١. التَّعَبُّدُ للهِ -﵎- بِالْدِّلَالَةِ عَلَى الْعِلْمِ.
٢. الْبِرُّ بِالأَمْوَاتِ -﵏- مِنَ الآبَاءِ، وَالأَجْدَادِ.
٣. وَصْلُ خَصَائِصِ الْأَجْدَادِ بِخَصَائِصِ الْأَحْفَادِ، وَإِنَّهَا لَصِلَةٌ مَرْعِيَّةُ الْأَنْسَابِ، مَبْرُوْرَةُ الْعُهُوْدِ، مُحْكَمَةُ الْوَثَائِقِ؛ لِيَحْصُلَ بَيْنَهُمَا مَا يَكُوْنُ مِنْ الْتِقَاءِ الْسَّالِبِ بِالْمُوْجَبِ فِيْ الْقَوَانِيْنِ الْكَهْرَبَائِيَّةِ: حَرَكَةٌ، وَضَوْءٌ، وَحَرَارَةٌ. (^١)، «وَأَحَقُّ الْنَّاسِ بِالْمَعَالِيْ مَنْ كَانَ فِيْهَا عَرِيْقًَا، وَلَايَكُوْنُ الْمَرْءُ خَلِيْقًَا بِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ أَبُوْهُ بِهَا خَلِيْقًَا؛ وَإِذَا زَكَتْ أُصُوْلُ الْشَّجَرِ؛ زَكَتْ فُرُوْعُهُ، وَلَا يَعْذُبُ مَذَاقُ الْمَاءِ إِلَّا إِذَا طَابَ يَنْبُوْعُهُ». (^٢)
٤. الْأنَفَةُ لِلْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ وَالْأَعْمَامِ = لِلْحَمَادَى مِنْ تَهَضُّمٍ أَوْ خُمُوْلٍ. (^٣)
_________________
(١) اقتباس من «آثار البشير الإبراهيمي» (٢/ ١٥٣) و(٤/ ١٠٣).
(٢) «الوشي المرقوم» للضياء ابن الأثير (ص ٢٤٠).
(٣) انظر في المعنى: «أدب الدنيا والدين» للماوَرْدي (ص ٢٤٤ - ٢٤٥).
[ ٢١ ]
٥. صِلَةُ الأَرْحَامِ، وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ صِلَةٍ أَنْ يُنْشَرَ دَلِيْلٌ لِنِتَاجِ الأَجْدَاد، وَالْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ رِجَالًَا وَنِسَاءً.
٦. تَقْوِيَةُ أَوَاصِرِ الْقُرْبَى بَيْنَ الْحَمَادَى: الْقُرْبَى الْنَّسَبِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ، فَالْعِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ.
٧. نَشْرُ = تَسْوِيْقُ الْنِّتَاجِ الْعِلْمِيِّ.
٨. إِظْهَارُ الْتَّنَوُّعِ الْعِلْمِيِّ وَالْمَعْرِفِيِّ عِنْدَ الْحَمَادَى.
٩. تَحْفِيْزُ الْنَّاشِئَةِ مِنْ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا، لِلْعَمَلِ الْعِلْمِيِّ الْمُثْمِرِ.
١٠. دُخُوْلُ أُسْرَتِنَا الْكَبِيْرَةِ «الْحَمَادَى» ضِمْنَ الْأُسَرِ الْعِلْمِيَّةِ، وَتَحْفِيْزُهَا لِإِنْشَاءِ مَرْكَزٍ عِلْمِيٍّ بِاسْمِهَا. (^١)
١١. الْدِّرَاسَاتُ الْعِلْمِيَّةُ حَوْلَ الْنِّتَاجِ.
١٢. لَاْ أَقُوْلُ بِأَنَّ هَذَا الْنِّتَاجَ الْعِلْمِيَّ لِلْحَمَادَى سَيَكُوْنُ مِنَ الْتَّارِيْخِ بِالْنِّسْبَةِ لِأَحْفَادِنَا، بَلْ دَخَلَ الْتَّارِيْخَ الْآنَ لَحْظَةَ صُدُوْرِهِ قَبْلَ أَنْ تَقْرَأَهُ، فَالْتَّارِيْخُ لِأَيِّ أُسْرَةٍ = عَشِيْرَةٍ = أُمَّةٍ، جُزْءٌ مِنْ مَرَاقِيْهَا، «وَالْمَرْءُ لَا يَكُوْنُ
_________________
(١) لي مَقالٌ بعُنوان: «أيْنَ مَراكِزُ الأُسَرِ الْعِلْمِيَّةِ؟!» نُشِر في «صحيفة الجزيرة» = «المجلة الثقافية» عدد (٤٣١) بتاريخ (٧/ جمادى الأولى/ ١٤٣٥ هـ).
[ ٢٢ ]
كَيِّسًَا حَسَّاسًَا إِذَا أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ عَنْ مَاضِيْهِ، وَعَنْ مُسْتَقْبَلِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْحَثَ لِلْوُصُوْلِ إِلَى مَا يَقِفُهُ عَلَى الْصِّلَاتِ الَّتِيْ تَرْبِطُهُ بِأَجْدَادِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، وَبِالْإِنْسَانِيَّةِ أَمْسٍ، وَبِالْإِنْسَانِيَّةِ غَدًَا، فَالْمَاضِيْ يُفَسِّرُ الْحَاضِرَ، وَهَذَا يَشْرَحُ الْغَابِرَ، كَمَا قَالَ الْعَارِفُوْنَ». (^١) «وَمِنَ الْسُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ الْمُقَرَّرَةِ فِيْ سُقُوْطِ الْأُمَمِ وَعَدَمِ امْتِدَادِ الْعِزَّةِ وَالْرُّقِيِّ فِيْهَا: أَنْ يَنْسَى آخِرُهَا مَآثِرَ أَوَّلِهَا؛ فَيَنْقَطِعَ الْتَّيَّارُ الْدَّافِعُ؛ فَيَتَعَطَّلَ الْتَّقَدُّمُ». (^٢)
١٣. الْمُسَاهَمَةُ فِيْ إِبْرَازِ جُزْءٍ مِنْ الْحَيَاةِ الْعِلْمِيَّةِ فِيْ بلادنا الغالية «الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْسُّعُوْدِيَّةِ».
١٤. إِبْرَازُ شَيْءٍ مِنَ الْنِّتَاجِ الْعِلْمِيِّ لِمَنْطِقَةِ الْقَصِيْمِ، فَيَدْخُلُ هَذَا «دَلِيْلُ الْنِّتَاجُ الْعِلْمِيِّ لِلْحَمَادَى» فِيْ: «مُؤَلَّفَاتِ أَهْلِ الْقَصِيْمِ» لِلْمَرْزُوْقِ، وَمَنْ سَيَكْتُبُ عَنْ الْحَيَاةِ الْعِلْمِيَّةِ فِيْ: بُرَيْدَةَ، وَالْبُكَيْرِيَّةَ، وَالْشِّقَّةِ، وَالْبُصْرَ، وَالْبَدَائِعَ، وَالْخَبْرَاءَ، وَغَيْرِهَا.
١٥. سَيَكُوْنُ هَذَا الْدَّلِيْلُ بَاعِثًَا قَوِيًَّا لِطِبَاعَةِ مَالَمْ يُطْبَعْ تِجَارِيًَّا، أَوْ
_________________
(١) «أقوالنا وأفعالنا» لكُرْد علي (ت ١٣٧٢ هـ) (ص ٢٣٤).
(٢) «آثار البشير الإبراهيمي الجزائري» (ت ١٣٨٥ هـ) (٤/ ٣٠٩).
[ ٢٣ ]
نَشْرِهِ تِقَنِيًَّا، فَالْدَلِيْلُ تَحْرِيْكٌ لِمُؤَلَّفَاتٍ حَبِيْسَةٍ، الْمُسْتَفِيْدُ الْأَوَّلُ مِنْ نَشْرِهَا: صَاحِبُهَا مَيْتًَا كَانَ، أَوْ حَيًَّا.
١٦. نَشْرُ مَحَاسِنِ وَمَآثِرِ أُسْرَتِنَا الْكَبِيْرَةِ «الْحَمَادَى»، فَإِنَّ الْمَآثِرَ تُؤْتِي ثِمَارَهَا إذَا غَادَرَتِ الْخَوَاصَّ، وَتَدَاوَلَهَا عَامَّةُ الْنَّاسِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ (ت ٢٧٦ هـ) -﵀- عَنْ قَبِيْلَةٍ لَيْسَ فِيْهَا شُعَرَاءُ: (صَارَتْ مَآثِرُهُمْ عِنْدَ خَوَاصِّ الْنَّاسِ دُوْنَ عَامَّتِهِمْ، وَالْشَّرَفُ وَالسُّؤْدَدُ مَعَ سَوَادِ الْنَّاسِ وَدَهْمَائِهِمْ). (^١)
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ــ أَيْضًَا ــ: (وَكَانَ الْقَبِيْلُ مِنَ الْعَرَبِ إِذَا نَشَأَ فِيْهِمْ غُلَامٌ فَقَالَ شَيْئًَا مِنَ الْشِّعْرِ، أَوْ رَجَزَ فِي حِدَاءِ بَعِيْرٍ، أَوْ مَتَحَ بِدَلْوٍ؛ سُرَّ بِهِ قَوْمُهُ، وَاسْتَبْشَرَتْ عَشِيْرَتُهُ، وَقَدَّمُوْهُ وَعَظَّمُوْهُ، وَرَشَّحُوهُ لِلْمُنَافَحَةِ عَنْهُمْ، وَالْدَّفْعِ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ، وَأَتَاهُ الْأَقَارِبُ، وَالْمُجَاوِرُوْنَ). (^٢)
قَالَ الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِيِّ (ت ٦٥٦ هـ) -﵀-: (وَلَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَعُدُّ الشِّعْرَ خَطِيْرًَا، وَتَرَى الْشَّاعِرَ أَمِيْرًَا، فَإِذَا نَبَغَ فِيْ الْقَبِيْلَةِ شَاعِرٌ هُنِّئَتْ بِهِ،
_________________
(١) «فضل العرب والتنبيه على علومها» لابن قتيبة (ص ١٥٣).
(٢) «فضل العرب» (ص ١٧٥).
[ ٢٤ ]
وَحُسِدَتْ مِنْ سَبَبِهِ، لِأَنَّهُ يُنَافِحُ عَنْ أَنْسَابِهَا، وَيُكَافِحُ وَيُنَاضِلُ عَنْ أَحْسَابِهَا). (^١)
كَذَلِكَ كَانَتْ الْعَشِيْرَةُ مِنَ الْعَرَبِ تَفْخَرُ بِصُدُوْرِ عَمَلٍ مِنْ فَرْدٍ وَاحِدٍ فِيْهَا، وَتَنْسِبُ الْمَأَثَرَةَ إِلَيْهَا كُلِّهَا، وَتَفْتَخِرُ بِهِ وَتُفَاخِرُ، «وَالْشَّرَفُ يَحْصُلُ لِلْشَّئِ إِذَا حَصَلَ لِبَعْضِهِ» (^٢)، وَ«شَرَفُ الْقَبِيْلَةِ بِشَرَفِ بَعْضِ أَفْرَادِهَا». (^٣)
قَالَ الجَاحِظُ (ت ٢٥٥ هـ) -﵀-: « تُمْدَحُ الْقَبِيْلَةُ بِفِعْلٍ جَمِيْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا بِوَاحِدٍ مِنْهَا». (^٤)
قَالَ الْشَّرِيْفُ الْمُرْتَضَى (ت ٤٣٦ هـ) -﵀-: ( فَعَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِيْ خِطَابِ الْأَبْنَاءِ بِخِطَابِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَخِطَابِ الْعَشِيْرَةِ بِمَا
_________________
(١) «نَضْرةُ الإغرِيض» (ص ٢٩٨). قلتُ: أما في زماننا، فلم يَعُدِ الشِّعْرُ كما كان للقبائل والعشَائر سابقًا، وأصبح وُجُودُ: عالِمٍ مُتخصصٍ يجمعُ تاريخَها ونسبَها وأعلامَها وأخبارَها ووثائقَها ومؤلَّفاتِها ومقَالاتِها ، أبلغُ أثَرًَا وأكثرُ نفعًا، مع فائدة الشِّعر بلا شَك ولا رَيْب.
(٢) قاله ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥٤٣).
(٣) «التنوير شرح الجامع الصغير» للصنعاني (٧/ ٥٠٢).
(٤) «البخلاء» (ص ٢٣٤).
[ ٢٥ ]
يَكُوْنُ مِنْ أَحَدِهَا؛ فَيَقُوْلُ أَحَدُهُمْ: فَعَلَتْ بَنُوْ تَمِيْمٍ كَذَا، وَقَتَلَ بَنُوْ فُلَانٍ فُلَانًَا؛ وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ وَالْفَاعِلُ وَاحِدًَا مِنْ بَيْنِ الْجَمَاعَةِ ). (^١)
قَالَ ابْنُ جَرِيْرِ الْطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠ هـ) -﵀-: (وَالْعَرَبُ قَدْ تُخْرِجُ الْخَبَرَ إِذَا افْتَخَرَتْ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ مَا افْتَخَرَتْ بِهِ مِنْ فِعْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَتَقُوْلُ: نَحْنُ الْأَجْوَادُ الْكِرَامُ، وَإِنَّمَا الْجَوَادُ فِيْهِمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْمُتكَلِّمِ الْفَاعِلُ ذَلِكَ). (^٢)
وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ مَقَامَ الْافْتِخَارِ مَقَامُ تَكَثُّرٍ، فَانْتَحَلَتِ الْجَمَاعَةُ فِعْلَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ، وَنَسَبُوهُ إِلَيْهِمْ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرَفَهُ وَمَحَاسِنَهُ عَائِدَةٌ عَلَى عَشِيْرَتِهِ أَوْ قَبِيْلَتِهِ. (^٣)
هَذَا فِي الْرَّجُلِ الْوَاحِدِ الَّذِي قَدَّمَ خَيْرًَا يُشَرِّفُ عَشِيْرَتَهُ، فَمَا بَالُكَ
_________________
(١) «أمالي المرتضى = غرر الفوائد» (٢/ ٢٢٤).
(٢) «جامع البيان» لابن جرير (٨/ ٢٧٠). وانظر: (١٠/ ٦٣١)، و(١/ ٥٣٤).
(٣) «قواعد التفسير» للشيخ د. خالد السبت (١/ ٣١٥)، وانظر: «الأساليب العربية الواردة في القرآن الكريم وأثرها في التفسير من خلال جامع البيان للطبري» للشيخ: فواز الشاووش (ص ٦٨١ ــ ٦٨٥).
[ ٢٦ ]
بِهَذِهِ الْأَعْدَادِ الْغَفِيْرَةِ مِنْ الْحَمَادَى رِجَالًَا وَنِسَاءً، قَدَّمُوْا هَذِهِ الْمُؤَلَّفَاتِ وَالْبُحُوْثَ فِيْ شَتَّى الْمَجَالَاتِ؟!
وَكَيْفَ إِذَا أَضَفْتَ إِلَيْهِمْ غَيْرَهَمْ مِمَّنْ عَمِلَ أَعْمَالًَا مُشَرِّفَةً فِيْ نُصْرَةِ دِيْنِهِ، وَوَطَنِهِ، وَوُلَاةِ أَمْرِهِ، وَهُمْ عَدَدٌ جَمٌّ غَفِيْرٌ؟!
وَمَا زِلْتَ تَسْمُوْ لِلْمَكَارِمِ وَالْعُلَى وَتَعْمُرُ عِزًَّا مُسْتَنِيْرَ الْمَوَارِدِ
إِذَا عُدَّ أَيَامُ الْمَكَارِمِ فَافْتَخِرْ بِآبَائِكَ الْشُمِّ الْطِّوَالِ الْسَّوَاعِدِ
قَالَ أَبُوْ عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى (ت ٢٠٩ هـ) -﵀-: (قَوْلُهُ: الْشُمُّ الْطِوَالُ: الْمُرْتَفِعَةُ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِلْشَّرَفِ وَالْكَرَمِ، أَيْ: أَنَّ حَسَبَهُمْ لَا يَبْلُغُهُ مَنْ يُفَاخِرُهُ). (^١)
وَاعْلَمْ يَابْنَ الْعَمِّ ــ أَعَزَّكَ اللهُ بِدِيْنِهِ ــ أَنَّ مَآثِرَ الْآبَاءِ مَآثرُ لِلْأَبْنَاءِ، وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ، فَتَصِحُّ نِسْبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلآخَرِ، قَالَ ابْنُ جَرِيْرِ الطَّبَرِيُّ (ت ٣١٠ هـ) -﵀-: (يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة، آية ٤٧) أَنِّيْ فَضَّلْتُ أَسْلَافَكُمْ، فَنَسَبَ نِعَمَهُ عَلَى آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ إِلَى
_________________
(١) «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة معمر بن المثنى (٣/ ١٠٦٧)، والبيتان لجرير «ديوانه» (٢/ ٦٠٥).
[ ٢٧ ]
أَنَّهَا نِعَمٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ؛ إِذْ كَانَتْ مَآثِرُ الْآبَاءِ مَآثِرَ لِلْأَبنَاءِ، وَالْنِّعَمُ عِنْدَ الْآبَاءِ نِعَمًَا عِنْدَ الْأَبْنَاءِ، لِكَوْنِ الْأَبْنَاءِ مِنَ الْآبِاءِ). (^١)
قَالَ عَلِيُّ الْجُرْجَانِيُّ (ت ٣٩٢ هـ) -﵀-: (شَرَفُ الْوَالِدِ جُزْءٌ مِنْ مِيْرَاثِهِ، مُنْتَقِلٌ إِلَى وَلَدِهِ كَانْتِقَالِ مَالِهِ؛ فَإِنْ رُوْعِيَ وَحُرِسَ؛ ثَبَتَ وَازْدَادَ، وَإِنْ أُهْمِلَ وَأُضِيْعَ؛ هَلَكَ وَبَادَ.
وَكَذَلِكَ شَرَفُ الْوَلَدِ يَعُمُّ الْقَبِيْلَةَ، وَلِلْوَالِدِ مِنْهُ الْقِسْمُ الْأَوْفَرُ ). (^٢)
وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ (ت ٤٦٨ هـ) -﵀- أَنَّ فِي تَفْضِيْلِ الآبَاءِ شَرَفًَا لِلْأَبْنَاءِ. (^٣)
قَالَ الْرَّاغِبُ الْأَصْبَهَانِيُّ (ت ٥٠٢ هـ) -﵀-: (وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرِثُ مِنْ أَبَوَيْهِ آثَارَ مَا هُمَا عَلَيْهِ مِنْ جَمِيْلِ الْسِّيْرَةِ وَالْخُلُقِ وَقَبِيْحِهِمَا، كَمَا يَرِثُ مُشَابَهَتَهُمَا فِيْ خَلْقِهِمَا، وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (سورة الكهف، آية ٨٢)، وَعَلَى نَحْوِهِ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِيْ الْتَّوْرَاةِ:
_________________
(١) «جامع البيان» لابن جرير (١/ ٦٢٩).
(٢) «الوساطه بين المتنبي وخصومه» (ص ٣٧٣)، وعنه: ابن رشيق في «العمدة» (٢/ ٨٢٧).
(٣) «التفسير الوسيط» (١/ ١٣٣).
[ ٢٨ ]
«إِنِّيْ إِذَا رَضِيْتُ بَارَكْتُ وَإِنَّ بَرَكَتِيْ لَتَبْلُغُ الْبَطْنَ الْسَّابِعَ، وَإِذَا سَخِطْتُّ لَعَنْتُ وِإِنَّ لَعْنَتِيْ لَتَبْلُغُ الْبَطْنَ الْسَّابِعَ»؛ تَنْبِيْهًَا عَلَى أَنَّ الْخَيْرَ وَالْشَرَّ الَّذِيْ يَكْسَبُهُ الْإِنْسَانُ وَيَتَخَلَّقَ بِهِ؛ يَبْقَى أَثَرُهُ مَوْرُوْثًَا إِلَى الْبَطْنِ الْسَّابِعِ). (^١)
فَقَدْ يَكُوْنُ شَرَفُ الْقَبِيْلَةِ/الْأُسْرَةِ/الْبَلْدَةِ/ بِشَرَفِ رَجُلٍ مِنْهَا؛ رَفَعَ ذِكْرَهَا بِالْخَيْرِ، فَأَصْبَحَ شَرَفُه = عَمَلُهُ الْطَّيِّبُ نَسَبًَا لِعَقِبِهِ وَأُسْرَتِهِ وَقَبِيْلَتِهِ وَبَلْدَتِهِ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ: (مُرُوْءَةُ الْرَّجُلِ فِيْ نَفْسِهِ نَسَبٌ لِقَوْمٍ آخَرِيْنَ، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْخَيْرَ؛ عُرِفَ لَهُ، وَبَقِيَ فِيْ الْأَعْقَابِ وَالْأَصْحَابِ، وَلَقِيَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ). (^٢) وَنُسِبَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْصَّادِقِ قَوْلُهُ: (مُرُوْءَةُ الْرَّجُلِ فِيْ نَفْسِهِ نَسَبٌ لِعَقِبِهِ وَقَبِيْلَتِهِ). (^٣)
فَالْخَيْرُ الْمُمَيَّزُ الْكَبِيْرُ الَّذِيْ يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ؛ يَكُوْنُ نَسَبًَا لِأَحْفَادِهِ وَعَشِيْرَتِهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَنْتُمْ أَحْفَادُ الْعَالِمِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ الْكَرِيْمِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ الْتَّاجِرِ الْمُحْسِنِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ الْأَمِيْرِ الْصَّالِحِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ مِنْ أُسْرَتِكُمِ
_________________
(١) «تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين» ط. دار النفائس (ص ٩١).
(٢) «البصائر والذخائر» للتوحيدي (١/ ١١٥).
(٣) «نثر الدر» للآبي (١/ ٢٤٧).
[ ٢٩ ]
وَعَشِيْرَتِكِمْ وَبَلْدَتِكُمْ الْعَالِمُ الْفُلَانِيِّ، أَوْ الْمُحْسِنُ الْفُلَانِيِّ؛ فَأَصْبَحَ تَمَيُّزُهُ نَسَبًَا لِعَشِيْرَتِهِ، وَلِأَهْلِ بَلْدَتِهِ.
إنَّ شُهْرَةَ الْأَجْدَادِ تَبْرُزُ فِيْ نَسَبِ الْأَحْفَادِ، قَالَ الزَّبِيْدِيُّ (ت ١٢٠٥ هـ) -﵀-: (كَثِيْرًَا مَا يُنْسَبُ الْرَّجُلُ إِلَى جَدِّهِ؛ لِكَوْنِهِ أَشْهَرَ، أَوْ أَفْخَرَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الْنَّبِيِّ -ﷺ-: «أَنَا الْنَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبْ»). (^١)
مِثَالُهُ: الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُوْ الْقَاسِمِ ابْنِ مَنِيْعٍ الْبَغَوِيِّ (ت ٣١٧ هـ)، صَاحِبُ «مُعْجَمِ الْصَّحَابَةِ» مَنِيْعٌ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ: أَحْمَدِ بْنِ مَنِيْعٍ، صَاحِبِ «الْمُسْنَدِ». (^٢)
_________________
(١) «تاج العروس» (١/ ٢٤٤).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٤٤٠). قولُ الزَّبِيدي ونسَبُ ابن منيع استفدتهما من بحث: «النِّسْبَةِ إلى الجَدِّ وأثرُها على الرواة والمَرويات» (ص ٨٨) أ. د. يحيى البكري الشهري، نُشِرَ في مجلة جامعة أم القرى، مجلد (١٥)، عدد (٢٧)، جمادى الثانية (١٤٢٤ هـ).
[ ٣٠ ]
أيها المؤمنون:
مَنْ اسْتَقَامَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّه -﷿-، وَأَحْسَنَ فِيْ الْخَيْرِ، وَأَحْسَنَ إِلَى عِبَادِ اللهِ تَعَالَى؛ ضَمَّ مَآثِرَ أَجْدَادِهِ التَّلِيْدَةِ إِلَى مَآثِرِهِ الْطَارِفَةِ الْحَمِيْدَةِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فَخِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا ). (^١)
قَالَ النَّوَوِيُّ (ت ٦٧٦ هـ) -﵀-: (الْمَعَادِنُ: الْأُصُوْلُ. وَإِذَا كَانَتْ الأُصُوْلُ شَرِيْفَةً؛ كَانَتْ الْفُرُوْعُ كَذَلِكَ غَالِبًَا.
وَالْفَضِيْلَةُ فِيْ الْإِسْلَامِ بِالْتَّقْوَى، لَكِنْ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا شَرَفُ الْنَّسَبِ؛ ازْدَادَتْ فَضْلًَا). (^٢)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ (ت ٣٨٨ هـ) -﵀-: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَأَثَرَةٌ وَشَرَفٌ فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَفَقِهَ فِيْ الْدِّيْنِ؛ فَقَدْ أَحْرَزَ مَأَثَرَتَهُ
_________________
(١) «صحيح البخاري» (٣٣٨٣) و(٣٤٩٣)، و«صحيح مسلم» (٢٥٢٦).
(٢) «شرح النووي على مسلم» (١٦/ ٧٨).
[ ٣١ ]
الْقَدِيْمَةَ وَشَرَفَهُ الْتَّلِيْدَ إِلَى مَا اسْتَفَادَهُ مِنْ الْمَزِيْدِ بِحَقِّ الْدِّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ؛ فَقَدْ هَدَمَ شَرَفَهُ وَضَيَّعَ قَدِيْمَهُ). (^١)
قَالَ الْقَاضِيْ عِيَاضٌ (ت ٥٤٤ هـ) -﵀-: (أَصْلُ الْمَعَادِنِ: الْأُصُوْلُ الْشَّرِيْفَةُ تُعْقِبُ أَمْثَالَهَا وَيَسْرِي كَرَمُ أَخْلَاقِهَا إِلَى نَسْلِهَا، وَلَكِنْ لَا خِيَارَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِالْتُّقَى وَالْفِقْهِ، وَلَا فَضَيْلَةَ إِلَّا بِخِصَالِ الْشَّرِيْعَةِ، لَكِنْ مَنِ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ أَصْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَمِيْدِ الْأَخْلَاقِ شَرِيْفِ الْطِّبَاعِ ــ وَهُوَ الْحَسَبُ ــ؛ كَمُلَتْ فَضِيْلَتُهُ، وَبَانَتْ مَرْتَبَتُهُ). (^٢)
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ (ت ٥٦٠ هـ) -﵀-: (شَبَّهَ رَسُوْلُ اللهِ -ﷺ- الْنَّاسَ بِالْمَعَادِنِ؛ لِأَنَّ الْمَعَادِنَ مِنْهَا مَا يُنْبِتُ الْذَّهَبَ، وَمِنْهَا مَا يُنْبِتُ الْنُّحَاسَ، فَالْنَّاسُ يَخْتَلِفُوْنَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُوْنَ صَالِحًَا، وَيَكُوْنُ مَا يَدْرُوْنَهُ فِيْ الْغَالِبِ عَلَى جِنْسِهِمْ، فَإِذَا بَدَرَ مَنْ لَا يُشَاكِلُهُمْ؛ اسْتَنْكَرُوْهُ،
_________________
(١) «أعلام الحديث» (٣/ ١٥٧٨).
(٢) «إكمال المُعْلِم» (٧/ ٥٦٣)، وانظر: «شرح مسند الشافعي» للرافعي (٣/ ٤٢٨)، «المفهم» للقرطبي (٦/ ٢٢٧).
[ ٣٢ ]
فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (سورة مريم، آية ٢٥) (^١)
فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا يَقَعُ فِيْ الْأَكْثَرِ، وَقَدْ نَدَرَ أَنْ يَأَتِيَ الْخَبِيْثُ مِنَ الْطَّيِّبِ، وَيَأَتِيَ الْطَّيِّبُ مِنَ الْخَبِيْثِ). (^٢)
قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ (ت ٦٣٣ هـ) -﵀-: ( فَالْنَّسَبُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الَّتِيْ يَكُوْنُ بِهَا الْكَمَالُ، وَطِيْبُ الْأَعْرَاقِ مُؤْذِنٌ بِكَرَمِ الْأَخْلَاقِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ إِلَى فَضْلِ الْذَّاتِ فَضْلُ الْمُقَدِّمَاتِ؛ كَمُلَتْ الْحَالَاتُ ). (^٣)
قَالَ الْطِّيْبِيُّ (ت ٧٤٣ هـ) -﵀-: (فَالْتَّفَاوُتُ فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ بِحَسَبِ الْأَنْسَابِ، وَشَرَفِ الآبَاءِ، وَكرَمِ الْأَصْلِ؛ وَفِيْ الْإِسْلَامِ بِحَسَبِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، فَالْشَّرَفُ الْأَوَّلُ مَوْرُوْثٌ، وَالْثَّانِيْ مُكْتَسَبٌ). وقال: (إِذَا تَحَلَّى الْرَّجُلُ بِالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ؛ اسْتَجْلَبَ الْنَّسَبَ الْأَصْلِيَّ، فَيَجْتَمِعُ شَرَفُ الْنَّسَبِ مَعَ شَرَفِ الْحَسَبِ، انْظُرْ إِلَى الْمَنْقَبَةِ الْسَّنِيَّةِ كَيْفَ رَدَّ تَيَمُّنَهَا وَبَرَكَتَهَا
_________________
(١) انظر ما سيأتي (ص ٨٦ ــ ٨٨).
(٢) «الإفصاح عن معاني الصحاح» (٦/ ٦٨).
(٣) «التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير» (ص ١٣٣).
[ ٣٣ ]
مَا رَفَعَهُ الْإِسْلَامُ مِنَ الْشَّرَفِ الْمَوْرُوثِ؟!
وفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَضِيْعَ الْمُسْلِمَ الْمُتَحَلِّيَ بِالْعِلْمِ أَرْفَعُ مَنْزِلَةً مِنَ الْشَّرِيْفِ الْمُسْلِمِ الْعَاطِلِ ). (^١)
قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ (ت ١٤٢١ هـ) -﵀-: ( فَفِيْ هَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْرُفُ بِنَسَبِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُوْنَ لَدَيْهِ فِقْهٌ فِيْ دِيْنِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْنَّسَبَ لَهُ أَثَرٌ، وَلِهَذَا كَانَ بَنُو هَاشِمٍ أَطْيَبَ الْنَّاسِ وَأَشْرَفَهُمْ نَسَبًَا، ومِنْ ثَمَّ كَانَ مِنْهُمْ رَسُوْلُ اللهِ -ﷺ- الَّذِيْ هُوَ أَشْرَفُ الْخَلْقِ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (سورة الأنعام، آية ١٢٤)، فَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْبَطْنَ مِنْ بَنِيْ آدَمَ أَشْرَفُ الْبُطُوْنِ، مَا كَانَ فِيْهِ الْنَّبِيُّ -ﷺ-، فَلَا يُبْعَثُ الْرَّسُوْلُ -ﷺ- إِلَّا فِيْ أَشْرَفِ الْبُطُوْنِ وَأَعْلَى الْأَنْسَابِ). (^٢)
_________________
(١) «شرح المشكاة» (٢/ ٦٦١ ــ ٦٦٢).
(٢) «شرح رياض الصالحين» لابن عثيمين ــ ط. الثامنة عشرة ــ (١/ ٥٠٠). قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت ٧٢٨ هـ) -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٤٣): (إِنَّمَا يَفْضُلُ الْإِنْسَانُ بِإِيْمَانِهِ وَتَقْوَاهُ؛ لَا بِآبَائِهِ؛ وَلَوْ كَانُوْا مِنْ بَنِيْ هَاشِمٍ أَهْلِ بَيْتِ الْنَّبِيِّ -ﷺ-؛ فَإنَّ اللهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًَا حَبَشِيًَّا، وَخَلَقَ =
[ ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْنَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَلَوْ كَانَ شَرِيْفًَا قُرَشِيًَّا، وَقَدْ قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات، آية ١٣). وَفِيْ «الْسُّنَنِ» عَنْهُ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبيٍّ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، إِلَّا بِالْتَّقْوَى. الْنَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ». وَفِيْ «الْصَّحِيْحَيْنِ» عَنْهُ أَنَّهُ قَاْلَ لِقَبِيْلَةٍ قَرِيْبَةٍ مِنْهُ: «إِنَّ آلَ أَبِيْ فُلَانٍ لَيْسُوْا بِأَوْلِيَائِيْ، إِنَّمَا وَلِيَّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِيْنَ». فَأَخْبَرَ الْنَّبِيُّ -ﷺ- أَنَّ مُوَالَاتِهِ لَيْسَتْ بِالْقَرَابَةِ وَالْنَّسَبِ؛ بَلْ بِالْإِيْمَانِ وَالْتَّقْوَى). (٢) وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ــ أَيْضًَا ــ: ( وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَوْلِيَاؤُهُ الْمُتَّقُوْنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ قَرَابَةُ الْدِّيْنِ وَالْإِيْمَانِ وَالْتَّقْوَى. وَهَذِهِ الْقَرَابَةُ الْدِّيْنِيَّةُ أَعْظَمُ مِنْ الْقَرَابَةِ الْطِّيْنِيَّةُ، وَالْقُرْبُ بَيْنِ الْقُلُوْبِ وَالْأَرْوَاحِ أَعْظَمُ مِنَ الْقُرْبِ بَيْنِ الْأَبْدَانِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلَ الْخَلْقِ أَوْلِيَاؤُهُ الْمُتَّقُوْنَ، وَأَمَّا أَقَارِبُهُ فَفِيْهِمُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَإِنْ كَانَ فَاضِلًَا مِنْهُمْ كَعَلِيٍّ، وَجَعْفَرَ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ -﵃-، فَتَفْضِيْلُهُمْ بِمَا فِيْهِمْ مِنَ الْإِيْمَانِ وَالْتَّقْوَى، وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، لَاْ بِمُجَرَّدِ الْنَّسَبِ، فَأَوْلِيَاؤُهُ أَعَظَمُ دَرَجَةً مِنْ آلِهِ، وَإِنْ صُلِّيَ عَلَى آلِهِ تَبَعًَا لَهُ؛ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أَنْ يَكُوْنُوْا أَفْضَلَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الَّذِيْنَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِيْنَ هُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوْا فِيْ الْصَّلَاةِ مَعَهُ تَبَعًَا، فَالْمَفْضُوْلُ قَدْ يَخْتَصُّ بِأَمْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُوْنَ أَفْضَلَ مِنَ الْفَاضِلِ، =
[ ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَدَلِيْلُ ذَلِكَ أَنَّ أَزْوَاجَهُ هُمْ مِمَّنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِيْ «الْصَّحِيْحَيْنِ»، فَقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ الْنَّاسِ كُلِّهِمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنْهُنَّ كُلِّهِنِ). (٢) وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّة أَيْضًَا -﵀- كَمَا فِيْ «منهاج السنة النبوية» (٨/ ٢١٨ - ٢٢٠): (لَمْ يُثْنِ اللهُ عَلَى أَحَدٍ فِيْ الْقُرْآنِ بِنَسَبِهِ أَصْلًَا: لَا عَلَى وَلَدِ نَبِيٍّ، وَلَا عَلَى أَبِي نَبِيٍّ، وَإِنَّمَا أَثْنَى عَلَى الْنَّاسِ بِإِيْمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ. وَإِذَا ذَكَرَ صِنْفًَا وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ؛ فَلِمَا فِيْهِمْ مِنْ الْإِيْمَانِ وَالْعَمَلِ، لَا لِمُجَرَّدِ الْنَّسَبِ. وَلَمَّا ذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ ــ ذَكَرَهُمْ فِيْ الْأَنْعَامِ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ــ قَالَ: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (سورة الأنعام، آية: ٨٧). فَبِهَذَا حَصَلَتْ الْفَضِيْلَةُ بِاجْتِبَائِهِ -﷾-، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ، لَا بِنَفْسِ الْقَرَابَةِ. وَقَدْ يُوْجِبُ الْنَّسَبُ حُقُوْقًَا، وَيُوْجِبُ لِأَجْلِهِ حُقُوْقًَا، وَيُعَلِّقُ فِيْهِ أَحْكَامًَا مِنَ الْإِيْجَابِ وَالْتَّحْرِيْمِ وَالْإِبَاحَةِ، لَكِنَّ الْثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيْدَ عَلَى الْأَعْمَالِ لَا عَلَى الْأَنْسَابِ ) إلخ كلامه المهم. وانظر أيضًا «منهاج السنة النبوية» (٤/ ٦٠٠). وَقَال الإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ (ت ١٤٢١ هـ) -﵀- في «شرح رياض الصالحين» لابن عثيمين ــ ط. الثامنة عشرة ــ (٢/ ٧٥١): ( الْحِكْمَةُ مِنْ أَنَّ اللهَ جَعَلَنَا شُعُوْبًَا وَقَبَائِلَ، لِأَجْلِ أَنْ يَعْرِفَ بَعْضُنَا بَعْضًَا، هَذَا عَرَبَيٌّ، وَهَذَا عَجَمِيٌّ، هَذَا مِنْ بَنِيْ تَمِيْمٍ، وَهَذَا مِنْ قُرَيْشٍ، هَذَا مِنْ خُزَاعَةَ، وَهَكَذَا. فَاللهُ جَعَلَ هَذِهِ الْقَبَائِلُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعْرِفَ بَعْضُنَا بَعْضًَا، لَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَفْخَرَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَيَقُوْلُ: أَنَا عَرَبِيٌّ وَأَنْتَ عَجَمِيٌّ، أَنَا قَبِيْلِيٌّ وَأَنْتَ غَيْرُ قَبِيْلِيِّ، أَنَا غَنِيٌّ وَأَنْتَ
[ ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَقِيْرٌ، هَذَا مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ - وَالْعِيَاذُ بِاللهِ ــ، لَمْ يَجْعَلِ اللهُ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْتَّعَارُفِ لَا مِنْ أَجْلِ الْتَّفَاخُرِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ -﵊-: «إِنَّ اللهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ: مُؤُمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ؛ أَنْتُمْ بَنُوْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابِ». فَالْفَضْلُ فِيْ الْإِسْلَامِ بِالْتَّقْوَى، أَكْرَمُنَا عِنْدَ اللهِ هُوَ أَتْقَانَا لِلهِ -﷿-، فَمَنْ كَانَ لِلهِ أَتْقَى؛ فَهُوَ عِنْدَ اللهِ أَكْرَمُ. وَلِكَنْ يَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ بَعْضَ الْقَبَائِلِ أَوْ بَعْضَ الْشُّعُوْبِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، فَالْشَّعْبُ الَّذِيْ بُعِثَ فِيْهِ الْرَّسُوْلُ -﵊- هُوَ أَفْضَلُ الْشُّعُوْبِ، شَعْبُ الْعَرَبِ أَفْضَلُ الْشُّعُوْبِ، لِأَنَّ اللهَ قَالَ فِيْ كِتَابِهِ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (سورة الأنعام، آية ١٢٤). وَقَالَ الْنَّبِيُّ -ﷺ-: «الْنَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِيْ الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوْا». وَلَا يَعْنِيْ هَذَا إِهْدَارَ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ بِالْكُلِّيَّةِ، لِكَنْ الْتَّفَاخُرَ هُوَ الْمَمْنُوْعُ، أَمَّا الْتَّفَاضُلُ فَإِنَّ اللهَ يُفَضِّلُ بَعْضَ الْأَجْنَاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَالْعَرَبُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، جِنْسُ الْعَرَبِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْعَجَمِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الْعَرَبِيُّ غَيْرَ مُتَّقٍ وَالْعَجَمِيُّ مُتَّقِيًَا، فَالْعَجَمِيُّ عِنْدَ اللهِ أَكْرَمُ مِنَ الْعَرَبِيِّ).
[ ٣٧ ]
فَالْأُصُوْلُ الْنَّسَبِيَّةُ وَالْأَحْسَابُ الْرَّضِيَّةُ؛ مَرْعِيَّةٌ خَاصَّةً إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا الْتَّقْوَى وَالْصَّلَاحُ وَالْعِلْمُ الْشَّرْعِيُّ وَنَفْعُ الْمُسْلِمِيْنَ. (^١)
لِذَا، بِإِحْسَانِكُمْ أَيُّهَا الْحَمَادَى تَزِيْدُوْنَ آبَاءَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ شَرَفًا، كَمَا أَنَّهُمْ زَادُوْكُمْ شَرَفًَا، قَالَ الْمُحِبُّ الْطَّبَرِيُّ (ت ٦٩٤ هـ) -﵀-: (إِنَّ شَرَفَ الْأَبْنَاءِ مَنْقَبَةٌ لِلآبَاءِ كَعَكْسِهِ، وَلَمْ تَزلْ الْعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِمَفَاخِرِ آبَائِهِمْ، فَلَا يَبْعُدْ فِيْ الْأبْنَاءِ مِثْلُه، وَاللهُ أَعْلَمُ). (^٢)
«وَكَمَا يَشْرُفُ الْوَلَدُ بِشَرَفِ الْوَالِدِ، فَقَدْ يَشْرُفُ الْوَالِدُ بِشَرَفِ الْوَلَدِ، وَللهِ دَرُّ ابْنِ الْرُّوْمِيِّ فَيْ قَوْلِهِ:
_________________
(١) انظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٧/ ٣٦٢).
(٢) «الرياض النضرة» (١/ ٢٦٥). فائدة: أبو حيان التوحيدي، ومسكويه يُنكران أن الابن بأفعاله يُشرِّفُ آباءَه وأجدادَه، ويريان أن التشريف من الأب للابن لا العكس «الهوامل والشوامل» لمسكويه ــ ط. أحمد أمين، وأحمد صقر ــ (ص ١٩٧) رقم (٨٠). قلت: وليس بصحيح ماذكراه.
[ ٣٨ ]
وَكَمْ أَبٍ قَدْ عَلَا بِابْنٍ ذُرَى حَسَبٍ (^١) كَمَا عَلَتْ بِرَسُوْلِ اللهِ عَدْنَانُ (^٢)
إِذَنْ «قَدْ يَفِيْضُ شَرَفُ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَسْتَطِيْلَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ مِنْ سَلَفِهِ؛ فتَحْيَا رُسُوْمُهُمْ بَعْدَمَا كَانَتْ دَائِرَةً، وَتَعْمُرُ رُبُوْعُهُمْ بَعْدَمَا كَانَتْ غَامِرَةً». (^٣)
فَـ «الْخَصْلَةُ الْحَمِيْدَةُ تَكُوْنُ مَفْخَرَةً لِمَنْ اتَّصَفَ بَهَا، وَلِمَنْ انتَسَبَ إِلَى مَنِ اتَّصَفَ بِهَا، فَيَشْرُفُ نَسَبُهُ بِذَلِكَ وَالْمُنْتَسِبُ إِلَى الْأَشْرَفِ يَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ أَشْرَفَ». (^٤) و«فَخْرُ الآبَاءِ فَخْرٌ لِلْأَبْنَاءِ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَعْرِفُوْا نِعَمَ اللهِ -﷿- عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْمَآثِرِ، وَأَنْ يَقُوْمُوْا بِشُكْرِهَا وَذِكْرِها» (^٥)، وَأَنْ
_________________
(١) كذا في «المحاضرات» لليوسي، وبعض كتب الأدب، ولفظه في «ديوان ابن الرومي» تحقيق: د. حسين نصار (٦/ ٢٤٢٥): شَرَف علا. وهو كذلك في غالب كتب الأدب.
(٢) «المحاضرات في اللغة والأدب» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢ هـ) (١/ ٥٧).
(٣) «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (١/ ٧٤).
(٤) «المحاضرات في اللغة والأدب» (١/ ٥٣ و٥٧).
(٥) «لباب التأويل» للخازن (ت ٧٤١ هـ) (١/ ٤٠) بتصرف.
[ ٣٩ ]
يَعْمَلُوْا بِهَا وَيَزِيْدُوْهَا، «وَالْشَّرَفُ يَتَجَدَّدُ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَيَزْدَادُ بِهِ الْشَّرَيْفُ شَرَفًَا». (^١)
وَإذِا شَارَفْتَ (^٢) غَيْرَكَ بِعَرَاقَةِ الْأَصْلِ، وَفَرَاهَةِ الْحَسَبِ، فَلْيَكُنْ بِمَا يَقْتَرِنُهُ مِنْ اتِّسَائِكَ بِأَجْدَادِكَ وَقِيَامِكَ بِمَسَاعِيْهِمْ وَأَكْثَرْ؛ أَمَّا الْافْتِخَارُ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ، فَادِّعَاءٌ أَجْوَفُ لَا حَقِيْقَةَ لَهُ، وَهُوَ مِنْ طَبَائِعِ الْعَامَّةِ لَا الْخَاصَّةِ. (^٣)
وَلَنْ تَنْفَعُكَ عَرَاقَةُ الْأَصْلِ مَعَ ضَآلَةِ الْحَسَبِ! وَكَمْ مِنْ مَغْمُوْرِ الْنَّسَبِ، عَرِيْقٌ فَارِهُ الْحَسَبِ؟
وَ«لَا مِرَاءَ فِيْ أَنَّ الْأُبُوَّةَ لِلْمَسَاعِيْ لَا لِلْأَنْسَابِ، وَأَنَّ الْاعْتِزَاءَ إِلَى الْذِّكْرِ الْبَاقِيْ لَا إِلَى الْتُّرَابِ». (^٤)
_________________
(١) «المحاضرات في اللغة والأدب» للحسن اليوسي (١/ ٧٢) بتصرف يسير.
(٢) شارَفْتُ الرَّجُلَ: أي فاخَرْتُه أيُّنا أشرفُ. «الصحاح» للجوهري (٤/ ١٣٨٠).
(٣) انظر: «الهوامل والشوامل» لمسكويه (ص ٣٤٢).
(٤) «الوشي المرقوم» للضياء ابن الأثير (ص ٢٧٠).
[ ٤٠ ]
أيُّهَا الحمَادَى
_________________
(١) رَفَعَ اللهُ قَدْرَكُمْ ، إِنَّ مَا نُشَاهِدُهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْعَمَلِيَّةِ، مَعَ الْنَّسَبِ وَالْحَسَبِ الْطَّيِّبِ أَصْلًَا وَفَرْعًَا، لَا يَدْعُوْنَا لِلْفَخْرِ وَالْتَّكَاسُلِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَسْعَى فِيْ الْزِّيَادَةِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْتُّقَى، لِنَفْعِ أَنْفُسِنا وَرِفْعَتِهَا فِيْ الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعَلَيْنَا الْتَّوَاصِي دَوْمًَا بِالْبُعْدِ عَنْ كُلِّ مَا يُكَدِّرُ هَذِهِ الْنَّتَائِجَ الْطَّيِّبَةَ الْمُتَوَارَثَةَ حِسِّيًَّا وَمَعْنَوِيًَّا، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت ٧٢٨ هـ) -﵀-: ( فَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْأَنْسَابِ الْفَاضِلَةِ يُظَنُّ بِهِمُ الْخَيْرَ، وَيُكْرَمُوْنَ لِأَجْلِ ذَلِكَ. فَإِذَا تَحَقَّقَ مِنْ أَحَدِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ، كَانَتْ الْحَقِيْقَةُ مُقَدَّمَةً عَلَى الْمَظِنَّةِ. وَأَمَّا مَا عِنْدَاللهِ فَلَا يَثْبُتُ عَلَى المَظَانِّ وَلَا عَلَى الدَّلَائِلِ، إِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ هُوَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْصَّالِحَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيْلٍ، وَلَا يَجْتَزِئُ بِالْمَظِنَّةِ؛ فَلِهَذَا كَانَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَهُ أَتْقَاهُمْ. فَإِذَا قُدِّرَ تَمَاثُلُ اثْنَيْنِ عِنْدَهُ فِيْ الْتَّقْوَى؛ تَمَاثَلَا فِيْ الْدَّرَجَةِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوْ أَحَدِهِمَا أَوْ ابْنُه أَفْضَلَ مِنْ أَبِيْ الْآخَرِ أَوْ ابْنِهِ، لَكِنْ إِنْ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ
[ ٤١ ]
نَسَبِهِ زِيَادَةٌ فِيْ الْتَّقْوَى؛ كَانَ أَفْضَلَ لِزِيَادَةِ تَقْوَاهُ ). (^١)
وَقَالَ -﵀-: ( تُحْمَدُ الْأنْسَابُ الْفَاضِلَةُ؛ لِأنَّهَا مَظِنَّةُ عَمَلِ الْخَيْرِ؛ فَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ الْعَمَلُ، فَالْجَزَاءُ عَلَيْهِ، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَاللهِ أَتْقَاهُمْ). (^٢)
أيُّهَا الحمَادَى ــ أَسْعَدَكُمُ اللهُ وَأَسْعَدَ بِكُمْ ــ «إِنَّ شَرَفَ الْنَّسَبِ يُتَقَوَّمُ مِنْ شَرَفِ الْقَوْمِ وَشَرَفِ الْعَشِيْرَةِ، وَمِنْ نَزَاهَةِ سِلْسِلَةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ عَنْ أَنْ يَلْتَصِقَ بِهِمَا مَا يَثْلُمُ ذَلِكَ الْشَّرَفَ، وَيَعُوْدُ نَقْصُهُ بِفَضَاضَةٍ فِيْ شَرَفِ الْخَلَفِ» (^٣)، وَ«الْأَنْسَابُ لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَكُوْنَ قُرْبَةً تَجُرُّ الْأَجْرَ، أَوْ مَفْخَرَةً تَرْفَعُ الْذِّكْرَ، وَإِنَّمَا يُثَابُ الْعَامِلُ عَلَى كَسْبِهِ وَيَفْخَرُ الْفَاخِرُ بِعَمَلِهِ». (^٤)
_________________
(١) «منهاج السنة النبوية» (٨/ ٢١٦).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣١٢).
(٣) «جمهرة مقالات ورسائل الطاهر ابن عاشور» (٢/ ٥١٤).
(٤) «آثار البشير الإبراهيمي» (٤/ ٣٢٩) بتصرف يسير.
[ ٤٢ ]
قَالَ الْطَّاهِرُ ابْنُ عَاشُوْرٍ (ت ١٣٩٣ هـ) -﵀-: (لَا يُعَدُّ الْنَّسَبُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْذَّاتِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُعَدُّ فَضِيْلَةً مِنْ حَيْثُ هُوَ وَسِيْلَةٌ إِلَى نَمَاءِ الْفَضَائِلِ فِيْ الْنَّفْسِ الْمَطْبُوْعَةِ عَلَى الْفَضِيْلَةِ، وَقُدْوَةٌ لِلْخَلَفِ يَأَتَسُوْنَ بِهَا آثَارَ أَسْلَافِهِمْ فِيْ مُرْتَقَىْ الْكَمَالِ، فَيَحْصُلَ مِنْ ذَلِكَ كَمَالَانِ: كَمَالُ الْذَّاتِ وَكَمَالُ الْقُدْوَةِ؛ وَمِنْ حَيْثُ هُوَ قَاطِعٌ لِأَلْسِنَةِ الْحَاسِدِيْنَ الَّذِيْنَ يَحْسِدُوْنَ أَهْلَ الْكَمَالِ عَلَى كَمَالِهِمْ، وَالْمُعَانِدِيْنَ لِكُلِّ مَنْ يَدْعُوْهُمْ إِلَى خَلْعِ ذَمِيْمِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوْا مَغْمَزًَا فِيْمَنْ حَسَدُوْهُ وَعَانَدُوْهُ الْتَمَسُوْا لَهُ مَا يَحُفُّ بِهِ مِنَ الْعَوَارِضِ، وَلَا شَيْءَ يَحُفُّ بِالْمَرْءِ أَشَدُّ بِهِ تَعَلُّقًَا مِنْ حَالِ آبَائِهِ). (^١)
قَالَتْ الْأَدِيْبَةُ جَدِيْلَةٌ: «الْنَّسَبُ الْجَلِيْلُ أُعْطِيَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَعْنَى لَمَا اصْطَفَى اللهُ -﵎- رَسُوْلَهُ -ﷺ- مِنْ أَعْرَقِ الْأَنْسَابِ، لَكِنَّ آفَتَهُ: أَنَّهُ قَدْ يُكْسِبُ الْخَاوِيَ وَهْمَ الْفَوْقِيَّةِ وَهُوَ لَوْ بِيْعَ فِيْ سُوْقِ الْمَجْدِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، مَا اشْتَرَاهُ أَحَدٌ فَتَجِدُ الْعَارِيَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْخُلُقِ وَالْمُرُوْءَةِ يَزْدَرِيْ مَنْ زَيَّنَهُ اللهُ -﷿- بِهَذِهِ الْأَمْجَادِ؛ اتِّكَالًَا عَلَى مَحْتَدِهِ». (^٢)
_________________
(١) «جمهرة مقالات ورسائل الطاهر ابن عاشور» (٢/ ٥١٣).
(٢) جديلة jadelah ١٠@ (١٩/ ١٢/ ١٤٤١ هـ).
[ ٤٣ ]
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «لَا يَكُوْنُ الْشَّرَفُ بِالْنَّسَبِ (^١)! أَلَا تَرَى أَنَّ أَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ يَكُوْنُ أَحَدُهُمَا أَشْرَفَ مِنَ الْآخَرِ؟! وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ النَّسَبِ لَمَا كَان لأحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى الآخَرِ فَضْلٌ، لِأَنَّ نَسَبَهُمَا وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ الشَّرَفَ إِنَّمَا هُوَ بِالْفَضْلِ لَا بِالْنَّسَبِ». قَالَ الْشَّاعِرُ:
أَبُوْكَ أَبِيْ وَالْجَدُّ لَا شَكَّ وَاحِدٌ وَلَكِنَّنَا عُودَانِ آسٌ وخِرْوَعُ (^٢)
_________________
(١) النسَبُ مَظِنَّةُ الشَّرَفِ، وانظر: «الأخلاق والسِّيَر» لابن حزم (ص ١٦٣) في حَدِيثٍ له جَميلٌ يُعالجُ فيه المُبتلى بالعُجْبِ بنسَبِه.
(٢) «المحاسن والأضداد» المَنْسُوبِ للجاحظ (ص ١٤٩)، و«المحاسن والمساوئ» لإبراهيم البيهقي (ص ١٠٢). قَالَ الأَصمعي كما في «لسان العرب» (٨/ ٦٨): (وَكُلُّ نَبْتٍ ضعيفٍ يَتَثَنَّى أَيَّ نَبت كَانَ، فهو خِرْوَعٌ). والآسُ: شجر معروف، كثير بأرض العرب، ينمو حَتَّى يكون شَجَرًَا عِظامًا. انظر: «تاج العروس» (١٥/ ٤٢٥). فائدة (١): لاتصح نسبةُ كتاب «المحاسن والأضداد» للجاحظ، انظر تحقيق ذلك في كتاب «منهج تحقيق نسبة النص النثري» د. محمد علي عطا (ص ٢٥٢ ــ ٢٦٠). فائدة (٢): في الجامعة الأردنية رسالة ماجستير لعمر ذياب أبو هنية، بعنوان: «موازنة بين كتاب المحاسن والأضداد للجاحظ وكتاب المحاسن والمساوئ للبيهقي ــ دراسة تحليلية ــ» تقع في (١٧٢ صفحة)، (١٤٢٩ هـ).
[ ٤٤ ]
إِنِّيْ أُحِيْلُكُمْ أَيُّهَا الْحَمَادَى عَلَى أَنْسَابِكُمْ فَهِيَ أَرْحَامٌ، وَعَلى دِيْنِكُمْ فَهُوَ عُرْوَةُ اعْتِصَامِ، وَعَلَى أَدَبِكُمْ وَمُرُؤْآتِكُمْ فَهِيَ قِوَامٌ، وَعَلَى خَصَائِصِكُمْ وَسِمَاتِكُمْ فَهِيَ شَرَفٌ وَذِمَامٌ. أَنْتُمْ أَبْنَاءُ عَمِّ قَرِيْبُوْنَ، رَحِمٌ مَاسَّةٌ، وَأَعْرَاضٌ مَحْفُوْظَةٌ، «الْقَرَابَةُ مَوْضِعُ الْثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عِنْدَ اللهِ، وَالْعِرْضُ مَحَلُّ الْمَدْحِ وَالْذَّمِّ عِنْدَ الْنَّاسِ» (^١)، فَحَافِظُوْا عَلَى سُمْعَتِكُمْ، وَقُوْمُوْا عَلَى الْمُرُوْءَةِ وَالْآدَابِ فِيْ خَطٍّ مُسْتَقِيْمٍ، كَاسْتِقَامَةِ قُلُوْبِكُمْ، فَاللهَ اللهَ آلَ الْحُمَيْدِيِّ بِخِلَالٍ وَخِصَالٍ، وَهِمَمٍ تَتَشَقَّقُ عَنْ فِعَالٍ، نُرِيْدُ بِنَاءَ مَآثِرَ، وَتَشْيِيْدَ أَمْجَادٍ وَمَحَامِدَ، نُرِيْدُ رُؤْيَةَ مَسَاعٍ مِنَ الْكِرَامِ إِلَى الْمَكَارِمِ، وَدَوَاعٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ إِلَى الْعَظَائِمِ، نُرِيْدُ عَزَائِمَ لَا تَعْرِفُ الْهَزَائِمَ، وَعِزَّةً وَكَرَامَةً، وَشِدَّةً فِيْ الْحِفَاظِ وَصَرَامَةً، اللهَ اللهَ أَيُّهَا الْحَمَادَىَ بِطَمُوْحٍ وَجَمُوْحٍ: طَمُوْحٌ إِلَى مَنَازِلِ الْعِزِّ، وَجَمُوْحٌ عَنْ مَوَاطِنِ الْذُّلِّ، نُرِيْدُ رُجُوْلَةً وَبُطُوْلَةً، وَأَصَالَةً وَفُحُوْلَةً، وَطَبْعًَا أَصِيْلًَا، وَرَأَيًَا جَلِيْلًَا، وَلِسَانًَا بِالْبَيَانِ بَلِيْلًَا، وَعَقْلًَا عَلَى الْحِكْمَةِ دَلِيْلًَا. (^٢)
_________________
(١) «آثار البشير الإبراهيمي» (٤/ ١٤٠).
(٢) اقتباس من «آثار الإبراهيمي» (٤/ ٢٦٨).
[ ٤٥ ]
قَالَتْ الْأَدِيْبَةُ جَدِيْلَةٌ: (يُوْصَفُ طَرِيْقُ الْمَجْدِ دَائِمًَا أَنَّهُ شَاقٌّ مَحْفُوْفٌ بِالْمَكَارِهِ، مَعَ أَنَّ طَرِيْقَ الْكَسَلِ وَالْتَّوَانِيْ أَشَدُّ شُقَّةً وَعَذَابًَا مِنْهُ لِكَنَّ مَكَارِهَ الْكَسَلِ مُؤَجَّلَةٌ، وَمَكَارِهَ الْمَجْدِ مُعَجَّلَةٌ فِيْ أَوَّلِهِ كِلَا الْطَّرِيْقَيْنِ يَغْشَى سَالِكُهُمَا الْكَبَدَ وَالْعَنَاءَ، لَا رَاحَةَ عَلَى أَرْضِ الْدُّنْيَا، فَاخْتَرْ أَيَّ عَنَاءٍ شِئْتَ). (^١)
قَاْلَ شَكِيْبْ أَرْسَلَانْ (ت ١٣٦٦ هـ) -﵀-: (وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْحَقَائِقِ الْعِلْمِيَّةِ الْثَّابِتَةِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ وَالْحُكَمَاءِ، كَمَا هِيَ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَ الْأُدَبَاءِ وَالْشُّعَرَاءِ: أَنَّ الْأَخْلَاقَ وَالْمُيُوْلَ وَالْنَّزَعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ تُتَوَارَثُ كَمَا تُتَوَارَثُ الْأَمْرَاضُ وَالْأَعْرَاضُ الْصِّحِّيَّةِ، وَالْدِّمَاءُ الْجَارِيَةِ فِيْ الْعُرُوْقِ، فَقَدْ كَانَ لَابُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَنْسَابِ حَتَّى يَسْعَى كُلُّ فَرِيْقٍ فَيْ إِصْلَاحِ نَوْعِهِ بِطَرِيْقِ الْتَّرْقِيَةِ وَالْتَّهْذِيْبِ، ضِمْنَ دَائِرَةِ الْدَّمَوِيَّةِ، بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهَا الْفِطْرِيِّ؛ لِأَنَّ الْاجْتِهَادِ فِيْ تَنْمِيَةِ الْقَرَائِحِ الْطَّبِيْعِيَّةِ وَالْمَوَاهِبِ الْلَّدُنِيَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُثْمِرَ ثَمَرَهُ فِيْ قَبِيْلٍ إِذَا جَاءَ مُعَاكِسًَا لِاسْتِعْدَادِهِ الْفِطْرِيِّ، وَهَذِهِ الْاسْتِعْدَادَاتُ
_________________
(١) جديلة jadelah ١٠@ (٨/ ٣/ ١٤٤٢ هـ).
[ ٤٦ ]
أَحْسَنُ دَلِيْلٍ عَلَيْهَا هُوَ عِلْمُ الْأَنْسَابِ). (^١)
وَهَذَا مَا يُقَالُ عَنْهُ: الْعِرْقُ دَسَّاسٌ = نَزَّاعٌ، وُيَسَمِّيْ بَعْضُهُمْ مِيْرَاثَ الْأَبْنَاءِ طَبَائِعَ الْأَجْدَادِ: قَانُوْنَ الْرَّجْعَةِ، أَوْ مُمَاثَلَةَ الْجُدُوْدِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعُوْدُ عَلَى صُوْرَةِ أَجْدَادِهِ الْأَوَّلِيْنَ كَمَا قَالَهُ كُرْدْ عَلِيِّ (ت ١٣٧٢ هـ) -﵀-، وَقَالَ أَيْضًَا: «وَقَلَّ أَنْ تَخَلَّفَتْ قَاعِدَةُ الْوِرَاثَةِ حَتَّى بَعْدَ قُرُوْنٍ طَوِيْلَةٍ». (^٢) وَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ تَخَلُّفَ طِبَاعِ الْفُرُوْعِ عَنِ الْأُصُوْلِ عَلَامَةَ هُجْنَةٍ وَدَخَنٍ. (^٣)
_________________
(١) «الأنساب» طُبعت ملحقًا بكتاب «الارتسامات اللطاف = الرحلة الحجازية» (ص ٤٠٧).
(٢) «أقوالنا وأفعالنا» (١٥٥ - ١٦١). وانظر في المعنى أيضًا: «جمهرة مقالات ورسائل الطاهر ابن عاشور» (٢/ ٥١٩).
(٣) انظر: «آثار البشير الإبراهيمي» (٣/ ٤١٠). فائدة: قَالَ الْشَّيْخُ العَلَّامَةُ: بَكْرُ أَبُوْ زَيْدٍ -﵀- في كِتَابِهِ «خَصَائِصُ جَزِيْرَةِ الْعَرَبِ» (ص ٩٣ - ٩٤): (وَإِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ مَحَا الْعَصَبِيَّةَ الْقَبَلِيَّةَ الْمَمْقُوْتَةَ، فَإِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى سَلَاسِلِ الْنَّسَبِ مَطْلُوْبَةٌ؛ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى نَقَاءِ الْنُّطَفِ وَأَنْسَابِهَا لَاْ تَعْنِيْ الْعَصَبِيَّةَ بِحَالٍ إِلَى أَنْ قَالَ: وَاعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ لَهُ آثَارٌ حِسَانٌ فِيْ الْتَّرْبِيَةِ، وَعِزَّةِ الْدَّارِ، وَقِوَامِ الْأَخْلَاقِ، وَمَنَاهِجِ الْشَّرَفِ ).
[ ٤٧ ]
وَالْعَرَبُ تَقُوْلُ: عِرْقُ الْسُّوْءِ يَنْجُثُ (^١) وَلَو بَعْدَ حِيْنٍ. أَيْ: يُسْتَخْرج مِنْهُ مَا هُوَ كَامِنٌ فِيْهِ. (^٢)
رُوِي عَن عُثْمَان بْنِ أَبِي العاص -﵁- أنه قَالَ: «النَّاكِحُ مُغْتَرِسٌ، فَلْيَنْظُرْ أَيْنَ يَضَعُ غَرْسَهُ، فَإِنَّ عِرْقَ الْسُّوْءِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْزِعَ وَلَوْ بَعْدَ حِيْنٍ». (^٣)
قَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيِّ لِبَنِيْهِ: «يَا بَنِيَّ، لَا يَغْلِبَنَّكُمْ جَمَالُ الْنِّسَاءِ عَنْ صَرَاحَةِ الْنَّسَبِ، فَإِنَّ الْمَنَاكِحَ الْكَرِيْمَةَ مَدْرَجَةٌ لِلْشَّرَفِ». (^٤)
إِذَنْ تُؤثِّرُ الْأَعْرَاقُ ــ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً ــ فِيْ الْأَحْفَادِ = الْوِرَاثَةِ، فَيَفْتَخِرُوْنَ بِحُسْنِهَا، وَيُهْجَوْنَ بِمَسَاوِئِهَا، وَيَتجَنَّبُهُمْ الْنَّاسُ لِأَجْلِهَا، لِذَا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْحَمَادَىَ ــ أَكْرَمَكُمُ اللهُ بِطَاعَتِهِ، وَرَفَعَ قَدْرَكُمْ ــ أَنْ تُحَافِظُوْا عَلَى الْأَعْرَاقِ الْطَّيِّبَةِ الَّتِيْ تَنِضُّ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْشِّيَمِ وجَمِيْلِ الْطَّبَائِعِ،
_________________
(١) النَّجَثُ: إبْرَازُ شَيْءٍ وَسَوْءَةٍ. «مقاييس اللغة» (٥/ ٤٠٠).
(٢) «جمهرة الأمثال» لأبي هلال العسكري (ت ٣٩٥ هـ) (١/ ١٨).
(٣) «الاستيعاب» لابن عبدالبر (٣/ ١٠٣٦)، «تاريخ الإسلام» للذهبي (٢/ ٥٢٣).
(٤) انظر: «المعمرون والوصايا» لأبي حاتم السجستاني (ص)، «جمهرة الأمثال» لأبي هلال العسكري (١/ ١٨)، «أدب الدنيا والدين» (ص ٢٥٣)، «بهجة المجالس» (٣/ ٣٥).
[ ٤٨ ]
وَأَنْ تُجَدِّدُوْا الْمَآثِرَ وَتُحْسِنُوْا، ثُمَّ تَعُوْدُوْا، ثُمَّ تَتَعَاهَدُوْهَا بِاسْتِمْرَارٍ؛ لِيَرِثَ أَحْفَادُكُمْ الْمَكَارِمَ وَالْسُّمْعَةَ الْطِّيِّبَةَ. (^١)
قَاْلَ شَكِيْبْ أَرْسَلَانْ (ت ١٣٦٦ هـ) -﵀-: (وَنَحْنُ لَوْ نَظَرْنَا إِلَى الْسَّبَبِ فِيْ حِفْظِ الْنَّسَبِ، لَا نَجِدْهُ مُنْحَصِرًَا فِيْ مَعْرِفَةِ الْتَّارِيْخِ، وَلَا فِيْ الْامْتِيَازَاتِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِيْ يَحُوْزُهَا أَصْحَابُ الْنَّسَبِ فِيْ الْعَادَةِ، وَلَكِنْ هُنَاكَ غَرَضٌ آَخَرَ مِنْ ذَا وَذَا، وَهُوَ: تَوَارُثُ الْأَخْلَاقِ الَّتِيْ تَهْتِفُ بِالْفَضَائِلِ وَالْأَفْعَالِ الْمَجِيْدَةِ الَّتِيْ تُزَكِّيْ الْأَنْفُسَ.
فَمِنَ الْمَعْلُوْمِ أَنَّ أَصْلَ الْبُيُوْتِ الْشَّرِيْفَةِ هُوَ أَنْ يَبْرُعَ أَحَدُ الْنَّاسِ عَلَى أَقْرَانِهِ، وَيَبُذَّ أَبْنَاءَ زَمَانِهِ بِطَبِيْعَةٍ مُمْتَازَةٍ فِيْهِ، قَدْ تَكُوْنُ أَسْبَابُهَا الْنَّفْسِيَّةِ مَجْهُوْلَةً، وَإِنَّمَا آثَارُهَا فِيْ أَفْعَالِهِ، فَيَمْتَازُ بَيْنَ قَوْمِهِ، وَتَحْصُلُ لَهُ رِئَاسَةٌ وَسُؤْدَدٌ، وَيَشِيْعُ ذِكْرُهُ، وَيَرْتَفِعُ شَأَنُهُ، وَتَتَمَنَّى الْحَامِلُ أَنْ تَلِدَ مِثْلَهُ، وَهَذَا يُقَالُ لَهُ: الْمَجْدُ الْطَّرِيْفُ.
_________________
(١) انظر: «الهوامل والشوامل» لمسكويه (ص ٢٣٣)، ومقال للدكتور الطبيب: حامد الغوابي بعنوان: «الإرث التناسلي بين الطب والإسلام» في «مجلة الرسالة» العدد (٩١٠).
[ ٤٩ ]
وَبَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَعْقَبَ نَسْلًَا، اجْتَهَدَ نَسْلُهُ أَنْ يَقْتَدُوْا بِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، حَتَّى يَمْتَازُوْا بِالْأَخْلَاقِ الَّتِيْ امْتَازَ بِهَا أَبُوْهُمْ، وَيَحُوْزُوْا مِثْلَ مَا حَازَ مِنَ الْشَّرَفِ وَالْسُّؤْدَدِ، وَتَعِبَ رَهْطُهُمْ فِيْ تَقْوِيَةِ هَذِهِ الْرُّوْحُ فِيْهِمْ؛ طَمَعًَا فِيْ اسْتِبْقَاءِ هَذِهِ الْغَرَائِزِ الَّتِيْ أَوْرَثَهُمْ إِيَّاهَا سَلَفُهُمْ، وَهِيَ الَّتِيْ تُغْرِيْهِمْ بِالْفَضَائِلِ، وَتُبْعِدُهُمْ عَنِ الْرَّذَائِلِ، وَتَرْتَفِعُ بِهِمْ عَنْ سَفَاسِفِ الْأُمُوْرِ، وَيُقَالُ لِهَذَا: الْمَجْدُ الْتَّلِيْدُ.
وَلِهَذَا كَانَ مِنْ الْعَادَةِ أَنَّهُ إِذَا أَقْدَمَ أَحَدُ أَبْنَاءِ الْبُيُوْتَاتِ الْكَرِيْمَةِ عَلَى عَمَلٍ خَسِيْسٍ، كَانَ أَوَّلَ مَا يُقَرِّعُهُ الْنَّاسُ، وَيُهَيِّبُوْنَ بِهِ إِلَى الْتَّوْبَةِ مِنْهُ، أَنْ يَقُوْلُوْا لَهُ: أَفَلَسْتَ أَنْتَ ابْنَ فُلَانٍ؟! أَوْ مِنْ آلِ فُلَانٍ؟! أَيَجْمُلُ بِكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا هُوَ كَذَا وَكَذَا؟!! فَمَا تَرَكْتَ لِلْسُّوْقَةِ وَالْطَّغَامِ؟! وَأَشْبَاهُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِيْ تَدُلُّ دِلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْأَصَالَةَ مَفْرُوْضٌ فِيْهَا أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْنَّبَالَةِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إِنَّ الْأَصِيْلَ فِيْ نَسَبِهِ يَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ فَاضِلًَا فِيْ عَمَلِهِ، بَارِعًَا بِأَدَبِهِ، وَمَا جَاءَ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يُعَدُّ شَاذًَّا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا هَذَا، تَقَرَّرَ أَنَّ حِفْظَ الْنَّسَبِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حِفْظِ الْفَضَائِلِ، وَإِمْتَاعِ الْمُجْتَمَعِ بِهَا، وَمَتَى كَثُرَتِ الْفَضَائِلُ فِيْ الْمُجْتَمَعِ؛ تَرَقَّتِ
[ ٥٠ ]
الْأُمَّةُ وَعَرَجَتْ فِيْ سُلَّمِ الْنَّجَاحِ، وَأَصْبَحَتْ أُمَّةً عَزِيْزَةً غَالِبَةً؛ لِأَنَّ الْأَخْلَاقَ الْفَاضِلَةَ هِيَ الْأَسَاسُ الَّتِيْ يُبْنَى عَلَيْهِ كَيْانُ الْأُمَمِ). (^١)
قَالَ الْبَشِيْرُ الْإِبْرَاهِيْمِيُّ الْجَزَائِرِيُّ (ت ١٣٨٥ هـ) -﵀-: (وَمَتَى شَعُرَ الْإِنْسَانُ الْصَّحِيْحُ الْفِطْرَةِ بِزَكَاءِ الْأَصْلِ وَطَهَارَةِ الْمَنْبَتِ؛ تَحَرَّكَتْ فِيْهِ نَوَازِعُ الْنَّخْوَةِ، وَهَاجَتْ بِهِ عُرُوْقُ الْأَصَالَةِ وَالْعِتْقِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَاعِيَةً لَهُ إِلَى الْعُزُوْفِ عَنِ الْدَّنَايَا، وَالْتَّعَلُّقِ بِأَسْبَابِ الْشَّرَفِ وَالْكَمَالِ، وُحُسْنِ الْتَأَسِّيْ فِيْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَبَعْضُ هَذَا هُوَ سِرُّ سُلُوْكِ الْمُرَبِّيْنَ لِلْأُمَمِ فِيْ إِشْرَابِهَا تَارِيْخَهَا، وَاسْتِنَارَتِهَا بِسِيَرِ أَمْجَادِهَا وَأَبْطْاَلِهَا ). (^٢)
إِنَّ عَرْضَ مَآثِرِ الْأَجْدَادِ الْطَّيِّبَةِ، وَنَقْلَ مَوَاقِفِهِمْ وَقَصَصِهِمْ؛ تَبْعَثُ عَلَى الْمُحَاكَاةِ، فَيَثْبُتَ الْخَيْرُ فِيْ الْأَبْنَاءِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، «وَالْنُّفُوْسُ تُؤْخَذُ بِالْاحْتِذَاءِ وَالْمُحَاكَاةِ أَكْثَرَ مِمَّا تُؤْخَذُ بِالْجِبِلَّةِ وَالْطَّبْعِ» (^٣) وَبِثَبَاتِهِ لَا يَحْتَاجُ
_________________
(١) «الأنساب» طُبعت ملحقًا بكتاب «الارتسامات اللطاف = الرحلة الحجازية» (ص ٤٢٧ - ٤٢٨).
(٢) «آثار البشير الإبراهيمي الجزائري» (١/ ٣٩٤).
(٣) اقتباس من «آثار البشير الإبراهيمي» (١/ ٢٨٥).
[ ٥١ ]
الْأَحْفَادُ إِلَى بَحْثٍ وَمُسَاءَلَةٍ عَنْ مَحَاسِنِ أَجْدَادِهِمْ، مَادَامَتْ مُوَثَّقَةً حَرْفًَا وَصَوْتًَا، فَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِبَانَتِهِ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ وَاعٍ فَيُطْرِقُ، وَيَرَى مُبْصِرُ فيُحْدِقُ مُسْتَبْشِرًَا، ثُمَّ يَرْتَعُ تَالِيًَا دَاعِيًَا مُسْتَحْفِظًَا.
قَالَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ (ت ٦٧ هـ) -﵀-: (لَا يَزَالُ الْعَرَبُ بِخَيْرٍ مَا تَذَاكرُوْا الْأَحْسَابَ وَأَحْيَوْهَا، وَأَخَذُوْا بِصَالِحِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ وَأَغْلَظُوْا وَلَمْ يَكُوْنُوْا فَوْضَى، وَتَعَايَرُوْا الْدَّنَاءَةَ، وَأَقَالُوْا الْأَحْيَاءَ، وَأَعْفَوْا الْأَمْوَاتَ، وَلَمْ يَعُدُّوا الْحِلْمَ ذُلًَّا). (^١)
قِيْلَ: لَا زِيْنَةَ أَحَسَنُ مِنْ زِيْنَةِ الْحَسَبِ، وَلَا حَسَبَ لِمَنْ لَا أَدَبَ لَهُ، (^٢)
وَلَا أَدَبَ لِمَنْ لَا مُرُوْءَةَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ مِمَّنْ لَا حَسَبَ لَهُ؛ بَلَغَ بِهِ أَدَبُه مَرَاتِبَ ذَوِيْ الْأَحَسَابِ. (^٣)
_________________
(١) «أنساب الأشراف» للبلاذري (١٢/ ٣٢٠).
(٢) وقالوا: لا حَسَبَ كحُسْنِ الخُلُق. «الأدب الصغير» لابن المقفع (ص ٨٩).
(٣) «المروءة» للمرزبان (ص ٥٩)، «موضح أوهام الجمع والتفريق» (٢/ ٣١٠)، وانظر: «روضة العقلاء» (ص ٢٣٢).
[ ٥٢ ]
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (ت ١١٠ هـ) -﵀- ضِمْنَ نَصِيْحَتِهِ لِلْخَلِيْفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيْزِ -رحمهما الله-: ( عَلَيْكَ بِذَوِي الْأَحْسَابِ، فَإنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَتَّقوا اسْتَحْيَوْا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْيَوْا تَكَرَّمُوْا).
عَلَّقَ أَبُوْحَيَّانَ الْتَّوْحِيْدِيُّ -﵀- بِقَوْلِهِ: صَدَقَ وَاللهِ الْحَسَنُ ــ وَكَانَ صَدُوْقًَا ــ وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ تَوَقَّى بِحَسَبِهِ مَا لَمْ يَتَوقَّهُ ذُوْ الْوَرَعِ بِوَرَعِهِ. (^١)
قَالَ الجَاحِظُ (ت ٢٥٥ هـ) -﵀-: (هَلْ الْمَجْدُ إلَّا كَرَمُ الْأَرُوْمَةِ وَالْحَسَبِ، وَبُعْدُ الْهِمَّةِ وكَثْرَةُ الأَدَبِ، وَالْثَّبَاتُ عَلَى الْعَهْدِ إِذَا زَلَّتْ الْأَقْدَامُ، وَتَوْكِيْدُ الْعَقْدِ إِذَا انْحَلَّتْ مَعَاقِدُ الْكِرَامِ، وَإِلَّا الْتَّوَاضُعُ عِنْدَ
_________________
(١) «البصائر والذخائر» (٢/ ٢٦)، «محاضرات الأدباء» (١/ ٦٩٥)، «ربيع الأبرار» (٥/ ١٦٣). هذا، وإن من محاسن هذه المناشط العلمية والإعلامية التي مَنَّ الله -﷿- بإيجادها في الحمادى بدءًا من (١٨/ شعبان/ ١٤٤١ هـ) أن تُلفت انتباه الحمادَى كُلِّهُم، خَاصَةً الناشئة إلى الحسَب والصِّيتِ الذي ورِثوه، ليحافظوا عليه، وليكون وازعًا عما يكدِّر هذه السمعة الحسنة المباركة.
[ ٥٣ ]
حُدُوْثِ الْنِّعْمَةِ، وَاحْتِمَالُ كُلِّ الْعَثْرَةِ، وَالْنَّفَاذُ فِيْ الْكِتَابَةِ، وَالْإِشْرَافُ عَلَى الْصِّنَاعَةِ.
وَالْكِتَابُ هُوَ الْقُطْبُ الِّذِيْ عَلَيْهِ مَدَارُ عِلْمِ مَافِيْ الْعَالَم وَآدَابِ الْمُلُوْكِ، وَتَلْخِيْصُ الْأَلْفَاظِ وَالْغَوْصُ عَلَى الْمَعَانِي الْسِّدَادِ ). (^١)
ذُكِرَتِ البُيوتَاتُ عِنْدَ الْخَلِيْفَةِ الأُمَوِيِّ: هِشَامِ بْنِ عَبْدِالمَلِكِ (ت ١٢٥ هـ) -﵀- فَقَالَ: الْبَيْتُ مَا كَانَ لَهُ سَالِفَةٌ، وَلَاحِقَةٌ، وَعِمَادُ حَالٍ، وَمَسَاكُ دَهْرٍ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ بَيْتٌ قَائِمٌ.
أَرَادَ بِالْسَّالِفَةِ مَا سَلَفَ مِنْ شَرَفِ الْآبَاءِ، وَالْلَّاحِقَةِ مَا لَحِقَ مِنْ شَرَفِ الْأَبْنَاءِ، وَبِعِمَادِ الْحَالِ: الْثَّرْوَةُ، وَبِمَسَاكِ الدَّهْرِ: الْجَاهُ عِنْدَ الْسُّلْطَانِ. (^٢)
فَالْحَسَبُ حَسَبُ الْنَّفْسِ، مَعَ الْاعْتِدَادِ بِحَسَبِ الْآبَاءِ، وَاحْتِسَابِهَا كَمَا سَبَقَ فِيْ قَوْلِ ابْنِ جَرِيْرِ الْطَّبَرِيِّ، وَلَا يَصِحُّ تَرْكُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، قَالَ عِزُّ الْدِّيْنِ الْأَزْدِيِّ الْمُهَلَّبِيُّ (ت ٦٤٤ هـ) -﵀-: (الْاقْتِصَارُ عَلَى مَآثِرِ
_________________
(١) «المودة والخلطة» = رسائله (٤/ ٢٠٤).
(٢) «الشكوى والعتاب» للثعالبي (ص ٢٥٠) رقم (٧٦٨)، «ربيع الأبرار» للزمخشري (٤/ ١٠)، «التذكرة الحمدونية» (٢/ ٢٨).
[ ٥٤ ]
الْجُدُوْدِ وَأَفْعَالِ الْآبَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهَا مِنْ أَفْعَالِ الْنَّفْسِ؛ نَقْصٌ، وَتَرْكُ مَآثِرِ الْآبَاءِ مِنْ غَيْرِ اعْتَدَادٍ بِهَا؛ جَهْلٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ فَضْلٌ ). (^١)
بِمَا سَبَقَ، وَغَيْرُهُ، حُقَّ لَنَا نَحْنُ الْحَمَادَى أَوَّلًَا، وَآلُ هُوَيْمِلٍ ثَانِيًَا، وَآلُ أَبِيْ رَبَّاعٍ (^٢) = «أُشَيْقِرْ» ثَالِثًَا، وَبَنُوْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ رَابِعًَا أَنْ نَفْرَحَ بِالْأَحْسَابِ وَالْمُنْجَزَاتِ، وَنَتَحَدَّثَ عَنْهَا كُلِّهَا حَامِدِيْنَ اللَّهَ -﷿-، شَاكِرِيْنَهُ مُثْنِيْنَ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، مُصَلِّيْنَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ.
ثُمَّ شَاكِرِيْنَ كُلَّ مَنْ قدَّم لِلْحَمَادَى خَيْرًَا مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْمُخَطَّطَاتِ وَالْأَعْمَالِ الْجَلِيْلَةِ الْصَّادِقَةِ الْصَّالِحَةِ الْمُثْمِرَةِ خَيْرًَا لِلْجَمِيْعِ، فَجَزَى اللهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ مَنْ قَدَّمَ لِلْحَمَادَى خَيْرًَا.
_________________
(١) «المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي» (٥/ ١٩٥).
(٢) آلُ أبي ربَّاع الذين خرجوا من بلدة «أشيقر» إلى «منطقة سدير» سنة (٨٠٠ هـ تقريبًا)، ويوجد أسماء مشابهة في مناطق أخرى من قبائل أخرى، وليسوا من بكر بن وائل.
[ ٥٥ ]