كان يُصلَّي منَ الليل ". قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا.
وكان ﵀ لروعه قد أشكلت عليه حروب علي فقعد عنه، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة. وعن ميمون بن مهران، عن ابن عمر أنه دخل عليه رجل فسأله عن تلك المشاهد فقال: كففت يدي فلم أقدم، والمقاتل على الحقَّ أفضل، وحدَّث أسد بن موسى: نا أسباط بن محمدٍ ويحيى بن عيسى، عن عبد العزيز بن سياهٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ قال: قال ابن عمر: ما أجدني آسي علي شيء فاتني، إلا أني لما أقاتل مع عليّ الفئة الباغية.
وذكر أبو زيد عمر بن شبَّة قال: نا أبو أحمد بن محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيريُّ الأسديُّ مولي لهم: نا عبد الجبار بن العباس عن أبي العنبس، عن أبي بكر بن الجهم قال: سمعت ابن عمر يقول: ما آسى على شيء إلا على تركي قتال الفئة الباغية مع عليٍّ ﵁. وكان يرى بيعة ابن الزبير فتنةً، ولم يبايعه. وقال له حين وقف على خشبته، وهو مصلوب: السلام عليكم أبا خبيبٍ، ثلاثًا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ثلاثًا. وقال حين خرج من مكة معتمرًا في الفتنة، وهي فتنة ابن الزبير: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ.
وبايع، ﵁، عبد الملك بن مروان. مالك بن عبد الله بن دينارٍ أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد مالك بن مروان يبايعه. فكتب إليه: " بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا أله إلا هو، أقر لك بالسَّمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت ". وقال البخاريُّ: نا مسدد: نا يحي بن سعيد عن سفيان: نا
[ ٢ / ١٤٣ ]
عبد الله بن دينارٍ قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك كتب: " أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ﷺ ما استطعت. وإن بَنيَّ أقرُّوا بمثل ذلك ".
وأوصى عبد الملك بعبد الله بن عمر خيرًا الحجَّاج بعد قتله ابن الزبير وولايته الحرمين، وأن لا يعرض له بسوء، وأن لا يخالفه في مناسك الحج. مالك عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبد الله أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج ابن يوسف: ألا تخالف عبد الله بن عمر في شيء من أمر الحج، قال: فلما كان يوم عرفة جاء عبد الله بن عمر حين زالت الشمس وأنا معه، فصاح به عند سرادقه: أين هذا؟ فخرج عليه الحجاج، وعليه محلفة معصفرة. فقال: مالك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرَّواح، إن كنت تريد السنَّة. قال: أهذه الساعة؟ فقال: الرَّواح، إن كنت تريد السنَّة. قال: أهذه الساعة؟ فقالت: نعم. قال: فأنظرني حتى أفيض عليَّ ماءً، ثم أخرج. فنزل عبد الله حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبي فقلت له: إن كنت تريد أن تصيب السنَّة اليوم فأقصر الخطبة، وعجِّل الصلاة. قال: فجعل ينظر إلى عبد الله بن عمر كيما يسمع ذلك منه. فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق.
ومات عبد الله بن عمر بمكة سنة ثلاثً وسبعين لا يختلفون في ذلك بعد قتل ابن الزبير بعد بستة أشهرٍ. وكان أوصى أن يدفن في " الحلِّ "، فلم يقدر على ذلك من اجل الحجاج، ودفن بذي طوي في مقبرة المهاجرين، وصلى عليه الحجاج. وكان الحجاج قد أمر رجلًا فسمَّ زجَّ رمحه وأمره أن يضع الزجَّ في ظهر قدمه إذا دفع الناس من عرفة. ففعل الرجل ذلك فمرض من ذلك أيامًا، فدخل عليه الحجاج يعوده فقال له: من بك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قتلني الله إن لم أقتله. قال: ما أراك فاعلًا، أنت أمرت الذي نخسني بالحرية. فقال: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن، وخرج عنه. وروي أنه قال للحجاج إذ قال له: من بك؟ قال: أنت أمرت بإدخال السلاح في الحرم. فلبث أيامنا ثم مات. وفعل الحجاج هذا مع عبد الله بن عمر من أجل أن الحجاج خطب يومًا وأخَّر الصلاة. فقال ابن عمر: إن الشمس لا تنتظرك. فقال له الحجاج: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك. قال: إن تفعل فإنك سفيه مسلَّط. وقيل: أنه أخفى قوله ذلك عن الحجاج ولم يسمه. وكان يتقدَّمه في المواقف بعرفة وغيرها إلى
[ ٢ / ١٤٤ ]
المواضع التي كان النبيُّ ﷺ وقف فيها. فكان يعزُّ على الحجاج ويسوؤه، حتى صنع ما ذكر، جرأة على ارتكاب الكبائر وقلة مبالاةٍ بالقصاص، يوم ابتلاء السرائر. فكم دماء حرامٍ سفكها، وحرم مستحقَّةٍ للصَّون انتهكها، دلاَّه الشيطان بغروره، فأسخط ربَّه برضى أميره. ونعوذ بالله من المهلكات: القسوة والحسد والحقد واللجاج، التي كانت مستكنَّةً بين جنبي الحجاج. ونسأله لين القلوب، وسلامة الصدور والرضى بأمر الله المقدور.
وولد عبد الله بن عمر عبد الله وأمُّه صفية بنت أبي عبيدٍ أخت المختار، وسالما أمُّه أمُّ ولدٍ وعبيد الله وعبد الرحمن وعاصمًا وحمزة واقدًا وزيدًا وبلالًا.
فأما عبد الله بن عبد الله بن عمر فكان من رجالات قريش، وكان وصيُّ أبيه، وله عقب بالمدينة، منهم: عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر، كان على كرمان للمهديَّ. ثم استعمله موسى على المدينة.
وأخوه عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر العمريُّ الزاهد. كان من أزهد الناس وأعبدهم وأفضلهم. وهلك في باديته قرب المدينة. وروي عنه الحديث. وكتب إلى مالك وابن أبي ذيبٍ وغيرهم من علماء المدينة كتبًا أغلظ لهم فيها، وقال: أنتم علماء تميلون إلى الدنيا، وتلبسون اللِّين، وتدَّعون التقشف، فيراكم الناس، فيفعلون ذلك. فأما ابن أبي ذيب وغيره فكتب إليه كتبًا مغلظة: إنك انتقلت عن دار الهجرة إلى الأعرابية. وأما مالك فكتب إليه: " فهمتُ خطابَكَ، ووجدتُ أبوابَ الخير عطايا من الله تعالى، قسمَها بين عبادهِ، فيقسم للرجل حظًا من الصيام والصلاة، ولا يقسم له حظًا من العلم. ولعمري لو اجتهد في طلب العلم مع اجتهاد في الصلاة والصيام لكان أفضل. ويقسم للرجل في الجهاد، ولا يقسم له اجتهادًا في الصوم والصلاة. ولو جمع الاجتهاد في الصوم والصلاة مع الجهاد لكان أفضل. فرأيت الأمور عطايا من الله، يقسم للرجل في الباب من الخير مالا يقسم له في غيره من أبواب البرِّ ".
فقرأ كتبهم. فلما دخل عليه الناس قرأها عليهم، ثم قال: ما قدَّم مالكًا إلا عقله وفضله. ولا جرم، لا ذكرت مالكًا بسوء أيضًا. وقال موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباسٍ لعبد الله بن عبد العزيز العمريِّ
[ ٢ / ١٤٥ ]
الزاهد، ينتهي إلى أمير المؤمنين الرشيد، أنك تشتمه وتدعو عليه فبأيِّ شيء استجزت ذلك؟ فقال: أمَّا شتمه فهو إذا أكرم عليَّ من نفسي. وأما الدعاء عليه فما قلت: " اللهمِّ إنه أصبح عبئًا ثقيلًا على أكتافنا لا تطيقه أبداننا، وقذى في عيوننا لا تطبق عليه أجفاننا، وشجَّى في أفواهنا لا تسيغه حلوقنا، فاكفنا مؤونته. وفرِّق بيننا وبينه ". ولكني قلت: " اللهمِّ إن كان تسَمَّى الرشيدَ ليرشد فأرشده، وأن كان على غير ذلك فراجع به اللهم إن له في الإسلام على كلِّ مسلمٍ حقًا، وله بنبيِّك " قرابةً ورحمًا، فقر به من كل خير، وباعده من كل شر وأسعدنا به وأصلحه لنفسه ". فقال: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن كذا بلغنا..
وأما سالم بن عبد الله: فكان يكنى أبا عمر، وكان من غيار التابعين وفقهائهم. وكان أبوه يلام في حبِّه، فيقول:
يَلُوْمُوْنَنِى في سالم وألومُهمْ وجِلدةُ بين العين والأنفِ سالمُ
وقال الواقدىُّ: كان يكنى أبا المنذر. وهلك بالمدينة سنة ستٍ ومئةٍ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة ثمانٍ مئة.
وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر فولد عثمان وأبا بكر. فولد عثمان محمدًا، ويكنى أبا قدامة. سمع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص. روى عنه خالد بن مخلدٍ القطواني.
وأما أبو بكر فروى ابن شهاب عنه، عن جده عبد الله بن عمر. مالك عن ابن شهابٍ، عن أبو بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه. وليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ". وخَّرج الحديث مسلم عن ابن شهاب من طرقٍ عن أبي بكر بن عبيد الله، عن جدِّه عبد الله بن عمر وعن عمه سالم، عن أبيه. وقال محمد بن يحيى الذُّهليُّ: اسم أبي بكر بن عبيد الله هذا القاسم، وكان أيضًا يكنى بأبي محمد. كناه بذلك يحيى بن سعيد الأنصاري. قال المؤلف وفقه الله: والدليل على ما قال الذهليُّ ما ذكره مسلم. فقال حدثني أبو الطاهر
[ ٢ / ١٤٦ ]
وحرملة قال أبو الطاهر: أنا وقال حرملة: نا عبد الله بن وهب قال: حدثني عمر بن محمد قال: حدثني القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن سالمٍ، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: " لا يأكلن أحد منكم بشماله ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها ". قال: وكان نافع يزيد فيها: ولا يأخذ بها ولا يعط قال: كنت جالسًا عند القاسم ابن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد " القبيح " على مثلك عظيم، أن تسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا خرج أو علم ولا مخرج. فقال له القاسم وعمر: " ولم " ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هدَّى: ابن أبي بكر وعمر. قال: يقول له القاسم: أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غيرة ثقة. قال: فسكت فما أجابه.
وأما عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، فولد عمر وولد عمر أبا بكر، وهو من شيوخ مالك له عنه حديث واحد في الموطَّأ في الأمر بالوتر عن سعيد بن يسارٍ أنه قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريقة مكة..الحديث. وقال ابن عبد البر النَّمريُّ في " التقصِّي ": رواية عبيد بن يحيى عن أبيه عن مالك، عن أبي بكر بن عمرو. والصواب فيه عن مالك وغيره، عن أبي بكر بن عمر لا عمرو. وكذلك عند جميع الرواة للموطأ. وأبو بكر بن عمر المذكور ممن لم يوقف على اسمه.
وأما عاصم بن عبد الله بن عمر فولد محمدًا وله عقب بالكوفة.
وأما حمزة بن عبد الله بن عمر فروي عن أبيه. وروي ابن شهابٍ عن حمزة وأخيه سالم معًا. وابنه عمر بن حمزة روى عنه عمَّه سالم. مسلم: نا داود بن رشيد قال: نا مروان بن معاوية قال: نا عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: نا سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: " أيُّما أهل دارٍ اتَّخذوا كلبًا إلا كلب ماشية أو كلب صائد نقصَ من عملهم كلَّ يوم قيراطان ".
وأما واقد بن عبد الله بن عمر فوقع من بعيره وهو محرم فهلك. مالك عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر كفَّن ابنه واقدَ عبد الله بن عبد الله، ومات بالجحفة
[ ٢ / ١٤٧ ]
محرمًا، وحمَّر رأسه ووجهه وقال: لولا أنَّا حرم لطيَّبناه. فولد واقد عبد الله بن واقدٍ، وكان من رجال قريش. وفيه يقول الشاعر لنضارة جسمه:
أحبٌّ من النِّسوان كلَّ خريدةٍ لها حسن عبَّادٍ وجسم ابن واقد
يعني عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير. وروى عبد الله بن واقد هذا، عن جدِّه عبد الله بن عمر. مسلم حدثني أبو طاهر قال: أنا أبن وهب قال: أخبرني عمر بن محمد عن عبد الله بن واقد، عن ابن عمر قال: مررت على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء فقال: " يا عبد الله ارفع إزارك " فرفعته. ثم قال: " زد " فزدت. فمازلت أتحرَّاها بعد. فقال بعض القوم: أين؟ فقال: أنصاف الساقين.
وأما زيد بن عبد الله عمر فروى عنه نافع. مالك عن نافع، عن زيد ابن عبد الله بن عمر بن خطاب، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: " الذي يشربُ في آنيةِ الفضةِ إنما يُجرْجِرَ في بطنهِ نارَ جهنمَ ". وخرَّج مسلم هذا الحديث بنصه عن يحيى التميميِّ عن مالك، وله عن غير مالك فيه طرق.
وولد زيد محمدًا: روى عن جدِّه عبد الله بن عمر. فولد محمدًا وزيد وعمر وعاصمًا. فروى واقد عن نافع، وروى عاصم أبيه محمدًا، عن جده أبن عمر. مسلم: نا عبيد الله بن معاذ: نا أبي: نا عاصم ومروان بن محمد بن زيد ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان.. "، وعن أخويه زيد وواقد.. البخاريّ: نا أبو نعيم: نا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا
[ ٢ / ١٤٨ ]
خرجنا من عندهم قال: كنا نعدُّ هذا نفاقًا. وروى واقد أيضًا عن سعيد بن مرجانة صاحب عليِّ بن حسين، عن أبي هريرة: وروى عمر عن أبيه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أيضًا، وعن أبن عم أبيه عبد الله بن واقد بن عمر. وخرَّج عن جميعهم البحري ومسلم في الصحيحين.
وأما بلال بن عبد الله بن عمر فكان أشج. وكان عبد الله بن عمر يقول له: يا بلال أترجو أن تكون أشجَّ نبني عمر؟ وهلك وهو صغير ولا عقب له، قال هذا أبن قتيبة. وذكر مسلم أن بلالًا روى عن أبيه عبد الله. مسلم: حدثني هارون بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ قال: نا سعيد بن أبي أيوب: نا كعب بن علقمة عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تمنعوا النساء حظوظهنَّ مساجدِ إذا أستأذنكم ". فقال بلال: والله لنمنعهنَّ فقال له عبد الله: أقول: قال رسول الله ﷺ وتقول: لنمنعهنَّ؟.
ومن موالي عبد الله بن عمر نافع وعبد الله بن دينار. فأما نافع فكان دليميُّاُ، قال يحيى بن معين. وقال غيرة: كان من أهل " أبْرَسَهْرَ "، أصابه عبد الله ابن عمر في غزاته. وكان ثقة حافظاُ ثبتاُ. حدث الأصمعي قال: نا العمري عن نافع قال: دخلت مع ابن عمر على عبد الله بن جعفر فأعطاه في أثنى عشر ألف درهم، فأبى أن يبيعني، فأعتقني أعتقه الله. يكنى نافع أبا عبد الله قال الواقديُّ: مات نافع بالمدينة سنة عشرون ومئة. وكان له من ولد أبو بكر عبد الله وعمر، وكلهم قد روى عنه. روى مالك عن أبنه أبي بكر بن نافع عن أبيه نافع " الموطأ " حديثين في كتاب " الجامع ". ولمالك عن نافع في الموطأ من حديث الرسول ﷺ ثمانون حديثاُ.
وأما عبد الله بن دينار فيكنى أبا عبد الرحمن. فيكنى أبا عبد الرحمن. ولمالكٍ عنه في الموطأ ستة وعشرون حديثاُ، منها عن أبن عمر اثنان وعشرون حديثاُ، وعن سليمان بن يسار حديثان، وعن أبي صالح حديثان. وتوفي سنة سبعة وعشرين ومئةٍ على اختلافٍ في ذلك. وابنه عبد الرحمن، روي عنه الحديث. قال ابن معين: عبد الرحمن بن
[ ٢ / ١٤٩ ]
عبد الله بن دينارٍ مولى ابن عمر حدَّث عنه يحيى القطان، وفي حديث عندي ضعف. وقال غير ابن معين: روى عنه يعقوب بن إسحاق الحضرميُّ القارئ.
وأما عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب الأكبر: فهو شقيق عبد الله وحفصة أم المؤمنين، وهو أبو بهيسٍ. وبهيس: لقب، واسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر. وأدرك أبوه عبد الرحمن بسنِّة النبيَّ ﷺ، ولم يحفظ عنه.
وأما عبد الرحمن بن عمر الأوسط: فهو أبو شحمة. وهو الذي ضربه عمرو ابن العاصي بمصر في الخمر، ثم حمله إلى المدينة، فضربه أبوه أدب الولد. ثم مرض ومات بعد شهر. هكذا يرويه معمر عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه. وأما أهل العراق فيقولون: إنه مات تحت سياط عمر، وذلك غلط. وقال الزبير بن بكارٍ: أقام عليه عمر حدَّ الشراب، فمرض ومات.
وأما عبد الله بن عمر الأصغر: فهو أبن المجبَّر: اسمه أيضا عبد الرحمن بن عبد الرحمان بن عمر: وإنما سمي المتجبر لأنه وقع وهو غلام فتكسر، فأتي به إلى عمته حفصة بنت عمر أمِّ المؤمنين فقيل لها: انظري إلى ابن أخيك المكسَّر. فقالت: ليس بالمكسر ولكنه المجبَّر. هكذا ذكر العدويُّ وطائفة. وقال الزبير: هلك عبد الرحمن الأصغر وترك ابنًا صغيرًا أو حملًا، فسمَّته حفصة بن عمر أمُّ المؤمنين ولقَّبته المجبَّر، وقالت: لعلَّ الله يجبره.
وابنه عبد الرحمن المجبَّر: روى عنه مالك في الموطأ. مالك عن عبد الرحمن ابن المجبَّر أنه كان يرى سالم بن عبد الله إذا رأى الإنسان يغطِّي فاه وهو يصلي جبذ الثوب عن فيه جبذًا شديدًا حتى ينزعه عن فيه.
وابنه محمدُ بن عبد الرحمن بن المجبَّر: كان متروك الحديث.
وأما عبيد الله بن عمر: فولد على عهد رسول الله ﷺ. ولا تحفظ له رواية عنه، ولا سماع منه. وهو المذكور مع أخيه عبد الله في أول كتاب القراض من الموطأ. وكان من أنجاد قريش وفرسانهم. وه القائل:
أنا عبيد الله ينمني عمر
[ ٢ / ١٥٠ ]
خير قريشٍ من مضى ومن غبر
حاشا نبيِّ الله والشيخ
وقتل عبيد الله بصفين مع معاوية، وكان على الخيل يومئذٍ. وروى سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد بن علي، عن أبيه قال: قيل لعلي: هذا عبيد الله بن عمر عليه جبة خزٍّ، وفي يده سواك يقول: سيعلم عليُّ غدًا إذا التقينا فقال عليُّ: دعوه إنما دمه دم عصفور. وروي أن عبيد الله بن عمر خرج بصفِّين في اليوم الذي قتل فيه، وجعل امرأتين له بحيث تنظران إلى فعله، وهما: أسماء بنت عطارد بن حاجب بن زرارة وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيبانُّي. فلما برز شدَّت عليه ربيعة فنشب بينهم فقتلوه.
وروى ابن وهبٍ عن مالكٍ عن زيد بن أسلم أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب قتل بصفين، وأن رجلًا ضرب أطناب فسطاطه بأوتاد، فعجز منها وتدًا. فأخذ رجل عبيد الله بن عمر فربطه حتى أصبح. وروى ابن وهب عن السريِّ بن يحيى، عن الحسن أن عبيد الله بن عمر قتل الهرمزان بعد أن أسلم، فعفا عنه عثمان حين ولي. فلما ولي علي خشيه على نفسه، فهرب إلى معاوية حين فقتل بصفين. وقال ابن قتيبة في " المعارف ": كان عبيد الله بن عمر شديد البطش. فلما قتل عمر جرَّد سيفه فقتل بنت أبي لؤلؤة، وقتل الهرمزان وجفينة، رجل أعجمي، وقال: لا أدع أعجميًا إلا قتلته. فأراد علي قتله بمن قتل، فهرب إلى معاوية، وشهد معه صفين فقتل.
وأمُّ عبيد الله أم كلثوم: واسمها مليكة بنت جرول الخزاعية، وكانت على شركها حين نزلت:) ولا تمسكوا بعصم الكوافر (، فطلقها عمر فتزوجها أبو فهم بن حذيفة صاحب الخميصة، وقد تقدم ذكره في أول الكتاب.
وكان له من الولد: أبو بكر بن عبيد الله وعثمان بن عبيد الله. فولد أبو بكر خالدًا وولد أبو بكرٍ أيضًا أمَّ سلمة، وكانت تحت الحجاج. وولد عثمان أمَّ عثمان، وكانت تحت عمر بن عبد العزيز.
[ ٢ / ١٥١ ]
وأما عاصم بن عمر: فولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين. وأمُّه جميلة بنت ثابت بن أبي الأفلح أخت عاصم حمي الدبر، وقيل هي بنت عاصم والأول أكثر. وكان اسمها عاصية، فغير رسول الله ﷺ اسمها وسماها جميلة. وخاصمت في عاصمٍ جدته أباه عمر حين أراد أخذه بعدما فارق أمه إلى أبي بكر الصديق، وه ابن أربع سنين. وذكر مالك خبر عمر مع جدة ولده عاصم في الموطأ، ولم يذكر سنَّه.
مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه فارقها فجاء عمر قباء، فوجد ابنه عاصمًا يلعب بفناء المسجد، فأخذه بعضده، فوضعه بين يديه على الدابَّة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق. فقال عمر: ابني. وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر: خل بينها وبينه. قال: فما راجعه عمر الكلام. قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: وهذا الأمر الذي أخذ به في ذلك.
وكان عاصم بن عمر طويلًا جسيمًا. يقال إنه كان في ذراعه ذراع ونحو شبر. وكان خيِّرًا فاضلًا يكني أبا عمر، ومات سنة سبعين قبل موت أخيه عبد الله بنحو أربع سنين. ومات عاصم وعبد الله غائب، فلما قدم وقف على قبره فقال يريثه:
فإن تك أحزان وفائض عبرةٍ جرين دمًا من داخل الجوف منقعا
تجرَّعتها في عاصم واحتسبتها فأعظم منها ما احتسى وتجرَّعا
دفعت بك الأيام، حتى إذا أتت تريدك لم تسطع لها عنك مدفعا
[ ٢ / ١٥٢ ]
فليتَ المنايا كنَّ خلَّفن عاصمًا فعشنا جميعًا أو ذهبْنَ بنا مَعا
وروى عاصم بن عمر عن أبيه عمر قال: قال رسول الله ﷺ " إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس وقد أفطر الصائم ".خرَّج الحديث مسلم بسنده من عروه بن الزبير عن عاصم بن عمر.
وكان عاصم شاعرًا حسن الشعَّر، حليمًا يغضي عن المكروه والأذى تنزها. روى عبد الله بن المبارك عن أسامه بن زيد، عن عبد الله بن زيد بن أبي سلمة، عن خالد بن أسلم قال: آذى رجل عبد الله بن عمر بالقول، فقيل له: ألا تنتصر منه؟ فقال: إني أخي عاصمًا لا نسابُّ الناس.
وولد عاصم بن عمر أمَّ عاصمٍ وحفصة وحفصًا عبيد الله وأم مسكين. فأما أمُّ عاصم: فتزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له عمر بن عبد العزيز وأخوته: أبا بكر وعاصمًا ومحمدًا، وماتت عنده فتزوج عبد العزيز بعدها أختها حفصة. فلها يقال: ليست حفصة من رجال أمَّ عاصم.
وولد حفصة بن عاصم عيسى بن حفص وعمر بن حفص. فأما عيسى فروى عن أبيه، عن عبد الله بن عمر حديث ترك التَّسبيح في السَّفر، والتسبيح صلاة النافلة. وفيه قول ابن عمر: لو كنت مسبِّحا لأتممت صلاتي. خرَّج الحديث مسلم. ورواه عن عيسى عبد الله بن مسلمة بن قعنبٍ صاحب مالكٍ.
وولد أخوه عمر عبيد الله بن عمر العمريَّ يروى عنه الحديث، وكان من الثقات الحفَّاظ أحد أئمة أهل المدينة في الحديث، ويكنى أبا عثمان أكثر روايته عن نافع وخرج عنه الأئمة: البخاريُّ ومسلم والتِّرمذيُّ وغيرهم.
وكان لعبيد الله أخوان، وهما: عبد الله وعاصم ابنا عمر بن حفصٍ. وكان عبد الله في الحديث ضعيفًا، وكان عاصم متروك الحديث. وخرَّج الترمذيُّ عن عاصم بن عمر، وذكر أنهما كما ذكرت في الحديث الأزديُّ الموصليُّ الحافظ، وروى حفص بن عاصم عن عمِّه عبد الله بن عمر، وروايته عن أبي هريرة أكثر. وروى عنه خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب بن أسافٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ شيخ مالك. ولمالكٍ عن خبيب في الموطأ حديثان مسندان. وجدُّه خبيب بن أسافٍ شهد بدرًا.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وشرك عبد الله عبيد الله أخاه في حديث واحدٍ، خرَّجه مسلم في صحيحه. مسلم: حدَّ ثني إبراهيم بن وهو الملقب سبلان قال: أنا عباد بن عباد عن عبيد الله بن عمر وأخيه عبد الله سمعه منهما سنة أربع وأربعين ومئة يحدثان عن نافع، عن أبن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى الله عبدُ الله وعبدُ الرحمن ".
وولد عبيد الله بن عاصم بن عمر بن عاصما: روى عنه البخاريُّ. قال محمد ابن إسماعيل البخاريُّ قال لي أحمد بن سعيدٍ عن الضحَّاك بن مخلدٍ عن سفيان، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه عن جده أنَّ جدته خاصمت في جده وهو ابن ثماني سنين.
وأما أمُّ مسكين بنت عاصم بنت عمر فتزوَّجها يزيد بن معاوية وطلَّقها. فخلف عليها عبيد الله بن زياد.
وأما زيد بن عمر بن الخطاب فأمُّه أمُّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمُّها فاطمة بنت رسول الله ﷺ. خطبها عمر إلى علي فقال له: إنها صغيرة. فقال له عمر: زوِّجنيها يا أبا حسن فأني أرصد من كرامتها ما لا يرصد أحد. فقال له علي: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوَّجتها. فبعثها إليه ببردٍ، وقال لها: قولي له هذا البرد الذي قلت لك. فقالت دلك لعمر. فقال: قولي له قد رضيت ﵁. ووضع يده على ساقها فكشفها. فقالت: أتفعل ذلك؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك. ثم خرجت حتى جاءت أباها، فأخبرته الخبر، قال: يا بنيَّة أنه زوجك. فجاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى مجلس المهاجرين في الرَّوضة، وكان يجلس المهاجرون الأولون. فجلس إليهم، فقال لهم: رفِّئونى فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أمَّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل نسب وسببٍ وصهر منقطع يوم القيامة إلا سبى ونسبى وصهري، فكان لي به ﵇ النسب، واردة أن أجمع الصِّهر، فرفَّؤوه.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينارٍ، عن محمد بن علي أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي ابنته أمَّ كلثوم، فذكر له صغرها، فثقيل أنه ردَّك فعاوده فقال له: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي أمرأتك، فأرسل بها أليه، فكشف عن ساقها فقالت: مه، لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك. وذكر ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيهن عن جدَّه أن عمر بن الخطاب تزوج أمَّ كلثوم بنت عليٍّ على مهر أربعين ألفًا.
وولدت أمُّ كلثوم لعمر زيدًا ورقيًة. وأصيب زيد في حربٍ كانت بين بني عدي ليلًا جناها عبد الله بن مطيع وبنو أبي جهم، فخرج ليصلح بينهم، فضربه رجل منه في الظلمة فشجعَّه فصرعه، فعاش أيامًا ثم مات.
وقال محمد بن إياسٍ بن البكير الليثيُّ يرثي زيد بن عمر بن الخطاب:
ألا يا ليت أمي لم تلدني ولم أك في الغواة لدى البقيع
ولم أر مصرع ابن الخير زيدٍ وهدَّتْه هنالك من صريع
وهو الرُّزء الذي عظمت وجلَّت مصيبته على الحيِّ الجميع
كريم في النِّجار تكنَّفته بيوت المجد والحسب الرفيع
شفيع الجود ما للجود حقًا سواه إذا تولى من شفيع
أصاب الحيَّ حيَّ بني عديٍّ مجلَّلة من الخطب الفظيع
وخصَّ هم الشَّقاء به خصوصًا لما يأتون من سوء الصَّنيع
[ ٢ / ١٥٥ ]
بشؤم بني حذيفة إنَّ فيهم معًا نكدًا وشؤم بني مطيع
محمد بن إياسٍ هذا الذي رثى زيد بن عمر هو الذي روى عن ابن عباس وأبي هريرة فيمن طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يمسَّها أنها لا تحل له. مالك عن يحيى بن سعيدٍ، عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن معاوية بن أبي عيًاش الأنصاريِّ، أنه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر قال: فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلًا من أهل البادية طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فبماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر مالنا به قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فأني تركتهما عند عائشة فسلهما، ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة. فقال أبو هريرة: الواحد تبينها، والثلاث تحرِّمها حتى تنكح زوجًا غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك أيضًا. قال مالك وعلى ذلك الأمر عندنا.
ومات زيد وأمُّه أمُّ كلثوم في وقتٍ واحدٍ بالمدينة في خلافة معاوية، وحضر جنازتهما الحسن بن علي، وقدم عبد الله بن عمر فصلَّى عليهما، فيهما سنَّتان فيما ذكروا. ولم يورَّث واحد منها من صاحبه لأنه لم يعرف أولهما موتًا. وقدَّم زيد قبل أمِّه مما يلي الإمام. وقال ابن الجارود في " المنتقى ": حدثنا أحمد بن يوسف قال: أنا ابن جريح قال: سمعت نافعًا يزعم أن ابن عمر صلى على تسعة جنائز جميعًا؛ جعل الرِّجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفَّهم صفًا. ووضعت جنازة أمُّ كلثوم بنت علي بن أبي طالبٍ امرأة عمر بن الخطاب وابنٍ لها يقال له زيد، وضعًا جميعًا والإمام يومئذ سعيد بن العاصي، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة. فوضع الغلام مما يلي الإمام. فقال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هي السنة.
أحمد بن يوسف الذي روى عنه ابن الجارود هذا الحديث خرَّج عنه مسلم، وهو سلمي نيسابوري، يكنى أبا الحسن. وذكر البرقانيُّ عن النسائيِّ أنه نيسابوريُّ صالح.
[ ٢ / ١٥٦ ]