مُصعبُ بنُ عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار: وهو من المهاجرين الأولين. شهد بدرًا، وقُتل يوم أُحد شهيدًا. قال أبو محمد بنُ الجارُودِفي كتاب) المنتقى (له: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: نا معاوية الضريرُ قال: نا الأعمشُ عن شقيق، عن خَباب بن الأرت فال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجَبَ أجرنا على الله. فمنَا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا؛ منهم: مُصعب بن عُمير، قُتل يوم أحدٍ، فلم يوجَد لهث شيء يكفَّن به إلا نَمِرَةُ. فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رحلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسَهُ. فقال رسول الله ﷺ: " ضَعوها ممَّا يلي رأسَهُ، واجعلوا على رجليهِ من
[ ١ / ٦٢ ]
الأذخُر ". ومنا من أينعت له ثمرتُهُ فهو يَهدِ بُها.
وأخواهُ أبو الروم وأبو عزيز ابنا عُمير. فأما أبو الروم، فكان قديم الإسلام بمكة. وذكر ابنُ إسحاقَ أنه هاجر إلى أرض الحبشة. وقال أبو الزِّناد: لم يهاجر إليها. وشهدَ أحدًا وقُتل يومَ اليرموك شهيدًا. وهو ممِّن اشتهر بكنيته. " له صحبة " وسماع من النبي ﷺ. روى عنه نُبْيهُ بن وهب. يعدُّ في أهل المدينة
ومنهم سُوَيبط بن سعد بن حُرَيْملةَ بن مالك بن عُمَيلةَ بن السَّبَّاق بن عبد الدار. هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا. وكان مزَّاحا يُفرط في الدُّعابة. وقصتُه مع نُعيمان بن عمرو الأنصاريَّ النجَّاريَّ مشهورة حين سافرا مع أبي بكر الصديق ﵃. وكان نُعيمان أيضا مزَّاحا. وله أخبار مُستطرفة مُضحكة، ذكرها مُسندة أحمد بنُ حنبل والزبير بن بكَّار وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزْمٍ الأنصاريُّ النجَّاريُّ.
ومنهم برةُ بنت عامر بن الحارث بن السبّاق بن عبد الدار بن قصي. وهي بنت عم بَعكك والد أبي السنابل. وكانت تحت أبي إسرائيل الأنصاريَّ، فولدَتْ له إسرائيل بن أبي إسرائيل. وكانت من المهاجرات.
ومنهم عثمانُ بنُ طلحة بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة عبدُ الله بنُ عبد العُزى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصي. قُتل أبوهُ طلحةُ وعمه عثمان ابنا أبي طلحة جميعا يومَ أحدِ كافرين. قَتل حمزةُ عثمان وقَتل عليٌّ طلحة مُبارزة. وقُتل لعثمان ابن طلحة إخوة أربعةٌ أيضا يوم أحدٍ كفارًا، وهم: مُسافع، والجُلاس، والحارث، وكِلاب بنو طلحة. قَتل مُسافعًا والجُلاس عاصم بن أبي الأفلح حمِيُّ الدَّبْر. وقتل كلابًا والحارث قُزمانُ حليفُ بني ظفرٍ. وقيل: كلابًا عبدُ الرحمن بن عوف. وقال ابنُ عبدِ البر في كتاب الصحابة: قَتل كلابا الزبير. وكانت هجرة عثمان بن طلحة في هُدنة الحديبية مع خالد بن الوليد. فلقيا
[ ١ / ٦٣ ]
عَمرو بن العاصي مُقبلًا من عند النَّجاشي يريد الهجرة. فاصطحبوا جميعا حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة. فقال رسول الله حين رآهم: " رمتْكم مكةُ بأفلاذِ كبِدها " يقول: إنهم وجوهُ مكةَ، فأسلموا. ثم شهد عثمان بن طلحة فتح مكة، فدفع رسول الله مفتاح الكعبة إليه وإلى ابن عمِّه شيْبة بن عثمان بن أبي طلحة، وكان من مُسلمة الفتح. وقيل: بل أسلم بحُنين.
وقال لهما ﵇: " خذوها، يا بني أبي طلحة، خالدةً تالدةً إلى يوم القيامة، لا ينزعها منك إلا ظالم ". فبنو أبي طلحة هم الذين يَلُونَ سِدانةَ الكعبة دون بني عبد الدار. ثم نزل عثمان بن طلحة المدينة فأقام بها إلى وفاة رسول الله ﷺ. ثم انتقل إلى مكة، فسكنها حتى مات بها في أول خلافة معاويةَ سنة اثنتين وأربعين. وقيل إنه قُتل يومَ أجنادين.
وابنُ عمه شيبة بن عثمان: هو جدُّ بني شيبةَ حَجَبةِ الكعبة إلى اليوم. وتوفى في آخر خلافة معاوية سنة تسعٍ وخمسين. وقيل: بل تُوفي في أيام يزيد. وهو من فضلاء المؤلفة قلوبهم.
وابنته صفيةُ بنتُ شيبةَ: يُروى عنها الحديث؛ روى عنها ميمون بن مِهْران الجزريُّ وعُبيدُ اللهِ بن أبي ثور والحسن بن مسلم وإبراهيم بن مُهاجر. وروت هي عن فمِمَّا روى عنها الحسن بن مسلم ما ذكره ابن الجارود في " الملتقى " فقال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن الدَّوقيُّ وإسماعيل بن أبي الحارث قالا: نا يحيى، وهو ابن أبي بُكير عن إبراهيم بن طَهمان قال: حدثني بُديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنتِ شيبةَ عن أم سَلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: " المتوفي عنها زوجُها لا تلبسُ المعصفر من الثياب، ولا الممشَّقة، ولا الحَلْيَ، ولا تختضبُ، ولا تكتحلُ ". قال: وحدثني بُديل أن الحسن بن مسلم قال: لم أرَهم يَرَونَ بالصبرِ باسًا.
وممَّن رَوى عنها إبراهيم بن مَهاجر ما ذَكره أبن الجارود أيضا في المنتقى،
[ ١ / ٦٤ ]
فقال: حدثنا محمد بن يحيى قال: نا عبيد الله بن موسى قال: نا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: سألت امرأة من الأنصار النبي ﷺ عن الحائض إذا أرادت أن تغتسل من المحيض. قال: " خُذي ماءكَِ وسدْركِ ثم اغتسلي، فأَنقي، ثم صُبَّى على رأسكِ حتى تبلغَ شؤونَ الرأس. ثم خذي فِرصة ًمُمسكة ". قالت: كيف أصنع؟ فسكت، ثم قالت: كيف أصنع؟. فسكت. فقالت عائشةُ: " خذي فِرصةً مُمسًكة فتتبَّعي بها أثر الدم ". ورسول الله ﷺ يسمع، فما أنكر عليها.
خرَّج مسلمّ هذا الحديث من طرق، عن منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة. وعن إبراهيم بن المهاجر، عن صفية، عن عائشة. وفي آخر حديث ابن المهاجرة فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار. ولم يكن يمنعهنَّ الحياء أن يتفقَّهنَ في الدين. المرأة التي سألت النبَّي ﵇ عن غسل المحيض أسماءُ بنتُ شكل الأنصارية.
وكان لصفية أخوان: " مُصعب " وجُبير ابنا شيبةَ. فأما مصعب فروى عنها عن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ غداةً وعليه مِرْط مُرحَّل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسينُ فدخل معهُ، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: " إنما يريدُ اللهُ ليذهبَ عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيرًا ".
وأما أخوها جُبير فولد عبدَ الحميد بن جُبير، رَوى من عمته صفية. مسلم: نا يحيى بن حبيب الحارثي قال: نا خالد بن الحارث قال: ناقرة قال: نا عبد الحميد بن جبير بن شيبة قال: حدَّثتْنا صفيةُ بنتُ شيبةَ قالت: قالت عائشة: قال
[ ١ / ٦٥ ]
رسول الله: " يرجعُ الناس بأجرينِ وأرجع بأجرِ الحديث ". خرَّجه مسلم في كتاب " الحج ".
وقتل رسول الله ﷺ من بني عبد الدار يوم بدرٍ صبرًا النَّضر بن الحارث بن علقمةَ بن كَلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيٍّ. أمر بقتلهِ عليَّ بن أبي طالب بالصفراء. وكان النضر عدُّو الله من شياطين قريش، وممَّن كان يؤذي رسول الله ﷺ، وينصِب له العداوة. وكان قد قدم الحيرة، وتعلَّم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رُستم وإسفنديار. فكان إذا جلس رسولُ الله ﷺ مجلسًا فذكَّر فيه بالله ﷿، قام ثم قال: أنا والله يا معشر قريش، أحسن حديثًا منه، أحدِّثكم أحسن من حديثه.
ثم يقول: بماذا محمد أحسنُ حديثًا مني؟ وهو الذي قال: سأنزل مثل ما أنزلَ اللهُ.
وكان ابنُ عباس يقول: نزل فيه ثماني آيات من القرآن. قال الله تعالى:) إذا تُتلى عليه آياتُنا قال: أساطيرُ الأوَّليْنَ (. وكلُّ ما ذكر في القرآن من الأساطير.
وأخوهُ النُّضيرُ بنُ الحارث: كان من المهاجرين الأولين. وقيل: بل كان من مُسلمةِ الفتح، والأولُ أكثرُ وأصحُّ. ويكنى أبا الحارث. وأبوهُ الحارث بن علقمةَ يُعرف بالرَّ " هين " ومن ولِده محمدُ بن المرتفع بن النُّضير بن الحارث. يروى عنه ابن جُريج
وبنت النَّضر المذكور قُتيلةُ: كانت تحت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبدِ شمس بن عبد مَناف. فوَلدت له عليًا والوليد محمدًا والحكَمَ. وهي جدةُ الثُّريَّا لأبيها عليِّ بن عبد الله بن الحارث. والثريا هي التي كان
[ ١ / ٦٦ ]
يشبب بها عمرُ بن أبي ربيعة. وقد تقدَّم ذكرها قبلُ. وأسلمت قُتيلةُ يوم الفتح. وكانت شاعرةً مُحسنةً وهي القائلةُ القصيدة المشهورة تبكي أباها، وبعثتْ بها إلى النبي ﷺ، وهي من جيد الشعر وأحكمه:
يا راكبًا إنَّ الأُثَيلَ مَظِنَّةٌ من صبحِ خامسةٍ وأنتَ مُوفَّقُ
أَبْلغْ بها مَيْتًا بأنَّ تَحيةً ما إنْ تزالُ بها النجائِبُ تخْفِقُ
منى إليكَ وعبرةً مسفوحةً جادتْ بواكفِها وأُخرى تَخْنُقُ
هل يَسمعني النَّضرُ إنْ ناديتُهُ أم كيف يسمعُ ميَّتٌ لا يَنطقُ
أمحمد يا خيرَ ضِنْء كريمةٍ في قومها والفَحلُ فَحلٌ مُعزِق
ما كان ضرَّك لو مَنَنْتَ وربما مَنَّ الفتى وهْوَ المَغِيْطُ المُحْنَقُ
أوْ كنت قابلَ فِديةٍ فليُفْتدَنْ بأعزِّ ما يعلو بهِ ما يُنْفَقُ
فالنَّضْرُ أقربُ مَن أسرتَ قرابةً وأَحقُهم إن كانَ عِتقٌ يُعتقُ
[ ١ / ٦٧ ]
ظلَت سيوفُ بني أبيهِ تَنوشُهُ للهِ أرْحامٌ هناكَ تشقَّقُ
فلما بلغ قولها رسول الله ﷺ بكى حتى أَخضلت الدموعُ لحيتَهُ وقال: " لو بلغني شعرُها قبل أن أقتُلَه لعفوتُ عنه ". ذكر هذا الخبر عبدُ الله بن إدريس في حديثهِ، وذكره الزُّبير وقال: فرقَّ لها رسول الله ﷺ حتى دَمعت عيناهُ، وقال: " يا أبا بكر لو سمعتُ شعرها ما قتلتُ أباها ".
ومن بني عبدِ بن قُصي طُليب بن عُمير بن وهب بن أبي كَبير بن عبد. وأمُّه أَروى بنتُ عبد المطلب، وهو من المهاجرين الأولين. شهد بدرًا، وقُتل يوم أَجناديْن شهيدًا. وقيل: استشهد يومَ اليرموك.