بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
صلّى الله على سيّدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم:
قال أبو محمّد علىّ بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الأندلسىّ.
الحمد لله مبيد كلّ القرون الأول، ومديل الدّول، خالق الخلق، باعث محمدﷺبدين الحقّ.
أما بعد، فإن الله ﷿ قال: ﴿إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾.
حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامى: حدثنا أحمد بن فتح: ناعبد الوهّاب ابن عيسى: ناأحمد بن محمد: ناأحمد بن عليّ: نامسلم بن الحجّاج:
نازهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعبيد الله بن سعيد؛ قالوا: حدّثنا يحيى، هو ابن سعيد القطّان، عن عبيد الله، هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطاب: ناسعيد بن أبى سعيد، هو المقبرىّ، عن أبيه، عن أبى هريرة:
قيل: يا رسول الله! من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم!» قالوا: ليس عن هذا نسألك! قال: «يوسف، نبىّ الله ابن نبىّ الله ابن خليل الله!». قالوا: ليس عن هذا نسألك! قال: «فعن معادن العرب تسألونى؟ خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا».
وإن كان الله تعالى قد حكم بأن الأكرم هو الأتقى، ولو أنّه ابن زنجيّة لغيّة، وأن العاصى والكافر محطوط الدرجة، ولو أنّه ابن نبيّين، فقد جعل تعارف الناس
[ ١ ]
بأنسابهم غرضا له تعالى فى خلقه إيّانا شعوبا وقبائل؛ فوجب بذلك أنّ علم النسب علم جليل رفيع، إذ به يكون التعارف. وقد جعل الله تعالى جزءا منه تعلّمه لا يسع أحدا جهله، وجعل تعالى جزءا يسيرا منه فضلا تعلمه، يكون من جهله ناقص الدرجة فى الفضل. وكلّ علم هذه صفته فهو علم فاضل، لا ينكر حقّه إلاّ جاهل أو معاند.
فأما الفرض من علم النسب، فهو أن يعلم المرء أنّ محمداﷺ- الذى بعثه الله تعالى إلى الجنّ والإنس بدين الإسلام، هو محمد بن عبد الله القرشى الهاشمىّ، الذى كان بمكة، ورحل منها إلى المدينة. فمن شكّ فى محمد -ﷺأهو قرشىّ، أم يمانى، أم تميمىّ، أم أعجمى، فهو كافر، غير عارف بدينه، إلاّ أن يعذر بشدّة ظلمة الجهل؛ ويلزمه أن يتعلم ذلك، ويلزم من صحبه تعليمه أيضا.
ومن الفرض فى علم النسب أن يعلم المرء أن الخلافة لا تجوز إلا فى ولد فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة؛ ولو وسع جهل هذا لأمكن ادّعاء الخلافة لمن لا تحلّ له؛ وهذا لا يجوز أصلا. وأن يعرف الإنسان أباه وأمّه، وكلّ من يلقاه بنسب فى رحم محرّمة، ليجتنب ما يحرم عليه من النكاح فيهم. وأن يعرف كل من يتصل به برحم توجب ميراثا، أو تلزمه صلة أو نفقة أو معاقدة أو حكما مّا، فمن جهل هذا فقد أضاع فرضا واجبا عليه، لازما له من دينه.
حدّثنا أبو محمد عبد الله بن ربيع التميمىّ قال: ناأبو بكر محمد بن معاوية القرشى الهاشمى: ناأبو عبد الله الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبى طالب، قال: حدثنى أبى: ناأبو ضمرة أنس بن عياض: ناعبد الملك بن
[ ٢ ]
عيسى الثّقفىّ، عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن أبى هريرة قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبّة فى الأهل، مثراة فى المال، منسأة فى الأجل، مرضاة للرب».
قال أبو محمد علىّ بن أحمد بن حزم: الحسن المذكور فى هذا الحديث، الذى رواه عنه محمد بن معاوية هذا، هو الحسن الأطروش الذى أسلم الدّيلم على يديه.
قال علىّ بن أحمد: وأما الذى تكون معرفته من النسب فضلا فى الجميع، وفرضا على الكفاية، نعنى على من يقوم به من الناس دون سائرهم، فمعرفة أسماء أمهات المؤمنين، المفترض حقّهن على جميع المسلمين، ونكاحهنّ على جميع المؤمنين حرام؛ ومعرفة أسماء أكابر الصحابة من المهاجرين والأنصاررضي الله عنهم-الذين حبّهم فرض. وقد صحّ
عن رسول الله ﷺ: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار!». فهم الذين أقام الله بهم الإسلام، وأظهر الدين بسعيهم. وكذلك صحّ أنه﵇أمر كل من ولى من أمور المسلمين شيئا أن يستوصى بالأنصار خيرا، وأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم.
قال علىّ: فإن لم نعرف أنساب الأنصار، لم نعرف إلى من نحسن ولا عمن نتجاوز؛ وهذا حرام. ومعرفة من يجب له حق فى الخمس من ذوى القربى؛ ومعرفة من تحرم عليهم الصدقة من آل محمد﵇ممن لا حق له فى الخمس، ولا تحرم عليه الصدقة. وكلّ ما ذكرنا، فهو جزء من علم النسب.
فوضح بما ذكرنا بطلان قول من قال إن علم النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضرّ،
[ ٣ ]
وصحّ أنّه بخلاف ما قال؛ وأنه علم ينفع وجهل يضرّ. وقد أقدم قوم فنسبوا هذا القول إلى رسول الله ﷺ.
قال علىّ: وهذا باطل ببرهانين: أحدهما: أنه لا يصح من جهة النقل أصلا؛ وما كان هكذا فحرام على كل ذى دين أن ينسبه إلى النبى ﷺ؛ خوف أن يتبوأ مقعده من النار، إذ تقوّل عليه ما لم يقل. والثانى: أنّ البرهان قد قام بما ذكرناه آنفا على أن علم النسب علم ينفع، وجهل يضرّ فى الدنيا والآخرة، ولا يحلّ لمسلم أن ينسب الباطل المتيقّن إلى رسول الله ﷺ؛ وهذا من أكبر الكبائر. وفي الفقهاء من يفرّق فى أخذ الجزية وفى الاسترقاق، بين العرب [وبين] العجم، ويفرّق بين حكم نصارى بنى تغلب، وبين حكم سائر أهل الكتاب فى الجزية وإضعاف الصدقة؛ فهؤلاء يتضاعف الفرض عندهم فى الحاجة إلى علم النسب. وقد قصّ الله تعالى علينا فى القرآن ولادات كثير من الأنبياء﵈وهذا علم نسب. وكان رسول اللهﷺيتكلم فى النسب
فقال: «نحن بنو النضر بن كنانة» وذكر أفخاذ الأنصاررضي الله عنهم-إذ فاضل بينهم. فقدم بنى النجّار، ثم بنى عبد الأشهل، ثمّ بنى الحارث بن الخزرج، ثمّ بنى ساعدة؛ ثمّ
قال﵇-: «وفى كلّ دور الأنصار خير». وذكر بنى تميم، وبنى عامر بن صعصعة وغطفان. وأخبر﵇أنّ مزينة، وجهينة، وأسلم، وغفارا، خير منهم يوم القيامة. وذكر بنى تميم وشدّتهم على الدّجّال. وأخبر﵇أن بنى العنبر بن عمرو بن تميم من ولد إسماعيل. ونسب الحبشة إلى أرفدة. ونادى قريشا بطنا بطنا، إذ أنزل الله عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وكلّ هذا علم نسب.
[ ٤ ]
قال على: وكل هذا يبطل ما روى عن بعض الفقهاء من كراهية الرفع فى النسب إلى الآباء من أهل الجاهليّة؛ لأنّ هؤلاء الذين ذكر النبىّ ﷺ آباء جاهليون.
وقد قال ﵇:
أنا النبىّ لا كذب@أنا ابن عبد المطّلب حدّثنا محمد بن سعيد بن نبات: ناعبد الله بن نصر: ناقاسم بن أصبغ:
نامحمد بن وضّاح: ناموسى بن معاوية: ناوكيع: ناهشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطّاب: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم».
وكان أبو بكر الصّدّيقرضي الله عنه-وأبو الجهم بن حذيفة العدوى، وجبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف، من أعلم الناس بالأنساب.
وكان عمر، وعثمان، وعلىّ، به علماء، ﵃. وإنما ذكرنا أبا بكر، وأبا الجهم بن حذيفة، وجبيرا قبلهم، لشدة رسوخهم فى العلم بجميع أنساب العرب. وقد أمر رسول الله ﷺ، حسان بن ثابت ﵁، أن يأخذ ما يحتاج إليه من علم نسب قريش عن أبى بكر الصدّيقرضي الله عنه-وهذا يكذب قول من نسب إلى رسول اللهﷺأن النسب علم لا ينفع، وجهل لا يضرّ؛ لأنّ هذا القول لا يصحّ، وكل ما ذكرنا صحيح مشهور منقول بالأسانيد الثابتة، يعلمها من له أقلّ علم بالحديث.
وما فرض عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالبرضي الله عنهم-الديوان، إذ فرضوه، إلاّ على القبائل؛ ولولا علمهم بالنسب، ما أمكنهم ذلك. فبطل كلّ قول خالف ما ذكرناه.
وكان سعيد بن المسيّب، وابنه محمد بن سعيد، والزّهرىّ، من أعلم الناس بالأنساب، فى جماعة من أهل الفضل والفقه والإمامة، كمحمد بن إدريس الشافعى، وأبى عبيد القاسم بن سلاّم، وغيرهما.
ومات بقرطبة سنة ٤٢٢ محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد الله بن مروان ابن عبد الله بن مسلمة بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان
[ ٥ ]
ابن الحكم الكاتب، وهو آخر من بقى من ولد مسلمة بن عبد الرحمن بن معاوية، المعروف بكليب، وإليه تنسب أرحى كليب التى على النهر بقبلى قرطبة؛ فورّثت أنا ماله محمّد بن عبد الملك بن عبد الرحمن [بن عبد الملك بن عبد الرحمن] ابن سعيد الخير بن عبد الرحمن بن معاوية. بالقعدد، ودفعته إليه، وقضيت له به؛ وما كان عند محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن هذا علم بأنه مستحق هذا المال، ولا كان له طمع فى أخذه؛ فلولا علمى بالنسب لضاع هذا المال، وأخذه غير أهله بغير حق! ومثل هذا كثير.
قال علىّ: فجمعنا فى كتابنا هذا تواشج أرحام قبائل العرب، وتفرّ بعضها من بعض، وذكرنا من أعيان كلّ قبيلة مقدارا يكون من وقف عليه خارجا من الجهل بالأنساب، ومشرفا على جمهرتها. وبالله تعالى التوفيق.
وبدأنا بولد عدنان، لأنهم الصريح من ولد إسماعيل الذّبيح بن إبراهيم الخليل رسول الله ﷺ، ولأن محمدا رسول الله ﷺ، سيد ولد آدم﵇من عدنان.
وابتدأنا من ولد عدنا بقريش لموضعه ﵇ منهم، وابتدأنا من قريش بالأقرب فالأقرب منه ﵇، ثمّ الأقرب فالأقرب من قريش. وابتدأنا من ولد قحطان بالأنصاررضي الله عنهم-لأنّهم أولى الناس بذلك، لتقديم الله تعالى إياهم فى الفضل، ولما أظهر الله ﷿ بأيديهم من الدين، فأوجب لهم بذلك حقّا على كل مسلم؛ ثمّ بالأقرب فالأقرب من الأنصار.
وبالله تعالى التوفيق، لا رب غيره. [ولا معبود سواه].
[ ٦ ]