إن قحطان بن هود ﵇ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇، وقد أجمعت العلماء على أنه نبي مرسل بعثه الله تعالى بعد نوح ﵇ بشيرًا ونذيرًا وأمينًا على وحيه ورسالته وهو الذي يقول فيه الشاعر القحطاني شعرًا:
أبونا نبي الله هود بن عابر فنحن بنو هود النبي المطهر
وذكروا أن هودًا ﵇ أوصى بنيه فقال لهم: أوصيكم بتقوى الله وطاعته؛ والإقرار بوحدانيته، وأحذركم الدنيا فإنها خداعة غير باقية لكم ولا أنتم باقون عليها، فاتقوا الله الذي إليه تحشرون. ولا يغرنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين. ثم أقبل على قومه يوصيهم بما وصى به بنيه ويعظهم بما حكى الله ﵎ عنه: (وإلى عاد أخاهم هودا) إلى آخر الآية فكان من ردهم عليه (يا هود ما جئتنا ببينة) إلى آخر الآية.
ثم إن قحطان بعد أبيه نزل اليمن وملكها، ويقال: إنه أول من لبس التاج وأول من سلم عليه بأبيت اللعن، وذكروا أن قحطان أوصى بنيه، وكان له من الولد: يعرب وجرهم وعمان وحضرموت والحارث كما ذكره البيهقي. وقيل كان له عشرة من الولد، فقال لهم: إنكم لم تجهلوا ما نزل بعاد دون غيرهم لما عتوا على ربهم، واتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله، وعصوا أمر نبيهم هود وهو أبوكم الذي علمكم الهدى وعرفكم سواء السبيل، وما بكم من نعمة فمن الله. وأوصيكم بذي الرحم خيرًا، وإياكم والحسد، فإنه داعية إلى القطيعة. وأخوكم يعرب خليفتي فيما بينكم، فأسمعوا له وأطيعوا، وأحفظوا وصيتي وأعملوا بها، وأثبتوا عليها. ثم إن يعرب بن قحطان حفظ وصية أبيه وثبت عليها وهو أعظم ملوك العرب على اليمن، وأول من حياه قومه بتحية الملك، قال ابن سعيد: هو الذي ملك بلاد اليمن وغلب عليها قوم عاد، وغلب العمالقة على الحجاز، وعاد بن قحطان على الحجر، وحضرموت بن قحطان على بلاد حضرموت، وعمان بن قحطان على بلاد عمان.
قال ابن حزم: ومن ولد الحارث بن قحطان الأسور وهم رهط حنظلة بن صفوان بن الرس، والرس ما بين نجران إلى اليمن، وحضرموت إلى اليمامة، ذكر في العبر. وذكروا أن العرب أول من تكلم بالعربية الواسعة، وأنطلق بأفصحها وأبلغها وأوجزها. والعربية منسوبة إليه مشتقة من أسمه، وهو الذي ذكره حسان بن ثابت الأنصاري ﵁ شعرًا في غير هذا.
[ ٣ ]
ثم إن يعرب بن قحطان جمع بنيه وأوصاهم فقال لهم يا بني: أحفظوا مني خصالا عشرًا تكن لكم ذكرًا وذخرًا، يا بني تعلموا العلم وتحلوا به، وأتركوا الحسد عنكم ولا تلتفتوا إليه، فإنه داعية إلى القطيعة فيما بينكم، وتجنبوا الشر وأهله، فإن الشر يجلب إليكم الأشرار. وأنصفوا الناس من أنفسكم لينصفوكم من أنفسهم. وإياكم والكبرياء، فإنها تبعد قلوب الناس عنكم، وعليكم بالتواضع؛ فإنه يقربكم من الناس ويحبيكم إليهم، واصفحوا عن المسيء؛ فإن الصفح عن المسيء يحسم العداوة ويزيد السؤدد، والسؤدد مع الفضل فضل وافر، والجاه الدخيل على أنفسكم جماله جمالكم، ولئن يسوء حال أحدكم خير له أن يسيء حال جاره، لا تفتقد الناس إلا المقتدى به، وانصروا الموالي فإنهم مواليكم في الحرب والسلم، وحقهم عليكم مثل حق أحدكم على سائركم، وإذا استشاركم أحد فأشيروا عليه بما تشيرون به على أنفسكم، فإنها أمانة ألقاها في أعناقكم؛ والأمانة كما تعلمون. وتمسكوا باصطناع الرجال؛ فإنه أجدى أن تسودوا بهم غيركم، وأحرى أن يزيدكم ذلك شرفًا وفخرًا إلى آخر الدهر.
وذكر أن يشجب بن يعرب ولى الملك بعد أبيه، وثبت على هذه الوصية دون غيره من سائر اخوته وعشيرته، فساد الجميع بثباته على الوصية وحفظه إياها. قال بعض النسابين: سألت عن اخوة بنو يعرب، فقيل العمالقة الأولى من ولد إرم ابن سام بن نوح، والفئة الأخرى الذين هم سكان مكة ونواحيها من ولد يعرب واخوتهم طسم وجديس والحي من جرهم وعاد الصغرى. فكان يشجب بن يعرب قد سادها ولاء من اخوته وسائر عشيرته. ثم إن يشجب بن يعرب بن قحطان وصى بنيه فقال لهم: يا بني إني لم أسد اخوتي وعشيرتي إلا بحفظ وصية أبي يعرب بن قحطان، وبعملي بها، وبثباتي عليها؛ وإن أبي يعرب بن قحطان لم يسد اخوته وعشيرته إلا بحفظ وصية أبيه، وإن قحطان لم يسد اخوته وعشيرته إلا بحفظ وصية أبيه هود ﵇ وحفظه إياها وعمله بها، فأقيموا على ما وجدتموني عليه فهو الذي شرفني. ثم قال كلاما شعرا ذكر فيه ابنه عبد شمس، وعبد شمس ابنه هو سبأ؛ لأنه أول من سبا السبي وأسر الأسارى وبنى مدينة سبأ وسد مأرب.
وقال صاحب التيجان: إنه غزا الأقطار؛ ويقال: إنه طاف فيما بين المشرق والمغرب، يضرب الأرض العاصية حتى فتحها. وبنى مدينة عين شمس بمصر وولي عليها ابنه بليون. وكان لسبأ عدة أولاد وأشهرهم حمير وكهلان اللذان منهما الأمتان العظيمتان، ومن بنيه مسروح ذكره في العقد الفريد؛ ومسروح هذا يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وعد ابن حزم في ولده زيدان وابنه نجران، وبه سميت بلد نجران، وزاد السهيلي، ومن ولده وائل ومالك وذكروا أن سبأ ثبت على وصية أبيه يشجب وحفظها وعمل بها، فساد إخوته وعشيرته. وكان ملك الجميع وعمادهم. ويقال إنه أغار على بابل بالخيل ففتحها، وأخذ إتاوتها وضرب بالخيل والرجال في الأرض وكان لا يذكر له بلد قصدها وفتحها، وطاف مشارق الأرض ومغاربها وبذلك سمي سبأ.
وقد ذكره ابن جرير في تفسيره: قال حدثنا أبو كريب أبو أسامة؛ حدثنا الحسن أبو الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن عروة بن مسيك القطيني ﵁ أنه قال: يا رسول الله أخبرنا عن سبأ أرض هي أم امرأة؟ قال ﷺ: " ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل من العرب، ولد له عشرة من الولد، فتيا من ستة، وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فمنهم كندة والأشعريون والأزد ومذحج وأنمار، فقال علماء النسب منهم محمد بن إسحاق؛ إسمة في الأصل عبد الشمس بن يشجب بن يعرب ابن قحطان وهو أول من بشر برسول الله ﷺ في زمانه المتقدم.