الإحساء
مدينة عظيمة وهي من أعظم المدائن، ذات أشجار وأنهار، لم يشاهد بغيرها، وأنهارها عيونًا تتفجر من بطنها، وأشجارها ونخيلها وفواكهها فلما تدرك بسواها قال بعض العارفين بها: إنها أحسن في ذاتها وصفاتها وعيونها وأشجارها وهوائها ونسائها من البصرة المشهورة ذات المد والجزر، وهي بلد لبني خالد أسمها البحرين والإحساء، ولكن الآن غلب أسم الإحساء على اسمها الأول.
وبنو خالد سكانها عن أب فأب، حتى فرق ملكهم الوهابي وملكهم بعدهم فلما ظهر الوزير العزيز من مصر وفرق شمل الوهابي ردها عليهم، كما كان سابقًا، وقدر ملك الوهابي لها أربعون سَنَة، ولها جملة بلدان لا تحصى بفعالها.
[ ١١ ]
منها مدينة، القطيف المعروفة، وهي بندر على ساحل البحر وأسمها يشمل من القطيف إلى الكويت الذي بقرب البصرة، وهي على ساحل البحر من مدائن وعربان راجع للإحساء.
فمنهم " العمائر " الذين إليهم المجد صائر والمثل بهم سائر إنهم جرثومة المجد وإكرام الناس خالًا وجد، وأيمنهم في الهبات مركوب المكرمات، وأقدم للقراع، وأكرم في الطباع، وأما عددهم أربعة آلاف سقماني، وسبعمائة فارس غير داني ومنهم " الماشير " المعروفون والكماة الموصوفون ذوو الوفاء في العهود والإنجاز للوعود، والصبر للأهوال اصطلاء الحرب السجال والكرم الباهر والجو الوافر، عددهم كماة ألف راجل وفرسانًا خمسمائة مناضل.
وفيهم " الصبح " الاماجد العاضمين على المكارم بالنواجذ، ذوو الحمية الذابة والشيم الشابة، أولو العزم والنجدة والحزم والمجد، يجيبون السؤال والداعي على القتال نيرانهم تشهد لهم بالكرم، وجيرانهم في أمنع حرم، جريين الجنان حيين اللسان، المحامد ألطف بهم، والهيجاء أعرف بهم، أما عددهم فألف وخمسمائة، وفرسانا ثلاثمائة معدودة للحماية.
ومنهم " العمور " ذوو الهبات الغمور، والطعن المشهور، والبحر الزاخر في الحرب، وفخر المفاخر لهم عند الطعن والضرب، أقرب للحبل من غير إلى جفن، وأبعد عن القوم من مصر إلى عدن، تحمل بهم المكرمات، وهم أهلها ويفعلون الطيبات ويحمدوا أنفسهم لهم فعلها. أما عددهم، سقمانًا فألفان وفرسانًا مائتان.
ومنهم " الجبور " ذوو البيت المعمور والفخر المذكور ذوو الجمع الثقيل والعدد القليل، والمقتدون بآبائهم المقتبس النور من بهائهم، عمدة الضائم له الدهر، والمنبغي العسر باليسر، أظرف من ركب الخيل، وأشرف من غشية الليل، هباتهم متزايدة، فأبن معن بن زائدة وكماتهم كالأسود يوم النزال، وعلاماتهم اشهر من بردق الخيال، أما عدد سقمانهم فألفان، وأما فرسانهم مائتان.
قال المؤلف: أنجز الله آماله وأرشد للدارين أعماله كل هؤلاء القبائل الماضي ذكرها والمشار في الطروس فخرها على اختلاف طبقاتهم وتشابه لغاتهم في قبضة الملك الأفخم والصنديد الأقدم سيد العرب ورئيسها وفريدها ونفيسها رب المواهب ومسديها ونجم الكتائب وهاديها عمدة أبناء الزمان وحجة القاطعة والبرهان، من غرب حيثه وشرق، وتلسن في الدياجي بدره وتالف الحائز قصبات السبق عن أقرانه، والفائز بالقدح المعلى عن ملوك زمانه، معذرة الدهر من ذنوبه، ومعذرة العاجز على استيفاء مطلوبه، ذو الغزوات المتواثرة، واليمانيات الباثرة، مستقى عداه بكؤوس النعاس، والمرتقى بعلاه رؤوس الرواس أحمد الناس سيرة وأنورهم بصيرة، وأكرمهم طباعًا وأطولهم إلى العلياء باعًا من لاذ الزمان بجلاله وتبرجت أمامه بجماله، أبن الاماجد الأنجبين والكماة الغالبين مؤتسبي المجد ومنتسببه، ومضر في الحرب وغاشيته، السويد والهمام، الفريد: " سعود بن عبد العزيز بن محمد السعود " بدر الله ثراه، فإنه ملك هذه الممالك هو وارثها عن أبيه وجده ذلك إلا أنهم مختلفون في نياتهم متفاوتون في عامر بائهم فأولهم، وهو الذي أسس هذه الطريقة، وأقام عزايمه في تمديدها على الحقيقة، وجعلها دعوى دينية لا دعوى دنيوية، ودعي أهل الأرض لمؤالفتها، وكفر من أبدى مخالفتها - هو محمد بن عبد الوهاب - فلما تبين بهذه الدعوى وكشف ما أسر من النجوى، حكم محمد بن سعود حتى أقام على تخته مده، وبعد العزيز أبنه، وقامت الأمور بأمره غاية القيام وخدمته الليالي كما شاء، ثم بعده ابنه سعود بن عبد العزيز.
أما محمد وعبد العزيز فطلبهم بذلك نشر الإسلام، وتبين شرائعه والإعلام وكفروا من أبي عن أطاعتهم، وقاتلوه بغاية استطاعتهم.
[ ١٢ ]
وأما سعود فعنده حقيقة إن الإسلام موجود في سائر المشارق والمغارب لكن لا يمكنه نفوذ أوامره في طلب الملك إلا بعد عودة إبائه، ففعل فعلهم في الدعوة التي هم أسسوها، وبعده أبنه عبد الله بن سعود الذي ختمت به دولتهم بقهر عزيز مصر، محمد علي باشا وجميع ملكهم ما عدا مائة سنة. وفي قول آخر ثمانون، والأصح أنه مائة، فسبحان من أوجد وأعدم، وتفرد بالبقاء الأدوم منشييء الملوك ومملكها ومنظرها ومهلكها ذو الحكمة البالغة والقدرة البارعة والأخذ الشديد لكل جبار عنيد، ذو المن والكرم، والعفو للعظم ومهلك عاد وأرم، كم أوجد وأفنى، وأغنى وأقفى، خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى فحتم على نفسه بالدوام، وعلى سائر خلقه بالفناء وجعلهم ما بينهم مختلفين إلا من رحم، ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك فسبحانه من عزيز لا يرام، ومنيع لا يضام ومقتدر لا يعجزه الانتقام قلله الحمد إلا وجد والبقاء السرمد.