المُطَّلبُ وطُليب، ابنا أَزهر بن عبد عوف، وهما من الصحابة. وكانا جميعًا من مهاجرة الحبشة. وكانت هجرةُ المطَّلب مع امرأته رملةَ بنت أبي عَوف بن صُبَيرةَ السَّهميَّة. ووَلدت له هناك عبد الله بن المطَّلب بأرض الحبشة.
وأزهر أبوهما عمُّ عبد الرحمن بن عَوف من الصحابة، وكان أحد الذين نصبوا " أعلام الحرم. وقد بعثهم عمر بن الخطاب، وهم أربعة: مخرمةُ بن نوفلٍ والد المسور، وأزهرُ المذكور، وسعيدُ بن يربوع المخزومي الملقَّب بالصُّرْم، وحُويطب بن عبد العُزى من بني عامر بم لؤي.
وابنُه عبد الرحمن بن أزهر، ويُكنى أبا جُبير. شَهد مع رسول الله صلى الله
[ ١ / ٧٠ ]
عليه وسلم حُنينًا. روى عنه أبو سلمةَ بن عبد الرحمن الفقيه ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيميُّ، وأروى الناس عنه لبن شهلب الزُّهريُّ.
ومنهم الأسود بن يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرةَ. وهو ابن خال رسول الله ﷺ الأقرب أخى أمه آمنة بنت وهب. وكان الأسودُ من المستهزئين. وإليه يُنسب المقدادُ لأنه كان تبنَّاهُ.
وابنهُ عبد الرحمن من خيار المسلمين، يُعدل بالصحابة وليس منهم. وروى الزهريُّ أن النبي ﷺ دخل على بعض أزواجه فإذا بامرأةٍ حسنة النغمة. فقال: " من هذه؟ " قالت: إحدى خالاتك. فقال: " إنَّ خالاتي بهذه البلدةِ لَغرائبُ؛ أيُّ خالاتي هيَ؟ ". قالت: خالدة بنت الأسود بن عبد يغوثَ. فقال النبي ﵇. وهو الذي أشارَ جبريل ﵇ إلى بطنه، والنبيُّ ﵇ واقف معه في الكعبة. فاستسقى بطنُهُ فمات حَبَنًا.
وأخوه الأرقم بن عبد يغوث: عمُّ خالدةَ هذه. هو والدُ عبد الله بن الأرقم من مسلمة الفتح، وحسُن إسلامه. وكتب للنبيِّ ﵇ ولأبي بكر. واستكتبَهُ أيضا عمر، واستعمله على بيت المال. وقال خليفةُ بن خياط: لم يزل عبد الله بن الأرقم على بيت المال خلافة عمر كلها وسنين من خلافة عثمان حتى استعفاه من ذلك، فأعفاهُ. وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يجيب عنهالملوك. وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمر، أن يُطِّنه ويختمه، وما يقرؤه لأمانته عنده. وروى ابن القاسم عن مالك قال: بلغني أنه ورد على رسول الله ﷺ كتاب، فقال: " من يُجيبُ عني؟ " فقال عبد الله بن الأرقم: أنا. فأجاب عنه، وأتى به إليه، فأعجبه وأنفذه. وكان عمر حاضرًا، فأعجبه ذلك من عبد الله بن الأرقم. فلم يزل في نفسه يقول: أصاب ما أراد رسول الله صلى
[ ١ / ٧١ ]
الله عليه وسلم. فلما ولي عمر استعمله على بيت المال. وروى سفيان بن عُيينة عن عمرو بن دينار أنَّ عثمان ثلاثمئة ألف درهم، فأبى عبد الله أن يأخذها. وروى أشهب عن مالك أن عمر بن الخطاب كان يقول: ما رأيت أحدًا أخشى للهِ من عبد الله بن الأرقم.
ومنهم ابن شهاب الزُّهريُّ: واسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة، ويُكنى أبا بكر. وكان أبو جدِّه عبد الله بن شهاب شَهد مع المشركين بدرا، وكان أحد النفر الذين تعاقدوا يوم أحدٍ لَئن رأوا رسول الله ﷺ لَيَقْتُلُنَّهُ أو ليُفتلُنَّ دونه. وهم: عبد الله بن شهاب، وأُبُّى بن خلف، وابن قَميئة، وعُتبة بن أبي وقاص، وكان أبوه مسلم بن عبيد الله مع الزبير. ولم يزل الزُّهريُّ مع عبد الملك بن مروان ثم مع هشام بن عبد الملك. وكان يزيد بن عبد الملك استقصاه. وتوفي في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومئة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ودثفن على قارعة الطريق بماله ليمرَّ مارٌ فيدعو له. والموضع الذي دفن فيه آخر عمل الحجاز وأول عمل فلسطين، وبه ضيعته.
وأخوه عبد الله بن مسلم كان أسنَّ من الزهري، ويكنى أبا محمد. وقد لقي ابن عمر وروى عنه وعن غيره، ومات قبل الزهري. وابنه محمد الذي مان يكنى به، روى عن عمه كثيرًا، وروى عنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد الساعدي، ولقي كبار التابعين، وروى عنهم، وحمل من السنة كثيرا، وروى
[ ١ / ٧٢ ]
عنه الأئمة: مالك والليث بن سعد وسفيان بن عُيينة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب القرشُّي العامريُّ. وكان مهيبا صارمًا. ابن وهب: سمعت مناديا ينادي بالمدينة: لا يُفتى الناس إلا مالك وابن ذئب.
وممن روى عنه من الثقات الأثبات: أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، ومعمر بن راشد أبو عروة وصالح بن كيسان وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق ومحمد بن الوليد الزُّبيدي أبو الهثذيل وموسى بن عقبة صاحب المغازي. وروى مالك عن موسى بن عقبة في الموطأ وأبو يزيد يونس بن يزيد الأيليُّ وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمروا الأوزاعي وأبو إسحاق إسماعيل بن مسلم وأبو بشر شُعيب بن أبي حمزة مولى بني أمية وغيرهم ممن لايتَّهم فيما روى عنه.
ومن طالع كتب هذا الشأن رأي فيها مسطورًا ما ذكرت. وروى أن عمرو بن دينار قال: أيُّ شيءٍ عند الزهري؟ أنا لقيت ابن عمر ولم يلقه، ولقيت ابن عباس ولم يلقه. فقدم الزهريُّ مكة فقال عمرو: احملوني إليه، وقد أقعِدَ، فحُمل إليه. فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليلٍ فقالوا له: كيف رأيت؟. فقال: والله ما رأيت مثل هذا القرشيُّ قط. وقال عمر بن عبد العزيز: لا أعلم من الزُّهري. فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن؟. قال: ما رأيت أعلم من الزُّهري.
مُرَّةُ بن كعب: ووَلد مرةُ بن كعب كلابا أبا قصي وزُهرة، وقد مضى ذكرهم، وتيمًا ويقظة. فأمُّ كلاب وتيم ابنى مُرة بن كعب هند بنت سُرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة. وأمُ يقظة أخيهما امرأة من بارق الأسد بن الغوث. ويقظة هو أبو مخزوم.
فمن تيم: أبو بكر الصدِّيق، وطلحة بن عبيد الله ﵄، وعبيد الله ابن معمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة، وهو ابن عمِّ طلحة، يجتمعان في عثمان بن عمرو. وكان عبيد الله من صغار الصحابة، واستشهد بإصطخر مع عبد الله بن عامر بن كُريز. وأبوه معمر من الصحابة أيضا، أسلم يوم الفتح.
[ ١ / ٧٣ ]
وابنه عمر بن عبيد الله: أحد الأجواد الأنجاد، وهو الذي قتل أبا فديك الحروريَّ. ومدحه العجَّاجُ بأرجوزية التي يقول فيها:
لقد سَما ابنُ مَعمرِ حينَ اعْتمرْ
وله مناقب صالحة. وكان يلي الولايات، وشهد مع عبد الرحمن بن سمرة فتح كابُل، وهو صاحب الثغرة باب، قاتل عليها حتى أصبح. وكان ممن عمر ابن عبيد الله حين مات ستين سنة، ومات بموضع يقال له " ضمير " على خمسة عشر ميلًا من دمشق كمدًا على أبن أخيه عمر بن موسى. وكلن خرج مع ابن الأشعث، فأخذه الحجَّاج فضرب عنقه صبرًا. فقال الفرزدق يرثى عمر:
يأيها الناس لا تبكوا على أحدٍ بعد الذي يضمر وافق القدرا
وهو مولى أبي النَّظر سالم شيخ مالك. وأخوه عثمان بن عبيد الله، قتله شبيب بن يزيد بن نُعيم الشَّيباني الخارجي الحروري. وروى عن أبيه عبيد الله عروة بن الزبير ومحمد بن سيرين. ومات رسول الله ﷺ وهو غلام. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: " أُعطي أهل الرِّفقَ إلا نَفعهم، ولا منعوه إلا ضرَّهم ". وهو القائل لمعاوية:
إذا أنتَ لم تُرخِ الإِزارَ تَكرمُّا على الكلمة العوراء من كلِّ جانب
فمن ذا الذي نرجو لحقْنِ دمائنا ومن ذا الذي نرجو لحملِ النَّوائب
ومنهم المنكدر وربيعة ابنا عبد الله بن الهُدير بن عبد العزَّى بن عامر بن
[ ١ / ٧٤ ]
الحارث بن حارثة بن سعد بن تَيم، هكذا نسبهما ابن الكلبي. وزاد مصعب الزبيدي وابن أبي خيثمة والدارقطني بين الهُدير وعبد العزَّى مُحررًا. وروى المنكدر وربيعة عن عُمَر، وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه رأى عُمَر بن الخطاب يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر. وفيه عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدير أنه تعشَّى مع عمر بن الخطاب ثم صلى ولم يتوضأ.
ووَلد المنكدر محمدًا وأبا بكر وعمر، وكانوا فقهاء عُبادًا، وأفقهم محمد، ومات سنة ثلاثين ومئةٍ. سمع جابرًا وأنسًا. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وابن جُريج والثَّوريُّ ومالك. ولمالك عنه في موطَّئه خمسة أحاديث أحدهم مرسل.
ومن موالي المنكدر الماجشون بن أبي سلمةَ، واسم الماجشون يعقوب. ونثسب إليه ولده وبنو عمهم، واسم أبيه أبي سلمة ميمون من أهل اصبهان. وكان يعقوب الماجشون فقهيًا، وابنه يوسف بن يعقوب كذلك وكان للماجشون أخ يقال له عبد الله بن أبي سلمة. قال ابن وهب: قال مالك: كان عبد الله بن أبي سلمة من القُراء. وابنه عبد العزيز بن عبد الله، ويُكنى أبا عبد الله. توفي ببغداد في خلافة المهدي، وصلى عليه المهدي، ودُفن في مقابر قريش، وذلك سنة أربع وستين ومئة.
ومن تيم عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بنأبي مُليكة بن عبد الله ابن جُدعان. واسم أبي مُليكة زهير. وفُقد أبو مُليكة في الجاهلية فلم يرجع. وتوفي عبد الله بن أبي مُليكة سنة سبع عشرة ومئة. وروى عن عائشة كثيرا، وخرَّج عنه الأئمة في الصحاح. وكان له أخٌ يقال له أبو بكر بن عبيد الله، رُوى عنه الحديث. وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي، روى عن عمِّه ابن أبي مُليكة عن عائشة حديثًا عن رسول الله ﷺ، خرَّجه الترمذي.
وابن عمَّه لحًّا عليُّ بن زيد بن عبد الله بن أبي مُليكة الأعمى. سمع أنسًا
[ ١ / ٧٥ ]
وأبا عثمان النَّهديَّ وسعيد بن المسيَّب. وروى عنه الثَّوري وشُعبة. ويكنى أبا الحسن. وكان من فقهاء البصرة، ومات بموضع يقال له سَبالةُ من بلاد ضبَّة، ولا عقبَ له.
وابنُ ابنِ عمهما يعقوب بن زيد بن طلحة بن عبد الله بن أبي مُليكة أبو عرفة. روى عن سعيد المغبُريِّ. وروى عنه مالك وهشام بن سعد. لمالك عنه في الموطأ حديث واحد غير موصول.
ومن موالي تيم بن مُرَّة أبو عبيدة مَعمر بن المثنى، وكان عالمًا بالغريب وأخبار العرب وأيامها. وكان مع معرفته ربما لم يقم البيت إذا أنشده وكان يَبغِضُ العرب. وألف في مثالبها كتبًا، وكان يرى رأي الخوارج. ومات سنة عشر ومئتين وإحدى عشرة..
ووَلد يَقظةُ مخزومًا. فمن بني مخزوم أمُّ سَلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبيد الله بن عمر بن مخزوم زوج النبيِّ ﵇. وأبو سَلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكانت تحته أمَّ سلمة قبل النبي ﵇. ويأتي ذكره بعد هذا، عند ذكر أمِّ سلمة في أزواج النبي ﷺ.
ومنهم خالد بن الوليد بن المغيرة سيف الله، ويكنى أبا سليمان. أسلم في هُدنة الحديبية. وعَزَماتُه يوم مؤتة وفي الردَّة وبدء فتوح العراق وجميع فتوح الشام أكثر من أن تحصى، إذ كان له فيها الغَناء العظيم الحفيل والبلاء الحسن الجميل. وتوفي بحمص سنة إحدى وعشرين حتف أنفه، وعُمُرهُ بضعٌ وأربعون سنة. وكان له بالشام من الولد عدد كثير بادَ أكثرهم بالطاعون.
وأشهر ولده: المهاجر وعبد الرحمن. وكان المهاجر محبًا في علي، وشهد معه الجمل وصفين، ورُوي عنه الحديث. وكان لعبد الرحمن فضل وهدي وكرم، إلا أنه كان مُنحرفا عن علي وبني هاشم مُخالفةً لأخيه المهاجر. وشهد صفين مع معاوية. وله رواية عن النبي ﵇ ليس له فيها بسماعٍ منه.
[ ١ / ٧٦ ]
الطبري: نا سفيان بن وكيع، نا زيد بن الحُباب عن عبد الرحمن بن بابَيْهِ، عن أبي هِزان، عن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد أنه احْتَجم في رأسه، وبين كتفيه، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: " من أهراقَ منه هذه الدماءَ فلا يَضرُّه ألا يتداوى بشيء ". وقصة موت عبد الرحمن في الاستيعاب مُسْتَوعَبة.
ومنهم سلامة بن هشام بن المغيرة. وكان قديم الإسلام من مهاجرة الحبشة، ومن خيار الصحابة وفضلائهم. واحتبس عن الهجرة، وعُذب في الله ﷿، فلم يشهد بدرًا، وكان رسول الله ﷺ يدعو له وللمستضعفين في صلاته، كعيَّاش بن أبي ربيعة بن المغيرة والوليد بن المغيرة أخى خالد بن الوليد حتى أنقذهم الله. واستشهد سلامة يوم مَرج الصُّفَّر سنة أربع عشرة.
وأخوه الحارث بن هشام أسلم يوم الفتح، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من خيار مُسلمة الفتح، وفرَّ يوم بدر. وفي فراره يقول حسان بن ثابت من قصيدة:
إنْ كنت كاذبةَ الذي حدَّثتِني فَنَجوتِ مَنجى الحارث بن هشام
تركَ الأحبةَ أن يقاتِلَ دونهم ونجا برأسِ طِمرَّةٍ ولجامش
فأجابه الحارث:
اللهُ أعلمُ ما تركتُ قتالَهم حتى رمَوا مُهري بأَشقَرَ مُزْبِدِ
[ ١ / ٧٧ ]
وعرفتُ أني إن أقاتل واحدا أُقتل ولا
فصددتُ عنهم والأحبةُ فيهم طمعًا لهم بعقاب يوم مُفيد
وانتقل الحارث بأهله وولده في خلافة أبي بكر إلى الشام، وشهد موقعة أجنادين ومرجِ الصُّفَّر. واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة، هذا قول عليِّ بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف. وقال غيره: لم يزل بالشام مجاهدًا حتى مات في طاعون عَمَواس سنة ثمان عشرة. وفي الحارث بن هشام يقول الشاعر:
أحسِبتَ أنَّ أباكَ يومَ في المجد كان الحارث بن هشام
أولى قريش بالمكارم كلَّها في الجاهلية كان والإسلام
وروى الحارث بن هشام عن النبي ﵇ ما ذكره مالك في الموطأ ونصُّه: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: " قالت عائشة: ولقد رأيت عليه في يوم لشديد البرد وأنَّ جبينه ليتفصَّد عرقا.
وابنه عبد الرحمن: كان حين قُبض رسول الله ﷺ ابن
[ ١ / ٧٨ ]
عشر سنين. وقالت فيه عائشة: لأن أكون قعدتُ في منزلي عن مَسيري إلى البصرة أحبُّ إليَّ من أن يكون لي من رسول الله ﷺ عَشَرة من الوَلد، كلُّهم مثلُ عبد الرحمن بن الحارث. وشهد الجمل مع عائشة ﵂، وكان شريفًا سخيًا. وتوفي في خلافة معاويةَ بالمدينة.
وزوجُه فاختَةُ بنت عِنَبَةَ بن سُهيل بن عمرو العامريِّ، وجدُّها سُهيل هو صاحبُ عقد الحديبية مع النبي ﵇. وهي أمُّ ابنه الفقيه أبي بكر ابن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، واسمُه كنيتُهُ، وأمُّ إخوته: عُمر وعثمان وعكرمة وخالد ومحمد، وكلُّهم أشقاؤه. وكان أبو بكر يسمى " راهب قريش "، لفضله وكثرة صلاته. واستُصغر يوم الجمل فرُدَّ هو وعروة بن الزبير. ووُلد في خلافة عمر. ومات فُجاءةً سنة أربع وتسعين، وهي ستة الفقهاء.
وعبد الرحمن أبوهُ وفاختةُ أمُّه، هما " الشريدان ". سمَّاهما بذلك عمر بن الخطاب، لأنهما قدِما عليه من الشام. وقد استُشهد أبواهما، ولم يبقَ لهما أهل. فقال: زَوِّجوا الشريد الشريدةَ. وأَقطع لهما عمر بالمدينة خِطَّةً، وأوسع لهما. فقيل له: أكثرت لهما؛ فقال: عسى ينشرُ اللهُ منهما. فنَشر اللهُ منهما ولدًا كثيرًا؛ رجالًا ونساءً.
ومحمدٌ من إخوة الفقيه أبي بكر روى ابن شهاب. ذكر ذلك مُسلم في الصحيح. فقال حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ الحلوانُّي وأبو بكر بن النَّضروعبد ابن حُميد قال: عبد حدثني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: نا أبي عن صالح، عن أبن شهاب قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنَّ عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أرسل أزواج النبيِّ ﷺ فاطمةَ بنتَ رسول الله ﷺ، إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجعٌ معي في مِرْطي، فأَذِنَ لها، فقالت: يا رسولَ الله إنَّ أزواجك أَرسلنني إليك يَسألْنَك العدل في ابنة أبي قحافةَ. وأنا ساكتة الحديث بطولهِ
[ ١ / ٧٩ ]
ومن مخزوم عكرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة، وهو ابن أخي الحارث وسلامة المذكورين آنفًا. ولم يُسْلم من بني هشام بن المغيرة غيرهما، وكانوا خمسةً. والباقون ماتوا كفارًا، وهم ثلاثة، أحدُهم أبو جهل والد عكرمة واسمه عمرو. وكان يُكنى أبا الحكم فكناهُ النبي ﵇ أبا جهل. وكان من أشدِّ المشركين عداوةً لرسول الله ﷺ، قُتل يوم بدر كافرًا، ضربه مُعاد بن عمرو بن الجموح، فقطع رجله، وضرب ابنه عكرمة يد معاذٍ فطرحها. ثم ضربه مُعوَّودُ بن عفراء حتى أَثبته، ثم تركه وبه رمق. ثم ذففَّ عليه عبد الله بن مسعودٍ الهذلُّي، واحتزَّ رأسه حين أمر رسول الله ﷺ أن يُلتمس في القتلى.
والعاصي بن هشام الثاني قُتل يوم بدر كافرًا، قتله عمر بن الخطاب، وهو خاله أخو أمِّه. وخالد بن هشام الثالث أُسر يوم بدر، وفُدي ومات كافرا. وابن أخيهم هشام بن العاصي بن هشام هو الذي جاء إلى رسول الله ﷺ يوم الفتح، فكشف عن ظهره، ووضع يده على خاتم النبوَّة. فأخذ رسول الله ﷺ يده، فأزالها. ثم ضرب في صدره ثلاثا وقال: " اللهمَّ أذهب عنه الغل والحسد " ثلاثا. فكان الأَوقص، وهو محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن يحيى بن هشام بن العاصي يقول: نحن أقلُّ اصحابنا حسدا. وولى الأوقص هذا قضاء مكة فما رُئَي مثله في العفاف والنبل. فبينما هو ذات ليلة نائم في عِلِّية مرَّ به سكران يتغنَّى ويلحن في غنائه، فقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نيامًا، وغنَّيت خطأ، خذه عني. فأصلحه عليه. وقال الأوقص: قالت لي أمي: يا بنيَّ قد خُلقت خِلقةً لا تصلح معها لمجامعة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالدين، فإن الله يرفع به الخسيسة، ويضع به النقيصة، فنفعني الله بقولها. وكان عكرمة بن أبي جهل من خيار مُسلمة الفتح، وكان فارسًا مشهورًا، هرب حين الفتح إلى اليمن، فلحقت به امرأتُه أمُّ حكيم بنت عمِّه الحارث بن هشام، فأتت به النبي ﷺ. فلما رآه قال: " مرحبًا بالراكب المهاجر " وكان مجتهدًا في قتال المشركين، صحيح الإسلام، طاهر القلب. استُشهد بأجنادين، وقيل: بمرج الصُّفَّر. وذكر الزبير بن بكار، قال:
[ ١ / ٨٠ ]
حدَّثني عمي عن جدِّه عبد الله بن مُصعب، قال: استُشهد باليرموك الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وسُهيل بن عمرو، وأتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوهُ؛ كلما دفع إلى رجل منهم قال: اسق فلانًا، حتى ماتوا ولم يشربوه. ولما أسلم عكرمة شكا قولهم: عكرمة بن أبي جهل، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يقولوا عكرمة بن أبي جهل، وقال: " لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات ". وفي أبي جهل عدوِّ الله يقول حسان:
الناسُ كنَّوهُ أبا حَكمٍ واللهُ كنّاهُ أبا جَهلِ
أَبقتْ رِئاستُهُ لأسْرتِهِ لُؤمَ الفروعِ ودقَّة الأصل
وقال رجل من بني مخزوم للأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري كلامًا ليؤذيَهُ: أتعرف الذي يقول:
ذهبتْ قريشٌ بالمكارمِ كلِّها واللؤمُ تحت عمائمِ الأنصار؟
فقال الأحوص: أعرف الذي يقول: الناسُ كنَّوهُ أبا حكمٍ.. " البيتين ". والبيت الذي ذكر المخزوميُّ للأحوص بن محمد هو من قصيدة للأخطل التَّغلبِّي النصرانِّي أبعده اللهُ، هجا فيها الأنصار، أمره بذلك يزيد بن معاوية، إذا كان عَتب على قوم منهم، وكان أمر قبل ذلك بهجائهم كعب بن جُعيل التَّغلبِّي، فأبى عليه، ودلَّه على الأخطل، والدالُّ على الشيءِ كفاعله. وهذه أحقر مثالب يزيد ومآثمه، وأيسر الموبقة جرائمه، أو ليس هو المتمثِّل بقول عبد الله بن الزِّبَعري السَّهميِّ في يوم أحدٍ:
ليتَ أشياخي ببدرٍ شَهِدوا جزَعَ الخزرجِ من وَقْعِ الأسَلْ!
[ ١ / ٨١ ]
وأما نازلة سِبط الرسول الحسين فهي التي ألبستْهُ أبرادَ الشَّين، وقصَّرتْ مدته، وجعلت اليأس من شفاعة جدِّه عُدَّته، وقد كان البرُّ الحليم أبوه معاوية أوصاه به عند موته خيرًا، وأن لا يُنِيلهُ - ولو جنى عليه - ضررًا ولاضيرًا، فما قبل الوصية، بل عكس منها القضية، وعدل عن الحق إلى الباطل ظالمًا، وكان للأعداء أهل البيت المطهَّر من الرجس مسالمًا، غضبًا للدنيا لا للدِّين، فعال الآثمين المعتدين، ونستعيذ بالله من الخذلان، ونسأله الفوز من عذابه في الدارين بالأمان.
ومن بني مخزوم عيَّاش بن أبي ربيعة: واسم أبي ربيعة عمرو بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يُكنى أبا عبد الله. وهو أخو عبد الله بن أبي ربيعة لأمِّه وأبيه. وعبد الله بن أبي ربيعة هو أبو عمر الشاعر وعبد الرحمن وإبراهيم والحارث القُباع عامل ابن الزُّبير على البصرة. وأهل البصرة سمَّوه القُباع، وكان فاضلًا. وولَّى رسول الله ﷺ، عبد الله بن أبي ربيعة الجَنَد ومخاليفها. فلم يزل واليًا عليها حتى قُتل عمر. وأسلم يوم الفتح، وكان من أحسن قريش وجهًا. وهو الذي بعثَتْهُ قريش مع عمرو بن العاصي إلى النَّجاشيِّ في مُطالبة أصحاب رسول الله ﷺ، الذين كانوا عنده بأرض الحبشة. يُعَدُّ في أهل المدينة، ومَخرجُ حديثه عنهم.
حدَّث أبو بكر أحمدُ بن زهير أبي خيثَمة: نا محمد بن عبَّادٍ المكَّيُّ، نا حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميِّ، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن أبي ربيعة أن رسول الله ﷺ قال: " إنما جزاءُ القرض الحمد والوفاء ". ويقولون إنه لم يرو عنه غيرُ ابنه إبراهيم. وكان اسمه في الجاهلية بجيرًا، فسماه رسول اللهصلى الله عليه وسلم عبد الله. ويكنى أبا عبد الرحمن. وفيه يقول عبد الله بن الزِّبعري السَّهميُّ:
بجيرُ بن ذي الرُّمحين قرَّب مَجْلسي وراحَ علينا فضلُهُ غيرَ عاتِمِ
[ ١ / ٨٢ ]
وعياش وعبد الله ابنا ربيعة أخوا أبي جهل والحارث لأمِّهما وابنا عمِّه. أمُّهم أمُّ الجُلاس أسماء بنت مُخرِّبة بن جندل بن أُبير بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مُرِّ بن أدِّ بن طابخةَ بن الياس بن مُضر.
وابنه عبد الله بن عياَّش: وُلد بأرض الحبشة، وحَفظ عن النبي ﷺ، وروى عنه وروى عن عمر وغيره، وكان من القُراء. وروى عنه ابناه عبد العزيز والحارث ونافع مولى ابن عمر وابن ابنه عبد الرحمن بن الحارث أبو الحرث. روى عن عمر بن شُعيب وزيد بن علي، وروى عنه الثوريُّ وسليمان بن بلال، ذكر ذلك مُسلم في كتاب الكُنى له. وقال غير مسلم إنه روى عن عمِّه عبد العزيز بن عبد الله بن عياشٍ. وابن ابنه أبو هاشم المغيرةُ بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش: كان من أصحاب مالك. ومات بعد بعد مالك بسبع سنين قال الزبير بن بكار: كان المغيرة بن عبد الرحمن فقيه أهل المدينة بعد مالك بن أنس. وعرض عليه هارون الرشيد قضاء المدينة وجائزةً أربعة آلاف دينار فامتنع، فأبى أمير المؤمنين إلا أن يُلزمه " القضاء ". فقال: والله يا أمير المؤمنين لأن يخنقني الشيطانُ أحبُّ إليَّ من أن أليَ القضاء. فقال الرشيد: ما بعد هذا غاية. وأعفاهُ من القضاء، وأجازه بألفي دينار. " ومات " المغيرة سنة ست وثمانين ومئة. ووقع من البخاري ومسلم قلب في نسب المغيرة فقالا فيه: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن عياش
وأسلم عياش قديما قبل دخول النبي ﵇ دار الأرقم. وهاجر إلى أرض الحبشة مع امرأته أسماء بنت خاله أخي أمِّه سَلَمةَ بن مُخرِّبة، وهي أمُّ ابنه عبد الله. ثم هاجر إلى المدينة مع عمر بن الخطاب، فقدم عليه أخواه لأمِّه: أبو جهل والحارث ابنا هشام، فذكرا له أن أمَّه حلفت ألاّ يدخل رأسها دُهن، ولا تستظلَّ حتى تراه. فرجع معهما، فأوثقاه رباطًا، فحبساه بمكة حتى خلَّصهم الله. وأستشهد يوم اليرموك. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريُّ: مات عياش بن
[ ١ / ٨٣ ]
أبي ربيعة بمكة. روى عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تزال هذه الأمةُ بخير ما عظَّموا هذه الحُرمةَ حقَّ تعظيمها " يعني الكعبة والحَرَم " فإذا ضيَّعوها هَلكوا ". روى عنه نافع مولى ابن عمر مُرسَلًا، وروى عنه ابنُه سماعًا منه.
ومن بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم هاشم بن أبي حُذيفةَ بن المُغيرة: وكان من مُهاجرة الحبشة في قول ابن إسحاق. وأخواه حذيفة وهشام ابنا أبي حذيفة، وذلك فيما قال ابن هشام: قتل حذيفة سعد بن أبي وقاص، وقتل هشامًا صُهيب بن سنان.
ومن بني مخزوم شمَّاس بن عثمان بن " الشريد بن " سُويد بن هرمي بن عامر بن مخزوم. واسمه عثمان، وشماس لقب غلبه. وإنما سُمّشي شماسًا، لأن شماسًا من الشمامسة قدِم مكة في الجاهلية، وكان جميلًا، فعجب الناس من جمالهِ بشماس أحسن منه. فأتى بابن أخته عثمان بن عثمان فسمِّي شماسًا يومئذ. واسم أمِّ شماس صفية بنت ربيعة، وهي عمةُ هندٍ أمِّ معاوية. وشهد " بدرًا وقتل يوم أحد " وبات ليلة إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ومات عند أمِّ سلمة، فأمر رسول الله ﷺ " أن يردَّ إلى أحد فيدفن هناك. ولم يصلِّ عليه رسول " الله ﷺ، ولم يغسله، بعد أن مكث يومًا وليلة، لم يأكل ولم يشرب.
ومن بني مخزوم أيضًا حَزْنُ بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وهو أبو السائب والمسيَّب وحكيم وأبي مَعبد وعبد الرحمن، وكلُّهم صحابة. وحزن من المهاجرين ومن أشراف قريش، وهو جدُّ سعيد بن المسيب الفقيه. وروى حزن والمسيب ابنه عن النبي ﵇. ولم يرو عنه بقيةُ ولده شيئًا وقال رسول الله ﷺ لحزن بن أبي وهب: " ما أسمك؟ ". قال: حزن. فقال له ﷺ: " أنت سهل ". فقال: إنما السهولة للحمار. فقال له النبيُّ: " أنت حزن! ". قال سعيد بن المسيَّب: فما زالت تلك
[ ١ / ٨٤ ]
الحزونةُ تعرف فينا حتى اليوم وفي ولدهِ حزونة وسوء خُلُقٍ معروف ذلك منهم، لا يكاد يُعدم منهم.
وأسلم ابنه حكيم عام الفتح، وقُتل يوم اليمامة شهيدًا مع أخيه عبد الرحمن أبيه حزن. وأمُّ حكيم بن حزن فاطمةُ بنتُ السائب بن عثويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وأمُّ المسيَّب بن حزن وأخوته عبد الرحمن والسائب وأبي معبد أمُّ الحارث بنت سعيد بن أبي قيس بن عبدوُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْلِ بن عامر بن لؤي. قال مصعب الزُّبيريُّ. وشهد المسيِّبُ بيعة الرِّضوان. وخرَّج البخاري ومسلم أن سعيد بن المسيَّب شهد الشجرة مع أبيه، ووَهِما في ذلك. قال الدارقُطني: أصحاب المغازي ينكرون ذلك. قال المؤلف أصلحه الله: الدليل على ما قاله الدارقطنيُّ أن سعيدًا وُلد في صدر خلافة عمر، ويأتي ذكرُ ذلك بعد. ولا خلاف أن المسيَّب ممن بايع تحت الشجرة.
وابنه سعيد بن المسيَّب: من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، ويُكنى أبا محمد بابنه محمد، وكان نسَّابةً، وسعيد أيضًا كان نسابة. حَّث محمد بن عبد السلام الخُشني قال: نا نصر بن علي الجَهضميُّ قال: نا الأصمعي قال: نا إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: جئت سعيد بن المسيَّب، فسلَّمت عليه فردَّ عليَّ فقلت له: أنا ابن يحيى بن طلحة. فضمَّني إليه وقال: ائتِ محمدًا ابني، فإنَّ عنده ما عندي، إنما هي شعوب وقبائل وعمائر وبطون وأفخاذ وفصائل.
قال المؤلف وفقه الله لما يُرضيه، ومنحه خير ما يقضيه: نصر بن علي الجَهضَميُّ الذي روى عنه الخشنيُّ محمد بن عبد السلام الأندلسيُّ. روى عنه مسلم في صحيحه كثيرًا. وخرَّج عنه الترِّمذي وغيره من الأئمة. ويُكنى أبا عمرو. وروى مسلم أيضًا عن ابنه عليَّ بن نصر. وأكثرُ روايته عن أبيه نصر. وهو من أشياخه الذين أكثر الرواية عنهم. ومات نصر بن علي وابنه علي بن نصر المذكوران في سنةٍ واحدة؛ سنة خمسين ومئتين. مات منها أبوهُ في ربيع الآخر، ومات هو منها لأيامٍ بقين من شعبان، ونَسبهما إلى جَهضم بن مالك بن
[ ١ / ٨٥ ]
فَهم بن دوس بن عُدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث.
ودَوس: رهط أبي هُريرة عبد الرحمن بن صخر. ومن دوس الطُّفيل بن عمرو، وذو النُّور ﵄ الأصمعيُّ: هو عبد الملك بن قُريب من باهلة، وإسحاق بن يحيى الذي روى عنه الأصمعي هو إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عُبيد الله القرشيُّ التَّيميُّ، وجدُّه طلحة أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وروى إسحاق بن يحيى أيضًا عن المسيَّب بن رافع الكاهليِّ الأسديِّ؛ أسد خُزيمة.
وروى المسيب عن البراء بن عازب الأنصاري الحارثيِّ الخزرجيِّ من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج. ووُلد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر. وتوفي بالمدينة. قال يحيى بن سعيد: سنة إحدى واثنتين وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع وتسعين، وهي سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم. وقال المدائنيُّ ويحيى بن مَعين: سنة خمس ومئة. وقال ابن عمر، ﵁، لرجل سأله عن مسألةٍ: ائتِ ذلك فاسأله، - يعني سعيدًا - ثم ارجع إليَّ وأخبرني. ففعل ذلك ثم أخبره فقال: ألم أُخبرك أنهُ أحد العلماء؟.
وقال عبد الله بن عمر لأصحابه: لو رأى رسول الله ﷺ هذا لَسَرَّهُ. وقال الزُّهريُّ: أخذ سعيد علمه عن زيد بن ثابت، وجالس ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص، ودخل على زوجي النبي ﷺ؛ عائشة وأمِّ سلمة وغيرهما، وسمع عثمان وعليًا وصُهيبًا. وجُلُّ روايته المسندة عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته. وكان يقال: ليس أحد أعلم بكلِّ ما قَضَى به عمر وعثمان منه وكان يقال له: رواية عمر. وقال القاسم بن محمد: هو سيدنا وأعلمنا. وقال قتادةُ: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحدٍ من العلماء إلا وجدت له عليه فضلًا، غير أنه كان أَشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيَّب يسأله.
وكان سعيد أفقه أهل الحجاز وأَعبر الناس لرؤيا وقال له رجل: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان، فأَضجعته إلى الأرض، ثم بطحتُه، فوتَدْتُ في
[ ١ / ٨٦ ]
ظهره أربعة أوتاد. فقال: ما أنت رأيتها، ولكن رآها ابن الزبير. ولئن صدَقت رؤياهُ قتله عبد الملك بن مروان، وخرج من صلبه أربعة كلهم يكون خليفة. وقال له آخر: رأيتني أبول في يدي. فقال تحتك ذات مُحرم، فنظر فإذا امرأته بينهُ وبينها رضاع.
وكان جابر بن الأسود أمير المدينة لابن الزبير. فدعا سعيدا إلى البيعة لابن الزبير، فأبى فضربه ستين سوطًا. وضربه أيضًا هشام بن إسماعيل ستين سوطًا، وطاف به المدينة في تبَّان من شعرٍ، وذلك أنه دعاه إلى البيعة للوليد وسليمان بالعهد فلم يفعل.
ومن بني مخزوم المطَّلب بن عبد الله بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم: كان من التابعين، رُوي عنه الحديث. وعمُّه المطلب بن حَنطب: كان من أُسارى بدر، وأُطلق بغير فداء. ومولى المطلب بن عبد الله عمرو بن أبي عمرو بن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أني بن مالك.
ومن بني مخزوم هُبيرةُ بن أبي وهب: وهو أخو حزن بن أبي وهب، وزوج أم هانيء بنت أبي طالب. وأبوهما أبو وهب: خال أبي رسول الله ﷺ. وكان من سَرَواتِ قريش، شريفا. وهو الذي أخذ حجرًا من الكعبة حين اجتمعت قريش لِهدمها، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيِّبًا، لا تدخلوا فيه مَهْرَ بغيٍّ، ولا بيع ربًا، ولا مَظلمة أحد من الناس. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكيُّ أنه حُدِّث عن عبيد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجُمحيِّ أنه رأى ابنًا لجعدة بن هُبيرة بن أبي وهب يطوف بالبيت. فسأل عنه فقيل: هذا ابن لجعدة بن هُبيرة. فقال عبد الله بن صفوان عند ذلك: جدّث هذا، يعني أبا وهب، الذي أخذ حجرًا من الكعبة حين اجتمعت قريش لِهدمها، فوثب من يده حتى رجَعَ إلى موضعه، فقال الكلام المتقدِّم قبلُ. وله يقول شاعر من العرب:
[ ١ / ٨٧ ]
لو بأبي وهب أنختُ مطيَّتي غَدت من نَداه رحلُها غيرُ خائب
أُبيِّضُ من فَرعيْ لؤيَّ بن غالبٍ إذا خُلِّصتْ أنسابُها في الذوائب
أَبي لأخذ الضَّيم يرتاح للنِّدا تَوسَّط جَدَّاهُ فُروعَ الأطايب
وكان هبيرة بن أبي وهب شاعرًا من رجال قريش هرب يوم فتح مكة إلى اليمن، ومات بها كافرًا. وقال حين بلغه إسلام أمِّ هانيء واسمها هند، وهو بنجران القصيدة التي أولها:
أشاقتْكَ هندّ أم نآكَ سُؤالها كذاك النَّوى أسبابها وانفتالُها
وقد أرَّقت في رأس حصن ممنَّعٍ بنجران يسري بعد ليلٍ خيالُها
لئن كنت قد تابعت دين محمد وعطَّفت الأرحامُ منك حبالُها
فكوني على أعلى سحيقٍ بهضبةٍ مُمنَّعةٍ لا تُستطاعُ قِلالُها
وفيها:
وإني لحَامٍ من وراء عشيرتي إذغ كان من تحت العوالي مجالُها
[ ١ / ٨٨ ]
وصارت بأيدي القوم بيض كأنها مخاريقُ ولدانٍ تنوشُ ضِلالُها
وفيها:
وإنَّ كلام المرء في غير كُنههِ لكالنَّبل تهوى ليس فيها نِصالُها
وابنه جعدة بن هُبيرة: مذكور في الصحابة، ولاَّهُ خاله عليُّ بن أبي طالب على خرسان، وكان فقيهًا ووَلدت أمُّ هانئ بنت أبي طالب لهبيرة من البنين أربعةً، وهم: جعدةُ، وعَمرو، وبه كان يُكنى، وهانيء، ويوسف. ذكر هذا الزبير بن بكَّار. قال الزبير: وجعدةُ بن هُبيرة هو الذي يقول:
أبي من بني مخزومٍ انْ كنت سائلًا ومن هاشمٍ أمِّي لخيرِ قَبيلِ
فمن ذا الذي يَبأى عليَّ بخالهِ وخالي عليٌّ ذو الهدى وعَقيلظ
رَوى عن جعدةَ مُجاهد بن جبر أبو الحجاج.
ومن مخزوم الأرقم بن أبي الأرقم: واسم الرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يُكنى أبا عبد الله. كان من المهاجرين الأولين، قديم الإسلام. قيل إنه كان سُبُعَ الإسلام؛ سابع سبعة. وقيل أسلم بعد عشرة أنفُس، وذكره ابن عقبة وابن إسحاق فيمن شهد بدرًا. وفي دار الأرقم بن أبي الأرقم هذا كان النبي ﷺ مستخفيًا من قريش بمكة، يدعو الناس فيها إلى الإسلام في أول الإسلام، حتى خرج عنها. وكانت دارُة بمكة على الصَّفا. فاسلم فيها جماعة كبيرة. وهو صاحبُ حلف الفضول. روى عن
[ ١ / ٨٩ ]
النبي ﷺ أحاديث. وذكر سعيد بن أبي مَريم قال: نا عطَّاف ابن خالد قال: حدثني عبد الله بن عثمان بن الأرقم عن جدَّه الرقم، وكان بَدريًا، وكان رسول الله ﷺ في داره عند الصَّفا، حتى تكاملوا أربعين رجلًا مُستلئمين. وكان آخرهم إسلاما عمر بن الخطاب. فلما كانوا أربعين خرجوا. وكانت وفاته - فيما ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السَّرَّاج - قال: سمعت أحمد بن عبد الله بن عثمان بن الأرقم بن أبي الأرقم يقول: سمعت أبي ومشائخنا يقولون: تُوفي الرقم سنة خمس وخمسين بالمدينة، وهو ابن بضع وثمانين سنة. وكان قد أوصى أن يُصلى عليه سعد بن أبي وقاص، وكان في قصره بالعقيق. فقال مروان: أيُحبس صاحب رسول الله ﷺ لرجل غائب؟ فأبى عبيد الله بن الرقم ذلك على مروان. وقامت بنو مخزوم معه، ووقع بينهم كلام ثم جاء سعد فصلى عليه.
وذكر ابن أبي خيثمة أبا الأرقم أباه فيمن أسلم، وروى من بني مخزوم، وغلط في ذلك، والله أعلمُ. ولم يُسلم أبوه فيما عُلم. وِن صحَّ هذا فممكن أن يكون أبوه أبو الأرقم مات يوم مات أبو بكر الصديق. وتوفي الرقم سنة خمس وخمسين. وعلى هذا يصحُّ قول أبي بكر بن أبي خثيمة أنَّ له صحبةً وروايةً. وغلط أيضا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازيُّ وابنه عبد الرحمن فجعلا الأرقم بن أبي الأرقم هذا والد عبد الله بن الأرقم الزهري. والأرقم والد عبد الله: هو ابن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة. والأرقم بن أبي الأرقم مخزومي كبير، أسلم في داره كبارُ الصحابة في ابتداء الإسلام، والله الموفق للصَّواب.
ومن بني مخزوم فاطمة بنت أبي الأسود " قال فيها رسول الله ": " ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "
ومنهم الفاكه بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكان زوج هند بنت عُتبة أمِّ معاوية قبل أبي سفيان بن حرب، وله معها خبر مشهور أَذكره: قيل: كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش، وكان قد تزوج هندًا
[ ١ / ٩٠ ]
بنت عتبة. وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه عن غير إذن. فقال يومًا في ذلك البيت، وهند معه. ثم خرج الفاكه عنها وتركها نائمةً، فجاء بعض من كان يغشى البيت، فلما وجدها نائمةً ولى عنها. واستقبله الفاكه بن المغيرة، فدخل على هندٍ وأَنبهها، وقال: من هذا الخارج من عندك؟ قالت: والله ما انتبهت حتى أنبهتني، وما رأيت أحداَ فقال: الحقي بأبيك. وخاض الناس في أمرهم. فقال لها أبوها: يا بُنيَّة، أَنبئيني بشأنك. فإن كان الرجل صادقًا دسست إليه من يقتله، فينقطع عنك العار. وإن كان كاذبًا حاكمته إلى بعض كهَّان اليمن. قالت: والله يا أبت إنه لكاذب. فخرج عتبة فقال: إنك رميت ابنتي بأمر عظيم. فإمَّا أن تُبيِّن ما قلت، وإما أن تحاكمني إلى بعض كهان اليمن. قال: ذلك لك. فخرج الفاكهُ في جماعة من رجالٍ ونسوة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من رجال ونسوة من بني عبد مناف. فلما شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند، وكسف لونها. فقال أبوها: يا بنية، ألا كان هذا قبل أن يشتهر خروجنا في الناس؟! قالت له: والله يا أبت، ما ذلك لمكروه أجدُ قبلي. ولكنكم تأتون بشرًا يخطئ ويصيب، ولعله أن يسمني بميسمٍ يبقى على ألسنة العرب. قال أبوها: صدقت ولكني سأَخبُرُه لك. فصفر بفرسه. فلما أدلى عَمَد إلى حبِّة بُرٍ فأدخلها في إحليله، ثم أَوكى عليها، وسار. فلما نزلوا على الكاهن أكرمهم ونَحر لهم. فقال له عتبة: إنا أتيناك في أمر، وقد خَبأتُ لك خبيئةً أخبرك بها. فقل: ما هي؟ قال: ثمرة في كمرة. قال أريد أبين من هذا. قال: حبة برٍّ في إحليل مُهرٍ. قال: صدقت فانظر في أمر هؤلاء النِّسوة. فجعل يمسح على رأس كلِّ واحدة منهن، ويقول: قومي لشأنك. حتى إذا بلغ إلى هند مَسح يده على رأسها وقال: قومي غير رسحاء ولا زانيةٍ، وستلدين مَلِكا يقال له معاوية. فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها، فنثرت يدها من يده وقالت: والله لأحرصنَّ أن يكون ذلك الولد من غيرك. فتزوجها بعده أبو سفيان، فولدت معاوية.
[ ١ / ٩١ ]
وقُتل الفاكه كافرًا، وهو قافل من تجارة كان خرج فيها إلى اليمن مع نفر من قريش، منهم: عفان بن أبي العاصي، وابنه عثمان، وعوف بن عبد عوف، وابنه عبد الرحمن بن عوف. قُتل الفاكه بأرض بني جذيمة، وأُخذ ماله. وقُتل مع الفاكه عوف والد عبد الرحمن وأُخذ ماله أيضا، وقَتَل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام من بني جَذيمة، ونجا عفان بن العصي وابنه عثمان.
والخبر بذلك مُستوفي في سيرة ابن إسحاق عِقب فتح مكة حين أصاب خالد بن الوليد بني جذيمة من كنانة بالغُميْصاء وأنكر عليه عبد الرحمن بن عوف قتْل من قَتل منهم.
وابنه قيس بن الفاكه: كان من المُجاهرين بالظلم لرسول الله ﷺ بمكة. وقُتل قيس يوم بدرٍ كافرًا، قتله حمزة وقيل علي ﵄.
ومن موالي مخزوم: مجاهد بن " جبر " أبو الحجاج: مولى قيس بن السائب بن عُويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم. قال قيس بن السائب: نزلت) وعلى الذين يطيقونهُ فدية طعامُ مسكينٍ (فأفطروا " وأطعموا " مسكينًا. وكان عبد الله بن كثير يقول: مجاهد مولى عبد الله بن السائب بن أبي السائب. ذكرت ذلك في أول الكتاب. وكان مجاهد من كبار أصحاب ابن عباس مقرَّبًا مفسِّرًا، وكان أعلم من طاووس وقال مجاهد: كان ابن عمر يأخذ لي الركاب إذا ركبت. ومات بمكة وهو ساجد سنة ثلاث ومئة، وابنُ ثلاثٍ وثمانين. وابنه عبد الوهاب بن مجاهد كان متروك الحديث قاله المَوْصليُّ.